مشاهدة النسخة كاملة : أسى الهجران ... للكاتبة الرائعه أنفاس قطر
كبرياء فارس
04-08-2009, 10:25 PM
أسى الهجران/ الجزء الأول
#أنفاس_قطر#
يومٌ خريفي بارد.. برودته الخافتة المرتعشة تسربت بحدة موحشة للروح قبل الجسد
إنها واشنطن دي سي.. أواخر شهر سبتمبر..شهر الخريف المرير
تقلبات الأجواء.. واصفرار الأشجار.. ووجع الغربة
وآه يا وجع الغربة.. ما أقساها على روحه الحرة المستنزفة شوقاً موجعاً لأرضه
لا شيء يستنزف الروح شيئاً فشيئاً كإحساس الغربة، هذا الإحساس الذي يبدأ بالتهام الروح حتى يحيلها رماداً
وتكون العودة للوطن هي كعودة العنقاء التي تقوم من رمادها حين يعبرها جسدٌ حيٌّ كما تقول الأسطورة
وهكذا هو الوطن!! هو الجسد الحيُّ الذي يعيد الروح لبقايا الرماد..
وهاهو الغريب المشتاق المعتصم بجَلَده ودفء ذكرياته وحرارة حنينه يقف في موقف الحافلات القريب من منزله وقفته المعتدّة بجسده الفارع الطول
يحكم إغلاق جاكيته الجلدي على صدره العريض ليصدَّ لسعات البرد في ساعات الصباح الباكر
الشمس لم تشرق بعد، ولكن هاهي تغازل الأفق..
"شمسهم الباهتة الهزيلة!!"
ينظر للأفق ( وهذي اسمها شمس.. خلهم يجون عندنا في الدوحة ويعرفون الشمس صدق.. آه يا شمس الدوحة.. ويا دفى الدوحة..جعلش بعد طوايف واشنطن وفوقها البيت الأبيض)
كان عنده سيارة.. ولكنه يفضل استخدام المواصلات العامة في مشوار الجامعة ذهابا وإيابا..
وصلت الحافلة في موعدها
يركب بخطواته الثقيلة الواثقة المعتادة.. يلقي التحية على "ستيفن" سائق الحافلة الزنجي المرح الذي ربط بينهما ودٌّ إنسانيٌّ عمره خمس سنوات منذ سكن في كولومبيا ديسكيرت ودرس في جامعة جورج تاون القريبة..
وهكذا الألفة البشرية تعقد أواصرها بين البشر.. لمجرد كونهم بشر
بالمعنى الحقيقي للبشر!!
لأن هناك بشراً قد لا يكون لهم من البشرية إلاَّ اسمها!!
كان من الممكن أن يلاقي سكناً ملاصقاً للجامعة ولكنه أراد سكناً يكون ملاصقا لمسجد (كافي علي غربة الجسد.. خل قربي من بيت الله يسكن روحي)
بعد إلقاء التحية.. اتخذ مكانه في الحافلة الفارغة تماماً من الركاب في هذا الوقت..
اعتاد الخروج مبكراً حتى يستغل الوقت بالبقاء لأطول وقت في المكتبة لانجاز أطروحته للدكتوراه في إدارة الأعمال.. تبقى عليه هذا العام فقط..
وما أطوله عليه من عام!!!.. رغم أنه كان يضغط على نفسه كثيرا للانتهاء في أسرع وقت..
(أوووف.. لو أني في بريطانيا كان خلصت من زمان)
كما هو معروف: نظام الدراسة في أمريكا أسهل في الماجستير وأصعب في الدكتوراه.
وبريطانيا هي العكس أصعب في الماجستير وأسهل في الدكتوراه
من الممكن للدارس أن ينهي دراسة الدكتوراه في بريطانيا في سنتين فقط لو كان بنظام الفول تايم.. والماجستير سنة واحدة بنفس النظام الفول تايم Full Time
أما أمريكا فهو محتاج لخمس سنوات أو أربع على أقل تقدير في الدكتوراه وذلك في حال نحر نفسه تعبا وضغطا .. بينما الماجستير: ثمانية أشهر في أمريكا تكفيه..
جالسٌ مستغرقٌ في التفكير (الله يلعنهم البريطانيين.. الأنذال.. الباردين) وذاكرته تعود ل12 عاما مضت، وتستعيد السبب الذي حرمه من الدراسة في بريطانيا وإنهاء دراسته بسرعة ليعود إلى صحرائه الغالية... فهذه الغربة أصبحت شديدة الوطأة على روحه البدوية الوثابة..
حين تكون معتادا على صمت الصحراء وعمقها واتساع أفقها.. وجلافة أهلها وشهامتهم حتى وإن تحولت الأرض في اتجاه المدنية ولكن نبضها يبقى صحراويا وروحها تبقى صحراوية وأهلها معتصمون بأخلاقيات الصحراء
ثم تجد نفسك محشورا بين ناطحات السحاب.. وعوادم السيارات.. وانعدام النخوة.. حينها تشعر أن روحك تهوي تحت المقصلة.. وأنك تتمدد على السندان في انتظار المطرقة التي لا تعلم متى ستأتي..
عودة لبريطانيا..كان حينها في السابعة عشرة
اعتاد هو وأبناء عمه محمد :راكان الأكبر منه بسنة، وناصر الأصغر منه بسنة: الذهاب كل صيف لمدينة كامبردج شمال شرق لندن لدراسة اللغة الانجليزية
كان يوجد شباب انجليز.. دائما يتحرشون بهم يريدون التعارك معهم..
وكان العراك دائما بسيطا.. وأحيانا لا يتجاوز مجرد التلاسن بالكلمات..
في ذلك اليوم كان لوحده، وأولاد عمه ناصر وراكان كانوا في لندن عند والدهما
رآهم يتحرشون ببنات عربيات، وهم تحرشوا فيهن قصدا
كانوا يريدون أن يستفردوا به ويضربوه لأنهم رأوه وحيدا
لم يحتمل..ثارت حميته وثار دمه الحار
وللإناث دائما في ثقافة الشهامة العربية هذا القدر الثمين البهي!!
حصل عراك كبير كان فيه هو المنتصر.. والشابان البريطانيان كانت إصاباتهما كسور مختلفة.
في ذلك الحين: حمد ربه أن ناصر وراكان لم يكونا متواجدين
وخصوصا راكان الهادئ العميق الذي كان أكثرهم حِلما.. لكنه ينطبق عليه وصف (احذر الحليم إذا غضب) لأنه إذا اُستثير وضرب فهو لا يرحم من يلقيه القدر أمامه وخصوصا مع ضخامة جسده التي تتجاوزهم جميعا
السفير القطري استطاع إنهاء الموضوع
وآباء الشبان الذين كانوا من النبلاء البريطانيين عرفوا أن أبنائهم هم المخطئون فقبلوا اعتذار السفارة
لكن اسكوتلانديارد (الشرطة البريطانية) وجهت له تحذيرا مهذبا: إنه غير مرحب فيه في بريطانيا.. اعتقد وقتها أن التحذير غير مقصود
وهو فعلا لم يعد لبريطانيا لأنه انشغل في دراسته الجامعية..
لكن بعد الحادثة إياها بأربع سنوات..
كان جده الأثير الغالي كبير العائلة في مرضه الأخير في لندن
كان أبوه وعمه عنده.. لكنه لما أحس بدنو أجله.. أرسل في طلب أحفاده الشباب الخمسة كلهم حتى أصغرهم فارس اليتيم الذي كان وقتها في ال18 من عمره..
حطوا في مطار هيثرو.. وجميعهم أنجزوا إجراءاتهم بسرعة إلا هو.. حجزوه لليوم التالي وهو لا يعرف السبب.. وبعدها صارحوه: "احنا مو قلنا لك إنك غير مرحب فيك هنا"
ثم سمحوا له بالخروج بعد تدخل السفارة للمرة الثانية
عاد بعدها بأيام على نفس الطائرة مع جثمان جده
وهو يعد نفسه أنه لن يعود لهذه البلد التي أهانته.. وكسرت عنفوان جده وهيبته
ليعود ذلك الرجل القوي الصلب من تلك البلاد الباردة جسدا باردا في صندوق بارد!!
جده الذي صنع منهم كلهم نماذج مصغرة له
نماذج تختلف في شخصياتها وأشكالها ولكنه أورثهم جميعا صفتين إحداها خَلقية والأخرى خُلقية:
الطول الفارع، والاعتداد البالغ بالنفس.
" ميشيل.. ميشيل"
انتزعه من ذكرياته التي تطوف به أرجاء الدوحة التي يغتاله شوقه لها وحنينه لأهله فيها.. صوتها الهامس الضعيف
ابتسم وهو يراها تجلس مقابلة له بضعفها البادي وشعيراتها البيضاء المتناثرة حول وجهها الغارق في التجاعيد
وهمس لها بانجليزية سليمة بلكنة أميركية واثقة : صباح الخير جانيت.. إنها المرة المليون التي أقول لك اسمي مشعل.. واكره اسم ميشيل هذا
ابتسمت: أوه ميشيل.. اسمك صعب.. هل ستعاتب سيدة جميلة مثلي حين تخطئ في اسمك كل مرة.. ألا تخجل؟!
مشعل بابتسامة: لا لا أخجل.. سأبقى أقولها حتى تتقني نطق حرف العين..
نظر مشعل لجانيت بحنان إنساني شاسع..
يشعر نحو هذه العجوز بحنان بالغ.. رغم سنوات عمرها التي قاربت السبعين إلا أنها مازالت تعمل في أحد مصانع النسيج في ضواحي كولومبيا ديسكيرت
لا أنيس لها.. بعد أن تركها أبنائها وتفرقوا في أنحاء الولايات المتحدة الأميركية ونسوا أن لهم أم
اعتادت تبادل أطراف الحديث مع مشعل بعد أن تركب في المحطة التالية له.. وتنزله في الجامعة.. لتكمل هي طريقها للضواحي..
ابتسم مشعل وأكمل بلغته: فديت العجايز ياجانيت عشان عجوزن في الدوحة..
ابتسمت جانيت وهي تهزُّ رأسها بعدم فهم: أكرهك حين تتكلم بلغتك.. أشعر أنك تسخر مني.. ثم أردفت بابتسامة مرحة: هل تسخر مني أيها الوسيم؟؟
ضحك مشعل: أ هذا يعني أنني لست مرعبا..كمصارعٍ مكسيكي..؟؟
ضحكت جانيت وهي تستعيد ذكرى لقائهم الأول، حينها ارتعبت من طوله الفارع ولأن شكله يشبه شكل من يسمونهم (اللاتينيين) اعتقدت أنه مصارع مكسيكي
أجابت: اعتدت على شكلك وأحببته حتى أقنعت نفسي بوسامتك..
لم يكن مشعل وسيما بالمعنى المعروف للوسامة ولا حتى بأي صورة.. ولكن ملامحه السمراء الحادة كانت محددة برجولة هادرة بالغة الجاذبية..
عاد مشعل للابتسام وهو يغير الموضوع ويقول: هل قرأتِ الكتاب الذي أعطيتكِ إياه المرة الماضية؟؟
ابتسمت جانيت وقالت: أعرف أن دينكم حق.. والكتب التي ملئت منزلي والتي تحضرها أنت لي تثبت لي ذلك.. ودينكم يقول: أنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.. لا تستعجلني.. فأنا كاثوليكية مؤمنة.
ضحك مشعل: يعني مطوعة المسيحيين؟؟
جانيت تضحك: هأنت تعود لإحراجي بكلامك الذي لا أفهمه.. اقتربت جامعتك قم لتنزل... ثم أكملت وهي تخرج نقود من حقيبتها: وأريدك يا بني لو استطعت أن تسدد هاتفي
مشعل بغضب وهو يستعد للنزول: أعيدي نقودكِ لحقيبتكِ، سأسدد هاتفكِ بعد أن أخرج من الكلية
جانيت بحرج: لكن!!
قاطعها نزول مشعل وهو يلوح لها بيده
وينزل ليعبر بوابة جامعة جورج تاون الضخمة العريقة
جامعة جورج تاون تقع في كولومبيا ديسكيرت بالقرب من أخطر مكانين في العالم: البيت الأبيض (مقر الرئيس الأمريكي) والبنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية)
حين أُنشئت في القرن الثامن عشر الميلادي كانت جامعة كهنوتية كنسية
ولكنها اليوم من أكثر الجامعات انفتاحاً دينياً رغم تقاليدها الكنسية المتوارثة
بها طلاب من جميع الأديان، بل هي أول جامعة أميركية تعين إماماً مسلماً ليؤم الطلبة المسلمين فيها
وبها مركز للدراسات العربية المعاصرة هو الأضخم في أمريكا، وبها قسم لتدريس اللغة العربية هو الأفضل من بين كل الجامعات الأميركية
اشتهرت بتخصصين على كل مستوى العالم: السياسة، والاقتصاد
أشهر السياسيين الأميركيين أمَّا تخرجوا منها وأمَّا مازالوا أساتذة فيها
منهم على سبيل المثال "بيل كلينتون" الذي تخرج منها
و"مادلين أولبرايت" و "جورج تينت" اللذان مازالا يدَّرسان فيها
وأساتذتها يشكلون دائما خياراً متاحاً ممتازاً لأيِّ منصبٍ حكوميٍّ أميركيٍّ فارغ.
أمَّا الطريف بالنسبة لهذه الجامعة أنها منعت النساء/ الطالبات من الدراسة فيها حتى منتصف القرن العشرين..
حتى لا يتشدقوا علينا ويتهموننا نحن العرب بالتحجر!!!
وصل مشعل للمكتبة الرئيسية في الجامعة: مكتبة جوزيف مارك لوينجر (سُميت بهذا الاسم تخليدا لأحد ضحايا حرب فيتنام) ، كانت المكتبة تحتل مبنى حجريا ضخما مستقلا في الناحية الغربية من الجامعة
مازال الوقت مبكراً جداً.. لا يوجد سوى موظف الأمن الذي اعتاد على رؤية مشعل في هذا الوقت.
اختار زاويته المفضلة، وأخرج أوراقه وحاسوبه المحمول، وسرعان ما استغرق في العمل
بعد حوالي 40 دقيقة.. همسات عند أذنه: مشعل.. مشعل
ألتفت للصوت الذي عرفه وابتسم وهو يقول بهمس مرحب بصوت خافت جدا احتراما لتقاليد المكتبة : هلا سعيد.. ياحياك الله يارجّال..
سعيد بابتسامة وهو يسحب مقعداً ويجلس بجوار مشعل ويميل لأذنه ويقول بهمس: أنت داري أني مواصل ما بعد رقدت.. جاي أدور لك..3 أيام ماشفتك.. حرام عليك يا أخي!! ارحم نفسك شوي ترا عمرك 29 سنة يعني مهوب 50 عشان تستقتل على المخلاص.
مشعل بملل حزين: تعبت يا أخيك من ذا الديرة ما أبغي إلاَّ الفكة وديرتي، أنت داري أن موسم القنص خلاص بدأ.. وأنا قاعد هنا مقابل ذا الوجيه الودرة.
سعيد (بعيارة): حد يعيف أمريكا، صدق إنك بدوي طرت وإلا وقعت
يعني دكتوراة وتفوق ولغة وأمريكا..ومع كذا ماتبي غير برانك وأبلك وطيرك
مشعل بابتسامة ترنو للبعيد: جعل طيري بعدهم!!
سعيد كمن تذكر شيئا.. همس لمشعل كمن يخبره سرا: فيه بنية قطرية توها واصلة من كم أسبوع سجلت معنا في الجامعة ماجستير
مشعل ينظر لسعيد نظرة غضب: تهبى أنت وجهك وأنا مشعل بن عبدالله بن مشعل آل فارس الــ ..من متى وأنا أدور علوم النسوان؟؟
سعيد يكتم ضحكته: يا أخي حد طلب منك البطاقة الشخصية؟!!
وبعدين على ويش مستحمق؟؟ وش فيك مهوب فيني؟؟.. تراني أنا وياك من نفس القبيلة يا ولد آل فارس
مشعل بغضب مكتوم: فيك إن ذا الديرة علمتك قل السنع
سعيد يبتسم: أنا ما أدري بصراحة مخك وين راح.. أنا بس كنت أبي أقول لك عن ذا البنية.. لأنها بصراحة غريبة
مشعل بعدم اهتمام: ليه يعني تطيح الطير من السما؟؟
سعيد بنبرة اهتمام: بالعكس عادية جدا.. لكن فيها شيئين غريبين:
الشيء الأول تعرف أنه البنات أول ما يجون هنا خايفين ويبون حد يساعدهم الشباب في نادي الطلاب القطريين اتصلوا فيها يبون يشوفون هي تبي مساعدة، بس هي رفضت، وقالت أعرف أصرّف روحي
الشيء الثاني: لبسها: يعني البنات هنا في الجامعة اللي بتذبح روحها بالستر، بتلبس جلباب وحجاب ويكون لونه فاتح، لكنها هي يالله تشوف حدود وجهها من كثر ماهي شادة حجابها على وجهها ولابسة عباة سوداء
مشعل وهو يريد إنهاء الحوار: الله يستر عليها وش نبي ..
قاطعه سعيد يضحك بخفوت: لا واسمها هيا بعد.. اسم عجوز
غصباً عنه: وجد مشعل نفسه يبتسم واسم (هيا) يداعب أذنه كموسيقى عذبة.. يا الله كم يحب هذا الاسم الذي يسكن حناياه!!
ويتسرب إلى عمق روحه.. اسم يشده إلى جذوره.. وعبق وطنه
رائحة جدائلها العتيقة العطرة العذبة تتسرب إلى خياشيمه كسحرٍ أبديٍّ حين كان يلتف بجديلتها الطويلة ويستكين في حضنها الدافئ.. و.........
ولكنه انتزع نفسه من أفكاره وهو يقول لسعيد: سعيدان جعل السلال يضرب بطنك أنت جاي تشوفني؟ وإلا تهل لي شريطك مثل النسوان؟..أنت منت بشايفني رجّال قدامك؟!
سعيد يضحك بصوت عالي لفت انتباه رواد المكتبة القلائل: أنا أبي أدري وش أنا أحب فيك.. شايف حالك.. يعني عشان الله معطيكم أنت وعيال عمك شوي طول، شايفين حالكم على العالم........ وأكمل بنبرة حزن مصطنعة: لنا الله احنا القصار
مشعل يبتسم ويقول بجدية لا تتناسب مع ابتسامته: الرجّال اللي مرجلته في طوله وإلا عرضه مهوب رجّال..وأنا وعيال عمي رياجيل حتى لو كنا أشبار القاع.. ثم أكمل بنبرة اهتمام: إلا عيال عمي وش دخلهم في السالفة؟؟
سعيد بلؤم وهو يريد إغاظة مشعل لأنه يعلم تولع مشعل بأبناء عمومته: كذا طروا على بالي، بصراحة كلهم كلهم مشعل وراكان وناصر وفارس شايفين حالهم، على شنو ما أدري، وخصوصا سميك مشعل ما ينبلع، راسم روحه زيادة عن اللزوم.. ثم أكمل بلؤم أكبر مقصود: إلاَّ مرته وش اسمها؟؟
لأنه يعلم أن زوجة مشعل بن محمد هي شقيقة مشعل بن عبدالله الكبرى
مشعل بغضب هادر وهو يهمس ويصرُّ على أسنانه: والله لو أني ما ني بداري أنك تضحك، وإلاّ والله ما أخليك تطلع من ذا المكتبة على أرجيلك
سعيد بطريقته المرحة المعبرة عن طيبة قلبه والتي يعرفها مشعل جيدا وهو يحرك أصابعه ويرف برموشه بسرعة بطريقة أنثوية وهو يهمس بدلالٍ تمثيليٍّ مصطنع: وس فيك أنته عسبي جذيه؟؟ ترا عاتي لو تبي أقول لك أسماء خواتي الست قلت لك.. يمكن يعجبك اسم وحده فيهم وتريحنا منها..
غصبا عنه: ابتسم مشعل لا يستطيع أن يغضب من سعيد الذي يشكل نسيماً عليلاً يهب على روحه في هذه الأرض فهما يشكلان غصنان لذات الأرض، ذات القبيلة ، ذات اللهجة
رابطٌ يربطه بهناك.. حتى لا يجن من هنا!!
ابتسم وتفكيره يأخذه إلى شقيقاته الأربع.. أميراته الأثيرات الثمينات
مستعدٌ هو أن يمزق بأسنانه وبدون أدنى رحمة من يدوس على طرف ظل واحدة منهن!
مجرد ظلها!!
أو حتى يقترب من حدود مضايقتها!!
حتى المتزوجات منهن مازال يشعر أنه المسؤول الأول عنهن، رغم وجود والده وأزواجهن..
#أنفاس_قطر#
أسى الهجران/ الجزء الثاني
#أنفاس_قطر#
في نفس الوقت.. ولكن على بعد آلاف آلاف الكيلومترات
الدوحة.. الوقت بعد المغرب بتوقيتها
بيت عبدالله بن مشعل
غرفة مشاعل ابنته الثالثة تحديدا..
كانت تقف مرتعشة تحتضن نفسها بضعف، وتمنع دموعا وشيكة من الانهمار، اقتربت منها شقيقتها الكبرى ووضعت كفها على كتفها وهي تهمس لها بحنان: مشاعل ياقلبي.. أنا الحين أبي أعرف وش اللي مزعلش في موعد العرس؟؟
ابتعدت مشاعل عن مدى كفها الناعمة الحنونة وهي تقول بغيظ تغرغر بالبكاء: يعني عشانه حماش بتبدينه على أختش؟!!
تراجعت الأخت الكبرى وهي تشهق بعنف: وش ذا الخرابيط اللي أنتي تقولينها؟؟
ثم تماسكت وهي تقول بهدوء: يعني أنتي متملكة صار لش كم شهر، وما أعتقد أن حد جبرش على ناصر، أنتي اللي وافقتي باختيارش.. وماعقب الملكة إلا العرس.. يعني ليش مسوية ذا السالفة كلها؟
مشاعل وهي تمسح دموعها التي انهمرت لتكتسح خديها الحمرواين لسبب هي من يعرفه.. الاحمرار الذي غشا وجهها منذ أخبرتها شقيقتها بموعد زواجها الذي تقرر بعد ثلاثة أشهر في بداية يناير: لطيفة.. أنا ماقلت أني ما أبي ناصر بس عرس بس بدون وجود أخي مشعل مستحيل..
ابتسمت لطيفة لذكر مشعل.. الاسم الذي يدفع أقصى درجات السعادة في قلب أي واحدة منهن: فديت الطاري
ثم أكملت بجدية: يعني السالفة كذا بس؟؟ ناصر ماحدد الموعد إلا عقب ما أتفق مع مشعل.. مشعل بيكون هنا من 20/12.. قبل إجازة الكريسمس عندهم.. وبيقعد عندنا أكثر من شهر
لم تحتمل مشاعل بعد ذلك
انهارت باكية بعنف على سريرها وهي تغالب شهقاتها حتى لا يسمع صوت بكائها العالي أحد خارج الحجرة..وخصوصا تلك الصغيرة (وكالة الأنباء) التي لا تفتأ تداهم أي خلوة كشبح لا يُعلم من أي زاوية خرج.. شقيقتهن الصغرى ذات السنوات الإحدى عشرة :ريم
لطيفة صُعقت من بكائها وهي تسرع الخطى لسريرها وتجلس جوارها وهي تمسح على ظهرها برقة وتقول بحنان مختلط بالجدية: مشاعل قوم كلميني، السالفة مهيب موعد عرس وبس.. قومي قولي لي وش فيش؟؟
************************
عودة لجامعة جورج تاون في واشنطن دي سي.. لكن في مكان آخر من أنحاء الجامعة الشاسعة
على كرسي حجري أمام كلية الاقتصاد..
كانت تجلس بهدوء.. تضع كتابها على فخذها وحقيبتها إلى جوارها غير مبالية بنظرات الاستغراب أو حتى الاحتقار لشكلها وللبسها: عباءتها السوداء المغلقة الفضفاضة، حجابها الأسود الذي ينخفض إلى حدود حاجبيها ويرتفع إلى منتصف ذقنها..
كانت ملامحها الرقيقة/الحادة تتمدد بنعومة/بقوة على صفحة وجهها ببشرته الصافية الخالية من أي مساحيق..
قد لا تبدو جميلة لمن يراها لأول مرة دون أن يدقق في ملامحها
ولكن النظرة الثانية ستكشف للرائي حتما سرا ما يختفي خلف هذا الوجه الآسر.. الآسر لسبب مجهول يجعله يتغلغل في عمق روحك ليستولي عليك
رن هاتفها المحمول.. تناولته ونظرت للشاشة.. عقدت حاجبيها: (بدون رقم)
ردت بهدوء: هالو
...........
بفرح غامر: باكي يالخايسة.. وينج؟؟ لي أيام أتصل فيج.. على طول مغلق
...........
باستغراب: قاعدة قدام كليتي.. أنطر المحاضرة بعد نص ساعة
...............
بحزن: يعني أسبوعين ماسمعت صوتج.. وعقب تبين تسكرين بسرعة
..............
خلاص مع السلامة.. سلمي على الأهل
أعادت محمولها في الحقيبة.. وفتحت الكتاب لتبعد تفكيرها عن إحساسها بالوحشة
هل كُتب عليها أن تعيش حياتها كلها في خوف مرعب من الوحشة والوحدة؟؟
الوحدة كابوسها المرعب، الذي تهرب منه لتجده يتسلل إليها بأذرعه العنكبوتية ويحيط بها حتى يتخلل جسدها وروحها ويعتصرهما بوحشية
*******************
عودة لمنزل عبدالله بن مشعل.. وغرفة مشاعل المنهارة بكاءً غير مفهوم
لطيفة بدئت لهجتها تتغير للغضب وهي تحاول تهدئة مشاعل ومعرفة سبب انهيارها: مشاعل قومي كلميني وإلا والله العظيم لأتصل بمشعل أخليه يتفاهم معش
مشاعل حين سمعت اسم مشعل قفزت كالملسوعة وهي تمسح دموعها وتتماسك: لا.. لا ..تكفين.. كله ولا مشعل.. لا تكدرين عليه.
لطيفة وهي تصر على أسنانها: زين قولي لي وش فيش؟؟
مشاعل اعتدلت جالسة وهي تخفض عينيها وتفرك أناملها وتقول بخجل بالغ: خايفة ومستحية.. إذا مشعل أذوب من الخجل في وجوده وهو أخي اللي أغلى من عيوني.. أشلون تبون تسكرون الباب علي مع رجّال غريب
حينها انفجرت لطيفة ضاحكة بعذوبة: والله العظيم ناصر مايعض.. وش حليله؟؟ وبعدها أكملت لطيفة وهي تتماسك: زين السحا ما يستدعي الخوف يعني.. عشان تخافين
مشاعل بهمس مؤلم وكأنها تنظر لخيال غير مرئي خلف شقيقتها: خايفة من الزواج نفسه.. يعني فيه تجربتين قدامي ما تشجع صراحة
لطيفة برعب داخلي (ماذا تحاول هذه الصغيرة أن تفعل؟؟
هل تحاول تسلق روحي لتطل في خباياي؟!
هل تحاول التطاول على أسواري التي تعبت في التمترس خلفها؟!
هل تحاول النظر خلف صورتي اللامعة التي أرهقني تنميقها؟؟)
لم تكن تريد أن تسأل عن شيء تعرف هي جوابه، ولكنها مجبرة أن تفعل من واقع دورها كأخت كُبرى، سألت بحذر مرّ: أي تجربتين؟؟
مشاعل بألم عميق: أنتي وموضي؟؟
(يالا الصغيرة اللئيمة.. لم أخف يوما من شيء كخوفي من نظرتها السابرة.. كنت أعلم أنها الوحيدة التي تشعر بي..بحاستها المتسلقة الغريبة
أحاول أن أختبئ من نظراتها الحادة الشفافة لأجدها تحاصرني بالمرصاد حين أنتبه من لحظات شرودي..وكأنها تقتنصني وتقتنص نبض روحي المردوم تحت أطنان الكبت...
أرجوكِ مشاعل.. لا تنبشيني.. فأنا أحاول المسير)
ابتسمت لطيفة وهي تقول بحنان تحاول أن تخفي خلفه مشاعرها: ليه يعني؟؟ أنا وموضي عايشين مبسوطين مع رياجيلنا..
مشاعل بنبرة تقطر ألما صافيا: أنا ماني بزر.. عمري 22 وتخرجت من الجامعة خلاص..
تكلمي عن نفسش لو أنتي مبسوطة.. بس موضي!!!... موضي سالفتها عويصة.. لو يدري مشعل فيها بس.. والله إن يكسّر الدنيا
أمانة عليش وين موضي اللي كانت أكشخ وحدة فينا وأكثرنا مرح وحياة.. وين راحت؟؟ وين راحت؟؟ نحرها حمد نحار..
وتسألين ليه خايفة من الزواج؟ خل نبدأ فيش.. وعقب نرجع لموضي
انتفضت لطيفة بوجل (لا تفعلي مشاعل لا تفعلي!!)
ولكن مشاعل أكملت بذات نبرتها العميقة التي تعبر عن عمقها الداخلي
ولطالما كانت مشاعل الرقيقة الملامح الهادئة الناعمة العميقة الصامتة الخجولة هي من تكتشف دواخل شقيقاتها بدون تصريح منهن: لطيفة.. طالعي المراية وشوفي وجهش؟؟
استغربت لطيفة من طلبها (وش فيه وجهي؟؟) استجابت كالمخدرة وهي تتجه للمرآة.. وتنظر لصفحة وجهها المنعكسة
لطالما كانت لطيفة هي الأجمل، لم يكن لينافسها أحد في الجمال سوى العنود ابنة عمها وأخت زوجها.. ولكن حتى عندما تنحصر المقارنة بينهما، فلطيفة هي الأجمل بلا شك..
كانت وهي في الحادية والثلاثين أجمل بكثير مما كانت وهي في الثامنة عشرة حين تزوجت مشعل..ورغم إنجابها لأربعة أطفال كان جمالها ينضج بوجع هادر عاما بعد عام.. كان جمالها يؤلم الناظر لشدة سطوته
ومع ذلك لم يكن كل هذا الجمال المغلف بروحها الأجمل ليستوقف زوجها مشعل أو يستوقف مشاعره على أعتابها..رغم أنها كانت تذوب فيه وله ومن أجله..
كانت في كثير من الأحيان تتساءل إن كان يعرف ملامحها
أو حتى يعرف أنها جميلة أصلا!!
إن كان يعرف لون عينيها..أو تقوس حاجبيها.. أو مقدار سطوة شفتيها في التواءهما المثير؟!!
فهي لم تره يتمعن في وجهها ولو لمرة واحدة.. كما اعتادت أن ترى النساء اللاتي تجلس معهن.. واللاتي لا يستطعن رفع أعينهن عن سحر جمالها..وهن نساء!! فكيف به وهو رجل مكتمل الرجولة.. وزوجها؟!!
أعتاد أن يمر بجوارها كأنها شيءٌ لا يستحق التوقف عنده..
لم يمتدحها يوما..
ولم يذمها أيضا..
ولكنه لابد أن يقرعها من وقت لآخر كأنها أحد موظفي شركته..
ورغم تقريعه لها لم يقسُ عليها يوماً.. كانت مشاعره دائما محايدة من جهتها.. لا تعرف تطرف المحبين في الحنان أو القسوة..
نفضت لطيفة سيل أفكارها الموجع لتلتفت لمشاعل: وش فيه وجهي؟؟
مشاعل بعمق مؤلم: كل يوم وأنتي أحلى من اليوم قبله.. وكل يوم ولمعة عيونش تنطفي أكثر عن اليوم اللي قبله..
*************************
عودة إلى واشنطن وجامعة جورج تاون.. والكرسي الحجري
حيث تجلس تقلب كتابا تقرأه بعينيها وأحرفه عاجزة عن اختراق حدود عقلها المثقل بالأفكار والأسى..
"هيا..هيا"
أ يعقل؟؟
يبدو أنها أصيبت بحالة جنون.. فهي تعتقد أنها تسمع صوت باكي تناديها.. باكي التي يفصل بينها وبينها المحيط الأطلسي بامتداده الشاسع..
" بت يا هيا.. أمريكا طرشتك وإلا إيه" الصوت قريب جدا.. وحقيقي جدا.. لكنه خيال بالتأكيد..
وهذه اليد الحانية التي تهز كتفها.. هل هي خيال أيضا؟؟
ألتفتت هيا بدهشة.. وتحولت الدهشة لصدمة عنيفة وهي ترى صديقتها المقربة باكينام تقف خلفها
باكينام التي لم ترها منذ أكثر من عام.. ولكن الاتصالات لم تنقطع بينهما مطلقا
باكينام مزيج الأعراق المثير..
باكينام والدها مصري، ووالدتها انجليزية، وجدتها أم والدها تركية، وجدتها أم والدتها ايرلندية..
والدها دبلوماسي مصري عاش معظم حياته في بريطانيا..
تنافس في باكينام عرقان من أكثر أعراق الأرض اعتدادا بالنفس: الأتراك والايرلنديون..
جدتها التركية عاشت حياتها كلها تقول: عرب سيس..(على خلفية كراهية الأتراك المتوارثة للعرب) ومع ذلك يشاء القدر ألآ تتزوج إلاّ من عربي.. وتذوب في هواه.. حتى واراه قبره وهي مازالت تهتف: عرب سيس..
وجدتها الايرلندية عاشت حياتها كلها وهي تقول: الإنجليز البرابرة المتوحشون (على خلفية العداء الشهير بين الايرلنديين والإنجليز والحروب التي أُريق فيها الكثير من الدماء) ومع ذلك يشاء القدر ألآ تتزوج إلا من انجليزي.. وتذوب في هواه.. حتى واراه قبره وهي مازالت تهتف: الإنجليز البرابرة المتوحشون..
والجدتان نقلتا مشاعرهما الكاذبة لحفيدتهما.. وهاهي باكينام ترفض أن ترتبط بأي مصري أو حتى انجليزي.. وزرعا فيها اعتدادا لا حد له بنفسها
تعرفت هيا على باكينام التي تكبرها بعامين قبل خمسة أعوام في لندن
كانت باكينام تدّرس الانجليزية في المعهد الذي دخلته هيا.. كمدرسة مساعدة إلى جانب دراستها الجامعية
لم تكن باكينام في حاجة للعمل.. ولكن اعتدادها بذاتها هو ما دفعها للعمل
ومنذ ذلك الحين انعقدت أواصر صداقة متينة بين الفتاتين حتى بعد أن أنهت هيا دراستها للانجليزية في المعهد بسرعة ودخلت كلية كوينز التابعة لجامعة لندن العريقة.
ألتفتت هيا لبكينام لتشعر بصدمة حقيقية، أولا لأنه مضى عام على أخر رأتها فيها في لندن حين تخرجت هيا وعادت للدوحة..
السبب الثاني والمفرح بعمق هو منظر باكينام الجديد.. لم تعلم هيا أنها تحجبت أخيرا بعد سنوات من محاولة إقناع هيا لها.. وباكينام تقول لها: حين أفعلها سأفعلها باقتناع.. وهاهي فعلتها بكامل اقتناعها..
وهاهي باكينام تقف بثقة بحجابها وهي ترتدي بنطلون جينز يعلوه قميص أزرق واسع إلى ركبتيها..في إطلالة شفافة تبهج الروح.. وبشرتها البيضاء المشربة بحمرة تتوهج بانفعال.. وعيناها الخضروان بهما مزيج عذب من الحنان والشوق
التبست مشاعر هيا.. وفرحة عارمة تغزو مشاعرها المتوترة..أجهشت بالبكاء وهي تحتضن باكينام بعنف: وحشتيني يالخايسة.. وحتى ماقلتي لي إنج تحجبتي عشان افرح لج..
باكينام وهي تحاول منع دموعها من التساقط، الدموع التي لا تتناسب مع قوة شخصيتها: حبيت أعملها لك مفاجأة.. وبعدين إيه الدموع دي.. بيقولو احنا المصريين شعب عاطفي.. بس شكلكوا عايزين تاخدوا السمعة الظريفة بتاعتنا..
هيا تفلت باكينام وهي تستوعب أنها ترى باكينام هنا في واشنطن وليس في لندن، هتفت باستغراب: أنتي وش جابج هنا؟؟
باكينام بمرح وهي تسحب هيا وتجلسها على الكرسي الحجري: الله.. إيه الترحيب الجامد دا؟!!! إيه اللي جابني هنا؟؟!!.. طبعا جايه أدور لي عريس.. مادمت مش هتجوز مصري ولا انجليزي.. جيت ادور لي امريكاني حليوه مريش طحن يئدر جمالي وزكائي..
هيا تضحك: إيه طحن ذي؟؟ شكلج توج جايه من مصر.. مايختبص حكيج كذا إلا من أثار مصر..
باكينام تبتسم: آه.. لسه جاية من مصر ياحياتي يامصر..
هيا وهي تتذكر الموضوع الأساسي: لا جد وش جابج هنا.. غير أنج مشتاقة لي طبعا.. أعرف أنج عملية.. ومن أنصار ضرب عصفورين بحجر..
باكينام بمرح: طول عمرك أروبة.. أنا سجلت معاكي ماستر وفي نفس الجامعة الحلوة دي بس مش اقتصاد زيك..أنا سجلت علوم سياسية عشان يـبئى ابن الوز عوام..
هيا بفرح هادر: جد؟؟ جد؟؟ ثم استدركت بمنطقية: بس كان ممكن تدرسين نفس التخصص في كامبردج وإلا أكسفورد.. وهم ممنونين يتقبلون وحدة في مؤهلاتج.. وأنتي بتظلين عند هلج؟؟
باكينام بهدوء وابتسامة: بس في السياسة مافيش زي جورج تاون دا أولا.. ثانيا: أنا حبيت أخوض تجربة جديدة.. ثالثا كلها كم شهر وأرجع أدرس دكتوراه في بريطانيا.. وأنتي مقررة إيه؟؟
ابتسمت هيا بود: نفسج أكيد.. ماستر هنا.. وبأرجع أدرس دكتوراه في بريطانيا.. من اللي يبي يضيع عمره في دكتوراه هنا..
المهم الحين قولي لي أخبارج كلها.. مشتاقة لج موووت.. وقولي لي متى تحجبتي وأشلون؟؟
#أنفاس_قطر#
.
.
.
.
.
.
كبرياء فارس
04-08-2009, 10:31 PM
أسى الهجران/ الجزء الثالث
بعد عدة أيام.. في الدوحة
بعد صلاة العصر بساعة..
نادي الفروسية
كانا اثنان يتسابقان في المضمار.. وصل الأول خط النهاية ونزل عن فرسه الرشيقة القوية السوداء كليل معتم ساحر السواد
كانت تصهل بعنفوان وهو يقف لجوارها ويمسح على عنقها الطويل الشامخ بفخر..علاقة فريدة تجمع الفارس بفرسه.. لا يحس بعمقها إلاَّ من رأى سحر تواصلهما بعينيه
كانت تستمد شموخها من شموخه وفخرها أن تكون فرساً لهذا الفارس الاستثنائي الذي يقف بطوله الفارع إلى جوارها في لباس الفرسان الأنيق الذي احتضن كتفيه العريضين وعضلات صدره النافرة بدقة تفاصيلها
ولكنه كان أنحف من شقيقيه الأكبر منه: مشعل وراكان.. نحافةً مقصودة لضرورة ضبط الوزن لكونه جوكياً محترفاً لا بد ألا يثقل على فرسه بوزنه..(الجوكي= راكب الخيل المحترف)
وصل الثاني بعده بدقيقة.. وهو يهتف بنفسٍ مقطوعٍ: يعني ناصر مافيه مرة تخليني أسبقك.. كل مرة تكسر بخاطري أنت والجليلة جذيه...
رفع ناصر عينيه له وهو يعدل وضع نظارته الشمسية عليهما وفكه القوي يرتفع باعتداد: كفاية عليك يا حسن أنك قادر تروض ذا الحصان.. ركوب ثيندر بروحه أحسه إنجاز..
حسن بابتسامة وهو ينزل ليحتضن عنق ثيندر: ترويض ثيندر كان أكبر تحدي في حياتي..
ثم أكمل بجدية: إلا صج يقولون منت مشارك في الفريق في سباق التحمل الصحراوي في الأردن شهر يناير..؟؟
ابتسم ناصر وهو يضرب على رأسه كمن تذكر شيئا: السموحة يا أخيك ياحسن.. نسيت أقول لك.. موعد عرسي تحدد قبل موعد السباق بيومين.. والله لو دريت بموعد السباق قبل تحديد الموعد كان أجلته لعقب.. الحين شباب الفريق وأنت أولهم ما حد منكم بحاضر عرسي
ابتسم حسن وهو يربت على كتف ناصر : آفا عليك.. عني بأخليهم يشحنون ثيندر.. وبأحضر عرسك وبأطلع منه على المطار على طول
ناصر بود وأخوية: جعلني ماخلا منك ماتدري وش كثر فرحتني..
الاثنان يمشيان متجاورين متوجهين للحظائر..
حسن بتساؤل: جاي التدريب بكرة؟؟
ناصر وهو يسحب "الجليلة" لإعادتها للحظيرة: لا بكرة عندنا مؤتمر في الشغل..
كان ناصر فارساً محترفاً في فريق قطر لسباقات التحمل..
ولكن اشتراكه في الفريق كان على سبيل الهواية إلى جانب عمله في العلاقات العامة في وكالة الأنباء القطرية (قنا)
وهو يفكر في الاعتزال بعد زواجه.. وبعد أن قضى سبع سنوات في الفريق
ولكنه طبعا لا يفكر بترك ركوب الخيل الذي تغلغل في روحه ووجدانه
***********************
الدوحة.. منزل حمد بن جابر
زوج موضي وابن خالها
وفي ذات الوقت هو ابن عمتها نورة /أم حمد هي الابنة الوحيدة لمشعل الكبير
ذات الليلة ولكن الساعة 11 مساء بتوقيت الدوحة
يطرق الباب بوحشية.. وكأنه وحشٌ فقد عقله: أقول لش افتحي يا موضي قدام أكسر الباب..
ترد من خلف الباب بصوت باكي مرتعش: تكفى يا حمد لا تضربني.. تو أثار ضرب المرة اللي فاتت خفت من وجهي
حرام عليك لي أسبوعين ماشفت هلي.. وكل ما اتصلوا فيني يبون أجيهم أو يجوني تعذرت منهم .. عشان مايشوفون الضرب بوجهي.. عشانك موب عشاني
يصرخ بصوت مرعب: يعني أشلون؟ تخوفيني بهلش؟؟
موضي بنفس الصوت الباكي: حمد حرام عليك.. بأروح لهم بكرة.. وإذا رجعت اضربني على كيفك.. والله ما أقول شيء.. كسرني لو تبي
يا الله !!
كيف يكسر الظلم النفوس.. ويحيلها لحطام بشري يمشي على قدمين.. ويجعلك تتنازل عن أبسط حقوقك:
إنسانيتك!!
واحترامك لذاتك!!
********************
الدوحة
منزل فارس بن سعود بن مشعل
آذان الفجر
أم فارس تتوجه إلى غرفة فارس لإيقاظه لصلاة الفجر..
مازالت هذه السيدة تحتفظ بالكثير من ملامح صباها وهي في أواسط الأربعينات.. ولم تنجب غير فارس بعد أن توفي زوجها وابن عمها سعود وهي حامل..
لم تفكر أن تتزوج بعده لأنها خافت من عمها مشعل الكبير.. لأنها تعلم أنه سينتزع فارس من أحضانها بدون رحمة.. لو فكرت أن تتزوج..
وفي أحيان كثيرة تتساءل : أ لم ينتزعه فعلا من أحضانها؟؟
هو ومشعل الآخر.. مشعل ابن حماها محمد..
فالمشعلان تبادلا على تربية فارس دون أن يكون لها دورٌ فعليٌّ في هذه التربية..
مشعل بن محمد كان الأكثر التصاقاً بجده بحكم أنه الأكبر بين الأبناء وكان طوال ثماني سنوات هو الولد الوحيد في العائلة حتى جاء راكان ثم بعده بسنة جاء مشعل بن عبدالله ثم بعدها بعام ناصر.. ثم بعدها بعامين فارس..
تشرب مشعل بطباع جده الصلب .. ثم بعد ذلك الاثنان شرَّبا فارس هذه الطباع مضاعفة.. ليتجاوزهم جميعا وتتحول الصلابة عنده إلى قسوة عجزت عن سبب تفهمها..
لم يكن فارس قاسيا عليها أبدا.. هي الوحيدة التي كان يذوب حنانا لها.. ولكنها ترى قسوته تتجلى في تعامله مع الآخرين
وصلت إلى غرفة فارس وهي تطوف مع أفكارها.. اقتربت من سريره وهي تهمس بحنان: فارس حبيبي قوم يأمك للصلاة
بعد محاولات بسيطة جاءها صوته الأجش الشديد الخشونة: إن شاء الله يمه، قايم الحين... قالها وهو يستوي جالسا بقامته الطويلة مثل أبناء عمه
كان الطول وعرض الكتفين هو صفة الشبه الوحيدة التي ربطته بعائلة مشعل..
ولكن ملامحه الأخرى كانت شيئا مختلفا.. مختلفا جدا
الملامح التي كانت أحد أسباب تكوينه المقصود لشخصيته المرعبة القاسية
الشخصية القوية التي ناسبها عمله كوكيل نيابة في النيابة العامة، العمل الذي التحق به قبل 4 سنوات فور تخرجه من الجامعة من تخصص القانون..
**************************
منزل عبدالله بن مشعل.. صلاة الفجر
غرفة الجدة أم محمد
قد يستغرب البعض لماذا الجدة في بيت عبدالله وليست في بيت محمد الكبير؟؟
قبل أن يتوفى الجد بعدة سنوات كان هو وأبناؤه أنجزوا بناء منازل آل مشعل الجديدة..
أربعة منازل فخمة متلاصقة على ذات الطراز أمامها مجلس رجال خارجي ضخم مفتوح على الشارع مباشرة هو مقر اجتماعهم كلهم..
واشتروا كلهم لبقية الأبناء أراضٍ ملاصقة في حال قرر الشباب غير المتزوجين بناء منازلهم..
أما البيوت التي تمَّ انجازها فكانت لعبدالله ومحمد ومشعل بن محمد ولفارس بن سعود الذي أصرَّ جده أن يبني له بيتا خاصا فيه تدعيما لشخصيته القوية وحتى يضمن له ألا يتعب في بناء بيت حين يكبر..
والجد قرر أن يسكن مع عبدالله لعدة أسباب أهمها فارس.. لأن زوجة عبدالله كانت أم فارس بالرضاعة أرضعته مع موضي.. لذا كان فارس حراً في دخول البيت والخروج منه
السبب الثاني أن عبدالله كان هو من تبقى عنده أطفال صغار.. ومشعل الكبير مع صلابته يبقى جداً يستمتع برؤية أحفاده وخصوصا كلما كانوا أصغر.
السبب الثالث: أن زوجة عبدالله كانت ابنة شقيقة هيا.. وتقريباً هم من ربوها وهي الأقرب لهم من بين كل زوجات أبنائهم.
لذا قرر مشعل الكبير وأم محمد أن يسكنوا في بيت عبدالله رغم توسل محمد الدائم لهم.
ينزل عبدالله لصلاة الفجر ومعه ابنه الصغير ابن الثالثة عشرة.. ويمر بحجرة أمه التي كانت تجلس على سجادتها مشغولة بأذكارها تنتظر الإقامة (رغم أن حفيداتها حاولن إقناعها أن المرأة لا إقامة لها وإنها مادامت تصلي في بيتها فهي تستطيع الصلاة فور دخول الوقت)..
ينحني ليقبل رأسها بقامته الطويلة التي لم تأخذ من صلابتها وامتدادها سنواته الخمسة والخمسين شيئا.. ويهمس باحترام جزل: صبحش الله بالخير طال عمرش في الطاعة.. كيف أصبحتي جعلني الأول؟؟
انتفضت وتقلصت تجاعيد وجهها الغائرة وهي تضع طرف جلال الصلاة على أنفها وفمها لأنها اعتادت ألا يراها أبناؤها بدون برقعها ، وهتفت بحزم: صبحك الله بالنور والسرور.. كم مرة قلت لك لا عاد تقول جعلني الأول..
ابتسم لتكشف ابتسامته عن صفِّ أسنانٍ كاملٍ فتيٍّ هو نتاج زراعة حديثة بعد أن رفسته إحدى نياقه الأثيرة في وجهه قبل عدة أعوام: جعلني فداش، وفدا رجيلش
أم محمد بغضب: قوم توكل على الله وروح للمسجد.. وجعلني أنا اللي قدامكم كلكم أنتو وعيالكم
جعل ربي ما يفجعني في واحد منكم.. ماعاد أبي يا أمك إلاَّ حسن الخاتمة
ثم أكملت بحزن مرير وكأنَّ الكلمات تخرج مضرجة بدم أعماقها المكلومة: كفاية علي الاثنين اللي راحوا ما تمتعوا بشبابهم..
#أنفاس_قطر#
الجزء الرابع
واشنطن دي سي
جامعة جورج تاون
الساعة 2 ظهرا بتوقيت واشنطن
في حديقتها الشاسعة.. يجلس على الأرض
يمدد ساقيه الطويلتين اللتين يحتضنهما بنطلون أسود بقصة مستقيمة يرافقه على صدره العريض كنزة صوفية خفيفة رمادية اللون رفع أكمامها وأزاحها عن ذراعيه الأسمرين القويين وهو يقلب مجموعة من الأوراق بين يديه
استعدادا لمقابلة البروفسور المشرف بعد نصف ساعة..
رنَّ هاتفه المحمول، تناوله ونظر لشاشته.. ابتسم وهو يرد: هلا سعيد
....................
موجود طال عمرك
...................
عند الشجرة اللي أقعد عندها دايم
بعد دقائق كان سعيد يصل بجلبته المعتادة: هلا والله بالشيخ مشعل..
رفع مشعل عينيه لسعيد المتأنق بربطة العنق الرمادية الغامقة والقميص الرمادي الفاتح والطقم الرسمي الكحلي الأنيق : وش عنده الأخ كاشخ؟؟ مهوب عوايد
ضحك سعيد: طول عمري كشخة..
ابتسم مشعل: لا صدق الكشخة ذي شكلها سبيشل.. وش عندك؟؟
سعيد بمرح: على طول كاشفني.. جاي من السفارة طال عمرك كان عندي معاملة أخلصها.. وعلى فكرة ترا الملحق الثقافي يبيك
مشعل بهدوء: قال لك وش يبي مني؟؟
سعيد هزَّ كتفيه: لا... وهو يضع جريدة تحته حتى لا يفسد طقمه ويجلس بحذر إلى جوار مشعل حتى لا يتجعد بنطلونه
مشعل يضحك: يا المتيح ضاق عليك المكان إلاَّ تضيق علي..
سعيد يتجاهل شكوى مشعل وهو يضع كتبه جواره ويقول باهتمام: مادريت بأخر أخبار الشعب القطري في واشنطن..
مشعل وهو يقلب أوراقه ويضع ملاحظاته عليها: من وين أدري ووكالة الأنباء توه واصل الحين
سعيد يصطنع الغضب: الشرهه علي اللي أبيك تتواصل مع العالم.. وإلا أنت يمكن لا تقوم الحرب العالمية الثالثة مادريت بها وأنت دافن روحك وسط كتبك
مشعل وهو مستغرق في عمله: زين قل لي وش صاير.. لانك لو خليت العلوم في بطنك، بيجيك حاطي باطي.. (العلوم= الأخبار)
سعيد يضحك: مالت على عدوك.. ياطويل العمر صايرة علوم.. دريت بها من رئيس نادي الطلاب القطريين.. قابلته في السفارة
مشعل بنفاذ صبر: اخلص علي.. موعدي مع البروفيسور بعد شوي
سعيد يلقي الخبر بنبرة مذيعين الأخبار الجادة: البنية اللي اسمها هيا اللي كلمتك عنها قبل كم يوم.. تلاغت مع ولد في المدرج.. والولد شد حجابها..
مشعل لم ينتظر بقية الخبر لأنه قفز بانفعال كاسح..وترتسم على وجهه انفعالات عنيفة كأنه أسدٌ على وشك التهام فريسته
سعيد باستغراب : وين بتروح؟ ما كملت لك..
مشعل بغضب دموي: وهي فيها تكميل يا الكمخة.. بناتنا يفسخون حجبهم في الجامعة، وأنت مخليها سالفة.. بأطلع الحين لمدير الجامعة وعقب للسفير
سعيد يضحك: يمه منك ماعندك تفاهم... ماصار شيء
وهيا ذي ماينخاف عليها.. أصلا حجابها ما انفسخ لأنها كانت شادته وملزقته بلزقة عنزروت الظاهر، لا وضربت الولد كف.. وقدمت فيه شكوى بعد.. والجامعة قدمت اعتذار للسفارة
مشعل جلس بعد ما أطمئنت حميته الملتهبة: طيب والبنت ليش تلاغى هي والولد؟؟
سعيد بشرح: كان مجرد نقاش في المحاضرة.. بس الولد احتد وقال لها أنتي إرهابية وخرابيطهم الفاضية اللي أنت خابر وشد حجابها.. والبروفيسور نفسه طرده وقدم هو بعد شكوى ضده
في ذات الجامعة
وفي مكان قريب جدا من جلوس مشعل وسعيد
كانتا تجلسان على كرسي حجري.. هيا بعباءتها ولبسها المعتاد.. وباكينام ببنطلون كتان زيتي واسع وقميص بيج واسع للركبة وحجاب زيتي..
هيا تكمل بمرح: بس لو شفتي وجه الولد عقب الكف..
باكينام وتضحك: أما انتي يا بت يا هيا تحفة.. ماحدش يجي جنبك تعمليه فشه وكوارع وبمبار..
هيا تضحك: أعييييييييه منج.. زين خليه بفتيك وستيك شي كشخة.. اللي يشوف كلامج مايقول بنت كلاس.. لكن جزارة من السلخانة
باكينام تضحك: أنت هتعملي زي أنّا (أنّا=الجدة بالتركية).. بتقول لي ماتشميش مع الولاد
ولاد عمي دول يخربوها ويئعدوا على تلها، هم اللي تلفوا لي لساني
المرة دي أخدوني للحسين واكلوني لحمة رأس، كنت هاموت وجالي تلبك معوي
هيا بخبث: على طاري (الولاد) أخبار ابن الجيران اللي في مصر إيه؟؟
باكينام تغمز : الله أنتي ما بتنسيش؟!!
ثم أكملت بنبرة الشعارات الحماسية: لا للمصريين.. لا للعرب.. لا الإنجليز
ثم أردفت وهي تلتفت للشباب المتواجدين حولهم وتقول (بعيارة): أهلا بالأمريكاني
**************************
منزل محمد بن مشعل..
غرفة ابنته الكبرى مريم..التي تعبر انعطافة أواسط الثلاثينات
آذان الفجر..
نهضت من نومها على صوت جرس المنبه لصلاة الفجر.. نهضت بهدوء وهي تتمتم بدعاء الاستيقاظ.. توضأت ثم توجهت لغرف أشقائها لترى من منهم أستيقظ للصلاة
وهي تغلق باب غرفتها، مرَّ بها ناصر وهو يقول لها بمرح ومودة: صبّحها الله بالخير شيخة أل مشعل كلهم.. أنا اليوم براءة قمت بروحي.. روحي ذهني راكان والعنود.. (ذهني=صحي)
ابتسمت مريم بشفافية ابتسامة زينت وجهها الصافي الشفاف وهي تقول: دوم مهوب يوم.. مافيه حد يتعبني وأنا أذهنه مثلك.. وإلاَّ راكان والعنود مقدور عليهم
ناصر يضحك وهو ينزل السلم: زين يا مريوم، رجعتي علي، على نصوري المسكين.
مريم وهي تتوجه لغرفة راكان أولا: أنت مسكين أنت؟؟ أنت مسكون طال عمرك..
ضحكة ناصر المجلجلة تصلها من الأسفل وهي تصل لباب غرفة راكان
رغم أن راكان أصغر منها بخمس سنوات (أمها أسقطت مرتين بينهما) إلا أنها تهابه وتحترمه
فراكان بهدوئه وسمْته وطباعه ومهابته كان يجبر من هو في حضرته على احترامه
تدخل مريم بحذر لأنها تخشى أن تصدم بشيء من دروع راكان أو كؤوسه
راكان بطل أوليمبي حاصل على عدة ميدايات عالمية في الرماية
إضافة إلى أنه يتسلى بلعب الشطرنج.. وحاصل على عدة ميداليات فيها
ورغم غرابة اجتماع الرياضتين.. بين رياضة جسدية وأخرى عقلية.. إلاَّ أن هذه كانت غرابة راكان أيضا
راكان الذي يستحيل أن يكتشف أحد كيف يفكر.. وكأن الحياة أمامه لعبة شطرنج.. يجب ألا يكتشف أحد حركتك القادمة حتى لا يباغتك
من ذلك مثلا لماذا راكان يرفض أن يتزوج حتى الآن رغم وصوله الثلاثين؟؟
لا أحد يعلم.. ولا حتى مشعل بن عبدالله صديقه المقرب!!
اقتربت مريم من سريره وهي تمدُّ يديها وتتحسس طريقها حتى وصلت
هزَّت كتفه من ناحية صدره اليسار بلطف: راكان.. راكان.. يا موظفين الديوان الأميري (حيث يعمل راكان)
راكان بصوت ناعس عميق: لبيه يا أم محمد.. قايم جعلني فداش..
راكان بالذات اعتاد أن يناديها أم محمد.. احتراما لها
وربما تحقيقا لرغبة لن تحصل أبدا: أن تكون يوماً أماً لمحمد أو غيره!!
مريم بابتسامة: ماشاء الله عليك.. هذا صدر وإلا مطار؟!
راكان وهو يعتدل جالسا ويفتح عينيه الواسعتين بكسل، ويبتسم: شام ريحة تنظال يا أم محمد..
ضحكت مريم: قلنا ماشاء الله.. تقول لي العنود أنك غطيت كل سلالة آل مشعل طول وعرض
ضحك راكان: وش ذا؟؟ أنتي وأختش مسوين اجتماع نظل عائلي علي
ابتسمت مريم: على طاري أختك خلني أروح أذهنها
راكان بحنان: تبين أوصلش لغرفتها؟؟
مريم بذات الحنان وهي تتلمس طريق الخروج: لو أبيك توصلني بأقول لك روح ذهنها أنت..
راكان وهو يدخل لحمامه الخاص ويقول بمرح: لا يا بنت الحلال فكينا من أختش الأذوة ذي.. ما حد عنده استعداد لملاغتها على الصبح غيرش.. ما أدري أشلون تستحملينها؟؟
مريم وهي تخرج: فديت روحها.. بنتي ذي مهيب أختي بس..
وفعلا كانت العلاقة بين مريم والعنود تتجاوز علاقة الاخوة العادية لشيء أعمق بكثير.. ففرق خمسة عشر عاما بينهما.. أهلت مريم أن تكون أما للعنود وبجدارة
وصلت مريم لحجرة العنود.. أخر العنقود ومدللة البيت
في هذه الحجرة تحفظ كل زاوية وتستطيع التحرك بثقة.. توجهت لسرير شقيقتها
ومباشرة توجهت لرأسها لأنها تعرف كيف تنام وعلى أي وضعية تماما..
همست عند رأسها بحنان وهي تداعب خصلات شعر العنود الحريري المتناثر على مخدتها: عنادي.. قومي يا قلبي.. الفجر أذن..
العنود وعيناها ماتزال مغلقتين تهمس بدلالها الطبيعي الرقيق بصوتها العذب المفعم بأنوثة مصفاة: وين أحلى بنت في الدوحة؟؟
مريم تبتسم: أكيد مهيب عندنا في البيت.. وماعندي وقت أروح أدور برا
العنود تبتسم وتفتح عينيها النجلاوين برموشهما الطويلة المتشابكة: ماني بقايمة حتى ألقى جواب صريح وواضح ومحدد..
مريم تبتعد عن سريرها وتقول بمرح: أنا طلعت من ذنبش.. إذا سألش الله عز وجل يوم الحساب ليه ماصليتي الفجر.. قولي عشان مريم ما تعرف وين أحلى بنت الدوحة
العنود تقفز واقفة من سريرها للأرض في قفزة واحدة لتظهر بيجامتها الزهرية الطفولية المليئة بالخطوط المتداخلة والنجوم.. وتحتضن مريم وتطبع قبلة عميقة على خدها: أفا .. الدعوة خاربة مع ذا الفجرية.. مافيه مجاملات تطري القلب
مريم وهي تمسح قبلة العنود وتقلب وجهها بطريقة مصطنعة مرحة: الله يقرفش.. ألف مرة قايلة لش لا عاد تحبيني وأنتي ماغسلتي
تضحك العنود وهي تفلتها وتتوجه لحمامها: يا أختي وجهي منور وأنفاسي معطرة حتى وأنا صاحية من النوم.. يا حظه بس زوج المستقبل
مريم وهي تغادر الغرفة وتضحك: إلاَّ أمه داعية عليه ومن قلب
" الله يديم ذا الضحكة علينا يارب"
وقفت مريم باحترام وهو تسمع صوت والدها الحنون المختلط بحزمه الطبيعي: هلا يبه.. صبحك الله بالخير يا بو مشعل..
محمد ينحني بقامته المهولة الصامدة قوة وحزما على جبينها ويقبله وهو يحتضنها من كتفها بحنان: صباحش أخير يا أبيش.. أخوانش راحو للمسجد؟؟
مريم بذات نبرة الاحترام: ناصر راح.. وراكان يتوضأ وبيروح الحين
أبوها يفلتها ويتجاوزها نازلا متوجها للمسجد، وهو يقول بحنان لم تخطئ أذنها نبرة الحزن العميقة فيه.. النبرة التي تمزق روحها أشلاءً : يالله ياكريم مع صلاة ذا الفجر أنه ما يحرمنا منش.. ويعوضش بالجنة ونعيمها..
#أنفاس_قطر#
.
.
.
كبرياء فارس
04-08-2009, 10:38 PM
الجزء الخامس
العصر
واشنطن دي سي
مكتب الملحق الثقافي في السفارة القطرية التي تقع في 2555 m st nw بالقرب من (روك غريع بارك).
كان مشعل يشرب قهوته بهدوء بعد تبادل التحيات والترحيب المعتاد مع الملحق الثقافي
الذي تجمعه به علاقة مودة متينة: عسى ماشر يادكتور؟؟
ابتسم الملحق بمودة: لا شر ولا يحزنون، اشتقنا لك يا أخوي، ماتنشاف هذا أولا
ثانيا : واصل لك شريط فيديو من ولد عمك راكان
قلت فرصة نستدعيك ونسلم عليك ونعطيك إياه..
ابتسم مشعل وهو يتذكر أن راكان أخبره أنه سيرسل له شريط فيديو لرحلة قنصهم في الجزائر..
بعد حوار قصير مع الملحق واستلام مشعل لشريطه.. استأذن مشعل لأنه يعلم مشاغل الملحق مع وعد بالالتقاء على العشاء قريبا..
كان مشعل يهم بالمغادرة حين أستوقفه الملحق بقوله: تدري يا مشعل أنه فيه طالبة جديدة جايه قبل كم أسبوع اسمها مطابق لاسمك بالكامل
ولما سألتها أنت بنت عم مشعل، قالت: مالي عمام
قلت لها الاسم نفس الاسم
بس بعد أصرت إنها ما تعرفك وأنها مالها أعمام وان أبوها وحيد..
عاد مشعل للوقوف أمام الملحق وهو يسأل باهتمام: وش اسمها؟؟
أجابه الملحق وهو يفتح قائمة أسماء الطلاب القطريين التي لا تفارق مكتبه:
هيا سلطان مشعل آل فارس الــ
***************************
في الدوحة
الليلة السابقة للأحداث الماضية
بيت مشعل بن محمد بن مشعل..
الساعة 9 ونصف مساء
كانت لطيفة تضع صغيرتها جود ذات الأعوام الثلاثة في سريرها
في غرفتها المشتركة مع شقيقتها مريم ذات الأعوام العشرة النائمة منذ أكثر منذ ساعة..
قرأت لطيفة الأذكار على الصغيرتين وحصنتهما..
ثم توجهت لغرفة أبنائها الذكور: محمد وعبدالله
تأكدت أنهما نائمان بعمق وقرأت عليهما هما أيضا الأذكار وحصنتهما..
ثم توجهت لغرفتها لتستحم كعادتها المسائية
تتوتر حين ينام أبنائها ويخلو عليها المنزل
وتجد أنها أصبحت خالية من مشاغل أبنائها التي تدفن فيها فوضى التفكير المؤلمة..
معركتها مع مشاعل قبل أيام مازالت ماثلة تحز في عمق مشاعرها المجروحة
أنهت حمامها.. وهاهي تقف أمام مرآتها بروبها الملفوف على جسدها المثير وشعرها المبلول يتناثر على كتفيها
تمعن النظر في ملامح وجهها بجماله المسكر
(وش فيني مهوب عاجبه؟؟ ليته بس يقول لي.. والله لأتغير عشانه.. بس ليته يقول.. ذبحني تجاهله)
جلست.. جففت شعرها بالمجفف الكهربائي وفردته.. ثم تعطرت بكثافة كعادة فقط، وليس من أجله هذه الليلة!!
قامت لتختار لها لباسا للنوم..
وقفت أمام دولاب ملابسها الضخم.. فتحت ناحية قمصانها
كل هذا الفيض الساحر المثير من شلالات الشيفون والحرير لم يستنطقه بكلمة واحدة!!
لِـمَ الاهتمام؟؟
أغلقت الدولاب.. لتتناول لها بيجامة قطن بأكمام طويلة
منذ زواجهما لم تعتد أن تنام قبل أن يعود للمنزل.. مهما تأخر.. وكثيرا ما تأخر!!
فهذا الرجل مهووس بعمله وصفقاته..
ينتظر إغلاق ول ستريت أو افتتاحها.. أو ربما داو جونز أو إغلاقها..
ولم يهتم يوما أن يطمئن المخلوقة التي تُسمى زوجته.. والتي كانت تذوب قلقا عليه..
لم يكن لقلقها اعتبارا أو معنى :
" أنا ماني ببزر تحاتيني" هكذا كان رده الدائم الحاد والواثق..
كانت تشغل نفسها بأبنائها.. ولكن من تخدع.. هم أبنائها وهو زوجها.. لكل منهم اهتمامه الخاص..
ومن كانت تخدع أيضا؟؟
هل هو زوجها فقط؟!!
مشعل بالنسبة لها لم يكن مجرد زوج..
رغم أنها بالنسبة له لم تكن أكثر من زوجة والسلام.
يحترمها؟؟ نعم.. يقدرها؟؟ نعم..
يحبها؟؟
لا تعتقد..
ما هذا الرد الحاد الموجع؟؟ لِـمَ لا تقولين ربما.. اشرعي بابا للأمل..
(باب للأمل بعد 13 عاما من الزواج؟!!)
في أحيان كثيرة تشعر أنه لولا حاجته البيولوجية الجسدية لها لم يكن ليقترب منها
مجرد جسد.. ليس لأنها لطيفة بملامحها وروحها
في ذات الوقت الذي تكون لطيفة تذوب بين يديه وفي أحضانه..
لِمَ يعجز عن الإحساس بها؟
فمشعل هو نبض روحها .. على يديه تفتح صباها
ولم تعرف خفقات القلب وتسارع الأنفاس واضطراب المشاعر إلا بحضوره ومن أجله..
حديث يطول..يطول ولم ينتهِ..
ومشعل لاهٍ في أعماله عن كل شيء..كل عام يمر يزيد تغلغل مشعل في روحها.. ويزيد تجاهل مشعل لها..
التجاهل الذي ينحر روحها الملتاعة..
هذه الليلة تريد أن تعلن تمردها على ذاتها..
لن تنتظره..
ستنام..
13 عاما مرت وهو يعاتبها حين يجدها تنتظره لدرجة أنه قال لها قبل يومين: خنقتيني باهتمامش.. أنا ماني بزر بيضيع في الشوارع.. عشان أمه تقعد تنتظره عشان تطمن أنه في فراشه قبل ما تنام هي
نامي لا تنتظريني رجاء.. يعني أنتي تبين تحسسيني بالذنب لما ألاقيش سهرانة تنتظريني وأنا تأخرت عليش؟؟
(خلاص يا مشعل لا أحسسك بالذنب ولا تحسسني.. بانام وباريحك من شوفة وجهي اللي تضايقك)
تمددت لطيفة في سريرها.. بعد أن أغلقت كل الأضواء وتركت ضوءاً خافتاً عند الباب وأخر بجوار سريرها
لم تستطع أن تنام وهو لم يعد بعد.. تستطيع أن تخدعه.. ولكنها لا تستطيع خداع نفسها..
بقيت ساهرة تتقلب في فراشها وهي تمتم بالأذكار.. حتى قارب الوقت الساعة الواحدة ليلا
حينها سمعت صوت الباب يفتح.. أولت ظهرها للباب.. وقررت تمثيل النوم.. لا تريد رؤيته هذه الليلة..
********************
واشنطن دي سي
في سيارته يغلي من الغضب.. وعلى استعداد لارتكاب جريمة فيمن يلقيه القدر العاثر في طريقه..
(بنت عمي أنا.. أنا..!!!!
وحدة من بنات مشعل.. دايرة من ديرة لديرة من لندن لواشنطن.. ماكن وراها رياجيل يحكمونها..
لا ومارضت تسكن في سكن الطالبات بعد..خوش والله.. وش عندها ذي؟؟.. زين يا بنت سلطان زين.. إذا عمي مات وهو مارباش أنا اللي بأربيش..
يعني ابي يدور عليكم.. وأنتي بايعة البيت..وهاجة من الدوحة!!..)
أفكاره الدموية النارية تلتهمه..
وغضبه من كل شيء يتصاعد..
يحتمل أي شيء.. أي شيء إلاَّ شيء يمس شرف عائلته وسمعتها
وصل إلى قمة الغضب والانفعال وهو يصل إلى العنوان الذي أخذه من السفارة
صعد السلالم ركضا بدون تفكير.. ووقف أمام شقتها ليضغط بعنف غاضب على جرس الباب
حينها استعاد بعضا من تفكيره المنطقي:
( أشلون أدق الباب على بنت ساكنة بروحها ومهيب حلال لي..
أكيد أصلا مهيب فاتحة لي إذا شافتني مع العين السحرية رجّال غريب ماتعرفه ..مستحيل تفتح لي)
كان مشعل على وشك التراجع والنزول وهو يقرر أن يتصل بها تلفونيا ليقابلها في الجامعة ويتصرف معها..
لكن ما نحره تماما.. أنها فتحت له الباب ببساطة
وهي تقف أمامه بثقة خلال فتحة الباب الموارب..
لتصدمه بصدمتين كل صدمة منها أعنف من الأخرى
*****************************
غرفة لطيفة/ الليلة السابقة
تمددت لطيفة في سريرها.. بعد أن أغلقت كل الأضواء وتركت ضوءا خافتا عند الباب وأخر بجوار سريرها
لم تستطع أن تنام وهو لم يعد بعد.. تستطيع أن تخدعه.. ولكنها لا تستطيع خداع نفسها..
بقيت ساهرة تتقلب في فراشها وهي تمتم بالأذكار..
حتى قارب الوقت الساعة الواحدة ليلا
حينها سمعت صوت الباب يفتح.. أولت ظهرها للباب
وقررت تمثيل النوم..
لا تريد رؤيته هذه الليلة..
رائحة عطره الثقيلة الفاخرة سبقته وهو مازال واقفا أمام الباب ببنيته الهائلة طولا وعرضا
(ياالله كيف يعبث حضور هذا الرجل بمشاعرها كأنها ريشة يطيرها نسيم حضوره أو أعاصيره!!)
دخل بخطواته الواثقة وهو يمسح بإرهاق على شعيرات عارضه الأسود المحدد بدقة وأناقة..
أغلق الباب وهو يفتح أزرار ثوبه ليحرر عضلات صدره العريض
ثم يسحب غترته عن رأسه ويلقيها دون اهتمام على الأريكة، ليُفاجأ بشيء غير معتاد: الضوء الخافت، ولطيفة لا تنتظره..
تلفت حوله..
فوجئ أن لطيفة نائمة..شعر بالارتياح أنها وأخيرا أطاعته ولم تنتظره..
ولكنه بعد دقيقة شعر بضيقٍ غير مفهوم
اعتاد على انتظارها له
وربما على تقريعها أيضا كلما وجدها تنتظره
وهي تنظر له كطفلة مبهورة تشعر بالذنب
( - مهوب أنت اللي توك مهزئها قبل أمس وقايل لها لا عاد تتنيني..
- زين 13 سنة وانا أقول لها لا تتنيني.. وش معنى ذا المرة؟؟
- أما أنك رجّال غريب!!) "تتنيني= تنتظريني"
تجاوز مشعل بسرعة أحاسيسه الملتبسة.. وتوجه للحمام ليستحم
صلى قيامه ثم تمدد إلى جوارها..
وقتها كانت لطيفة نامت بالفعل بعد أن أطمئنت على عودته
ينظر مشعل إلى ظهرها..
ويتمنى لأول مرة لو أنها تقلب وجهها ناحيته..
يريد أن يرى ملامحها الساكنة وهي نائمة بوداعة
(وش فيك الليلة يا مشعل؟؟ منت صاحي)
ولكن هذا الإحساس الطارئ سرعان ما تبخر كقطرة ماء على صفيح ساخن
لتعود مشاعر التجاهل التي راكمتها السنوات تطفو
وهو يعطيها ظهره ويستغرق في النوم هو أيضا.
***********************
قبل ذلك بحوالي ساعتين
مجلس آل مشعل
الشباب جميعهم كانوا مجتمعين
مشعل وأشقائه راكان وناصر وابن عمهم فارس
كان الأربعة يلعبون بيلوت: مشعل وراكان فريق، ناصر وفارس فريق
كانوا يجلسون على الأرض وقد جذبوا مخدات الكنب الفخمة للاتكاء عليها
لجلوس الأرض حميميته، والبيلوت لا يصلح إلاَّ بهذه الطريقة.
كان العمالقة الأربعة بحضورهم الرجولي الكاسح يجلسون في مربع
وحولهم أكواب فارغة وأخرى ممتلئة من الشاي و (الكرك)
مشعل يركز في أوراقه ويوجه كلامه لناصر: رحت للمحل اللي قلت لك عليه اليوم؟؟
ناصر وهو يركز بدوره في ورقه: رحت بس ماعجبتني الديزاينات اللي عنده.
مشعل بلهجته الجدية: بس هذا أحسن واحد يسوي جبس في الدوحة..
ناصر بلهجة اعتيادية: بس ماعجبني.. تعرف حد غيره؟
مشعل : أعرف واجد
راكان يقاطعهم بمرح وهو يوجه حديثه لمشعل: لنا الله.. يعني عشان نويصر معرس، الكلام كله معه
ترا أنا اللي خويك في اللعب... وأنا وأنت الشيبان هنا
عطني إشارة وإلا غمزة.. شكل البزارين فويرس ونويصر بيأكلونا
ناصر يضحك: الرازق في السما والحاسد في الأرض.. تدري شكلي المفروض أخاوي مشعل عشان نسوي حزب المتزوجين
وراكان وفارس نخليهم حزب العزابيه
مشعل باهتمام وهو ينظر لراكان وفارس: وأنتو يالأثنين منتو بناوين تعرسون؟؟
كان لمشعل احترامه الكبير عند أشقائه وابن عمه..
فهو أكبر من راكان بثماني سنوات، ومن ناصر بعشر سنوات، ومن فارس ب12 سنة..
شارك في تربيتهم.. وفي تربية فارس خصوصا..
ولأسباب تتعلق بفارس وتكوينه وظروفه كان اهتمامه بفارس أكثر حتى من اهتمامه بأشقائه.. أكثر بكثير!!
بعد سؤال مشعل الحازم والقاطع والهادئ
عمَّ صمتٌ باردٌ غريب المجلس، حتى قطعه ناصر بمرحٍ متوتر:
يا جماعة ترا سؤال مشعل مهوب عن اكتشاف الذرة.. كلمة ورد غطاها
راكان بجملة قاطعة: أنا ما أفكر في العرس وأنتو عارفين ذا الشيء ومافيه داعي حد يفتح ذا الموضوع معي
مشعل بحزم يوجه حديثه لفارس: وأنت بعد بترد نفس رد ولد عمك؟
فارس بنظرة غامضة ونبرة قاطعة خشنة بغموض مدروس:
أنا بأعرس وقريب.. بس خل الوالدة تختار لي المره اللي تجوز لها.
صمت الشباب الثلاثة الآخرين بحرج ..
كيف والدته تختار له.. ماذا يقصد؟؟
كيف؟؟
وشقيقتهم العنود التي يعرف الجميع أنها له منذ سنوات!!!!
إحساس مرٌّ اجتاح رجولتهم الثمينة
وكأن فارس يريد توجيه إهانة مبطنة لهم في مستقر قلوبهم:
صغيرتهم المدللة العذبة
سكتوا جميعا والأشقاء الثلاثة يتبادلون نظرات عميقة مضمونها:
لنتجاوز هذا الموضوع.. هو الخاسر إن كان لا يريد شقيقتنا
ولكنه يبقى ابن عمنا وشقيقنا
واستكملوا اللعب وكأن شيئا لم يحدث..
رغم أن هناك ماحدث..!!!
***************************
أمام شقة هيا في واشنطن
كان مشعل على وشك التراجع والنزول وهو يقرر أن يتصل بها تلفونيا ليقابلها في الجامعة ويتصرف معها..
لكن ما نحره تماما.. أنها فتحت له الباب ببساطة.. وهي تقف أمامه بثقة خلال فتحة الباب الموارب..
لتصدمه بصدمتين كل صدمة منها أعنف من الأخرى
الصدمة الأولى: أنه رأى أمامه نسخة مصغرة من جدته الأثيرة الغالية (هيا) أم والده
وكأن جدته تقف أمامه وقد صغرت 50 عاما..
نفس الملامح الحادة الرقيقة..
نفس نظرة العينين المذهلة..
النظرة الشرسة الحنونة..
التي تشعرك أن هذه الأنثى قد تلتهمك حيا بدون أن يرف لها جفن..
وفي ذات اللحظة عينها ستأخذك في أحضانها لتشبعك حنانا ليس له شبيه
جدته التي رفضت أن يسمي أي ابن لها بناته باسمها..
ليسمي الغائب المطرود ابنته عليها لتأخذ هذه البنت مع الاسم ملامح جدتها الفخمة الثمينة..
الملامح التي كانت قادرة هي فقط ولا أحد سواها على إذابة جبروت مشعل الكبير
الصدمة الثانية: كيف تفتح له الباب بهذه البساطة؟؟!!
أ معتادة هي على فتح بابها لأي طارق غريب؟؟!!!!!!
هذه الصدمة كانت أقسى على روحه وأعنف..
كيف تفعل هذا ابنة من بنات مشعل.. وكأنها إحدى بنات ____؟!!
يعجز حتى عن مجرد التفكير في الكلمة..
وترجم غضبه فورا... بعد أن تجاوز صدمته بشبهها الكبير بجدته الذي لم يستغرق حتى ثانية واحدة
ليقول لها بغضب هادر مكتسح: أشلون يا بنت سلطان.. يا بنت الحسب والنسب
تسمحين لنفسش تفتحين الباب كذا بكل بساطة لرجّال ماتعرفينه
يعني عشان مفكرة أنه ما وراش رياجيل يسنعونش.. ويكسرون خشمش لين تعرفين أن الله حق..
ردة فعلها التالية ذبحته
وكان مشعل على وشك أن ينتزع حزامه من بنطلونه ليجلدها به وهو يراها تفتح بابها على مشراعيه وكأنها تدعوه (وهو الرجل الغريب) للدخول..
وفعلا وضع يده على حزامه وكان على وشك سحبه
لولا أن الباب المشرع كشف له عن صالة صغيرة
تجلس فيها سيدة عجوز تلبس دراعة داكنة وشيلة أُحكم لفها على وجهها
وشابة طويلة محجبة تبدو ملامحها الجميلة انجليزية إلى حد ما..
وهيا تقف بين مشعل الواقف عند الباب
وبين الجالسات المستغربات ما يحدث..
وتوجه حديثها للسيدة العجوز بنبرة ساخرة لاذعة مرة قاتلة:
يمه خليني أعرفج
هذا ولد عمي مشعل بن عبدالله
شفتي يمه : وأخيرا شفت واحد من هلي.
هلي اللي رموا لحمهم في الدوحة.. جايين يدورونه في أمريكا.. بعد ما نسوه 23 سنة !!!
#أنفاس_قطر#
.
.
.
الجزء السادس
أمام باب شقة هيا في واشنطن دي سي
كان مشعل على وشك أن ينتزع حزامه من بنطلونه ليجلدها به وهو يراها تفتح بابها على مشراعيه وكأنها تدعوه (وهو الرجل الغريب) للدخول..
وفعلا وضع يده على حزامه وكان على وشك سحبه
لولا أن الباب المشرع كشف له عن صالة صغيرة
تجلس فيها سيدة عجوز تلبس دراعة داكنة وشيلة أُحكم لفها على وجهها،
وشابة طويلة محجبة تبدو ملامحها الجميلة انجليزية إلى حد ما..
وهيا تقف بين مشعل الواقف عند الباب
وبين الجالسات المستغربات ما يحدث..
وتوجه حديثها للسيدة العجوز بنبرة ساخرة لاذعة مرة قاتلة:
يمه خليني أعرفج
هذا ولد عمي مشعل بن عبدالله
شفتي يمه : وأخيرا شفت واحد من هلي.
هلي اللي رموا لحمهم في الدوحة.. جايين يدورونه في أمريكا.. بعد ما نسوه 23 سنة !!!
قبل هذا الموقف بثلاثة أسابيع ونصف تقريبا
مكتب الملحق الثقافي في السفارة القطرية بواشنطن
هيا تجلس أمامه بخجلها الواثق.. بالكاد يظهر وجهها من شدة إحكام حجابها وتقريبه من أطراف وجهها..
الملحق بنبرة أبوية: خلصتي بكالوريس في لندن؟؟
هيا بهدوء: نعم..
الملحق بذات النبرة الأبوية: وليش ماتبين تسكنين في سكن الطالبات؟؟
هيا: أمي معاي.. وموب أي مكان بيناسبنا
أمي مرة كبيرة ومريضة ولازم أجيب لها وحدة تقعد عندها وقت ما أروح الجامعة
وأنت عارف أنه سياسة سكن الطالبات ما تسمح بالدخول إلا بأذن..
الملحق: براحتج يا أبوج أنتي والوالدة... محتاجة منا أي خدمة ترانا حاضرين على طول
وهذا كرت السفارة فيه تلفونات الطوارئ
هيا تتناول الكرت وتتمتم باحترام: مشكور يا دكتور.. ممكن أستأذن؟؟
الملحق: أكيد يا... (يقرأ الاسم في الورقة أمامه) يا هيا..
ثم يعقد جبينه بتفكير: هيا سلطان مشعل آل فارس الــ
أنتي بنت عم مشعل عبدالله الطالب اللي في أخر سنة دكتوراه هنا ؟؟؟
هيا ارتعشت بعنف وهي تسمع الاسم.. كادت أن تتهاوى من وقفتها
لكنها تماسكت وهي ترد ببرود محترم: لا يا دكتور.. أنا أبوي وحيد ماله أخوان..
الملحق بتفكير عميق: بس نفس الاسم الخماسي.. غريبة يعني.. متأكدة أنتي؟؟
وأكمل وهو يقف ويسحب صورة في برواز من الخزانة الزجاجية خلفه: شوفي هذا مشعل معي أنا والسفير
في حفل تكريم الطلاب القطريين قبل سنتين.. مشعل من خيرة طلابنا..
حاولت هيا ألا تنتظر للصورة.. ولكنها كانت مجبرة احتراما للملحق
نظرت لها نظرة سريعة.. هزتها الصورة بعنف
نفس طول والدها ووقفته المعتدة وبعض ملامحه المرسومة بحدة
ولكن ليست نفس نظرة العينين.. ليست نفسها!!
(هذا نظرته حادة.. قاسية..متسلطة مثل كل آل مشعل المتوحشين.. موب مثل نظرة أبوي اللي تذوب حنان وتسامح)
رفعت عينها عن الصورة
وهي تكتم تيار المشاعر المتضاربة الذي يكتسح جوارحها بين الغضب والحقد والحنين
لترد على الملحق بعدم اهتمام مهذب: ما أعرفه يادكتور.
***********************
قبل وصول مشعل إلى شقة هيا بدقائق..
هيا تجلس مع والدتها وصديقتها باكينام
جلسة حميمة يدور فيها الحديث الودي الحميم..
باكينام اعتادت على أم هيا وتحبها كثيرا وتعتبرها كأم ثانية لها
فأم هيا كانت مرافقة لهيا طوال فترة دراستها في بريطانيا.. وتوطدت علاقتها ببكينام خلالها.
أم هيا بصوت متعب حنون: ماشاء الله عليج يا باكي.. تهبلين بالحجاب الله يحفظج ويثبتج على طاعته..
باكينام تبتسم: أنا حلوة يا ماما على كل حال..
هيا تقاطع الحديث بمرح: حلوة بس الحين أحلى
أوووه كنت بأنسى.. خلوني أقوم ألبس عباتي
بأنزل للسوبرماركت أجيب لنا أغراض دام أنتي يا باكي قاعدة عند أمي..
باكي تمسك بيد أم هيا بمودة: روحي وسيبيني أنا وماما.. أصلا أنتي ئادة عزول بيننا..
هيا تبتسم وهي تتناول عباءتها من المشجب المعلق في الصالة: لنا الله..
ما أن أنهت هيا لبس عباءتها وحجابها حتى رن جرس الباب
هيا ألتفت لأمها وباكينام وهي تهز كتفيها: من بيجينا؟؟
أمها بهدوء: طلي مع العين السحرية وشوفي من..
هيا وضعت عينها على العين السحرية
لتجد أمامها أخر شخص كانت تتمنى أو تتوقع رؤيته
كان يقف بطوله المرعب متسندا على إطار الباب وعلى وجهه ترتسم علائم غضب مخيف..
واحد من آل مشعل..
آل مشعل..
آل مشعل..
آل مشعل الحلم الذي حلمت به طويلا
ثم الكابوس الذي أرادت أن تلغيه من حياتها
الكابوس الذي يعيد لها أسوأ ذكرياتها
وأمرَّ مشاعرها: الخذلان والظلم والقهر والأسى...... والهجران
(يا ربي.. يا ربي.. وش أسوي؟؟ ما أبي حد من آل مشعل في حياتي.. وش جابه ذا؟؟ وش عقبه جايين؟؟ وش عقبه؟؟ عقب ما راح الغالي جايين يكملون علينا)
شعرت هيا بتوتر عميق وغضب أعمق وهي تراه أمام بابها
لم تكن تريد أن تفتح له..
كانت تريد أن تلغي أهل والدها من حياتها
أن تتناسى حتى اسمها حتى تنساهم
لكنها أخذت نفسا عميقا وقررت أن تفتح له
لأنها كانت تعلم أن هذه المواجهة لا يمكن تأجيلها مادام قد عرف مكان سكنها
فتحت له الباب وهي تتسلح بأقصى درجات الثقة
ما أن فتحت الباب حتى صدمت برؤيته
رؤيته في صورة أو من خلال فتحة العين السحرية كانت شيئا مختلفا عنه حقيقة..
مرعب هذا الرجل بحضوره المسيطر!!!
ولكن..
يا الهي...
يا الهي كم يذكرها بوالدها.. تكاد تشعر برائحة والدها في الجو
قوة والدها المحتوية التي كانت تشعرها بالأمان وهي في أحضانه..
عبق حضور والدها المختلف ودفئه يحيط بها
و....
(يخسى ذا المشعل المعفن يكون مثل أبوي)
ما أن فتحت له حتى صرخ في وجهها بصوته العميق المرعب الغاضب: أشلون يا بنت سلطان.. يا بنت الحسب والنسب
تسمحين لنفسش تفتحين الباب كذا بكل بساطة لرجّال ماتعرفينه
يعني عشان مفكرة أنه ما وراش رياجيل يسنعونش.. ويكسرون خشمش لين تعرفين أن الله حق..
لم تهتم هيا بأي شيء قاله.. فكل آل مشعل لا يهمونها ولا حتى ذرة
تريد أن تنهي كل هذه المهزلة ليخرج هذا المدّعي الغريب المدعو ابن عمها من حياتها
تريدهم أن يتركوها كما تركوهم طوال عمرهم
أن ينسوهم أو يتناسوهم كما فعلوا بكل قسوة طيلة حياتها الماضية
أن يتجاهلوا دمهم الذي يجري في عروقها بعد أن حقروا حرمة الدم وجعلوه ماء مستباحا مهانا
كانت تهتف في داخلها : (اطلع.. اطلع.. اطلع من حياتي.. ما أبيكم خلاص.. يوم بغيناكم ما لقيناكم.. والحين خلاص.. خلاص.. ما أبيكم)
هيا ألتفت على أمها التي كانت مستغربة من هذا الرجل الذي جاءهم مهاجما بهذه الطريقة
وقالت لها بنبرة تقطر سخرية مرة : يمه خليني أعرفج
هذا ولد عمي مشعل بن عبدالله
شفتي يمه : وأخيرا شفت واحد من هلي.
هلي اللي رموا لحمهم في الدوحة.. جايين يدورونه في أمريكا.. بعد ما نسوه 23 سنة !!!
كانت تعتقد أنها ستحرجه.. وأنه سينزل راكضا يجرجر خجله وخيبته
ولكنها صعقت أنه نظر لها نظرة إزدراء قصدها مشعل تماما
(بنت العم ذي شكلها لسانها طويل وتبي أدبن مهوب ذا)
كادت تموت من القهر وهي ترى مشعل يتجاوزها ويدخل حتى يصل لوالدتها
ويقول بنبرة احترام: سامحيني يمه.. أنا كنت زعلان أحسب هيا ساكنة بروحها..وزعلت أكثر يوم شفتها فتحت لي الباب وأنا رجّال غريب عنها
لكن القدر والحشيمة لش... مادريت إنش معها
مشعل من ناحيته كان يعتقد أنه أحرجها وأخرسها وأنه هو من سيطر على مقاليد الأمور وهو يتصرف بثقة عفوية
ولكنه فوجئ بها تلتفت له وتقول بسخرية: الحين أمي لها القدر الحشيمة؟؟!!!! يا سلام عليك يا ولد آل مشعل!!
موب ذي أمي الهولية اللي طردتوا أبوي عشانه تزوجها؟؟!
الحين صارت أمك ولها القدر الحشيمة!!!
كانت ردات الفعل تتوالي بينهما كالصدمات
صُعقت وهو ينظر لها بغضب ويقترب منها كأسد غاضب
وهو يعتصر قبضته حتى لا يصفعها ويقول لها بغضب: مافيه وحدة من بنات مشعل تطول لسانها على أمها وتهينها
والله لو عديتها مرة ثانية لأقص لسانش يا بنت عمي
هيا ابتعدت خطوة للخلف وهي ترد عليه بغضب: منت باللي تجي تعلمني أشلون احترم أمي، لأنكم أنتو اللي هنتوها موب أنا
أنا بس أوضح لك ولا تسوي روحك شهم على حساب أمي
وأنا ماني من بنات مشعل أنا بنت سلطان وبس.. ومايشرفني أكون منكم
مشعل يحاول أن يتمالك أعصابه لأن يديه كانت تناديه أن يصفعها
وخصوصا أنه بلغ ذروة غضبه: احترمي نفسش قبل ماتحترمينها غصبا عنش
أم هيا وباكينام جالستان فاغرتان الفم مدهوشتان
كأنهما يشاهدان جزءا من فيلم بلغ الأكشن فيه ذروته..
وهم تريان هيا ومشعل كإعصارين يكاد كل منهما أن يقضي على الآخر بعواصفه.
هيا توجهت للباب الذي مازال مفتوحا وأشارت بيدها
وهي تقول ببرود حاولت دفن نيران غضبها تحته:
لا تحترمني ولا أحترمك لأنه مافيه داعي.. هذي أخر مرة نشوف ويهك.. بيتي يتعذرك ياولد آل مشعل
مشعل سحب نفسا عميقا (مهيب ذي اللي بتمشي شورها علي.. توش ماعرفتيني يا بنت سلطان)
حاول السيطرة على نفسه وهو يجلس بكل ثقة على الكرسي الفارغ الذي أمتلئ بحضوره الكاسح وقدماه الطويلتان تتمددان أمامه
ويقول بثقة متمكنة بنبرة هادئة بها رنة سخرية: وأنا ماني بطالع
وكل مابغيت جيت وتطمنت عن أحوالكم.. أنتو مسئولين مني
هيا تعد للعشرة حتى لا تمسك شيئا وتحطمه فوق رأسه وهي تصر على أسنانها: ومن اللي عطاك ذا الحق؟؟
مشعل بهدوء وهو ينظر لأظافره بحركة مقصودة ليقهر هيا: أنا عطيته نفسي.. وما أنتظر موافقتش ولا تهمني أصلا
هيا تلتفت لأمها وتقول بغضب: يمه قولي له يفارق،
وإلا والله العظيم لأتصل في البوليس الحين.. وأقول أنه متهجم على بيتنا.. وأخليهم يمسكونه
ثم ألتفتت على مشعل وهي تقول بسخرية: وشوف عقب وش بيفكك من إيديهم.. يدورون العرب دوارة
مشعل بثقة: سوي اللي تبينه.. مايهمني
أم هيا تكلمت أخيرا وهي تقول بهدوء حازم وتفكير عميق مؤجل يدور برأسها:
هيا سكري الباب وتعالي قهوي ولد عمج
هيا بغضب وانفعال: يمه وش تقولين؟؟
أم هيا بغضب: اللي سمعتيه.. وإلا ماعاد لي شور عليج
هيا بتأثر: ماعاش ولا كان اللي يعصاج
نظرت لمشعل بقهر وهي تغلق الباب وتعود لتجلس
في الوقت الذي أنعم عليها مشعل بفيض وافر من النظرات المتشفية الساخرة لانتصاره عليها..
***********************
الدوحة قبل أحد عشر عاما
عمر هيا 12 عاما
في المدرسة / منطقة الهلال
في الفسحة..
هيا تهمس لصديقتها عهود: عهود تكفين طالبتج
عهود بحماس: أفا عليش تأمرين أمر
هيا بذات الهمس: أهل أبوج في المعيذر صح؟؟
عهود باستغراب: إيه.. ليه تسألين؟؟
هيا برجاء حاد: تكفين عهود دام سواقكم يدل هناك
خلينا نروح هناك بكرة.. لأنه سواقنا ما عمره راح تيك المنطقة ولا يدلها..
سألته لو يدلها قال ما يعرفها
عهود بتوتر: زين ليش تبين تروحين هناك؟؟
هيا بحزن: بأموت أبي أشوف جدتي هيا
أبوي على طول يسولف عنها وعن جدي وعماني
بس موب **** يوديني.. كل ما قلت له ودني.. قال لي بعدين
عهود بخوف: طيب وأمي وش أقول لها؟؟
هيا برجاء باكي: تكفين عهود.. تكفين.. قولي لها إنج بتنزلين عندي... وأنا بأقول لهلي بانزل عندج
عهود رغم خوفها: خلاص زين
في اليوم التالي ذهبت الطفلتان للبحث عن منزل جد هيا في المعيذر
ولم تعلم الصغيرة أن المعيذر منطقتين: شمالية وجنوبية
وهيا لا تعرف أي منطقة منها فيها بيت جدها
طافوا مطولا في المنطقة..
وهيا بدأ بكاءها بالتصاعد: أبي أشوف جدتي.. أبي أشوف جدتي
السائق والخادمة خافوا من هذا الطواف.. قال لهم السائق: يبي يروح بيت بابا كبير؟؟
عهود تحاول تهدئة هيا: هيا نروح لبيت جدي هنا قريب؟؟
هيا ببكاء: لا خلاص خلينا نرجع
عادت الفتاتان للهلال.. ولكن بعد ان علم أهل كل فتاة إنهما كذبتا عليهما
لأن أم هيا اتصلت بأهل عهود لتسأل إن كانت هيا قد تناولت غدائها
ففوجئت كل عائلة وصعقت بالخبر.. أن الفتاتين اختفتا مع السائق
ولأنه في ذلك الوقت كان انتشار الجوالات بسيطا جدا ولم تكن متوافرة مع السائقين بعد
فأخذ منهم القلق كل مأخذ وعشرات الأفكار المرعبة تعبث بهم
عهود عوقبت عقابا شديدا
لكن هيا ما أن رأت القلق المر في وجه أبيها.. ووجه أمها المنتفخ من البكاء..
حتى انهارت باكية في حضن والدها وهي تقول: يبه تكفى أبي أشوف جدتي هيا وجدي مشعل
حتى عيال عمي أعرفهم كلهم مشعل ومريم وراكان وناصر عيال عمي محمد
ولطيفة ومشعل عيال عمي عبدالله.. وحمد ولد عمتي نورة أعرفهم
حفظتهم من كثر منت تسولف لي عنهم.. ليه ما تخليني أشوفهم.. ليه؟؟
(كانت تعرف من أبناء عمومتها الذين شهد والدها ولادتهم.. أما الباقين فقد مات والدها دون يراهم أو يعرف بهم)
حضنها والدها بحنان وعمق ومرارة
يومها سقط كل حاجز بينه وبين ابنته التي أصبحت هي صندوق أسراره
حمّلها وهي في الثانية عشرة حمل لا تحمله من هي في الخمسين
الحمل الذي حوّل آل مشعل من حلم من أعذب أحلام هيا إلى كابوسها الأسوأ
************************
قصة سلطان بن مشعل
السفارة القطرية في لندن
قبل 27 سنة
أوائل الثمانينات
كان سلطان حينها في الرابعة والعشرين من عمره ينهي إجراءات تخرجه من الجامعة
بعد أن قضى خمس سنوات في مانشستر يدرس في جامعتها اللغة
ثم تخصص الاقتصاد (ذات التخصص الذي اختارته هيا)..
في ذلك الوقت كانت الدراسة في بريطانيا حلم كل طالب ينهي الثانوية بتفوق مثل سلطان
عارض والده سفره.. ولكن ككل آل مشعل كان سلطان عنيدا
ولم يرد مشعل الكبير أن يكسر شخصيته التي كان هو شخصيا سعيدا بقوتها وباعتداد ابنه بنفسه.
كان سلطان هو الابن الأوسط لمشعل الكبير وهيا، أكبر منه محمد وعبدالله.. وأصغر منه نورة وسعود
كان سلطان شديد التعلق بأهله وأشقائه و مولعا بأبناء أشقاءه وبناتهم
كان سلطان في السفارة ينهي تصديق شهادته، ويسلم متعلقاته
استعدادا للعودة النهائية للدوحة التي طال اشتياقه لها ولأهله حتى أضناه
فوجئ سلطان بعد إنجازه لإجراءاته بـ
#أنفاس_قطر#
.
.
.
.
أسى الهجران/ الجزء السابع
قصة سلطان بن مشعل
السفارة القطرية في لندن
قبل 27 سنة
أوائل الثمانينات
كان سلطان حينها في الرابعة والعشرين من عمره ينهي إجراءات تخرجه من الجامعة
بعد أن قضى خمس سنوات في مانشستر يدرس في جامعتها اللغة
ثم تخصص الاقتصاد (ذات التخصص الذي اختارته هيا)..
في ذلك الوقت كانت الدراسة في بريطانيا حلم كل طالب ينهي الثانوية بتفوق مثل سلطان
عارض والده سفره.. ولكن ككل آل مشعل كان سلطان عنيدا
ولم يرد مشعل الكبير أن يكسر شخصيته التي كان هو شخصيا سعيدا بقوتها وباعتداد ابنه بنفسه.
كان سلطان هو الابن الأوسط لمشعل الكبير وهيا، أكبر منه محمد وعبدالله.. وأصغر منه نورة وسعود
كان سلطان شديد التعلق بأهله وأشقائه و مولعا بأبناء أشقاءه وبناتهم
كان سلطان في السفارة ينهي تصديق شهادته، ويسلم متعلقاته
استعدادا للعودة النهائية للدوحة التي طال اشتياقه لها ولأهله حتى أضناه
فوجئ سلطان بعد إنجازه لإجراءاته بسيدة قطرية في الأربعين تجلس في صالة الاستقبال باد عليها الذبول من كثرة البكاء، كانت تنظر لما حولها بضياع، تشهق حينا وتصمت حينا وتحادث نفسها حينا
شعر سلطان بحميته تتحرك ناحيته هذه المرأة
هكذا رباهم مشعل الكبير.. وهكذا لابد أن يحصد تربيته لهم!!
فالرجولة لا تتجزأ ولا يختار الرجل آلية لتنفيذها.. بل تتلبسه هذه الرجولة ويتصرف من خلالها
وهكذا فعل سلطان!!
سأل منسوبي السفارة عنها فقالوا له أنها كانت مع والدها الذي كان يتعالج هنا لمدة عامين
ووالدها الآن توفي ولا أقارب لها وهي تريد أن تعيده ليدفن في الدوحة
وهي لا تعرف كيف تتصرف لوحدها.. فأبوها الذي كان يغسل الكلى كان هو من يقوم بكل شؤونهما
حتى انهار فجأة ومات لتجد نفسها منهارة بدون سند.
اقترب منها سلطان واستفسر منها، وجدها منهارة تماما ولا تعرف كيف تتصرف، ولا حتى ماذا تفعل حين تعود للدوحة
فوالدها قدم في شبابه من إيران، وعمل كسائق عند أحد الشيوخ الذي منحه الجنسية القطرية بعد عدة سنوات ثم زوجه شابة يتيمة مرباة في منزله
(كعادة بيوت الشيوخ قديما التي كانت مليئة بأطفال أيتام يقومون بتربيتهم في ظل عدم وجود مياتم)
والداها لم ينجبا غيرها، أقارب أبيها في إيران لا تعرف عنهم شيئا
عمل أبوها لعدة سنوات عند الشيخ، ثم استقل بعمله التجاري الخاص، ولكن كل ماجمعه من عمله صرفه في رحلة العلاج هذه.
شعر سلطان بالمسؤولية عن هذه المرأة
لمن يتركها وهي غريبة ووحيدة ومنكسرة ولا عائل لها؟؟ كيف ترضى شهامته أن يفعل شيئا كهذا؟!!
ووجد سلطان نفسه يتزوج حصة (التي اسماها أبوها على اسم أم الشيخ الذي كان يعمل عنده) حصة التي كانت تكبره بخمسة عشرة عاما
لم يكن عمر حصة هو ما يشغله، ولكن ماكان يخشاه هو ثورة والده حين يعلم أن حصة هولية –كما يعلم أن والده سيقول- ذلك المنطق الغريب الذي لا يرضاه دين
ذلك الترفع العرقي الذي يجعلهم يظنون أنهم أفضل من غيرهم، بينما رسول الله صلاة الله وسلامه عليه يقول : لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
الشيء الآخر أن أهله كانوا ينتظرونه ليزوجوه هو وشقيقه الأصغر منه سعود بنات عمهم .. فكيف يستطيع مواجهة كل هذا؟!
*************************
الدوحة اليوم
بيت محمد بن مشعل
الصباح الباكر
صالة البيت الرئيسية التي أُعدت على الطراز التراثي القديم بدقة رائعة
كانت من ذوق راكان وتأثيثه الذي كان دقيقا جدا في اختياراته للديكور و لقطع الأثاث
الجلسة الأرضية بالسدو الأحمر.. منتجات الخوص المتناثرة.. الصبغ المعتق المرسوم عليه شقوق متقنة.. السقف المبطن بأخشاب تصلها الحبال ببعضها
الإنارة التي كان بعضها مخفيا وبعضها عبارة عن سُرج موزعة بدقة في الأرجاء
كانت مريم تجلس مع والدتها تشرب شايا بالحليب وعباءتها عليها تستعد للذهاب لعملها في معهد النور للمكفوفين حيث تعمل كمعلمة اجتماعيات..
كانت أم مشعل في أواسط الخمسينات.. سيدة حازمة جدا لكنها أيضا حنونة جدا..
العنود تنزل السلم وهي تقفز كل درجتين مع بعضهما.. وعباءتها بيد، وحقيبتها باليد الأخرى.. لتجتاحهم كإعصار عذب وهي توزع قبلاتها واحتضاناتها بين أمها ومريم.. ثم تقفز وتجلس بجوار أمها
مريم بابتسامة: أنتي شغالة مبوسة.. با أختي توش حابتني صلاة الفجر.. حلاوة هي؟؟
أم مشعل بحنان: فديتها وفديت حبتها.. حد يعين أنه يستصبح بوجه ذا الغزال وحبته ويقول لا؟؟
العنود تبتسم وتحتضن أمها وهي تقول بدلال: فديت اللي يفهمون يا ناس.. جعل عين أبو مشعل ما تشوف غيرش يا المزيونة..
أمها تبتسم وتقول بمرح: خوش دعوة يا أمش ما ابي غيرها..
مريم بمرح: عدال كن حد بيطالع شيبتش اللي طايحة سنونه..
أم مشعل تضحك: إيه ذا الكلام مهوب عندش إذا شفتيه.. قعدتي تنفخين رأسه علي كنه صبي أبو 20 سنة وأنا اللي جدته
بعد أن انهوا إفطارهم على عجالة.. مريم بحزم: يالله عنادي قومي عشان ما نتأخر..
العنود بمرح: إيه يا اختي لا تأكلنا سواقتش بس.. كل صبح تجيب لي كآبة قبل أروح الجامعة من كثر ماتنافخ..
مريم تبتسم: ما ينخاف عليش أنتي... تجبيبين للكرة الأرضية كلها كآبة وأنتي شدوقش بتشقق من الضحك..
**************************
عودة لقصة سلطان قبل 27 عاما
عاد سلطان للدوحة مع حصة.. ولكنه لم يأتِ بها مباشرة لبيت والده لأنه كان يعلم ما ينتظره، قرر أن يتركها في بيت والدها أولا..
كما توقع
ثار والده وأصرَّ عليه أن يطلقها حتى بدون أن يسمع دفاعه أو مبرراته
حتى أمه لم يسمح له أن يراها.. وظل هذا الأمر حسرة مرة قاتلة في قلبه وقلبها.. وجع سرمدي لا حدود لامتدادات جرحه وعمقه
مشعل الكبير فعل مافعله في لحظة غضب فرضها عليه كبرياءه وتكبره
وبعدها كان ينتظر رجاءً من سلطان
مجرد رجاء!!
ولكن لم يكن سلطان ليترجى، ولم يكن مشعل ليتنازل بدون رجاء!!
خرج سلطان من بيت والده، ولم يعد
كان مشعل الكبير يرفض تشفعات أي أحد للرضى عن سلطان..
دموع هيا وشهقاتها كل ليلة كانت تنحره ألف مرة، ولكنه لم يكن ليتنازل.. وكم كان يتمنى أن يتنازل!!
بُعد سلطان عنه قتله.. وعاش بحسرة يخفيها في قلبه عن الأعين المتلصصة على مشاعره المتكبرة
لعن الله الكبرياء!!!
لعن الله الكبرياء الذي مزق الرحم وأدمى القلوب وراكم الجروح!!
سلطان أكمل حياته مع حصة التي كانت أماً أكثر منها زوجة
حاولت فيه كثيرا أن يتركها ويعود لأهله.. ولكنه كان يرفض.. أهله لا يحتاجونه ولكن هي من لها؟؟
كِبر سن حصة منعها من الحمل، ولكنها كانت تتعالج
كانت تريد أن تترك لسلطان ابنا حين تتركهم
لم تعلم أن الأعمار بيد الله وأن سلطان هو من سيسبقها وهو في عز رجولته.
****************************
الدوحة اليوم
منزل فارس بن سعود
صالة المنزل الرئيسية..
ذوق كلاسيكي راقٍ جدا.. الصالة كلها باللونين الأبيض والأسود..أطقم وديكورات مبتكرة الشكل والنقوش.. يجمع بينها كلها اللونين الأبيض والأسود
لون مناسب لمن ليس في بيته أطفال مثل بيت فارس
ينزل فارس السلم الحلزوني المشغول بالحديد الرفيع المصبوغ باللونين الأبيض والأسود.. وغترته ما تزال بيده..
فارس أعاد ديكورات البيت كاملا قبل حوالي سنتين.. رغم أن أثاث البيت كان كالجديد لقلة استخدامه.. فهذا البيت الكبير لم يكن به سوى فارس وأمه
ولكن فارس أراد أن يعكس بيته ذوقه الخاص.. ذوقه هو فقط!!
لأن أثاث البيت القديم كان من ذوق جده و مشعل بن محمد اللذين أثثاه وفارس ما يزال مراهقا حينها
كان يكره أن يشعر أن أنه قد يُفرض عليه أي شيء مهما كان بسيطا..
كان اعتداده بنفسه قد تجاوز كل حد
أمه ترفع عينيها له بحنان: وأشفيك تأخرت على شغلك اليوم ؟؟
فارس يقبل جبينها ويلقي بنفسه على المقعد جوارها وهو يقول بثقة وقوة: غطني النوم شوي..والشغل مهوب طاير
أمه تبتسم: مع أني صحيتك بس مافيك فايدة.. الله يعين العنود عليك..
فارس نظر نصف نظرة وهو يقول ببرود مثير: والعنود وش دخلها؟؟
أمه باستغراب: وش دخلها؟؟
فارس بذات البرود الخشن: إيه بنت عمي محمد وش دخلها فيني؟؟
أمه بذات الاستغراب ولكن تخلله بعض القلق: دخلها إنها بتصير مرتك؟؟
فارس بهدوء قاتل وكأن الأمر لا يعنيه: أنا ما أتذكر يمه أني قد قلت لك ولا حتى مرة وحده.. أني أبي العنود..
أمه بقلق: بس ماعمرك قلت أنك ما تبيها..
فارس بحدة: ليه هو حد سألني عن رأيي؟!! قاعدين تنقون لي مره، ماكني برجّال قدامكم!!
أمه توترت .. تكره ثورته هذه.. هو فعلا حنون عليها.. ولكنها تخاف هذه الثورة المرعبة
لا تنكر أنها تخافه.. ابنها ولكتها تخافه: بس يا أمك هي بنت عمك
قاطعها وهو يقف ويقول بثقة : وخير يا طير يا بنت عمي..
أمه تبلع ريقها: والمعنى؟؟
يلتف فارس للمرآة الطويلة المعلقة بالقرب منه ويلبس غترته: المعنى دوري لي المره اللي تجوز لش واخطبيها..
أمه بتوتر قاتل ووجهها يعكس عشرات الألوان: بس أنا أبي العنود..
فارس وهو يخرج : وأنا ما أبيها..
*************************
عودة لقصة سلطان
قبل 26 سنة
بعد حوالي سنة من زواج سلطان وحصة
جاء عبدالله لمقر عمل سلطان، لأنهم لم يكونوا يعرفون له عنوانا أو هاتفا.
كان لقاء الأخوين مؤثرا جدا.. فعلاقة قوية كانت تربطهما ببعضهما قبل أن يبتَّها مشعل الكبير بجبروته وعناده..
يد عبدالله تحتضن يد سلطان كأنه لا يريد أن يتركها أو ربما كان يعلم أن هذه قد تكون المرة الأخيرة التي يلمس فيها شيئا من جسد أخيه ويهمس له بهدوء: سلطان أمش معي.. أبي يبيك.
انتفض قلب سلطان بعنف.. وكاد أن يخرج من بين أضلاعه من اضطراب وجيبه.. وتعالي دقاته.. فرحا وتوجساً
أ يعقل أن يتنازل مشعل الكبير عن جبروته ويتراجع عن طرده له؟!
أ يعقل أن يرى أمه بعد أن أقسم عليه والده ألا يدخل بيته؟؟
يا الله كم هو مشتاق لها!!
يكاد يذوب شوقا ولهفة للانكباب على يديها.. وعلى دفن وجهه في ثنايا صدرها
عبدالله أخذ سلطان وذهب به مباشرة إلى مجلس مشعل الكبير
كان الوقت بعد صلاة الظهر..
دخل سلطان بخطوات مترددة.. رغم اشتياقه لأبيه وأمه وأشقائه وأولادهم.. شعر بطعنة مرة في قلبه.. شعر بانقباض لا يعلم له سببا..
دخل.. كان أبوه جالسا وأخوه محمد وأبناؤه مشعل وراكان.. مشعل كان في حدود الثانية عشرة وراكان أربع سنوات..
لم يفت سلطان ملاحظة إرتعاشة أطراف والده واختلاج عينيه حين دخل
كان والده يجلس بهيبته المعهودة.. لا يعلم لما شعر بالأسى العميق
وهو يرى كأن والده كبر كثيرا في السن..
وخصوصا أن لحيته كلها كانت بيضاء
كان أبوه حريصا على إتباع السنة ووضع الحناء على شيبه.. فما به هذه المرة؟!
شعر بألم شفاف يجتاح روحه.. وهو يشعر لأول مرة بضعف والده القوي
دخل سلطان.. كان بوده أن يرتمي في أحضان والده
ولكنه يعرف أن لغة المشاعر والانفعالات غير معترف بها في عرف والده
اقترب سلطان بتردد وهو يتلفت حوله.. وهو لا يعلم سبب هذا الانقباض المتزايد.. خطر بباله شيء نحره قلقا
قبل أن يسلم حتى، سأل بقلق: سعود وينه؟؟
صمتٌ قاتل وسكون مرعب اجتاح المجلس الواسع، قطعه سلطان بتوتر تخلله بعض الغضب: وين سعود؟؟
عبدالله بحزن: سعود يطلبك البيحة..
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
04-08-2009, 10:45 PM
أسى الهجران/ الجزء العاشر
موضي (بعيارة): إيه الشيخ فارس مايحب يكثر منبهات يخاف على بشرته تتعب..
موضي قالتها بعفوية، لكنها قطعت جملتها وهي تتذكر، وتبتلع ريقها
وهي تنظر لثلاثة أزواج من الأعين تنظر لها وتركز عليها
زوجان من العيون ينظران لها بنظرة هي خليط من العتب والشفقة لما ستناله من صاحب زوج الأعين الثالث
وزوج العينين الثالث ينظر لها نظرة غضب حادة مرعبة تكاد تقتلعها من مكانها
موضي تلاحقت نفسها قبل أن يبدر من فارس أي تصرف
وقفزت لتقبل رأسه وهي تقول باستجداء لطيف:
تكفى فارس تكفى أنك ما تعصب علي.. أنا آسفة يا شيخ الشباب أنت..
ابتسم فارس وهو يقول بثقة: ومن اللي قال لش أني كنت ناوي أعصب عليش؟؟
ابتسمت موضي بأمل: صدق ماكنت ناوي تعصب علي؟؟
كشر فارس وهو يبتسم : بصراحة كنت ناوي أرمل حمد
يعني أنتي بالذات الغلطة ذي غير مسموحة منش لأنش أكثر وحدة تعرفيني
موضي تجلس بجواره وتحتضن ذراعه وتقبل كتفه وهي تقول بمرح باللهجة المصرية:
توبة من دي النوبه يا سيد البشوات أنته.. وحيات اللي خلئ عينيك الحلوين دي.. لو كنت عايداها ابئى اديني بالجزمة فوق نافوخي..
مشاعل كانت تبتسم بشفافية وهي ترى روح موضي القديمة المرحة التي طُمرت تحت كآبتها تعود للتجلي
بعد موقف مشاعل الأخير مع فارس وبطبيعتها الخجولة
كان من المستحيل أن تعاود النزول ووضع عينيها في عيني فارس
قبل مرور أسبوعين على الأقل.
ولكنها تعلم أن موضي ما أن ترى فارس حتى تحضر روحها العذبة
وكان من المستحيل أن تفوت استمتاعها بها
حتى لو كان في ذلك مواجهة جيش من العفاريت..
طال اشتياقها لروح أختها.. فهي قد ترى موضي جسداً..
ولكن روح موضي تطول فترات غيابها..
حتى يصيب مشاعل الصامتة المراقبة الرعب المتوحش أن تكون روحها قد ماتت..خُنقت.. اُستلت!!
فتفاجأ بها تعاود التسلل ناشرة خيطا من البهجة المشعة في قلب مشاعل البريء
وفي موقف آخر غير موقف اليوم ..كان فارس بقسوته المعتادة وفي هذا الموضوع بالذات ليثير زوبعة نارية من الغضب
ولكن لأنه لم يرَ موضي منذ فترة وهو مشتاق لها..
تجاوز لها غلطتها التي لا تغتفر في عُرفه..
*************************
في ذات الوقت
في منزل محمد بن مشعل..
غرفة المكتب في الأسفل التي يتناوب على استخدامها مريم وراكان
كانت مريم تقرأ بنهمٍ كتاباً جديداً وصلها للتو..
فالكتب لمن هم في مثل حالتها قليلة، ولكنها حريصة على أن تحصل على أكبر كم منها
وبالفعل لديها مكتبة كبيرة للكتب المكتوبة بطريقة إبرايل..(إبرايل=طريقة طباعة كتب المكفوفين)
كانت جالسة تقرأ باستمتاع تشاركها فيه أناملها الطويلة الرشيقة التي تتحسس الحروف النافرة بحب..
وكأنَّ هذه المهمة الجديدة التي مُنحت لهذه الأنامل منحتها جمالاً مختلفاً..
وبالفعل كانت يديّ مريم آية في الجمال والنعومة والرشاقة..
للجمال نكهاتٌ مختلفة..
وجاهلٌ من يضيع على نفسه متعة التعرف عليها اعتقاداً أن الجمال هو جمال الوجه فقط..
أو حتى جمال الجسد الفاني!!
فُتح الباب..
مريم ترفع رأسها عن الكتاب وتضعه جانباً وهي تقول باحترام:
حيا الله الغالي.. حياك الله يا أبو محمد.. تفضل..
مشعل يبتسم: أبي أعرف أشلون تعرفيني يا السُكنيّة..
مريم تبتسم: ريحة عطرك تصرع على بعد خمسة كيلو..
أصلا أنا عارفة إنك عندنا في البيت لك حوالي 20 دقيقة بالضبط..
من أول مادخلت البيت وأنا شامة ريحة عطرك..
ابتسم مشعل: زين ناصر وراكان أحيانا يكونون معي في السيارة
ويتعطرون من عطري.. تلخبطين بيننا؟؟
مريم بابتسامة واسعة: مستحيل..
مشعل باستغراب: أشلون؟؟
مريم بشرح هادئ: ريحة العطر تتفاعل مع ريحة الجسد الطبيعية وتعطي نتيجة مختلفة..
يمكن ما تكون واضحة للناس العاديين..
بس لشخص في مثل حالتي تكون واضحة جدا..
ربك يقطع من ناحية ويوصل من الثانية..اللهم لك الحمد والشكر
بس تدري مشعل.. أحيانا الفرق هذا يلحظه العقل الباطن للإنسان السليم حتى...
مشعل باستفسار مستمتع (لطالما كان يستمتع بحديث مريم): أشلون؟؟
مريم بهدوء: يعني أنت أحيانا تشوف إنسان وتكش منه أول ماتشوفه بدون سبب.. صح؟؟
مشعل يهز رأسه : صح..
مريم بعذوبة: السبب أنك تكون شميت ريحته الطبيعية بعقلك الباطن
وهذا الريحة تكون ما تتوافق مع طبيعتك
وعشان كذا فيه ناس ننجذب لهم بعنف وناس ننفر منهم..
وناس ما تتوافق معهم.. بدون ماتعرف السبب
مشعل بعمق: أجل يمكن أنا ولطيفة روائحنا ما توافقت!!
*********************
قبل ذلك بعدة ساعات ولكن بتوقيت آخر
الساعة 8 صباحا
واشنطن دي سي
مقهى قريب من جامعة جورج تاون
جالستان تتناولان قهوتيهما بهدوء..
باكينام تفرك عيناها وتقول بكسل: والله مش عايزة ئهوة ولا نيله.. عايزة أنام
المحاضرة الساعة 1..ممكن أعرف جايين نعمل إيه هنا الساعة تمانيه
عينا هيا محاطتان بهالات سوداء وبادٍ عليها الإرهاق تجيب بصوت متعب:
إذا كنتي أنتي نمتي شوي..أنا ما نمت أبد
باكينام باهتمام: وليه يعني؟؟
هيا باستغراب: كأنج ماكنتي موجودة البارحة وشفتي بنفسج!!
باكينام وهي ترتشف قهوتها ثم تعيد الكوب: خلاص أنتي طردتيه وما أعتقدش إنه هيرجع
هيا تبتسم ابتسامة باهتة: أنا متاكدة إنه بيرجع وبيرجع وبيفرض نفسه على حياتي
باكينام بهدوء وهي تعبث بملعقتها وتقلب قهوتها: بلغي عنه البوليس
هيا انتفضت: مهما كان هذا ولد عمي.. وعلى وشك أنه يخلص دراسته
شكوى مثل هذي بتضيع مستقبله..
أنا أمس لما كنت أهدد أبلغ البوليس ما كنت في وعيي من الغضب..
بس مستحيل أسويها في أي أحد، أشلون ولد عمي.
باكينام فتحت عينيها فيها باستغراب: أما أنتي غريبة.. أنتي عمرك عرفتيه عشان يكون ابن عمك..
هيا بهدوء متعب: صحيح أنا ما أبيه ولا أبي حد من أهله في حياتي
بس في نفس الوقت ما أبي أضر حد..
واللي زاد وغطى أمي من البارحة وهي زعلانة عشان قطعت الكرت..
ما أدري هي شنو تبي فيه
الفتاتان مستغرقتان في حديثهما ولم تنتبها للعينين العسليتين المسلطتين عليهما
ما أن أنهتا شرب قهوتيهما ونهضتا للخروج
حتى قفز صاحب العينين المراقبتين
واقترب منهم محادثا باكينام بلكنة شامية: صباح الورد.. الأخت عربية؟؟
باكينام التفتت لصاحب السؤال، كان شاباً وسيماً بيده عدد من المراجع
أجابت ببرود لكثرة ما اعتادت على هذه الأسئلة: آه مصرية.. فيه حاجة غلط؟؟
الشاب تفاجأ من طريقتها الباردة في الرد، رد بارتباك:
لا أبدا.. بس حبيت أتعرف عليكي إزا ما عندك مانع..
باكينام بنفس النبرة الباردة: أنا مرتبطة .. ولا مؤاخزه تأخرت عالمحاضرة..
وسحبت هيا من يدها .. وهيا تسألها باهتمام: أنتي لمتى وأنتي تصدين كل واحد يتكلم معاج
باكينام بمرح: وأنتي بتصدي كل واحد يكلمك.. إيه الفرق بيننا؟؟
هيا بنعومة: لا فيه فرق.. أنتو تتزوجون بذا الطريقة.. تتعرفين عليه ثم تسحبينه من رقبته لأهلج
لكن أنا لو تزوجت في يوم.. بأتزوج بالطريقة التقليدية اللي عندنا..
ثم أكملت باهتمام: لا تخلين الأفكار الغريبة اللي جداتج حشوا رأسج فيها تخرب حياتج
أنا بصراحة مع جدتج الإيرلندية لا تتزوجين إنجليزي
بس موب مع جدتج التركية لأنج عربية ولازم تتزوجين عربي
وبعدين هي بنفسها تزوجت جدج وكانت تموت فيه
باكينام بنفاذ صبر: هيا لو بتحبيني بلاش السيرة دي.. بتجيب لي افتكاريا..
وأكملت بابتسام وهي تقول: وخلينا فيكي وفي عمود النور اللي اسمه مَشعل، إزاي نزحلئو
********************
غرفة المكتب في بيت محمد بن مشعل
الحوار مستمر بين مشعل ومريم
مشعل بعمق: أجل يمكن أنا ولطيفة روائحنا ما توافقت!!
مريم صُدمت بعنف: مشعل وش ذا الكلام؟؟
مشعل بهدوء: مريم أنا وأنتي أكثر من أخوان.. وأنا بصراحة ما أقدر أكلم حد غيرش في موضوع مثل هذا..
أنا ماني بمرتاح مع لطيفة..
مريم مازالت مصدومة: بعد 13 سنة وأربع أطفال.. توك تكتشف إنك منت بمرتاح!!!
مشعل برزانة: مريم الله يهداش.. أنا لاني ببزر ولاني بمراهق..
عشان تقولين لي كذا.. أنا لي سنين ماني بمرتاح..
مريم تحاول أن تفهم هذه المصيبة التي جاءت لها هذه الليلة: لطيفة مقصرة عليك بشيء؟؟.. مضايقتك بشيء؟؟
مشعل بنبرة واثقة تخللها بعض حزن: المشكلة إنها لا مقصرة ولا مضايقتني.. لطيفة باقي تحطني على رأسها من اهتمامها فيني..
مريم وقفت وهي تنتفض من الغضب: اعذرني مشعل.. بس أنت كذا أكيد أنت اللي عندك مشكلة..
أنا سألتك لأني حبيت أفهم منك، مع أني متأكدة إن لطيفة مافيه مثلها في النسوان ثنتين
مشعل تنهد: مريم اقعدي وخليني أكمل..
مريم جلست مع أنها فقدت أي رغبة في سماع مشعل.. مشعل أكمل كلامه:
مريم.. أنا أدري أن لطيفة مافيه مثلها،راعية بيت وقايمة بي وبعيالها..
بس من يوم تزوجتها وأنا أحس إنه فيه حاجز بيننا
أحس إنها مهيب فاهمتني، مابيننا حوار مشترك، عمري ما حسيت إنه فيه مره حقيقية في حياتي
أنا والله أعز لطيفة وأحترمها، بس عمري ماحسيت ناحيتها بشيء أكثر
ما أقول إن العيب منها، يمكن العيب مني
مريم تقاطعه بغضب رغم أنها نادرا ما تغضب: والمطلوب مني مشعل؟؟
مشعل مستغرب من غضبها: وليش متوقعة إنه مطلوب منش شيء..
أنا بس جاي أفضفض لش.. ضاق خلقي يا أخيش..
مريم وهي تحاول السيطرة على غضبها والعودة لمنطقيتها: مشعل أنا مهوب توني عارفتك أمس..
أنت لو بتموت ما تشتكي.. لو يقطعونك ما قلت آه..
ودامك جاي تشتكي لي اليوم..
فأنت في رأسك موال.. والشكوى هذي مجرد مقدمة لشيء أخطر..
صُدم مشعل من تفهمها الغريب.. واكتشافها أن هناك خطوة مؤجلة مخفية
ولكن لأنه ليس من يثير اضطراباً في أولوياته مع دقته في مخططاته التي أوصلته للنجاح في عمله
رد عليها بثقة: مهوب وقته
ووقف بثقة، ليخرج ويترك مريم مبعثرة المشاعر بعد الفوضى التي أحدثها
وخلَّفت قلقاً متوحشاً مزَّقها بين شقيقها وابنة عمها وصديقتها
فلا شيء آخر تقلق عليه!!
ولا توجد حياة خاصة بها تتجاوز اهتمامها بأهلها وطلابها في المعهد!!
**************************
الدوحة بيت عبدالله بن مشعل
الساعة 10 مساء
رنَّ محمول موضي.. توترت (أكيد حمد جاي بيأخذني)
ردت بنبرة حاولت أن تكون هادئة: هلا حمد
............
إن شاء الله.. الحين
قامت موضي تلبس عباءتها..
كانت موضي تسكن في بيت لوحدها..
رغم أنها كانت تريد أن تسكن مع خالها وعمتها لسببين:
السبب الأهم أن وجود أحد معهم في البيت سيجعله يكف يده عنها
السبب الثاني أن بيت خالها قريب جدا من بيت أهلها
ولكن حمد كان من أصرَّ على أن يسكنوا لوحدهم.
حين رأها فارس تلبس عباءتها.. قال لها: أشفيش مستعجلة؟ اقعدي وأنا بأوصلش..
موضي بتوتر حاولت تخفيه: لا خلاص حمد برا
فارس بهدوء: أنا بأطلع أسلم عليه، و أقول له يروح، وأنا بأوصلش عقب
موضي برعب: لا فارس تكفى..
فارس قفز وقال بنبرة مرعبة: وش فيش خايفة كذا؟؟ حمد قايل لش شيء
والله ثم والله لا يكون حميّد قايل لش شيء يا سيارته إن قد تغدي قبره
موضي نظرت للطيفة مستنجدة، لطيفة بسرعة بديهتها قفزت..
وهي تمسك بيد فارس المتشنجة من الغضب
وتقول بنبرة حاولت أن تدفع فيها أكبر قدر من اللؤم: يا ابن الحلال الليلة ليلة جمعة وبكرة إجازة
ويمكن موضي وحمد عندهم مخططات.. تبي تخربها عليهم يعني؟
فارس شعر بالحرج وهو يشير لموضي ويقول بحدة: روحي لرجّالش لا بارك الله فيش ولا فيه
وموضي تتناول حقيبتها وتسلم على الجميع
وهي تنظر للطيفة نظرات ممتنة لم تفت مشاعل
وتخرج لحمد الذي أصبح فيلم الرعب الذي تعيشه لحظة بلحظة!!
#أنفاس_قطر#
أسى الهجران/ الجزء الحادي عشر
الدوحة
الساعة 10،45 مساء
منزل حمد بن جابر..
في زاوية الغرفة تجلس على الأرض
بعد أن سحبت نفسها سحبا..
وأسندت ظهرها المشبع بالألم والضربات للحائط
وخيط رفيع من الدم يسيل من طرف شفتها على ذقنها
وهو يدور في الغرفة مثل الأسد الحبيس.. عيناه محمرتان
تنذران أنه على وشك البكاء
بعد دقيقة..
الإنذار أصبح حقيقة
وهو ينخرط في بكاء حقيقي مؤلم
وينكب على فخذ موضي المنكمشة في الزاوية ويدفن وجهه في حضنها
لمن لم ترَ أو تسمع رجلا يبكي:
لا يمكن أن تمري بتجربة أبشع منها أو أكثر إيلاما!!
يمزق روحها بكاءه
ماعاد يجمعها به شيءٌ أكثر من الشفقة
الكثير من الشفقة!! والكثير من الخوف!!
مسحت موضي على شعره وهي تهتف بصوت ممزق:
حمد حرام عليك اللي تسويه فيني وفي نفسك
تناول يديها وهو يغمرها بعشرات القبلات المبللة بدموعه:
تكفين موضي لا تزعلين علي
أنا ما أقدر أعيش من غيرش.. لا تخليني موضي.. تكفين.. تكفين
*************************
الدوحة
بيت مشعل بن محمد
الساعة 11 ونصف مساء
مشعل بعد أن أنهى حواره مع مريم مرَّ بمجلسهم قليلا
ثم عاد لبيته مبكراً على غير عادته
وهاهو يجلس في غرفة الجلوس الخاصة الملحقة بغرفته يشاهد الأخبار
لطيفة عادت بأبنائها وتوجهت بهم لغرفهم أولا
حممت جود الصغيرة هي ومريم التي تستمتع بالمساعدة
بينما محمد وعبدالله كانوا قد ناموا نتيجة لتعبهم في لعب الكرة مع خالهم الصغير
وبعد أن أنهت لطيفة مهامها الأمومية.. توجهت لغرفتها لتستحم..
فوجئت بصوت التلفاز.. وفوجئت أكثر بوجود مشعل
وفي ليلة الجمعة التي اعتاد أن يسهر فيها مع أشقائه
بصوت عذب: مساء الخير حبيبي..
مشعل بنبرة محايدة: قولي صباح الخير أحسن.. وحبيبش طل.. منقعتني هنا وعقبه حبيبش..
لطيفة نظرت لساعتها وابتسمت: الساعة 11 ونص.. أي صباحه؟؟
وبعدين أنا مستئذنتك أسهر عند هلي للساعة 12، وهذا أنا جيت قبلها حتى..
وحبيبي وتاج ورأسي.. وش فيك معصب يا قلبي؟؟
مشعل ببرود وهو ينظر لشاشة التلفاز: وتراددين بعد؟؟
لطيفة سحبت نفساً عميقاً (وش عنده ذا يهاد ذبان وجهه) اغتصبت ابتسامة: ماعاش من يراددك.. تعشيت؟؟
مشعل وفي رأسه موال لا يعلم إلى أين سيصل به: مهتمة يعني؟؟
لطيفة تنحني لتأخذ حذائه الملقى في وسط الغرفة وتضعه في دولاب أحذيته المزدحم بالأحذية وترد عليه: ومتى ماكنت مهتمة؟؟
مشعل بنبرة ذات مغزى: أنتي مافيه شيء يخليش تعصبين؟؟
لطيفة مستغربة من حديث مشعل الذي لم تعتده: وليش أعصب؟؟
مشعل بهدوء: يعني موقف مثل اللي قبل شوي، ليش ماعصبتي لأنه أنتي صاحبة حق
أنتي مستئذنة وجيتي قبل الموعد بعد..
ليه ماقلتي لي أنا أصلا استأذنتك فليش تسويها سالفة..
لطيفة بضيق: مشعل وش فيك الليلة؟؟
مشعل باهتمام: أنا على كثر ما أعصب عليش بدون سبب، عمرش ماعصبتي ليه؟؟
لطيفة وهي تشعر بتوجس من هذا الحوار: مشعل أنت ماعمرك هنتي ولا قسيت علي ولا حتى عصبت علي تعصيبة كبيرة
والتعصيب العابر شيء معتاد في حياة الأزواج
وبعدين أنا أعرف أنك مضغوط في شغلك
ولو أنا ما أستحمل عصبيتك من اللي بيستحملها..
مشعل ترك كل ماقالته وتمسك بجملة واحدة.. وقال بحدة:
أنتي بنفسش تقولين "التعصيب العابر شيء معتاد في حياة الأزواج"
يعني أنتي بعد من حقش تعصبين وتشوفين أشلون أنا باستحمل عصبيتش..
لطيفة بهدوء: أبو محمد الله يهداك وش فيك الليلة؟؟.. أنت جاي بدري عشان تهاد وتلاغي وبس؟؟
مشعل وقف وقال بثورة: إيه أبي أهاد والاغي.. وابيش تعصبين..
حسسيني إنه عروقش يمشي فيها دم.. مهوب ثلج..
13 سنة عمري ماشفتش معصبة على كثر ما كنت استفزش
أنتي وش جنسج؟! ماعندش إحساس؟؟...
لطيفة سحبت نفساً عميقاً لتهدئة نفسها، وقالت بهدوء:
مشعل مافيه داعي للتجريح أنا أم عيالك قبل أي شيء..
مشعل بغضب وهو يتناول غترته: أنا ما أبيش أم عيالي قبل أي شيء
أبيش زوجتي قبل أي شيء!!!
مره عندها مشاعر ودفء وحياة تغضب وتعصب وتغير مهوب قالب ثلج
لبس مشعل ملابسه بسرعة وخرج بدون أن يقول كلمة إضافية
في الوقت الذي كانت لطيفة تقف مذهولة..
(الحين أنا اللي قالب ثلج يا مشعل.. هذا والله اللي عيرني بعيارته وركبني حمارته!!
مشعل الليلة مهوب طبيعي.. أكيد فيه شيء مضايقه في الشغل وعشان كذا عصب بذا الطريقة)
لطيفة كانت غاية في التوتر والقلق على مشعل
استحمت وصلت قيامها وظلت ساهرة تنتظره
حتى كاد آذان الفجر يأذن، حينها اتصلت عليه..
جاءها صوته المتعب..
الصوت الذي يقلب كيانها ويهزُّ مشاعرها وتعبث نبراته بأوتار قلبها:
هلا أم محمد..
لطيفة بقلق: واشفيك تاخرت مشعل.. حبيبي أنا بسوي اللي يرضيك..
بس مافيه داعي تخليني أحترق من القلق عليك كذا..
مشعل بصوت متعب حقا: لطيفة أنتي ليه طيبة كذا؟!!
الحين أنا اللي غلطت عليش.. وطلعت من البيت بدون سبب..
المفروض أنا اللي أجي أعتذر منش مهوب أنتي اللي تتصلين تدورين لي
لطيفة بنبرة تقطر حباً: حبيبي أنا ما اقدر أرتاح وأنا عارفة إنه في خاطرك شيء علي
مشعل يتنهد بعمق: خلاص لطيفة أنا بأصلي الفجر وبأرجع لا تحاتيني
**************************
واشنطن دي سي
قبل أذان المغرب بقليل
شقة هيا
هيا أعدت قهوة لأمها وجلست معها في الصالة
أم هيا تشاهد برنامجاً دينياً على قناة إقرأ..
وهيا تجلس متربعة على الكنبة بين يديها كتاب مستغرقة في وضع ملاحظاتها عليه
رنَّ جرس الباب
هيا نهضت لتفتح لأنها كانت تظن أنها باكينام..
قررت أن تتأكد أولا
نظرت عبر فتحة الباب
انقلبت ملامح وجهها بقرف..
وعادت للجلوس بعد أن فصلت الجرس حتى لا تسمعه أمها
أمها بهدوء: من؟؟
هيا وهي تعاود الانكباب على كتابها وتهز كتفيها: واحد شكله مضيع في الشقة
ولكن الطرقات تكررت وهذه المرة على الباب مباشرة
(لحول.. هذا مايفتهم)
زفرت هيا بقهر
أمها باهتمام: قومي شوفي من؟؟
هيا بصراحة: يمه هذا مشعل.. وأنا ما أبي أفتح له..
أم هيا بغضب: ومتى تعلمتي تكذبين علي يا بنت سلطان.. أقول لج من؟؟ تقولين واحد مضيع..
هيا برجاء: يمه فديتج، لا تخلين مشعل هذا يتدخل فينا..
ست سنين من يوم توفى أبوي واحنا عايشين، وش نبي فيهم الحين؟؟
تكفين يمه وقفي يمي.. لا تنصرين ولد آل مشعل عليّ
الطرقات مازالت تتردد بقوة.. أم هيا تقول بإصرار: قومي افتحي لولد عمج
هيا بقهر: بافتح له بس تراني ماني بقاعدة معاكم.. اشبعي فيه يوم إنج بديتيه عليّ
هيا قامت وارتدت عباءتها فوق بيجامتها ولفت شيلتها بإحكام على رأسها
وفتحت الباب، وبدون حتى أن تنتظر أو تنظر له..
دخلت غرفتها وأغلقت الباب عليها..
وقف مشعل على الباب وهو يقول باحترام بصوت عالي: يا أهل البيت
أجابته أم هيا: ادخل يا ولدي
مشعل مستغرب من فتح له الباب، وأم هيا أصلا الحركة عليها صعبة جدا وهاهي جالسة..
مشعل دخل وهو يحمل الكثير من الأكياس ووضعها أرضاً
ثم عاد للوقوف عند الباب: مساج الله بالخير يمه..
أم هيا بهدوء: أقعد يا أمك..
مشعل جلس على الكرسي الأقرب للباب وترك الباب مفتوحا
وهو يسأل: يمه هيا مخليتش بروحش؟؟
أم هيا تبتسم: هيا هي اللي فتحت لك الباب، وراحت لغرفتها..
وبعدين شنو الاغراض ذي اللي أنت جايبها؟؟
مشعل بهدوء: شيء بسيط يمه.. وترا من اليوم أغراضكم كلها أنا اللي بأجيبها
أم هيا بهدوء رافض: مافيه داعي يأمك.. وهيا بتزعل
مشعل بثقة: خليها تزعل.. السنع ماحد يزعل منه
أم هيا وهي تهمس بصوت واطي وتقول بنبرة اهتمام:
يمه أنا أبي أقول شيء مهم أبيه بيني وبينك
***************************
اليوم التالي
الدوحة
العصر
كان محمد خارجا من صلاة العصر.. قابل رجلا لم يقابله منذ مدة طويلة
فحلف عليه أن يتعشى عنده..
أتصل على راكان وناصر يريد أن يحضر أحدهما ذبيحة
لأن السواق لديه إجازة يوم الجمعة..
وجد الاثنين في التدريب..
ناصر في تدريب الفروسية، وراكان في تدريب الرماية..
فاتصل بفارس
فارس ذهب لإحضار الذبيحة ووجدها فرصة أن يفاتح عمه في موضوع أنه لا يريد العنود
وخصوصا أنه انتهى من إبلاغ أمه وأبناء عمه
وتبقى فقط عمه الذي هو المهمة الأصعب
فهو لا يريد أن يحزَّ هذا الشيء في خاطر عمه أو يضايقه
فارس لم يكن لديه أي اعتراض على العنود سوى إحساسه إنها فُرضت عليه
وهو يكره أن يُفرض عليه شيئا..
وهذه هي تربية مشعل شقيق العنود له
رباه أن يكون قاسياً.. جلفاً.. واستقلالياً
وهاهو يحصد تربيته في رفض فارس لشقيقته
بعد أن أحضر فارس الذبيحة.. نزل لعمه في المجلس
مال على أنف عمه وقبله: مساك الله بالخير يبه
أبو مشعل: هلا والله مساك الله بالنور والسرور.. جبت الذبيحة؟؟
فارس بهدوء: في السيارة
أبو مشعل بود: ولا عليك أمر.. ودها داخل البيت..للمطبخ الخارجي
فارس بثقة: إن شاء الله.. بس أول فيه شيء أبي أقوله لك..
أبو مشعل باستفسار: سم
فارس يسحب نفسا عميقا : سم الله عدوك..
أنت يبه عارف إنك إبي.. وعيالك كلهم أخواني
أبو مشعل: أكيد يا أبيك مافيه شك..
فارس بثقة وكأنه يتحدث في موضوع اعتيادي: والعنود بعد أعدها مثل أختي..
أبو مشعل بتوجس: والمعنى يا أبيك؟؟
فارس بهدوء: العرس قسمة ونصيب، وابن آدم مايدري وين نصيبه
والعنود الله كاتب لها نصيبن أحسن مني.. وأهم شيء إنك ما تأخذ على خاطرك مني..
أبو محمد حاول ابتلاع الصدمة التي هزته
والتي ألقاها فارس فوق رأسه بكل بساطة
فالعنود خُطبت منه كثيرا وكان عذره الدائم أن ابن عمها فارس بن سعود يريدها
ماذا سيقول الناس الآن؟؟
ماعيب ابنته حتى يتركها ابن عمها؟!!
هل يا ترى يطلب من عبدالله أن يخطبها لمشعل
رغم أن مشعل كان هو من تنازل عنها لفارس لأنه يعتبرها مثل أخت صُغرى له
وما به فارس؟؟ ولماذا يرفض ابنته؟؟
ورغم كل هذه الأفكار المرَّة التي التهمت تفكير محمد، إلاَّ أنه سحب نَفساً عميقأً وهو يقول:
وكاد يا إبيك وكاد.. العرس قسمة نصيب والإنسان مايأخذ إلا نصيبه، وأنت تراك ولدي أول وأخر..
فارس وقف بثقة وهو يقبل رأس عمه: الله لا يخليني منك.. أنا رايح أنزل الذبيحة
في ذات الوقت
في مطبخ بيت محمد بن مشعل الخارجي
كانت مريم تجلس على الكرسي
والعنود تجلس على الطاولة وتحرك رجليها جيئة وذهابا وتقول بمرح:
أما أمش هذي غريبة.. الحين فيه خدامتين هنا إلا لازم تدخلني المطبخ..
مريم بمرح هادئ: تدرين أمي ماتحب تاكن الذبايح على الخدامات..
وهذا أنا جاية معش أسوي لش مساندة معنوية.. لا تقطعين يدش ولا رجلش يالدلوعة
العنود تضحك: حرام عليش اللي يسمع بس يقول أني مابعد سويت ذبايح
فيه حد في بيت محمد بن مشعل ويتدلع.. ماعندكم دلع غير كرف المطابخ
مريم تضحك: خلينا نعلمش الطبخ عشان إذا رحتي لبيت فارس ماتفضحينا
ويقول ماعلمتوا بنتكم طبخ الذبايح..
العنود تضحك بعذوبة: ليه هو فارس ولد عمش يعرف يذبح ذبايح
تصدقين أحس إنه يخاف يشوف الخروف المذبوح
يمكن لا شاف الدم يغمى عليه
مريم بدفاع : إذا فارس مايعرف الذبايح أجل من اللي يعرفها؟؟
العنود تبتسم: يعرفها رجّال صدق مثل أخواني، مهوب ولد عمش الناعم
ثم أكملت بمرح: صحيح أنا حلوة وأجنن وأطيح الطير من السما
بس يا أختي هو أحلى مني، أشلون اخذ رجّال أحلى مني
ثم أكملت بمرح ماسخ: وإلا تدرين يا أختي على زينه ونعومته أخاف يطلع جنس ثالث
ترفة على قولت الكويتيين وأتورط فيه
مريم بغضب: عيب يا العنود.. احشمي ولد عمش..
فارس رجّال غصبا عنش..واقصري ذا الحكي الماصخ
العنود تضحك: فديت اللي زعلوا عشان ولد عمهم الدلوعة الكتكوتة
" مــــــــريم.. مـــــريــــــــم"
صوت رجولي خشن مرعب متوحش غاضب ملتهب
قادم من خارج المطبخ قاطع حديثهما
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
04-08-2009, 10:49 PM
أسى الهجران/ الجزء الثاني عشر
" مـــــــــــــــريم.. مـــــــريــــــــم"
صوت رجولي خشن مرعب متوحش غاضب ملتهب
قادم من خارج المطبخ قاطع حديثهما
قبل هذا الموقف بدقيقة
كان فارس يصل إلى المطبخ الخارجي وكان على وشك مناداة الخادمة لتأخذ الذبيحة
إلاَّ أنه استغرب سماع اسمه
كان صوت مريم الذي يعرفه جيدا.. فمريم بمثابة أخت كُبرى لهم جميعا
كانت تقول: خلينا نعلمش الطبخ عشان إذا رحتي لبيت فارس ماتفضحينا
ويقول ماعلمتوا بنتكم طبخ الذبايح..
شعر حينها فارس بالحرج وبشيء من الحزن
لأنه علم أنها تخاطب العنود
كره أن تكون العنود قد رسمت لها حياة معه..
بينما هو قطع كل مابينهما قبل دقائق
(خلاص مسيرها بتدري إن نصيبها مهوب معي.. الله يكتب لها الخير)
ثم هزه بعنف ضحكة عذبة
ثم نعومة الصوت الذي سمعه يرد على مريم..
الصوت الذي يسمعه لأول مرة
صوتٌ غصباً عنه حرك بعمق حاد أوتار رجولته بنعومته وغنجه وأنوثته..
ولكن فحوى الكلمات التي حملها الصوت الناعم نحرته
انتفخت أوداجه غضبا كاسحا..
وأحمَّرَ وجهه الأبيض حتى كاد الدم يتفجر من رأسه
وهو يشعر أن عروقه على وشك التمزق من تدفق الدم..
تمنى أن من قال هذا الكلام كان رجلاً حتى يدفنه في مكانه..
الرجال أنفسهم لا يجرؤ أحد منهم أن يتجرأ على فارس بكلام أقل من هذا
فكيف تفعل هذا ابنة عمه؟!!
كانت عقدة فارس أنه شديد الوسامة..
هل سمعتم بعقدة كهذه؟؟
كان فارس بالغ الوسامة إلى درجة مفرطة..و عيناه واسعتان ناعستان بصفين كثيفين من الأهداب الطويلة ..
شفتاه ورديتان نديتيان بطبيعية.. وبشرته بيضاء محمرة شديدة الصفاء
حين كان صغيرا.. كان الجميع يظن أنه فتاة لشدة جماله ونعومته
وكانت والدته تخشى عليه العين.. ولا تحب أن تخرج به إلى أي مكان
حين بلغ الخامسة.. بدأ جده يصرُّ أن يأتيه للمجلس.. وكان يذهب به لكل مكان..
في يومٍ كان خارجاً به من المسجد
وكان مشعل بن محمد تأخر عنهم في لبس حذاءه
فسمع شباب يقفون بالقرب من المسجد ويأشرون على فارس بإيحاءات قذرة
توقف مشعل وتعارك معهم عراكا كبيرا
حينها بدأ اهتمام مشعل بفارس وخوفه عليه
أدخله نادي للكاراتيه والمصارعة وهو في سن الخامسة، وسجل مشعل معه لخوفه عليه
واستمر فارس في النادي لعدة سنوات
ومشعل يدفع في عروقه كل ما يستطيع من القسوة والجلافة
حين كان فارس في المدرسة ويناديه أحدهم بالحلوة
كان من يقولها قد باع نفسه، لأن فارس كان كان سيكسره تكسيرا
كثرت معارك فارس ودخوله للحجز المؤقت بعد كل عِراك
بعدها توقف الجميع عن التحرش به
لأنه لا أحد يستطيع مناطحته
هذه المعارك تركت آثارها على وجه فارس..
ولكن بصورة عذبة زادت ملامحه وسامة رجولية :
فهناك قطع في طرف حاجبه اليمين قسم حاجبه من طرفه قسمين
وقطع في طرف شفته السفلية من الناحية اليسار..
أما الملمحان الأكثر رجولة في فارس فهما
صوته العميق الشديد الخشونة
ولحية عارضه التي يخففها دائما بطريقة (الديرتي)
في محاولة لإعطاء ملامحه قسوة مقصودة في تمازج سوادها مع بياض بشرته..
ورغم تجاوز فارس لنعومة وجهه بعد ظهور الشعر على وجهه منذ كان في الرابعة عشرة
إلا أن هذا الأمر ظل حديثاً ممنوعاً طرحه أمامه..
إلا أن كان أحدهم يريد أن يُضرب أو يتعرض لسيلٍ كاسحٍ من الكلمات القاسية
وهاهو فارس اليوم يسمع إهانة من نوع جديد
إهانة لم يسمع مثلها حتى وهو مراهق
فيسمعها اليوم من ابنة عمه التي (كان) يُفترض أن تصبح زوجته
صرخ بمريم بصوته المرعب الذي كان عامرا بالغضب الناري:
" مـــــــــــــــريم.. مــــــــريــــــــم"
العنود بخوف: يمه من ذا صوته اللي يروع؟؟؟
مريم برعب وهي تهمس: الله ياخذش.. الله ياخذش.. أنتي ولسانج الطويل اللي يبي قص..
إن شاء الله مايكون سمعش
ثم رفعت مريم صوتها وهي تقول: جايه جايه فارس..
العنود ما أن سمعت اسم فارس، حتى شعرت كما لو أن جلد وجهها قد سُلخ
وقلبها تصطرع به طبول حرب مجنونة من تسارع دقاته وعجزها عن سحب أنفاسها
تراجعت للخلف وهي ترفع قدميها على الطاولة وتضم ساقيها لصدرها وهي ترتعش.
فهي تعرف أنها أخطأت والكلام الذي قالته كلام لا يُقال..
مريم أنزلت جلالها على وجهها وغطته وتوجهت لباب المطبخ
وهي تحاول أن تقول بنبرة ترحيب اعتيادية: هلا والله بفارس.. حياك الله
فارس بذات النبرة المرعبة وهو واقف خارج المطبخ قريب من الباب
وبدون أن يرد على سلام مريم: الذبيحة عند الباب خلي الخدامات يأخذونها
وقولي للي وراش دواها عندي، الجنس الثالث بيوريها شغلها
إذا ماخليتها تندم ألف مرة على كل كلمة قالتها ما أكون ولد سعود بن مشعل
عطران الشوارب ما يتجرون علي.. تجرأ هي علي
فارس قال كلمته وانسحب عائدا للمجلس
بينما العنود انخرطت في بكاء حاد وهي تقفز من مكانها وترتمي في حضن مريم:
بيذبحني يا مريم بيذيحني.. خلاص ما أبيه.. ما أبيه..
.. إن خذته بيذبحني.. تكفين قولي لابي ما أبيه..
فارس عاد لعمه في المجلس وأطرافه وتفكيره وعروقه تتآكل جراء غضبه المدمر
وتفكير جديد مرعب يتشكل في أعماقه المجروحة من قسوة الإهانة وحدتها
جلس بجوار عمه وهو يقول لعمه بنبرة عميقة : طلبتك
عمه انتفض من الحمية: عطيتك..
فارس بثقة مرعبة: بأروح أجيب المملك وملكني الحين
عمه باستغراب: أملكك من؟؟
فارس بنبرة خاوية: العنود..
محمد باستغراب كبير: توك يا أبيك تقول ما تبيها!!
فارس وألف تفكير يسيطر عليه يقول بنبرة خاصة: جهل مني يبه..
وإلا حد يعيف العنود شيخة البنات..
محمد استغرب انقلاب فارس
ولكن لأنه كان ينتظر هذه الخطوة منذ زمن
ويعلم أن العنود موافقة عليه.. لذا لم يرد فارس:
خلاص ولا يهمك، كلم عيال عمك، وانا بأكلم عمك عبدالله، وجيب المملك عقب المغرب
فارس بعمق: وأبي عرسي مع عرس ناصر عقب 3 شهور..
مشاعل أختي والعنود أخت ناصر.. يعني خلنا نخلي الفرح فرحين
محمد بتوجس: ما تشوف أنك مستعجل يا أبيك
البنت باقي عليها السنة ذي والسنة الجاية لين تخلص جامعتها
فارس بثقة ورجاء: وأنا ماني بطاردها تكمل جامعتها..
تكفى يبه.. ماقد طلبتك شيء قدام ذا
وفعلا كان محمد مستغربا من إصرار فارس
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يطلب منه شيئا
قال له بود: توكل على الله
*********************
بيت عبدالله بن مشعل
كان عبدالله راجعا من صلاة العصر
وأنهى للتو مكالمة مع ابنه مشعل
مكالمة بعثت في قلب عبدالله سعادة لا حدود لها بما جاء فيها من أخبار
كان عبدالله يكاد أن يركض بحثا عن والدته
كان يريد أن تكون أول من يسمع الخبر..
كان يريد أن يرى التماع عينيها حين تسمعه..
أن يشعر بارتعاش كفيها بين يديه..
أن يعيد لها بعضا من حلم ضاع
حلمٌ اُستل من بين أحضانها.. وحتى ذكرياته اُنتزعت من خيالها
كان وجود فارس أمامها يصبرها على فقدان سعود
ولكن سلطان رحل
وما ترك لها سوى الحسرة المحرقة التي ظلت تحرق أحشائها
وتطويها بوجع لا نهائي
لا طيفٌ له.. ولا بعض من رائحته.. ولا روح تنبض تذكرها بنبضه
مجرد ذكرى بوجع صِرف مرٍّ
عبدالله دخل بيته وهو مقطوع الأنفاس..
وجد أم مشعل ومشاعل في الصالة وأمامهن قهوة العصر في انتظار الجدة
التي ما خرجت من غرفتها بعد صلاة العصر
عبدالله بلهفة بنبرة صوته المنهكة من سرعته في المشي: وين أمي؟؟
أم مشعل ومشاعل بقلق: عسى ما شر؟؟
عبدالله بنفاذ صبر: وين أمي؟؟
أم مشعل بتوتر: في غرفتها
كان عبدالله على وشك الدخول لها لولا أنها خرجت تتهادى بارتكازها على عصاها
وكتفاها المنحنيان وتجاعيد عينيها البارزتين عبر فتحات برقعها
تشي بسنواتها الخمسة والسبعين التي كابدت فيها من الآلام الكثير..
وهي تقول بهدوء: تبيني يا بو مشعل؟؟
عبدالله بلهفة: إيه.. عندي لش علمن زين.. بس اقعدي أول
قامت مشاعل لتساعد جدتها على الجلوس
التي ما أن استوت جالسة حتى قالت لعبدالله بذات الهدوء: خير إن شاء الله؟؟
عبدالله جلس جوارها وهو يحتضن يدها ويقول بفرح ولهفة غامرين:
مشعل توه مسكر مني.. يقول إنه عيّن بنت سلطان الله يرحمه ومرته عنده في أمريكا
***********************
محمد دخل إلى بيته.. ونادى مريم وأم مشعل ليخبرهم بموعد الملكة..
أم مشعل أخذت الموضوع ببساطة لأنها كانت تتوقعه
مريم توترت وخصوصا أن والدها طلب منها أن تخبر العنود أن ملكتها ستكون بعد المغرب
لم تعرف ماذا تقول؟؟ أو كيف تتصرف؟؟
ولكن مريم في نهاية الأمر فكرت أن الأمر لا يعدو أن يكون غضب شباب
ولم تحاول أن تربط بين سماع فارس لهم وموعد عقد القران المفاجئ
لأنها قررت ألآ تحمل الموضوع أكثر مما يحتمل..
واعتقدت أن فارس أصلا كان قد جاء اليوم لإنفاذ عقد القران
توجهت بخطوات مترددة لغرفة العنود التي كانت منهمكة في بكاء طفولي حاد
كانت العنود ببراءتها وعذوبتها شديدة الحزن والتمزق..
لم تكن تريد أن تجرح فارس بهذه القسوة ولم تقصد..
(عمره ماسمع صوتي.. ويوم الله كتب إنه يسمعني عشان أسمعه ذا الكلام اللي يسم..
والله أني ما أقصد.. ما أقصد)
مريم فتحت الباب بتردد.. مزَّقها سماعها لبكاء صغيرتها الموجع
فهي من ربت هذه الصغيرة.. نعم أفرطت في دلالها..
ولكنها تعلم أنها أحسنت تربيتها، وأنه معدنها الأصيل سيحكمها في المواقف الجدية.
مريم تقترب من سريرها وتجلس إلى جوارها وتهمس لها بحنان ومساندة:
عنادي قومي.. أبي أقول لش شي
العنود رفعت رأسها عن مخدتها ووضعتها على فخذ مريم
وهي مستمرة في بكاءها النحيبي..
تمزقت مريم وهي تشعر بالبلل يغرق فخذها
والعنود تهتف بصوت متعب من كثرة البكاء ورأسها مدفون في فخذ مريم:
والله أني ما أقصد يا مريم.. أنا ماني بشريرة لذا الدرجة..
ليت لساني انقطع ولا قلت كلمة من الكلام اللي قلته.. والله أني ما أعرف أشلون قلته..
تنهدت مريم (كثيرٌ على صغيرتي كل هذا الألم!!) :
قومي يا قلبي غسلي وجهش.. فيه شيء مهم لازم أقول له.. ولازم تكونين هادية وأنتي تسمعينه
توترت العنود (أنا ناقصة بعد!!)
ولكنها توجهت للحمام وغسلت وجهها بماء بارد..
ثم أخذت نفسا عميقا وتوجهت لمريم وجلست لجوارها وهي تسمي باسم الله: وش فيه مريم؟ خوفتيني؟
مريم بهدوء وبنبرة مساندة: خليش من الموقف اللي صار اليوم.. فارس نفسه وش رايش فيه؟؟
العنود بتوجس: رجّال والنعم فيه
مريم بذات النبرة المساندة: وأنتي أساسا كنتي موافقة عليه؟؟
العنود وقفت، وهي تهتف بارتعاش:
كنت موافقة عليه قبل اللي صار اليوم.. بس الحين أشلون أحط عيني في عينه
مريم تحسست الجسد اللين الناعم الواقف بجوارها حتى وصلت ذراعها وشدتها
وهي تُجلسها لجوارها: بس أنتي عارفة إنه كل الناس عارفين إنه أنتي بتاخذين فارس..
وش تبينهم يقولون عليش؟؟
العنود بتوتر: يقولون اللي يقولونه ما يهمني
مريم وهي تستخدم ورقة الضغط الأخيرة: وأبيش وأخوانش بعد ما يهمونش
ولا يهمش كلام الناس عليهم؟!!!
العنود انتفضت بعنف، وهي تقول بإعياء مؤلم مُستنزَف: مريم أنتي وش تبين؟؟
مريم وهي تلقي الخبر القنبلة وتحاول أن تغلفه بالهدوء:
ملكتش عقب المغرب
#أنفاس_قطر#
.
.
.
.
.
أسى الهجران/ الجزء الثالث عشر
بيت عبدالله بن مشعل
بعد صلاة العصر
كان عبدالله على وشك الدخول لغرفة أمه، لولا أنها خرجت تتهادى بارتكازها على عصاها..
وكتفاها المنحنيان وتجاعيد عينيها البارزتين عبر فتحات برقعها
تشي بسنواتها الخمسة والسبعين التي كابدت فيها من الآلام الكثير..
وهي تقول بهدوء: تبيني يا بو مشعل؟؟
عبدالله بلهفة: إيه.. عندي لش علمن زين.. بس اقعدي أول
قامت مشاعل لتساعد جدتها على الجلوس، التي ما أن استوت جالسة حتى قالت لعبدالله بذات الهدوء: خير إن شاء الله؟؟
عبدالله جلس جوارها وهو يحتضن يدها ويقول بفرح ولهفة غامرين:
مشعل توه مسكر مني.. يقول إنه عيّن بنت سلطان الله يرحمه ومرته عنده في أمريكا
ارتعشت يدها الساكنة في كف ابنها بعنف
وهي تبتلع ريقها بصوت مسموع دليلاً على توقف عبراتها في حلقها: بنت سلطان؟!!
نطقت الاسم حرفاً حرفاً كأنها تشرق بحلاوته..
كأنها تريد أن تتأكد أنها لا تحلم.. وأن هناك فعلا ابنة لسلطان..
رائحة لسلطان..
اسم يليه اسم سلطان..
امتداد لسلطان
(وآه يا سلطان.. آه.. ياوجع أمك وحسرتها!!)
عبدالله غصبا عنه تسللت دمعة أبية لعينيه
وهو يقول بصوت شديد التأثر: واسمها هيا بعد..
ثم أكمل بمرح عذب: يعني عييتي ماخليتني أسمي حد من بناتي عليش وهذا هو سلطان سمَّى عليش
ارتعشت بعنف وهي تهتف بجملة واحدة منتزعة من أقصى أعماقها الموجوعة:
أبي أشوفها.. أبي أشوفها.. تكفى يا عبدالله يأمك.. تكفى
انتفض عبدالله من الحمية..
لم يسمع أمه مطلقا تقول (تكفى) لأيِّ أحدٍ مطلقا
ولا حتى لمشعل الكبير حين طرد سلطان..
مسك عبدالله يدها باحترام وحبٍّ، وهو يرفعها ويطبع على ظاهرها قبلة احترام ويقول:
أبشري بسعدش يمه.. أبشري باللي بيجيبها عندش..
بس خليهم لين يخلصون بس ذا الفصل.. شهرين بس يالغالية.. شهرين..
واللي صبرش ذا السنين.. يصبرش ذا الكم يوم
**********************
بيت محمد بن مشعل
غرفة العنود
قبل المغرب
مريم بتأثر بالغ: العنود فديتش.. خلاص بسش بكا..
ما تبينه قمت كلمت مشعل يقول لأبي.. العرس مهوب غصيبة..
العنود ترفع رأسها عن مخدتها
ليظهر وجهها المحمر وعينيها الذابلتين من كثرة البكاء
وتقول بنبرة خاوية: لا يا مريم لا.. ما ني باللي أنزل رأس أبي وأخواني..
وفارس لو يبي يذبحني عقب العرس حلاله.. أنا أستاهل..
عشان أعرف أثمن الكلمة قدام أقطها
**************************
مجلس آل مشعل
بعد المغرب
رجال عائلة آل مشعل يجتمعون كلهم.. عدا مشعل بن عبدالله المتواجد في واشنطن
أبناء محمد يتبادلون نظرات مستغربة (كان قبل يومين يقول يبي أمه تختار له.. وش طرا عليه الحين؟؟)
قد يمنع مشعل وراكان إحساسهما المتضخم بالكرامة من سؤال فارس عن سبب تغيير رأيه
ولكن ناصر (رغم أنه لا يقل عنهما في اعتداده بنفسه وكرامته)
هو صديق مقرب من فارس ولا توجد حواجز بينهما
لذا مال على أذنه وهو يسأله بهمس فيه رنة غضب: ممكن أعرف وش غير رأيك؟؟
فارس بنبرة واثقة: غيرت رأيي في ويش؟؟
ناصر بغضب: فويرس الحركات ذي مهيب علي..
مهوب توك قبل يومين تبي أمك تختار لك، واليوم جاي تملك
ترا أختي مهيب ناقصة يد ولا رجل.. وألف من يتمناها..
فارس ببرود: أولا أنا فارس ماني بفويرس، ثانيا اعتبرني واحد من الألف اللي يتمنون أختك
وإلا منتو بشايفيني كفو لها؟؟
ناصر يقترب أكثر من أذن فارس ويهمس وهو يصرًّ على أسنانه بغضب أكبر:
فارس ثمن كلمتك..
فارس تنهد بعمق قد يكون يشتعل في داخله غضبا على العنود
ولكن أبناء عمه أكثر من أشقاء له، ولا ذنب لهم في مخططه طويل الأمد مع العنود
لذا رد على ناصر بأخوية: السموحة يا أخيك.. تذكر أنت يوم ملكتك كنت تهاد ذبان وجهك
وأنا ماغيرت رأيي، قلت اللي تختارها الوالدة، والوالدة ما اختارت غير العنود..
ناصر تراجع واعتدل في جلسته وأعصابه الثائرة تسكن
وراكان يميل على أذنه ليعرف ماذا قال له فارس
ثم ينتقل الهمس من راكان لمشعل
وهم في انتظار خال فارس الذي أصَّرَ أن يحضر الشيخ بنفسه
بعد دقائق كان خاله سعد (وابن عم محمد وعبدالله) يدخل عليهم بالشيخ
والفرحة بادية على محياه اللطيف
انتهت إجراءات العقد والشهود كانوا عبدالله وسعد
ثم طلب الشيخ أن يذهبوا به للعروس لأخذ موافقتها
فأخذه ناصر من المجلس لبيتهم
وقلوب تصطخب مشاعرها خلفه في المجلس
في قلب محمد وأبنائه نوع غريب من الشجن..
عميق وشفاف ومفعم بشوق مبكر لصغيرتهم..
رغم أنها ستخرج من منزلهم لمنزل مجاور
ولكنها ستخرج.. وهذا مايهم!!..
ستخرج لتصبح سيدة متزوجة مسؤولة عن بيت وزوج
أ يعقل؟؟ العنود؟!! سيدة متزوجة؟!!
هل سبق أن صحيتم من قيلولة طويلة وأنتم تشعرون برغبة مميتة في قطعة شيكولاته تذوب تحت ألسنتكم..
وتعدل مستوى السكر المنخفض وتعدل المزاج؟!!
هكذا العنود بالنسبة لأهلها الذين يعيشون مرحلة مابعد قيلولة دائمة..
هي نكهة الحياة الحلوة وبهجتها.. هي قطعة الشوكولا اللذيذة..
هي ابتسامتهم بشقاوتها.. بعذوبتها..
بدلالها الذي يشعرهم بحاجتها الدائمة للحماية
حتى لا تُخدش جوهرتهم الثمينة الشفافة..
وإذا كانت مريم ملجأهم ومصدر التفهم والحنان في أسرتهم..
فالعنود هي فرحتهم ومصدر إحساسهم بمتعة الحياة..
فارس كان في عالم آخر عكسي تماما..
عالم مختلف ومشاعر معاكسة مغايرة للحنان والشوق الذي يعمر قلب محمد وأبنائه
شعورٌ أسود مرّ مغلفٌ بحقد جديد..
العنود خدشت رجولته.. وأهانته..
وليس فارس من يسكت على الإهانة أو يبتلعها..
"ستندم هذه الحقيرة.. ستندم.. ستندم....ستندم"
هذه هي الكلمة التي كانت تدمدم في رأسه بوحشية.. كمطارق تهرس تلافيف مخه وتعيد تشكيلها في اتجاه واحد
.
.
العنود
.
ثم
.
.
العنود
عبدالله وسعد كانا في غاية السعادة ..
وخصوصا عبدالله الذي كانت فرحته هذه الليلة خاصة جدا وعميقة جدا..
وهو ينتظر انتهاء مراسيم الملكة ليخبر شقيقه وأبناءه بالعثور على ابنة شقيقهم الراحل..
*******************
وصل ناصر لبيتهم.. وكان قد اتصل بوالدته حتى تلبس العنود عباءتها ونقابها
العنود في غاية التوتر.. تعلم أن فارس لا بد غاضب عليها..
ولكن خيالاتها البريئة لم تصل إلى مستوى غضبه وحقده عليها..
(بيزعل علي يومين.. وعقبه بينسى!!) هكذا كان تفكيرها..
وتفكيرها لم يخلُ من غرور بجمالها وأنوثتها..
في اعتقادها لن يستطيع الصمود أمامها!! فهو رجلٌ أولا وأخيرا..
وللجمال هيبة وسلطان..
قبله مشعل صمد 13 عاما أمام جمال نادر لم يشعر بوجوده في حياته
رغم أنه يحترم لطيفة ويقدرها!!
فكيف فارس أمام العنود وهو الحاقد عليها؟!!
أصرت العنود أن تبقى مريم معها..
وكانت متشبثة بيدها كطفلٍ يخشى أن يضيع من أمه..
ومريم يهز أعماقها النبيلة ارتعاش أنامل شقيقتها وصوتها الذي يخرج مهتزاً لارتعاش فكها..
- موافقة يا ابنتي على فارس بن سعود بن مشعل آل فارس الــ
- مممم ... وووو.... ااااااا...فففف...ققققق... ــــة
ناصر يضحك: تصدقين بغيت أرقد بين الميم والتاء المربوطة... مشوار والله..
- أ عندك شروط يا ابنتي؟؟
- لللللللللا
ناصر يقبل رأسها ويقول لها بحنان: مبروك يا قلب أخيش..
فارس رجّال مافيه مثله.. إن شاء الله إنش ما تضامين في بيته..
الضيم.. الضيم... الضيم...
لِـمَ تذكره الآن يا ناصر؟!!
*********************
ذات الوقت ولكن بتوقيت آخر
الساعة التاسعة صباحا
واشنطن دي سي
جامعة جورج تاون
كانت هيا أنهت محاضرتها وخرجت من مبنى الكلية للحديقة الشاسعة أمامها
لتجلس قليلا في انتظار باكينام.. وتعود بعدها للبيت
لم تنتبه للصوت الذي كان يناديها منذ خرجت من المحاضرة
حتى اقترب منها
كان زميلها في المادة.. استوقفها الشاب الأمريكي
لأنه كان يود تصوير المحاضرة السابقة منها.. فهو يراها سريعة في الكتابة..
ابتسمت هيا غصبا عنها فلهجته كانت غريبة على أذنها نوعا ما
ووجدت صعوبة في فهمه، وهو ابتسم لأنه فهم أنها مستغربة لهجته
لأنها كانت تسأله أن يعيد كلامه..
الشاب بابتسامة لطيفة: أنا من لويزيانا معقل الجنوب، ونحن هنا في واشنطن معقل الشمال
بالتأكيد ستجدين اختلافا بين لهجاتنا..
وخصوصا أن لهجتك البريطانية راقية جدا وجعلتني أشعر كحثالة
هيا ابتسمت وهي تريد انهاء الحوار: العفو لا تقل هذا..
والمحاضرة أنا سأصورها لك.. وسأحضرها المحاضرة القادمة..
أخرج الشاب عددا من السنتات (السنت العملة الأمريكية الأصغر من الدولار 100 سنت تساوي دولارا واحدا)
ليعطيها لهيا..
هيا برفض: لا داعي.. فالمبلغ لا يستحق..
الشاب مستغرب فهم غير معتادين على الأريحية العربية المعتادة..
وكان مصرا أن تأخذ المال.. وهو مازال يلح وهيا ترفض..
فاجأهم صوتٌ بارد كالثلج حادٌ كنصل سكين مشحوذ
ولكن باللكنة الأمريكية الشمالية هذه المرة: هل اجتماع القمة هذا مستمر لفترة أطول بعد؟!!
الشاب الأمريكي ابتسم وهو يرفع رأسه للقامة الطويلة التي وقفت بينه وبين هيا:
ترفض أن تأخذ ثمن التصوير..
هيا مدت يدها وهو تقول ببرود: أعطني السنتات..
(كانت تريد إنهاء هذا الموقف كله)
كان الشاب على وشك وضع العملات المعدنية في كف هيا الممدودة
ولكنه فوجئ بكف ضخمة تنفتح فوق كف هيا دون أن تلمسها
لتسقط العملات فيها
ومشعل يميل على أذن هيا وهو يصر على أسنانه بغضب:
امسكي يده أحسن يا بنت سلطان
الشاب لم يهتم بما حدث.. وانسحب بعد أن أعطاهم السنتات
وهذا ما يهمه حتى يضمن تصويره حسب ظنه
هيا تلتفت ناحية مشعل وهي ترد ببرود: أمسك يده.. ما أمسكها موب شغلك
مشعل بغضب مكتوم: إلا شغلي ونص..
والله ثم والله.. لو ماعدلتي أسلوبش معي.. يا تشوفين شي ما شفتيه
هيا قلبت شفتيها باحتقار وازدراء وهي ترد بسخرية: عشتوا.. خوفتني صراحة.. تصدق بيغمى علي من الخوف..
مشعل ببرود: لهالدرجة شوفتي تطلع عدائيتش الغير طبيعية..
توش شدوقش بتطيح من التبسام للأمريكي..
هيا بنفس بروده: والله هو زميلي في المادة ومن الذوق ابتسم في وجهه..
بس الملاقيف اللي في إدارة الأعمال وش جابهم عند الاقتصاد..
مشعل يبتسم ابتسامة باردة وهو يرد عليها بثقة: والله أنا اروح وين ما أبي..
ما أنتظر أذن من حضرة سمو جنابش..
ثم ابتسم بسخرية وهو يرفع حاجبه و يقول: وأنا ما أتذكر إني قلت لش إني في إدارة.. شكلش متتبعة أخباري
هيا لم تسمح له أن يشعرها بالحرج، جاوبت ببرود: والله أنت بكبرك ما تهمني.. الملحق الثقافي هو اللي قال لي..
مشعل ببرود: يوم أنكرتي هلش عنده..
هيا بنفس بروده وهي تصر على أسنانها: أنا ماعندي أهل عشان أنكرهم.. ما قلت له غير الصدق..
وش تبيني أقول للملحق.. إيه عندي أهل بس رمونا كن حن زبالة..
مشعل وهو يهز رأسه: الحكي معش ضايع...
خلصي محاضراتش وأذلفي للبيت لأمش اللي قاعدة تنتاش..بدون فرفرة وهذرة في الجامعة
هيا بحدة: أنت يا ولد آل مشعل مالك دخل في أمي..
وأنت اللي أعرف مع من تتكلم..
ومو أنت اللي بتيي تعلمني أشلون أتصرف في حياتي..
مشعل ابتسم بسخرية: شنو تيي ذي؟؟ ما تعرفين تقولين تجي
أظني هذا حرف جيم مهوب ياء.. اعدلي لسانش ، وإحكي حكي هلش..
هيا ببرود حاد مغلف بسخرية أحد: والله هلي اللي أنت تقول رموني وما علموني حكيهم.. من وين أتعلمه؟؟ من الهوا..
مشعل ببرود واثق وهو يرد عليها بنفس سخريتها..
ليلقي عليها القنبلة التي هزتها بعنف:
عندش شهرين ونص تعلمينه لأنه أنتي والوالدة بتنزلون معي الدوحة في 20/12
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
04-08-2009, 10:53 PM
أسى الهجران/ الجزء الرابع عشر
مشعل ابتسم بسخرية: شنو تيي ذي؟؟ ما تعرفين تقولين تجي
أظني هذا حرف جيم مهوب ياء.. اعدلي لسانش ، وإحكي حكي هلش..
هيا ببرود حاد مغلف بسخرية أحد: والله هلي اللي أنت تقول رموني وما علموني حكيهم.. من وين أتعلمه؟؟ من الهوا..
مشعل ببرود واثق وهو يرد عليها بنفس سخريتها..
ليلقي عليها القنبلة التي هزتها بعنف:
عندش شهرين ونص تعلمينه لأنه أنتي والوالدة بتنزلون معي الدوحة في 20/12
هيا مازالت غير قادرة على الاستيعاب.. تعتقد أنها سمعت خطأ:
نعم.. وش تقول أنت؟؟
مشعل ببرود: من قال هاه سمع..
(مثل معناه: أنكِ سمعتي وفهمتي "يعني لا تستعبطين" )
هيا بحدة: ومن اللي قال أصلا أنا أبي أروح الدوحة في الكريسمس..
ولو أبي أروح مستحيل أروح معاك..
مشعل بثقة: بتروحين ورجلش فوق رقبتش..
أنا أصلا أبلغش قراري ما أخذ رايش..
هيا بغضبٍ مرٍّ وهو تصر على أسنانها وتكتم صوتها..
حتى لا ينتبه الطلاب الذين يقفون حولهم:
أنت يا أخ أنت تراك عطيت نفسك أكبر من حجمك..
أنا تجاوزت السن القانونية.. ولا لك ولا لغيرك حكم علي
مشعل بثقة: بتشوفين..
كانت هيا تجهز الكثير من الكلمات النارية
لولا أنها سمعت صوتا رجالياً ينادي مشعل من بعيد
بدون أن تنظر هيا أعطت للصوت ظهرها..
ولم يفت مشعل ملاحظة حركتها العفوية التي دلت على أخلاقها الرفيعة
قال لها مشعل ببرود واثق: هذا رفيقي يبيني..
وتراني جاي للاقتصاد أبيه.. يعني لا يروح بالش بعيد
وأنتي لا تكثرين فرفرة.. خلصي محاضراتش وروحي للبيت إلا لو تبيني أوصلش
هيا بغضب: فارق بس.. وبلا ما تستعبط..
أنت عارف البيت جنب الجامعة وأروح مشي..
مشعل لم يرد عليها رغم أنه كان يتمنى أن يرد عليها رداً يتناسب مع وقاحتها معه
ولكن سعيد كان ينتظره
لذا توجه لسعيد وابتعد الاثنان معا متوجهان للمكتبة
سعيد بخبث بريء: أشوفك واقف مع بنت العم..
مشعل بغضب حقيقي: سعيد أنت منت بتوك تعرفني..
أهل بيتي ومحارمي ما تجيب سيرتهم على لسانك..
وإلا والله ثم والله ليصير شيء ما يرضيك..
سعيد يضحك: خلاص يا ابن الحلال... سوري ثمن سوري.. أنت وأهل بيتك لكم الحشيمة..
السموحة.. قدام أبطحك هنا وأركب على صدرك عشان أحب خشمك
خبرك ما أقدر أوصل خشمك يا برج الاتصالات إلاَّ بذا الطريقة
*********************
بيت مشعل بن محمد
قبل صلاة العشاء
كانت لطيفة في غرفة أبنائها تدرس ابنها عبدالله ذي السنوات السبع، ومشغولة معه
رن محمولها.. ألتقطته وردت بترحيب عذب : هلا موضي..
موضي بصوت تملئه الفرحة: فارس تملك.. فارس تملك..
لطيفة بصدمة: صدق.. متى؟؟ ومن اللي قال لش؟؟
موضي بحماس: توه قبل شوي واللي قال لي فارس بنفسه..
لطيفة بحماس مشابه: الخايس فويرس.. يعني يقول لش وما يقول لي وأنا أخته الكبيرة..
موضي تدافع عنه: أكيد أنه اعتقد إن مشعل قال لش..
حست لطيفة بحزن شفاف في عمق قلبها..
(لو على مشعل.. أنا أخر من بيطري عليه يقول له شيء)
ولكنها تجاوزت مشاعرها الملتبسة وهي تقول بفرح
دون أن تسأل حتى من العروس، لشدة تأكدهم أنه لن يتزوج أحدا غير العنود:
يا حليله فارس.. ومتى العرس إن شاء الله.. أكيد على الصيف؟؟
موضي أطلقت ضحكة عالية وهي تقول بلؤم: بعد 3 شهور مع ناصر ومشاعل..
لطيفة بمرح: يمه ما عنده صبر.. ما ألومه..
هذا وهو ماشاف العنود.. إذا شافها وش بيسوي ..أكيد بتخبط المكينة عنده..
موضي بفرح: ماشاء الله عليهم اثنينهم.. شنو الولد بيجيبونه..
إذا أمه قمر وأبوه قمر..الله يوفقهم و يرزقهم..
لطيفة بحنان: ويرزقش أنتي بعد بالولد..
موضي باستنكار: لا إن شاء الله..
لطيفة برعب: استغفري ربش.. حد يقول كذا على نعمة ربي..
موضي بنبرة حزن مصفى وهي تتحسس خدها المزرقة من أثار ضرب حمد البارحة:
أجيب ولد يتعذب معي.. كفاية أنا
لطيفة بألم: ما تدرين يمكن ينصلح حال حمد إذا صار أبو..
موضي بألم أكبر: حمد ما يصلح حاله ولا حتى 10 بزارين..
وأكملت والعبرة تخنقها وتخنق روحها المتعبة:
أنتي الوحيدة اللي تعرفين يا لطيفة
حمد محتاج علاج نفسي .. وأنا تعبت.. والله تعبت
أحس ماعاد عندي طاقة أتحمل أكثر.. قربت أنهار
يعني بديت الناس كلهم على نفسي
ومستحملته عشان خاطر عمتي وخالي
وعشان حمد نفسه كاسر خاطري
بس خلاص.. انخنقت.. والله انخنقت
*********************
بيت محمد بن مشعل
صالة البيت الرئيسية
العنود من بعد (الملكة) وهي تقفل على نفسها في غرفتها
ومريم تجلس مع أمها في الصالة تتلقيان اتصالات الأقارب المهنئين بعقد قران العنود
رن محمول مريم وهو يطلق اسم "معالي" في الجو..
ابتسمت مريم وهي تلتقط هاتفها وترد فورا وقبل أن يقول الطرف الآخر أي شيء:
تكفين معالي ترا إحنا اللي مانشوف حاسة السمع عندنا حساسة.. ونسمع عدل..
تكفين قصري حسش.. خافي الله فيني.. تودين سمعي مع بصري..
ضحكة عالية على الطرف الآخر وصوت أنثوي واثق ومرح بكلمات متدافعة:
وينها دلوعتكم..؟؟ ليه مسكرة موبايلها..؟؟ مسوية فيها مستحية يعني...؟؟
مهوب علي ذا السوالف
يعني هي تأخذ فويرس المزيون وتغدر فيني الخايسة.. احنا متفقين نتشارك فيه
مريم تضحك: لا لا في هذي مافيه مشاركة..
معالي تضحك: يا أختي فارس ماشاء الله، فيه طول وعرض وزين يكفي أربع نسوان..
يعني يأخذ عنادي وأنا وخواتي.. نكمل له أربع..
وبعدين إذا هي بنت عمه.. حنا بنات عمته.. لازم يفك عنوستنا
مريم تضحك بصوت عالي.. لا تستطيع أن تحتمل مرح معالي الذي يصيبها بحالة هستيرية من الضحك:
ماعليه يأخذ (عالية) وإلا (علياء) أجاويد..
بس أنتي شرانية.. أختي مهيب قدش..
وبعدين وش عنوسته يا كافي توكم أعماركم 17 سنة..
معالي تضحك: عنوسة على اعتبار ما سيكون
في ذات الوقت
في منزل جابر بن حمد
زوج العمة نورة
العمة نورة قادمة من المطبخ تجفف يديها.. ويصلها صوت معالي العالي الضاحك
"معالي .. وصمخ قطاوة.. من اللي تكلمينها وتصايحين كذا كنش مفلوجة"
معالي وهي تضحك: يمه هذي مريم بنت خالي.. أبارك لها ملكة العنود
نورة بغضب: وجع قلب.. من متى والبنات يباركون بالملكة.. صدق إنكم جيل مافيه سحا
وإلا ليش أقول جيل.. أنتي اللي مافيش سحا.. متأكدة إنه لا علياء ولا عالية بيسونها..
معالي تنهي الاتصال.. وتعود لأمها وتحتضنها وهي تقول بمرح:
يمه تقارنيني ببناتش الكوبي والبيست .. أنا غير عنهم..
أم حمد بذات الغضب: من زينش يومش غير.. ليتش مثلهم في أدبهم..
معالي تضحك: نو نو نو.. مامي.. هذا موب اسمه أدب.. اسمه انعدام شخصية
يوم عندش ثنتين من دون شخصية.. وولد الله أعلم بشخصيته..
خليني الصاحية بين عيالش..
أم حمد مازالت مستمرة بالغضب: ليه الحكي بيوصل حمد بعد.. اقطعي واخسي يا بنت جابر..
معالي تبتسم: إيه جينا عند دلوع الماما.. ممنوع اللمس..
أم حمد وهي (خلاص) تعبت منها: فارقي وروحي إدعي خواتش للعشا
معالي تطلع السلالم متوجهه لغرفة شقيقتيها لتناديهما
العمة نورة عندها من الأبناء أربعة.. حمد في الحادية والثلاثين الآن
ولكنها بعد إنجاب حمد واجهت صعوبات في الحمل
وبعد رحلة طويلة من العلاج والمنشطات حملت بثلاثة توائم
هن معالي وعالية وعلياء
معالي كانت أولا وبعدها بربع ساعة علياء وعالية اللتان كانتا توأم متطابق
وبالفعل كانت معالي مختلفة شكلا ومضمونا
هي أقرب لأهل أمها في صفاتها
سمراء طويلة وقوية الشخصية
بينما علياء وعالية بيضاوات البشرة أقرب للقصر..
وهادئات جدا ومسالمات
ولكنهن لا يخلين من حب المقالب البريئة
حين كبرن قليلا
وقررت أمهن أن تجعل لكل واحدة منهن غرفة لأن البيت كبير وغرفه كثيرة
عالية وعلياء رفضتا التفرق
وكانت معالي من أصر على الاستقلال
ومازالت معالي مستمرة في رحلة استقلال شخصيتها
بينما علياء وعالية مستمرتان في رحلة التلاصق
كوبي وبيست مثلما تسميهما معالي
ولكن ليس معنى ذلك أن معالي كانت متباعدة عنهن
فهي مرتبطة بهن جدا ككل التوائم
ولكن الاثنتين أكثر ارتباطا ببعضهما
*****************************
مجلس آل مشعل
بعد العشاء
وخلو المجلس من الضيوف الذين تعشوا وغادروا
تبقى فقط آل مشعل
الفرح يجمعهم الليلة
عدا قلب واحد محملٌ بالهم..
يتمنى فارس لو كان زواجه غدا بل الآن
يريد العنود في بيته وتحت سيطرته
يريد أن يذيقها بعضا من النار التي تلتهمه
يريد أن يشعرها ببعض مذاق الإهانة التي أذاقتها له
فقط البعض !!
لأن الطعمَ المرَّ الذي كان يشعر به
ليس له حدود ولا امتداد
كان يكتم على روحه
ويجعله عاجزا عن تذوق أي شيء آخر
وهكذا هي الإهانة على النفس الحرة
أقسى من كل شيء
ألمها يحز في أعمق أعماق الروح ويلتهمها بنار لا تبرد
حتى ترد الإهانة بمثلها
أو حتى يُرد اعتبارك!!
مالم تكن قادرا على السماح حين تكون هذه الإهانة
ممن لا يقصدها
أو من يحمل لك مشاعر ود مصفى
ولكان فارس كغيره يجهل قاعدة من أهم قواعد الإنسانية التي يجهلها كثيرون
"الغفران وتجاوز الزلة"
القدرة على السماح هبة من الله عز وجل
قلةٌ هم من يتمتعون بها!!!
عشرات الأفكار تلتهم تفكير فارس المثقل لذا لم ينتبه لعمه عبدالله الذي كان يقول لهم:
يا جماعة الخير.. عندي لكم علومن بتسركم
لذا لكز ناصر فارس في جنبه وهو يقول بمرح: يا العريس انتبه مع عمي عبدالله شكله بيلقي خطبة بمناسبة ملكتك..
أكمل عبدالله بفرح ظاهر لم تخفه رزانته:
مشعل كلمني اليوم.. يقول لي إنه لقى بنت سلطان ومرته عنده في أمريكا..
صمت عمَّ المجلس..
صمت ثقيل..
قطعه همس محمد بصوت مبحوح: بنت سلطان؟؟
عبدالله بابتسامة: إيه يابو مشعل بنت سلطان واسمها هيا على اسم أمي..
وقلت لمشعل يجيبها هي وأمها إذا جاء في شهر 12.
محمد بذات الصوت المبحوح وكأنه يكلم خيالات غير مرئية: بنت سلطان؟؟ هيا؟؟ هيا....
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
04-08-2009, 10:56 PM
أسى الهجران/ الجزء الخامس عشر
في مجلس آل مشعل
عبدالله بفرح ظاهر لم تخفه رزانته:
مشعل كلمني اليوم.. يقول لي إنه لقى بنت سلطان ومرته عنده في أمريكا..
صمت عمَّ المجلس.. صمت ثقيل..
قطعه همس محمد بصوت مبحوح: بنت سلطان؟؟
عبدالله بابتسامة: إيه يابو مشعل بنت سلطان واسمها هيا على اسم أمي..
وقلت لمشعل يجيبها هي وأمها إذا جاء في شهر 12.
محمد بذات الصوت المبحوح وكأنه يكلم خيالات غير مرئية: بنت سلطان؟؟ هيا؟؟ هيا....
ثم هتف بصوت ملهوف: بأكلم مشعل يجيبهم على أول طيارة.. أو أنا بأروح أجيبهم
عبدالله باستغراب: الله يهداك يابو مشعل.. البنت تدرس.. ومشعل بعد..
محمد بنبرة غريبة: وش يضمني أعيش لين أشوفها؟؟
هذه المرة كان مشعل ابنه من تكلم: الله يهداك يبه وش ذا الكلام..
هو حد ضامن عمره لين الساعة الجاية..
قل لا إله إلا الله... خلاص كلها شهرين ويجون..
لا أحد منهم يشعر بمشاعر محمد التي اقتحمته بعنف
لتذكره بذنوبه التي لا ينساها..
فإحساسه بالذنب ينحر روحه
فهو كان الأخ الأكبر.. دوره كان من المفترض أن يكون أكثر شجاعة
ندم ألف مرة أنه لم يقف مع سلطان.. واستمر مشوار الندم بالامتداد
حين مات أبوه وهو يعرف أن حسرته على سلطان تلتهم روحه
كان يشعر أن سلبيته ساهمت بشكل كبير في تأزم الموقف
كان دائما يلوم نفسه ويقول:
لو..
و لو..
و لو..
ولو تفتح باب الوساوس..
والآن حين سمع ببنت سلطان.. انتعشت روحه
هل يستطيع أن يصلح بعضا من أخطائه؟!!
هل يستطيع أن يضم بنت سلطان لصدره
ويشتم رائحة أخيه الصغير الذي حُرم منه؟؟!!
تقتله اللهفة لهذه "الهيا" منذ سمع باسمها..
هل تشبه سلطان؟؟
هل لها لمعة عينيه وعبق روحه؟؟
هل تظهر لها غمازات حين تضحك مثل سلطان؟؟!!
هل حين تغضب ينخفض حاجب ويرتفع الأخر مثل سلطان؟؟!!
ألف ذكرى لسلطان اقتحمت خيال محمد المثقل..
محمد الذي اعتصم بالصمت
وآلاف الذكريات تتوارد عليه لتملأ أعماقه حزنا وشوقا وشجنا
كلها انصبت في شخص هيا..
هيا التي يريد أن يراها اليوم قبل الغد!!
بقية من في المجلس كان لكل منهم تفكير..
راكان وناصر وفارس يعرفون قصة عمهم ولكنهم لا يعرفون هذا العم
فيهم ترقب..ورغبة أكيدة أن تعود ابنة عمهم لإطارهم الأسري
فهذه مهما يكن ابنة آل مشعل
وراكان بالأكثر يدور في باله تفكير عميق يرتبط به و بعمه سلطان
مشعل بن محمد كان يشعر بحزن شفاف يغزو روحه
فهو مازال يذكر وهو في الثانية عشرة من عمره
دمعة عمه التي مسحها قبل أن يراها أحد
وهو يودع أشقائه عند الباب
الوداع الذي كان مأسويا
مليئا بالشجن والعاطفة.... والكبرياء
ثم حين عاد لداخل لمجلس هربا من وداع الأشقاء
رأى دمعة مشعل الكبير تخر من عينه
الدمعة التي نحرت روحه وهو طفل
دمعة مشعل الكبير الغالية
التي ما رآها أحد سواه
والتي ما رآها قبلها ولا بعدها
الدمعة الوحيدة !!!!
*******************************
الساعة العاشرة والربع مساء
بيت محمد بن مشعل
غرفة العنود
مازالت العنود معتصمة بغرفتها..
توقفت عن البكاء بعد أن تعبت..
ولكن آثار البكاء بادية على وجهها
تدخل عليها أختها مريم وتهمس لها بحنان: عنادي يا قلبي ترا أم فارس لها أكثر من ساعة تحت..
المرة من فرحتها ماصبرت لبكرة ..جاية تبارك وتسلم.. قومي سلمي عليها
العنود بصوت خافت: مريم تكفين تعذري لي منها..
أول شيء مستحية...ثاني شيء شكلي ما يشجع أسلم على أحد
مريم تمسح على شعرها وتقول بحنانها الأمومي:
غسلي وجهش بماي بارد وألبسي جلال.. وسلمي عليها بسرعة وأطلعي..
هي ماراح تنتبه لشيء وخصوصا إنها عارفة إنش مستحية
تكفين عنادي لا تخربين فرحة المسكينة.. تدرين فارس ولدها الوحيد
العنود باستسلام: إن شاء الله نازلة الحين..
مريم عادت لمجلس الحريم.. والعنود غسلت وجهها بماء بارد..
ووضعت بعض الماسكرا حتى تخفي ذبول عينيها
(أنا العنود بنت محمد.. مافيه شيء يهزني)
هكذا كانت تهتف لنفسها حتى تدفع أكبر قدر من الثقة في عروقها
ثم نزلت لمجلس الحريم.. أم فارس ما أن رأتها حتى قفزت..
وهي تحتضنها بمحبة وفرح: مبروك يا ابنتي.. مبروك
وتراش بتطلعين من عند أمش لأمش الثانية..
العنود وعيناها في الأرض وهي تتمنى الأرض تنشق لتبتلعها من شعورها بالحرج:
الله يبارك فيش يمه..
وأم مشعل ترد باحترام: أكيد مافيه شك يا أم فارس.. العنود بنتش مثل ما فارس ولدنا..
مريم بطريقتها الحكيمة: خلاص عنادي روحي كملي مذاكرتش
أدري إني قاطعتش..
أم فارس بحنان: إيه يمه روحي..
أصلا أنا أتنى فارس يكلمني عشان أروح للبيت..
مع إن البيت جنب البيت وأبي أروح على أرجيلي بس هو مايرضى
العنود انسحبت لتعود لغرفتها..
وهي تعبر الصالة متجهة للدرج
نادتها الخادمة: هذا بابا يقول يبي أي نفر يسوي كلام..
العنود كانت تشعر بالخجل أن تكلم أباها فهي لم تره بعد الملكة
لكنها لا تستطيع تركه ينتظر
تناولت السماعة وهي تقول بصوتها العذب
الذي زاده البكاء الطويل عذوبة وضعفا:
هلا يبه فديتك.. آمرني
صمت على الطرف الآخر
العنود باحترام وخجل: يبه تبي شيء فديتك..؟
الصوت الخشن الذي أثار رعبها وأسوأ مخاوفها اليوم:
أنتي أشلون تردين على التلفون؟؟
العنود بارتباك وهي تتمنى لو ترمي بالهاتف
ولكنها لا تريد أن تزيد الوضع بينهما سوءاً: الخدامة قالت لي ابي على الخط
فارس بحدة باردة: عندش تلفونش.. اللي يبيش يتصل عليش..
إياني وإياش تردين على تلفون البيت مرة ثانية..
العنود لم تعتد أن يخاطبها أحد بهذه اللهجة..
حتى أشقائها ووالدها حين يأمرونها
يغلفون الأمر بالدلال والرقة..
وهذا لم يكمل 3 ساعات وهو زوجها وبدأ بفرض أوامره
ردت بارتباك رغم أنها بدأت تشعر بالغضب: وممكن أعرف السبب..
فارس ببرود: والله مزاج الجنس الثالث كذا.. ولا عاد ترادديني..
شعرت العنود كما لو كان سُكب على رأسها ماء مثلجا ومغليا في آن..
فهو يذكرها بإهانتها له
تشنجت.. ردت بصوت خافت: إن شاء الله.. أي أوامر ثانية..
فارس بنفس بروده: روحي نادي أمي.. جوالها مقفول.. أنا برا
واستدرك بثقة: حتى تلفونش لا تردين على أرقام غريبة..
العنود أغلقت منه وهي تشتعل غضبا ..
وطلبت من الخادمة أن تخبر أم فارس إن ابنها يريدها
وصعدت راكضة وباكية لغرفتها
في الخارج فارس يقف ينتظر في سيارته..
يشتعل في داخله خليط مختلف ومتناقض من المشاعر
أحاسيس غريبة.. كثيفة.. وغير مفهومة
(هذي المفروض ما يخلونها ترد على تلفونات بالمرة.. صوتها خطر على المجتمع.. نعنبو..وش ذا الصوت اللي عندها؟؟
يذوب اللي مايذوب..يذوب الحديد والحجر..
قلبي وقف من صوتها.. ذي حتى موبايل المفروض مايعطونها)
" غيرة يا فارس؟؟..... أ تغار عليها؟؟"
(وش أغار عليها؟؟ تخسى...
بس هذي مرتي.. أملاكي.. وما أسمح لأحد يتعدى على أملاكي..
وخصوصا لو كنت ناوي على ذا الأملاك نية قشراء..
اصبري علي شوي يا بنت العم)
*****************************
الساعة 11 مساء
بيت حمد بن جابر
موضي في غرفة المكتب.. تعمل على الحاسوب
فهي على الرغم من تركها للعمل رسميا
إلا أن برمجة الحواسيب تجري في دمها
وهي خلال السنوات الماضية.. كانت تستغل وقت فراغها الكثير في عمل برامج جديدة
وفي تفكيك الحاسوب وإعادة تركيبه حتى لا تنسى مهارتها وحساسية أناملها في العمل
حمد يطل برأسه عليها
ارتعشت موضي توجسا وترقبا.. فهي لا تعرف كيف سيتصرف الليلة
فهو ليلة يكون ملاكا
والليلة التي تليها يكون شيطانا تتلبسه عفاريت الأرض
رأته يبتسم (الحمدلله.. معناتها رايق)
اقترب منها وهو يخلع غترته ويضعها على الكرسي ويقول: مساء الخير حبيبتي..
موضي تركز في الحاسوب بنظرها
وعقلها يشعر بالتوجس الذي أصبح شعار حياتها مع حمد: مساء النور
اقترب منها وهو يضع يديه على كتفيها
ثم طبع قبلة عميقة على شعرها
انكمشت موضي حين وضع يده على كتفها.. كانت تخشى أنه سيضربها
رفع حمد رأسه وهو يقول بحنان: مبروك ملكة فارس والعنود..
لطيفة بهدوء: مبروك لك أنت بعد..
حمد يجلس على الكرسي الآخر وهو ينظر لها بوله: تعشيتي حبيبتي؟؟
موضي بهدوء: الحمدلله.. أنت تعشيت؟؟
حمد بهدوء وهو يغلق عينيه ويسند رأسه إلى الكرسي: الحمد لله..
تعشيت مع شباب الوزارة.. كان عندنا ملتقى ثقافي..
بس إذا أنتي ما تعشيتي تعالي أطلعش برا تتعشين ونتمشى شوي..
موضي بهدوء حذر: مرة ثانية إن شاء الله.. الساعة 11 الحين..
وانت تعرفني أنام بدري..
حمد بذات هدوءه: براحتش ياقلبي
منذ زمن لم تره هادئا هكذا..
أخذت تتأمل في ملامح وجهه الساكنة الوادعة
هل يصدق أحد أن صاحب هذا المحيا اللطيف بملامحه الرجولية الجذابة
يتحول إلى وحش مجنون فاقد للسيطرة
كم يبدو وادعا ومسالما ووسيما
وهو يسند رأسه المتعب للخلف بخصلاته السوداء الكثيفة المتناثرة على جبينه
قد تكون هذه فرصتها لاستغلال هدوءه لمفاتحته
" حمد"
"هلا حبيبتي"
موضي وهي تبتلع ريقها: ممكن أكلمك في موضوع..
حمد يفتح عينيه ويهمس بحب: أنتي تامريني مهوب تكلميني بس..
وش تبين؟؟؟ آمريني ياقلبي
موضي تعاود ابتلاع ريقها وهي تشعر كما لو انها التقمت حجرا
يقف في بلعومها ويسد مخارج الحروف:
ما يأمر عليك عدو.. حمد أنت رجّال متعلم ومثقف ومعاك ماجستير تربية
يعني مخك كبير ومتفتح..
حمد نظر لها بتوجس: والمعنى؟؟
موضي تشعر بريقها جاف كصحراء مدهرة:
يعني العلاج النفسي مثله مثل العلاج العضوي
لا هو عيب ولا حرام..
حمد بتأفف: موضي اقصري الحكي دام النفس عليش طيبة
موضي رغم رعبها الذي بدأ يتجمع في قلبها..
ولكنها قررت أن تكمل الموضوع لأخره ما دامت فتحته:
حمد فديتك.. مهوب لازم تعالج هنا..
إذا عشان كلام الناس اللي عقولهم قاصرة
خلنا نروح برا.. وأنا معك ومستحيل أخليك
حمد يقف وهو يقول بعصبية: أنا ماني بمريض عشان أعالج..
موضي انكمشت رعبا حين وقف وهي تقول بصوت مرتعش:
يعني تشوف إنه تصرف طبيعي إنك تضربني بدون وعي منك...
وعقبه ترجع تبكي وتعتذر وتترجى ما أخليك
حمد بصوت مرعب وهو يدور في غرفة المكتب: قبل ما تقولين لي عالج..
عالجي نفسش أول وأنتي منتي بقادرة تجيبين لي ولد مثل كل النسوان..
موضي انكمشت على نفسها أكثر لأنها شعرت أنه وصل حده من الغضب
ولا بد أنه سيفرغ غضبه فيها الآن
لذا استغربت وتنهدت وحمدت الله
وهي تراه يغادر الحجرة ويغلق الباب خلفه بعنف بصوت مدوي
ولكنها تعلم أنه سيعود بعد دقائق ليحتضنها
ويغمرها بقبلاته واعتذاراته..
التي لن تعد تشعرها سوى بمزيدٍ من الأسى والشفقة..
عليه وعلى الحال الذي وصل له زواجها..
*************************
مجلس آل مشعل
الساعة 11 ونصف ليلا
لم يتبق إلا ناصر وراكان..
يشاهدان برنامجا رياضيا على قناة الكأس..
راكان بملل لناصر: الليلة السبت وبكرة مافيه دوامات..
وش فيهم مشعل وفارس سروا بدري؟؟
ناصر يضحك: رياجيل واحد متزوج والثاني يجرب فكرة الزواج..
انتظر علي أنا بعد
عقب 3 شهور إذا شفت وجه واحد منكم تفلت فيه..
راكان يقترح: أشرايك نروح سوق واقف.. نتقهوى هناك أنا عازمك
وبعدين نمشي على الكورنيش شوي.. وعقب نتريق في مطعم بيروت ونصلي الفجر هناك ثم نرجع..
ناصر وهو ينظر لراكان نظرة ذات مغزى: موافق بس بشرط
راكان يبتسم: يعني أنا عازمك أنت ووجهك.. وبتشرط بعد..
يالله وش شرطك؟؟
ناصر يميل على أذن راكان ويقول بنبرة خاصة جدا وعميقة:
راكان أشرايك تقول لي بنفسك: أنت ليش ما تبي تتزوج؟؟
أو تحب أنا اللي أقول لك؟!!!
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
04-08-2009, 11:06 PM
أسى الهجران/ الجزء السادس عشر
مجلس آل مشعل
الساعة 11 و40 دقيقة ليلا
ناصر يميل على أذن راكان ويقول بنبرة خاصة جدا وعميقة:
راكان أشرايك تقول لي بنفسك: أنت ليش ما تبي تتزوج؟؟
أو تحب أنا اللي أقول لك؟!!!
راكان أنتفض بغضب وهو ينظر لناصر نظرة حادة: وش تقصد؟؟
ناصر هزَّ كتفيه: لمعلوماتك أنا أعرف سرك من 8 سنين..
كل سنة تمر كنت أحسبك بتعقل وتنسى..
راكان بتوجس: أي سر؟؟
ناصر ابتسم: اللي أنت كاتب لها ديوان شعر كامل..
راكان يقف بغضب هادر وهو يرتعش من شدة الغضب:
أنت أشلون تسمح لنفسك تقلب في أغ****..
ناصر مازال مستمرا في الابتسام: اقعد بس لا ينقطع لك عرق..
أنا لا قلبت أغراضك ولا شيء..
قبل حوالي 8 سنين كنت جاي أصحيك لصلاة الفجر..
شفته جنبك والقلم عليه.. قلبت فيه بدون قصد..
راكان يشتعل غضبا: حد غيرك يدري؟؟؟
ناصر بغضب هذه المرة: أظني إنك تعرفني يا ولد أبي..
لو بأقول لأحد كان قلت من زمان..
وبعدين أنت تدري إنه موضوع مثل ذا ما ينقال..
ثم أكمل وهو يتمالك نفسه: والليلة خلاص ماني بمخليك لين أعرف السالفة كلها..
يومك تحبها ليه خليتها؟؟؟
******************************
قبل ذلك بحوالي نصف ساعة
بيت مشعل بن محمد
يوم اعتيادي جدا في حياة لطيفة ومشعل
يمثل نظام حياتهم طيلة السنوات الماضية
لطيفة في غرفتها بعد أن نام أولادها..
تقلب كتب أولادها وتعد لهم مراجعات
حتى يحلوها في الغد
كانت ترتدي بنطلونا أحمرَ من الساتان الثقيل
مع بلوزة بيضاء (هاي نك) بدون أكمام
تلتصق بجسدها عليها ورود حمراء..
وشعرها المدرج يتناثر على كتفيها..
ووجهها تكاد ملامحه تذوب رقة وجمالا
مع أحمر شفاهها الشهي الساكن على شفتيها البهيتين..
كانت فتنة مجسدة.. بل شيء يتجاوز حدود الفتنة إلى درجات الاغواء والهلوسة..
دخل عليها مشعل وألقى السلام دون أن يلتفت إليها
وهو يلقي غترته على السرير ويدخل إلى الحمام
ردت لطيفة السلام بهدوء
فهي اعتادت على سلامه البارد هذا..
وقامت لتأخذ غترته وتضعها في سلة الغسيل
ثم فتحت الدولاب لتخرج له ملابسه.. عطرتها بعطره المفضل
ووضعتها على السرير..
وأغلقت التكييف لأنها تخشى عليه أن يمرض..
ثم عادت لعملها في الكتب..
بعد دقائق خرج مشعل بفوطته الملفوفة على خصره..
وضعت لطيفة الكتب جانبا وقامت لتعطيه ملابسه..
كما اعتادت.. وكما اعتاد!!
تناول منها ملابسه..وهو يتمتم بشكر بارد
وعاد بها لغرفة التبديل وارتداها
ولطيفة توجهت للحمام لتنظفه بشكل سريع
ثم ألتقطت ملابسه وفوطته الملقاة على أرضية غرفة التبديل
ووضعتها في سلة الملابس
ثم عادت لطيفة لعملها
وكان مشعل قد جلس قريبا منها
تناول جهاز التحكم.. وشرع في التغيير بين القنوات
لطيفة بحنان: تعشيت حبيبي؟؟
مشعل بهدوء وهو يلتفت عليها: تعشيت..
عادت لطيفة لعملها.. ومشعل يتأملها دون أن يستوقفه أي شيء فيها
لا جمالها.. ولا أناقتها..ولا إغراء ملامحها
ولا إثارة تفاصيل جسدها المتبدية في لباسها الأنيق
ولا حتى طريقتها العذبة في الكلام
ثم سألها: شتسوين؟؟ (وكأن ما تفعل هو الشيء الوحيد الذي قد يستحق الاهتمام فيها وفي علاقته بها)
لطيفة رفعت رأسها وهي تنظر له بحب هادر
(يا الله كم تعشق تفاصيل وجهه! وكل يوم يمر تزيد له عشقاً) همست بعذوبة:
أسوي مراجعة لمريوم وحمود عندهم الامتحانات الشهرية ذا الأيام..
مشعل بهدوء: إذا جابوا نتيجة زينة بأوديهم (تويز أر أص) يختارون الهدية اللي يبونها
لطيفة باعتراض: حبيبي مايصير.. أنت مخربهم علي بالدلع..
خل (تويز أر أص) إذا نجحوا نص السنة..
مشعل بذات هدوءه: يا بنت الحلال هدية نص السنة شيء ثاني..
وبالفعل مشعل كان شديد الحنان على أولاده.. ويفرط في دلالهم..
لولا أن لطيفة كانت هي من تشد عليهم
أو كان أفسدهم جميعا بالدلال..
وخصوصا الصغيرة "جود" التي هو مولع بها وهي مولعة به
وكأن مشعل في تدليله لهم.. يحاول التعويض عن إنشغاله عنهم في عمله
ولكن كان دائما ما يطمئنه عليهم هو وجود لطيفة..
التي يعرف أنها تحكم إدارة البيت بقبضة حديدية
رغم إحساس مشعل البارد بلطيفة..
إلا أنه لا يستطيع إنكار براعتها في القيام بواجباتها الأسرية
وحفاظها على أولادها واهتمامها بهم..
وهي في ذلك تزيح عن باله هماً كبيرا ليتفرغ أكثر لعمله
حتى وصل إلى النجاح الرائع الذي وصل له في شركته
رغم حداثة عمر هذه الشركة
**************************
الساعة 12 منتصف الليل
فارس في غرفته
يتمدد على سريره بجسده الضخم..
ذراعه على وجهه وهو مستغرق في التفكير..
عشرات الأفكار تأخذه وتطوف به جزر متباعدة مختلفة
مابين حقده العميق على العنود
وصوتها برنينه العذب الذي يرفض أن يغادر أذنه حيث سكن
كلما تذكر صوتها الناعم المرتعش
الذي وصلته نبراته الذبّاحة الخائفة عبر الهاتف
يشعر أن قلبه يتقافز بجنون غصبا عنه
وأن هذا الصوت الهامس يدفع في عروقه رغبة هادرة في حمايتها
لا في الانتقام منها!!
يشعر بإحساس غريب..
لـــذيــــذ..
أنه يريد أن يسمع هذا الصوت مرة ثانية وثالثة ورابعة
أن يستمتع بهمساته في أذنه.. في عمق أذنه
في أذنه هو فقط.. ملكه هو فقط
أن....
"اطلعي من راسي.. اطلعي من راسي
أنا أكرهش.. أكرهش.. أكرهش
أطلعي من رأسي"
*****************************
الساعة 3 إلا ربع عصرا بتوقيت واشنطن
جامعة جورج تاون
بقي حوالي ساعة على صلاة العصر
مشعل أنهى عمله في المكتبة.. ويريد العودة لبيته..
ليتغدى ثم يصلي العصر
ليمر بعدها على زوجة عمه سلطان
عبر ساحة كلية الاقتصاد في طريقه للخارج..
صُدم وهو يرى هيا مازالت موجودة بعد معركته معها في الصباح
شعر بغضب شديد
(كيف تبقى كل هذه الساعات في الجامعة.. وتترك أمها!!!)
ومالايعلمه أن هيا وصلت للتو من البيت لأن عندها محاضرة الساعة 3
بعد أن عادت للبيت من الصباح بعد لقاءها مع مشعل
كانت هيا تجلس على كرسي حجري تقلب كتابها وتضع ملاحظاتها عليه
لم تنتبه للظل الضخم الذي غمرها لشدة تركيزها في كتابها
صوت خافت ولكن غامر بالغضب: ممكن أعرف وش تسوين لذا الحزة هنا؟؟
رفعت هيا عيناها له وهي تقول ببرود: موب شغلك..
مشعل يعتصر يده.. في حياته كلها لم يمد يده على واحدة من أخواته..
ولم يخطر بباله أنه قد يضرب امرأة يوما
فالرجل الذي يضرب امرأة ليس رجلا في عرفه
بل لا يستحق في نظره مسمى رجل من يستقوي على امرأة
ولكن هذه الهيا تستفزه.. ولأقصى حد
أصبح يكره هذا الحوار المتحفز معها
وكأنهما في معركة لابد أن يفوز بها أحدهما
لم يعتد أن يكون قاسيا هكذا
فهو لطالما كان حنونا مع شقيقاته
يتمنى لو منحته الفرصة أن يتعامل معها بطريقته التي اعتادها
ولكنها تحاصره في الزاوية وتستفزه حتى النخاع
أمسك بعضدها وهو يوقفها بخفة كأنها ريشة خفيفة
ويصر على أسنانه بغضب شديد: قومي امشي قدامي للبيت..
هيا شعرت بالحرج الشديد وهمست بصوت منخفض:
مشعل عيب عليك تمسكني.. أنا ماني بحلال لك
انتفض مشعل بعنف وهو يفلتها.. كانت المرة الأولى التي تناديه باسمه
كانت دائما تقول "أنت" و "ولد آل مشعل"
شعر مشعل بحرج شديد وهو يتراجع للخلف ويهمس:
أنا آسف.. ماكنت في وعيي... بس أنتي اللي حدتيني..
هيا مازالت تشعر بحرج شديد وهي تشعر بألم في عضدها مكان قبضته القوية
قالت له بهمس وهي عاجزة عن وضع عينيها بعينيه:
خلاص مشعل لو سمحت روح.. أنا عندي محاضرة الحين
ولو سمحت إنك ما تتدخل فيني مرة ثانية
أنا ست سنين وأنا حافظة روحي.. منت باللي بتحفظني الحين!!
********************
مقهى بالقرب من جامعة جورج تاون ومن شقة هيا
باكينام تنتظر هيا
لتشرب معها شاي العصر
فهذه العادة الإنجليزية العريقة مغروسة في باكينام
ولا يمكن أن تفوتها
كانت قد اتفقتا على التقابل هناك
لشرب الشاي
ثم العودة لشقة هيا لتصليا العصر هناك
كانت باكينام متألقة بلباسها بألوانه المنعشة
بنطلون أبيض
وقميص زهري طويل لركبتيها
وحجاب هو خليط من اللونين
متناسب مع لون بشرتها الشفافة وعينيها الخضراوين
جاءها النادل
كان شابا طويلا تبدو ملامحه اللاتينية شديدة الجاذبية
بسمرته وشعره الأجعد وعينيه البنيتين اللامعتين
سألها بانجليزية بنبرة بريطانية سليمة جدا: ماذا تريد سيدتي أن تشرب؟؟
استغربت باكينام لهجته التي لا تسمعها هنا إلا من هيا
وسألته ببريطانية صميمة فخمة:
ليس الآن.. أنتظر صديقتي.. لهجتك ليست من هنا: هل أنت بريطاني؟؟
ابتسم ابتسامة ساحرة كشفت عن صف أسنان رائع: وهل أنت بريطانية؟؟
ابتسمت باكينام: ربما
رد الابتسامة بمثلها وهو يعزز ألقه الغريب الذي طفا حوله كهالة:
وأنا أيضا سأجيبك ربما..
ثم غادر
هزت باكينام رأسها وهي تريد طرد تأثيره من مخيلتها
كان يملأ المكان حولها بحضوره الغريب..
وحين انسحب شعرت بالمكان كصحراء خالية من ألقه..
هزت رأسها مرة أخرى وهي تتناساه
وتستغرق في كتابٍ بيدها
باكينام حكاية غريبة لم تكتمل بعد..
فصراع الأعراق فيها صنع شخصية مركبة مثيرة..
فكما كانت جداتاها غريبتين ، كذا كان جداها
فجدها والد أبوها "عمدة" وأصلهم فلاحون يمتلكون أ**** زراعية شاسعة جدا
حين كان جدها شابا ووالده هو العمدة
أرسله لتركيا ليتفق مع تجار أتراك على شراء محاصيل القطن من أرضهم
تعرف على جدتها "صفيه" أو كما ينادونها بالتركية "سافيا"
نشئت قصة حب ناعمة بينه وبين ابنة التاجر التركي
الحب هذا وجد معارضة حادة على الجبهتين المصرية والتركية
ولكنهما تزوجا في النهاية
وعاشا أشبه ما يكون بقط وفأر
فصفية لابد أن تسب العرب وهو سيرد
ولكن بقي الحب العميق يجمعهما حتى توفي
وبقيت صفيه تلعنه وتتحسر عليه
أما جد باكينام الإنجليزي فهو حكاية عويصة هو الآخر
فوالده كان لوردا من مجلس اللوردات البريطاني
ووقع في غرام زميلته في الجامعة "فيكتوريا"
التي كان والدها أحد الثوار الايرلنديين
علاقة حبهما كانت أشبه بخيانة وطنية على الطرفين
ولكن لتذهب الحروب إلى الجحيم
تزوجا.. ونقلا الحرب لبيتهما في علاقة غريبة جمعتهما
خليط من الحب الكاسح والعداوة المرة
فكلاهما مقتنع بحق بلده وكلاهما يذوب في الآخر
رحل اللورد البريطاني وترك الليدي فيكتوريا
تلعنه أيضا وتتحسر عليه
وحين جاء دور الجيل الثاني
والد باكينام ووالدتها
الاثنان وجدا معارضة أشد
(ويا للغرابة!! يحرمان على أبنائهم ما أباحوه لأنفسهم!!)
فكيف يقبل العمدة والسيدة التركية المعتدة بنفسها
أن يتزوج ابنهما من لا أصل لها
وكيف يقبل اللورد والليدي الايرلندية
أن تتزوج ابنتهما من هذا العربي القادم من عمق الصحراء والجهل؟!!
تزوجا طه وسوزان دون اهتمام باعتراض أحد
وجاء الجيل الثالث
باكينام
سليلة العناد المتأصل والأعراق المتنافرة
فما الذي ينتظرها؟!!
**************************
مجلس آل مشعل
الحوار غير المتوقع مستمر بين ناصر وراكان
راكان يشتعل غضبا: حد غيرك يدري؟؟
ناصر بغضب هذه المرة: أظني إنك تعرفني يا ولد أبي..
لو بأقول لأحد كان قلت من زمان..
وبعدين أنت تدري إنه موضوع مثل ذا ما ينقال..
ثم أكمل وهو يتمالك نفسه: والليلة خلاص ماني بمخليك لين أعرف السالفة كلها..
يومك تحبها ليه خليتها؟؟؟
راكان بغضب: تحشم يا ناصر.. عيب عليك..
ناصر بهدوء عميق: راكان تراني أخيك.. واللي يعيبك تراه يعيبني..
أنا طول السنين اللي فاتت وأنا ساكت
حتى يوم أنت خليتها.. أنا احترقت ألف مرة ليش تخليها..
بس سكتت ولا قلت لك شيء
واحترمت خصوصياتك
بس الليلة خلاص..وصلت حدي.. لازم أعرف كل شيء
وأظنك عارفني.. بيري مهوب قريب.. والعلم اللي وراي مايندرى به
سرك 8 سنين وهو معي.. حد درى فيه يعني؟؟
تنهد راكان..
متعبٌ هذا الراكان.. متعب..
مثقل بالهم والوحدة .. والوحشة التي غزت روحه
متعب من منفاه الاختياري الذي نفى روحه فيه وأقصاها
متعب من الكبت والكتمان
وهاهو ناصر يمد له يد البوح
يريد أن يتمسك بهذه اليد.. يريد أن يتخلص من بعض أحماله
يريد أن يشعر بنفسه خفيفا من ثقل آلامه المنغرزه في روحه
همس كأنه يحادث نفسه:
كنت أحبها .. وانتبه أني أقول كنت..
لأني ماني برخيص عشان أفكر بمره متزوجة..
من يوم هي تزوجت نزعتها من قلبي نزع
أحرقت قلبي عشان ينساها
والحين مابقى من قلبي غير رماد
قبل 11 سنة..
كان عمري 19 سنة يوم بدا إحساسي فيها يختلف..
يمكن عشان تغطت مني وانحرمت من شوفتها
كانت أحسها أميرة.. مهرة.. شيء فوق الخيال..
كانت عندي القمر والشمس والسحاب مع أني ماكنت أشوفها
كنت أوقف قريب من بيتهم..
أقول يمكن أشم ريحة عطرها
يمكن أسمع صوتها..
يمكن أشوف زولها طالعة وإلا داخلة..
كان يكفيني إحساسي بقربها..
إحساسي إنها قريبة..
إحساسي بروحها الطاهرة..
أدري الحب في عرفنا وعاداتنا حرام وعيب..
ومهوب ولد مشعل اللي تطلع منه العيبه
كتمت حبها في قلبي.. واحنا نكبر وحبها يكبر..
لحد ما تمكن من روحي وأنا ماعندي غير القصايد
عبيت دفتر كامل لها
ديوان شعر كامل لها هي بروحها
كل صفحة باسمها.. كل صفحة هي نزف روحي لها وعشانها
ناصر باستغراب مملوء بالأسى والتضامن مع شقيقه:
زين يوم إنك كنت تحبها ذا الحب كله..
ليه تخليها... ليه تخليها؟؟؟.
راكان بأسى مرٍّ منتزع من أعمق أعماقه:
لأني وقتها كنت متزوج..
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
04-08-2009, 11:11 PM
أسى الهجران/ الجزء السابع عشر
الحوار مستمر بين ناصر وراكان
ناصر باستغراب مملوء بالأسى: زين يومك إنك كنت تحبها ذا الحب كله..
ليه تخليها.. ليه تخليها؟؟..
راكان بأسى مرٍّ منتزع من أعمق أعماقه:
لأني وقتها كنت متزوج..
ناصر قفز كأنه لُدغ: متزوج؟؟
راكان بحزن عميق: كنت..
ناصر والكلمات تخرج متناثرة من بين شفتيه.. وأحاسيسه ضائعة
ومشاعره مرتبكة (راكان يتزوج في السر!!!)
ناصر بنبرة متقطعة مليئة بالدهشة: أنت يا راكان تتزوج في السر؟!!
ومن سنين بعد؟!!
تدري أنا أتخيل أني ممكن أسويها.. حتى ممكن أتخيل مشعل يسويها
بس أنت لا.. مستحيل.. مستحيل
حزين راكان أن تهتز صورته أمام شقيقه الأصغر..
"لا تعجل يا ناصر على راكان حتى تسمع الحكاية لأخرها"
************************
غرفة مريم
الساعة 12,45 بعد منتصف الليل
صلت مريم تهجدها.. وتستعد للنوم..
منهكة جدا.. اليوم كان منهكاً وطويلاً بالنسبة لها
واستنزفها بكاء العنود.. فهي لا تحتمل أدنى شيء يضايق هذه الصغيرة
تمددت مريم وهي تضع سماعات المسجل على رأسها وتستمتع لآيات من القرآن
بعد دقائق فُتح الباب
لم تسمع فتح الباب بسبب السماعات.. ولكنها اشتمت الرائحة العذبة
أقفلت المسجل وأزالت السماعات وهي تقول بحنان: تعالي العنود..
العنود دخلت وأغلقت الباب خلفها وهي تقول بتردد: أقدر أنام عندش مريم..؟؟
مريم بحنان وهي تزيح لها مكاناً على جانبها على سريرها المزدوج
الذي جعلته مزدوجا من أجل العنود..
التي كانت كثيرا ما تتسلل ليلاً لتندس معها في سريرها
وتربت على المكان الخالي جوارها.. لتزحف إليه العنود بخفة..
مريم تبتسم: وش الأدب اللي عندش اليوم.. تستاذنين وتنسدحين بشويش
بالعادة ما أشوفش إلا مروعتني وانت ناطة جنبي..
العنود وهي تتمدد بجوار مريم وتمسك بيدها وتقول بضعف:
تظنين فارس زعلان عليّ..؟؟
مريم ضحكت: فديت اللي مهوب قادرين ينامون
يحاتون زعل حبيب القلب..
العنود بتوتر: مريم والله مالي مزاج أمزح..
مريم بحنان وهي تمسح شعر العنود: أكيد مهوب زعلان عليش..
حد يقدر يزعل على أحلى بنت في الدوحة..
وأكشخ بنت في الدوحة.. وأشيخ بنت في الدوحة..
العنود تقاطعها وهي تبتسم بشفافية مغلفة بالحزن:
خلاص.. خلاص.. يالنصابة.. صدقتش الحين!!!
*********************
واشنطن دي سي
الساعة الرابعة وعشر دقائق عصرا
المقهى قرب شقة هيا
مازالت باكينام تنتظر هيا
وهي مستغرقة في قراءة كتابها
وكلما رفعت عينيها وجدتها تتبع القامة الطويلة
التي تجوب الطاولات برشاقة
وأكثر من مرة التقت عيناها بعينيه الآسرتين، آسرتين كما شعرت هي بها
(اختشي يا بت باكينام
الراجل هيئول دي ما شافتش رجالة ئبل كده)
جاءت هيا أخيرا
ألقت السلام وجلست بصمت
فمازالت تحت تأثير خجلها مما حدث بينها وبين مشعل
باكينام بابتسامة: مالك يا بت؟؟ نازل عليكي سهم الله
هيا بهدوء: مافيه شيء.. نطلب؟؟
باكينام بمرح: نطلب.. وتعرفي يا بت
أنا شكلي هأغير من الأمريكاني للمكسيكانو (تقولها "بعيارة")
ابتسمت هيا: يا سلام عليج وأنتي تنقين بس!!
وليش المكسيكانو بالتحديد..؟؟
باكينام وهي تأشر بعينها: شوفي الجرسون اللي هيجي دلوئت؟؟
عاد اللاتيني الوسيم: جاءت صديقتك أخيرا.. وأعتقد أنه وقت الطلب..
باكينام بعذوبة: شاي بريطاني لو سمحت..
ابتسم: عاداتكم العريقة ترتحل معكم..
ابتسمت باكينام وهي تقول : ربما
وهيا صامتة تراقب خيط النظرات الغريب المتصل بينهما
غادر وباكينام تلتفت لهيا وتقول: إيه رايك؟؟
ضحكت هيا: تبين الجرسون؟؟
ضحكت باكينام: أنتي عايزة بابا وأنّـا ينتحروا..
لأ طبعا.. أنا ئصدي الستايل بتاعو
يهوس.. يجنن.. أنا هأحول على الطلبة المكسيكانو اللي معايا
ابتسمت هيا وهي تقول بصراحة: تبين الصدق؟!!!
حتى لو هو مكسيكي لكن شكله مصري مصري مصري صميم..
الظاهر الدم يحن..
باكينام باستنكار: حرام عليكي.. الواد الئشطه دا شبه الغفر اللي هناك..
هيا هزت أكتافها: أنتي مخج تعبان.. والله العظيم ماعندج عيون..
*****************************
بيت عبدالله بن مشعل
بين غرفة الجدة في الأسفل
وغرفة مشاعل في الأعلى
أم محمد جافى النوم عينيها..
خليط من المشاعر يلفها ويثقل على روحها الـمُستنزفة
"بنت سلطان!! هيا !! بنتي!! بنت ولدي سلطان!!"
آه يا سلطان حرموك من أمك
وحرموها منك..
حال بينكما الكبرياء الزائف اللعين..
حياة مرة قاسية عاشها كل منهما..
رحل سلطان بحزنه.. وارتحل الحزن إلى روح الجدة وسكنها
ترتعش الجدة وذكريات سلطان تغتالها
تتذكر سلطان طفلا في أحضانها
ثم شابا طويلا عريضا هي من تضيع في أحضانه
ثم بردا قارسا يلف سلطان ويلفها
حرموه أحضانها وحرموها أحضانه
" هيا .. أيتها الصغيرة.. جدتكِ تقتلها اللهفة إليكِ..
يغتالها الشوق لرائحة سلطان في ثناياكِ"
(بكرة بأكلم مشعل عشان أكملها
أبي أسمع صوتها
يصبرني شوي لين أشوفها)
في الأعلى حيث مشاعل
تتمدد على سريرها
مشغولة هذه الصبية بالتفكير في الكل..
ضايقها زحف شعرها القصير إلى وجهها
قامت لترفعه برباط مطاطي
رفعته للأعلى بشكل عشوائي وخصله القصيرة تتناثر على وجهها العذب لتزيده عذوبة
كان شعرها كستنائيا شديد النعومة ومتوسط الكثافة..
تقصه منذ سنوات قصة (كاريه) كلاسيكية تصل لأسفل عنقها الطويل
قصة تتناسب برقيها ونعومتها مع شخصية مشاعل الهادئة العميقة وجمالها الهادئ
كجدتها النوم يجافيها..
قامت وفتحت جهاز حاسوبها المحمول..
ستتصفح صحف الغد (لابد أنها صدرت الآن.. الساعة الآن الساعة الواحدة)
تقلب الصحف.. تقرأ بهدوء ساكن
يشبه الهدوء الذي يلفها
فاجأتها صورة اقتحمت سكونها
صورة أرشيفية لناصر في تحقيق عن فريق سباقات التحمل..
كانت صورة رائعة لناصر وهو يمتطي "الجليلة" بشموخ..
(كم يبدو وسيما.. ومبهرا!!) همست مشاعل في داخلها
"أف وش ذا الأفكار الغبية؟!!"
أغلقت مشاعل الجهاز فورا ..
ومشاعر شتى تقتحم روحها الشفافة..
"لمتى وأنتي كذا يا مشاعل؟؟
زواجي بعد أقل من 3 شهور.. وأنا حتى اسمه وصورته استحي منها
ومن ناحية ثانية: ترا ناصر مهوب لازم إنه بارد مثل مشعل
ولا متوحش مثل حمد"
" وأنا بعد وش يضمني إنه ما يكون أسوأ منهم ثنينهم؟!!
وش يضمني؟!!
خايفة.. خايفة..خايفة!!"
****************************
مجلس آل مشعل
وثورة الأسرار التي فتحها ناصر
وفجرها راكان
ناصر بصدمة: أنت يا راكان.. انت تتزوج من ورانا.. ليه؟؟ ليه؟؟
راكان بحزن: الله يرحمك ياعمي سلطان..
عمي سلطان فتح لنا باب وسوى لنا رعب..
ناصر باستغراب: وعمي سلطان وش دخله فيك؟؟
راكان بعمق وهو يستعيد الحكاية من البداية:
تذكر يا ناصر.. محمد اللي كان معي في الفريق اللي توفى قبل كم سنة؟؟
ناصر بتذكر وهو يعصر مخه: مهوب اللي قتل نفسه بطلقة
وهو ينظف سلاحه وأنتو في اليابان؟؟
راكان بحزن: بلى هو نفسه.. أنا اللي كنت معه في الغرفة.. كنت في الحمام.. ولما سمعت الطلقة طلعت متروع..
أنا شفت إصابته عرفت إنه يومه وقف..الله يرحمه
لقيت وجهه للقبلة وقعدت ألقنه الشهادة.. تشهد يجعل مثواه الجنة
لكن ماكان على لسانه إلا كلمة وحده
"عيالي في رقبتك ياراكان.. عيالي مالهم حد"
ناصر بتوجس: وعقب
راكان وهو يتذكر بأسى: رجعناه للدوحة..
وصرت أمر دايم على بيته وعياله
عنده 3 عيال أكبرهم ذاك الوقت كان ولد أبو 12 سنة
ومحمد ماكان له أخوان ولا أخوات
ومرته كان لها أخين صغار ساكنين معها
أنا كنت أجي للمجلس وأجيب لهم أغراضهم وأشوف هم وش يبون
لكن جيرانهم الله يهداهم صاروا يتكلمون على مرت محمد بالشينة
ماقدرت أخلي المره تنضر سمعتها وهي رايتها بيضاء وخصوصا إنها عندها بنات
ناصر بصدمة: لا تقول إنك تزوجتها؟؟
راكان بحزن: إلا.. تزوجتها.. من سبع سنين.. وطلقتها قبل كم شهر..
ناصر بثورة: أنت مجنون.. حد قال إنك مؤسسة الشؤون الاجتماعية؟؟
راكان بعمق: ناصر أنت لو انحطيت في نفس موقفي..
صدقني بتسوي نفسي..
هذي جينات آل مشعل الخبلان
عشان كذا قلت الله يرحم عمي سلطان..
لأني حسيت بإحساسه يوم انحطيت في موقفه
وعشت السبع سنين اللي فاتت في رعب إنه ابي يعرف ويطردني..
الله يرحمك ياعمي سلطان.. الله يرحمك أشلون استحملت بعد هلك
أنا مجرد الفكرة ما قدرت استحملها..أشلون وأنت عانيتها لين مت بعيد عنا
ناصر باستفهام متخوف: لا يكون عندك عيال بس..
راكان ابتسم ابتسامة باهتة: أصلا مرت محمد حتى وجهها ماشفته..
ثم أكمل بهدوء: اتفقت معها أتزوجها عشان جيرانها يلمون ألسنتهم
وأنا أراعيها هي وعيالها وأخوانها.. لين يكبر ولدها وأخوانها..
لين قبل كم شهر ولد محمد الكبير خلص ثانوية ودخل الشرطة
وهو اللي طلب مني أطلق أمه.. وطلقتها..
ناصر باستفهام: زين أنت كنت متزوج زواج صوري وفي السر..
ليه خليت موضي؟؟
كنت تقدر تزوج موضي.. وفي نفس الوقت تظل متزوج مرت محمد وتراعي عياله..
راكان انتفض بعنف: كان مستحيل أبني حياتي مع موضي على كذب..
واكون مخبي عنها موضوع مثل هذا..
ثم أكمل بحزن: موضي تستحق واحد تكون هي الوحيدة في حياته
ماحد يشاركها حتى في أفكاره
ناصر يتنهد بعمق: زين يومك تقول إنك نزعت حب موضي من قلبك
والمرة اللي انت متزوجها طلقتها قبل كم شهر...
وش يمنعك تتزوج الحين؟؟؟
راكان بحزن عميق وصميمي كعمق راكان وبعد غوره:
فيه شيء في روحي مات يا ناصر..
ماتت فرحتي ولهفتي للزواج
اضطريت أتزوج وأنا شاب صغير عشان الواجب
ضاعت مني فرحتي بزواجي.. فرحة الشاب بلمة ربعه حوله
فرحته بحياة جديدة مع الإنسانة اللي بتكون نصفه الثاني
ثم ضاعت موضي قدام عيني.. وأنا احترق ولا أقدر أسوي شيء
وعقبها أحرقت قلبي بنفسي
قطعت عروقه عشان ينساها
نساها..
لكنه مات.. وانتهى
جفت عروقه ويبست..
وأنا خلاص فقدت كل رغبة بالزواج..
روحي مليانه هم ماعدت أعرف له سبب
**********************************
الساعة 12 ونصف بعد نصف الليل
غرفة لطيفة ومشعل
لطيفة أنهت صنع المراجعة لأولادها
وقامت تريد أن تستحم وتصلي قيامها قبل أن تنام..
فغدا السبت إجازة ولكنها تريد أن توقظ أولادها مبكرا حتى تدرسهم
مشعل يتابع النشرة الاقتصادية.. رأى لطيفة على وشك القيام
سألها وعيناه مثبتتان على الشاشة: وين بتروحين؟؟
لطيفة بنعومة: بأقوم أتسبح وأصلي..
مشعل يكتم صوت التلفاز ويلتفت إليها: اقعدي لطيفة.. أبيش في موضوع
لطيفة عادت للجلوس ووهي تقول باهتمام: هلا آمرني حبيبي..
نغزه قلبه من قولها "حبيبي" بينما هو يريد أن يفاتحها في موضوع أبعد ما يكون عن الحب..
مشعل بهدوء رغم توتره.. لم يعلم أن الأمر سيكون صعبا ومريرا هكذا :
لطيفة أنتي تدرين إنش غالية وقدرش عالي عندي..
لطيفة لم ترتح لهذه المقدمة التي لم تعتدها من مشعل: أدري.. الله يعز شانك
مشعل بذات الهدوء المتوتر وهو يشعر أن الأمر يزداد صعوبة عليه:
يعني مهما يكون أو مهما يصير إنتي قدرش ما يتغير..وبتظلين غالية..
لطيفة سحبت نفسا عميقا وهي تشعر بتوجس مرعب لا تعرف له سببا:
مشعل بدون مقدمات .. أنت وش تبي تقول؟؟
مشعل ألقى جملته وكأنه يزيح هما عن كاهله: أنا أفكر أتزوج مرة ثانية..
لطيفة مازالت لم تستوعب.. وكأن الخطاب غير موجه لها
وكأن المتحدث ليس زوجها..
أحرفها مقطعة تائهة:
أنت.. أنت تبي تزوج علي أنا؟؟ أنا ؟؟؟؟!!!!! علي أنا؟؟!!
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
04-08-2009, 11:20 PM
أسى الهجران/ الجزء الثامن عشر
مشعل ألقى جملته وكأنه يزيح هما عن كاهله: أنا أفكر أتزوج مرة ثانية..
لطيفة مازالت لم تستوعب.. وكأن الخطاب غير موجه لها
وكأن المتحدث ليس زوجها..
أحرفها مقطعة تائهة:
أنت.. أنت تبي تزوج علي أنا؟؟ أنا ؟؟؟؟!!!!! علي أنا؟؟!!
فكرة الزواج كانت تطوف ببال مشعل منذ زمن..
ليس هناك امرأة معينة في باله..
ولكن في مجال عمل مشعل المتحرك
يقابل يوميا عشرات النساء الناجحات قويات الشخصية
وسيدات أعمال يدرن شركات ضخمة بكل براعة وثقة..
هؤلاء السيدات فتحن عين مشعل على سبب عدم تقبله للطيفة
رغم عشرة السنين..
يريد امرأة من هذا النوع..
امرأة قوية واثقة تعرف كيف تدير حوارا ذكيا..
تقف أمامه ندا..
فلا يعقل أن يكون هو بكل قوة الشخصية والثقة هذه
وزوجته امرأة سلبية مسالمة لا يوجد أي تكافؤ بين شخصيته وشخصيتها؟!!..
نعم الرجل يحب أن يكون هو المسيطر..
لكن إذا وجد امرأة سلمت له كل المقاليد من البداية
فأين متعة السيطرة ؟!!
هو لا يفكر أن يتزوج فورا أو قريبا
هي مجرد فكرة تطوف بباله وينوي تنفيذها في الوقت المناسب
ولكنه –في اعتقاده- ظن أن لطيفة لابد أن تعلم بأفكاره وتتهيأ لها
من باب احترامه لها ولنفسه
فهو يرى أنه لا بأس أن يتزوج أخرى تتناسب مع تفكيره
وتبقى لطيفة هي زوجته الأولى وابنة عمه وأم أولاده
ولها احترامها وتقديرها كما كانت طيلة السنوات الماضية
لطيفة تكرر جملتها وهي تسحب نفسا عميقا:
مشعل جاوبني.. أنت تبي تتزوج علي؟؟
مشعل بهدوء: إيه.. أفكر
لطيفة سحبت نفساً أعمقَ وهي تقول بهدوء:
مشـــعــل اطـــلــع بـــرا بــيــتــي..
مشعل اعتقد إنه سمع خطأ: وش تقولين؟؟
لطيفة بغضب رغم أنها تحاول السيطرة على نفسها:
أقول اطلع برا بيتي..
ثم أكملت بسخرية مريرة:
ورتب شنطتك بنفسك.. لأن الخدامة اللي اسمها زوجتك قدمت استقالتها
مشعل مازال غير مستوعب ما تقوله: لطيفة أنتي صاحية وإلا مجنونة؟؟
لطيفة ثارت ثورة عارمة غير مسبوقة..
لأول مرة تثور.. كانت تصرخ بعنفوان
كانت أشبه ببركان خامد.. ثارت حممه فجأة لتغرق كل ما جاورها :
أنا كنت مجنونة وعقلت
13 سنة وأنا شايلتك على رأسي.. حبيتك حب ما عمر مره حبته لرجّالها
صبرت على برودك معي.. صبرت على بخلك بمشاعرك
صبرت على تجاهلك لي كني طوفة قدامك
كل شيء صبرت عليه عشانك
وأنا أسكب مشاعري اللي كانت بدون قيمة عندك
وأحط قلبي بين يديك
خذتني عمري 18 سنة توني مخلصة ثانوية..
قلت لك يا مشعل أنا نسبتي 93 وأبي أدخل جامعة
قلت لي: المره مالها إلا بيتها..
قلت لك: إن شاء الله..
مهوب سلبية مني..
لكن من كثر ماكنت أحبك وما أبي شيء يزعلك مني
وكنت كل ماقلت لي شيء
قلت لك إن شاء الله، وحاضر، وتم، وتامر
وعمري ماكسرت لك كلمة
وهذي أخرتها.. هذا ردك عليّ؟!!
الله يلعن الحب اللي ذلني لك.. وخلاك تدوس على رقبتي
جاي تقول لي أنا أبي أتزوج.. وبكل برود
كنك تقولها للكرسي اللي قدامك
ما كنك تكلم زوجتك اللي أنت عارف ومتأكد إنها تتنفس هواك
لكن وش يهمك أنت؟؟!!
هي تتنفس هواك.. وأنت عطها من قسوتك وبرودك على رأسها!!
لأنها بدون قيمة عندك..لا هي ولا مشاعرها
لو كنت أنا مقصرة في حقك في نص شيء، مهوب شيء..
نص شيء.. كان يمكن بغبائي أدور لك عذر
بس أنا عمري ماقصرت في حقك ولا بأقل شيء.. واخرتها تبي تتزوج..
روح تزوج يابو محمد..روح
وبدل الوحدة تزوج عشر..
بس بيتي يتعذرك..
اطلع ..
اطلع ما أبي أشوف وجهك قدامي
أنت أصلا ما تستاهلني.. ولا تستاهل حبي لك
مشعل كان مصدوما وغير مستوعب..
أولا من الكلام الحاد الذي تقذقه فوق رأسه
وثانيا من رفعها لصوتها
(معقول هذي لطيفة!!
عمري ما تخيلت إنها تعرف ترفع صوتها..
عمري أصلا ما تخيلت إن حبالها الصوتية تمتلك هذي الدرجة العالية من الصوت
وعمري ما تخيلت إنها كاتمة في قلبها كل هذا
أو حتى تعرف تتكلم بهذي الطريقة الحادة القوية)
كان مشعل يرى أمامه مخلوقة أخرى
مخلوقة تنتفض كنمرة مفترسة
كانت لطيفة تنتفض من الغضب
وكلماتها تخرج متدافعة كطلقات رصاص متلاحقة
ومشعل يتأملها بدهشة..
ارتعاش فكها
لمعة عينيها
اهتزار جسدها بعنف..
"هي كانت حلوة كذا طول عمرها؟؟!!
أو أنا اللي ما كنت أشوف؟؟!!"
كانت عينا مشعل تجول بلطيفة بتمعن
وكأنه يراها للمرة الأولى
يتمعن فيها جزءا جزءا
وعيناه ترتحلان بين تفاصيل جسدها تفصيلا تفصيلا
لتسكن نظراته على شفتيها المرتعشتين غضبا وانفعالا
والكلمات تتدافع عبرهما كسيل كاسح ناري منهمر
"نعنبو.. وش ذا الشفايف الموت اللي عندها؟!!"
شعر مشعل برغبة عارمة مجنونة أن يسكتها بقبلة طويلة
يطفيء بها ولعه الذي شعر به يجتاحه فجأة.. وبعنف..وبدون منطقية
وكأنه لم يحفظ تضاريس هاتين الشفتين طوال السنوات الماضية
ما الجديد بهما هذه المرة؟؟
لِـمَ يشعر برغبة جارفةٍ لم يشعر بشيء شبيه لها قبلا؟!!
لِـمَ تقتله الرغبة في تقبيل هاتين الشفتين المرتعشتين ؟!!
ولكن يستحيل أن يفعلها..
أ يذل نفسه لها، وهي تطعنه بكل هذا السيل من الكلمات؟!!
لطيفة تستكمل ثورتها: مشعل اطلع من بيتي
أنا ما أبي اشوفك..
أنا ماراح أقول لك طلقني
عشان عيالي مهوب عشانك
لكن من اليوم مالك أي حق علي.. تبي تجي للبيت
تجي تشوف عيالك وتطلع..
مثلك مثل أي ضيف
وغير مرغوب فيه بعد
أطلع.. يالله اطلع الحين
ماني بمستحملة أشوفك قدامي ولا دقيقة وحدة
اطلع.. اطلع
مشعل مازال مستغربا ثورتها.. لكنه يعتقدها ثورة وقتية:
خلاص لطيفة خلاص هدي..هدي
أنا ماقلت أني أبي أتزوج الحين..
أنا أفكر أتزوج.. وشفت إنه حقش إنش تعرفين
لطيفة بثورة هادرة أحد.. كسيل جارف اكتسح كل السدود:
صدق ماشفت مثل وقاحتك
تقتل القتيل وتمشي في جنازته
حقي أعرف الخبر اللي بينشر السعادة في روحي يعني؟!
وش أعرف يا مشعل؟؟ وش أعرف؟
إنك خنتني وتفكر تتزوج غيري
وش أعرف؟؟
إني ما أسوى عندك شيء؟؟
وش أعرف؟؟
إنه مره ثانية بتشاركني فيك
يا سلام على الخبر اللي أنت جاي تتحفني فيه
عمرك أصلا ما اعتبرتني شريكة لحياتك بمعناها الكامل
عمرك ما أشركتني في أفكارك
ولا شكيت لي همومك
دايما مهمشني ومقصيني عن حياتك
كأنك تستكثر علي الجملتين الباردة اللي تمنن فيهم علي
عمرك ماقلت لي إنك تحبني
عمرك ما طيبت خاطري بكلمة
عمري في حياتي ما سمعتك تقول: أنت حلوة
أو هالفستان حلو عليش..
أو حتى سمعت مجاملة صغيرة منك
الحين صار عندك حب الحوار المشترك وتبي تقول لي؟؟
بس تدري مشعل
شكرا على الخبر
وشكرا على أنك اشركتني أخيرا في التفكير معك
حتى لو ما كنت ناوي تتزوج قريب
زين قلت لي
ضاع من عمري 13 سنة
وأنا عايشة على أمل اليوم اللي بينهد السد اللي بيننا
وبلاقي لمشاعري صدى في قلبك
زين قلت لي
خلني ألم مشاعري المبعثرة اللي مالها قيمة
خلني أعرف أن السد اللي أنت بينته بيننا عمره ماراح ينهد
لأن الشيخ مشعل مشاعره بتكون لمره ثانية
خلاص مشعل خلاص
اطلع.. اطلع..
أقول لك ماني بمستحملة شوفتك
اطلع.. اطلع..
في موقف حياتي آخر..
لم يكن مشعل ليسكت على هذا السيل الحاد من الكلمات
فمشعل محاور ذكي وواثق
ولا يُغلب في حوار
وكان سيرد هذا السيل بسيل أحد ويقلب الطاولة على محاوره
وخصوصا أن لديه أسبابه التي هو مقتنع بها
ولكن مشعل الآن كان مصدوما بعنف
والصدمة أضاعت الكلمات من بين يديه
لم يخطر بباله ولا حتى لجزء من الثانية أن هذا قد يكون رد فعل لطيفة
توقع أن تصمت..
تبكي..
تقول كلمتي عتب وتسكت..
ولكن هذه لطيفة أخرى.. ليست هي من يعرف..
لا شكلا ولا مضمونا
لم يرها يوما بهذا الجمال الموجع الكاسح!!
ولا بهذه القوة المثيرة الهادرة!!
" لِـمَ لا تقل يا مشعل أن هذه هي لطيفة الحقيقية..
زوجتك التي أعميت عينيك عن رؤيتها؟!"
نهض مشعل وارتدى ملابسه..
شعر بالضياع وهو يبحث له عن حقيبة صغيرة يضع فيها ملابسه
وبضياع أكبر وهو يرتب ملابسه فيها
فهو اعتاد أن تفعل له لطيفة كل شيء
أخذ حقيبته وخرج دون أن يتفوه بأي كلمة
ولطيفة مازالت تقف بجمود وثقة
ما أن خرج.. حتى أغلقت الباب خلفه بالمفتاح
لأنها خشيت أن يعود
ويرى كل قوتها التي تسلحت بها انهارت
وهي تلقي بنفسها على سريرها
و تنخرط في بكاء حاد موجع
بكاء كان مخزنا في روحها المرهقة منذ دهور
كانت تبكي ألما سرمديا كونيا
لا حدود لاتساعه وآلمه الممزق للشرايين
تبكي بحرقة حبيب قلبها
الذي لم يحفظ عشرة السنين..
ولم يقدر مشاعرها التي سفحتها له وبين يديه
تبكي خيانته وتفكيره في سواها
وهي التي ما عرفت للحب معنى سواه
تبكي حبها الكبير العميق الذي اكتشفت أنه لم يكن قيمة
تبكي ثلاثة عشر عاما مرت
كان كل يوم فيها يزيد حب مشعل في قلبها ويتجذر
بينما هو يتباعد أكثر، ليذبحها في الختام أنه يريد أن يكون لأخرى
تبكي مجرد تخيلها مشعل بين أحضان أخرى
أخرى يكون لها الحق في لمس مشعل والنظر إلى ملامحه
تنحرها الغيرة واليأس والحزن
تبكي بُعد مشعل عنها الذي تعلم أنه سيسلخ روحها
فروحها معلقة بهذا المشعل اللعين!!
(لعنة الله على الحب يامشعل..
كم أحبك..
ولكن ..
يكفي يا مشعل..
يكفي..)
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
04-08-2009, 11:24 PM
أسى الهجران/ الجزء التاسع عشر
صباح اليوم التالي في الدوحة
و ليل ذات اليوم في واشنطن
كانت ليلة طويلة جدا على الكثير من القلوب
حملت السهد..
والسهر..
والكثير من الوجع..
الكثير الكثير منه...
وجع صِرْف..حاد..متوحش
الضحية الأكبر
ذات النصيب الأكبر من مرارة الوجع الذي لا حدود له
لطيفة
المطعونة في عمق قلبها وأنوثتها
مرٌّ هذا الشعور الذي يلتهمها
أن تقضي السنوات
وأنت تذوب حبا لشخص ما
تهتم بنفسك من أجله وحتى تعجبه
وتضغط على نفسك حتى يكون هو سعيدا
وتهتم بأدق تفاصيل حياته
وتعيش على أمل أن يشعر بك يوما
لتكتشف أن كل هذه السنوات ذهبت هباء
لا قيمة لجهودك عنده
ولا صدى لمشاعرك في قلبه
وأنك مجرد حثالة لا قيمة لها..
هكذا كانت تشعر لطيفة!!!
الساعة 8 صباحا في غرفة لطيفة
لم تنم مطلقا
ووجهها منتفخ من آثار البكاء
استحمت لتنشط جسدها المهدود
(حياتي لن تنتهي على أعتاب خيانتك يا مشعل
لدي أطفال ينتظرونني
هم من يهمونني في هذه الحياة
ولدي مخططات أخرى
بعيدا عن تمحور حياتي حولك)
وتنفيذا لأحد هذه المخططات
أخذت لطيفة هاتفها وأرسلت رسالة قصيرة لشخص ما
ثم ذهبت لتوقظ ابنائها لتفطرهم وتبدأ المذاكرة لهم
غصبا عنها: طاف مشعل ببالها
كيف نام البارحة؟؟
فلطالما كان مشعل ابنها الخامس!!
ولكنها نفضت ذكراه من مخيلتها
(يرقد وين مايبي..
خله يروح ينام عند المدام الجديدة
ماعاد لي شغل فيه)
ولكن كان لها (شغل) فيه
ففكرة (المدام) الجديدة أشعلت نارا حارقة في جوفها
مهما حاولت الإنكار!!
**************************
تلا لطيفة في السهد والسهر والوجع واختلاج المشاعر
فارس
قبل ذلك بساعات
بعد صلاة الفجر
بيت فارس بن سعود
فارس يعود من المسجد بعد أن صلى الفجر
لم ينم مطلقا
يشعر أنه منهك ومُستنزف
ويريد إلقاء جسده المتعب على سريره لينام
ولكن هل سيتركه تمزقه وتبعثر مشاعره
بين إهانتها المرة وصوتها الساحر ينام؟!!
لم يشعر يوما بالضياع كما يشعر الآن!!
لطالما كان جبارا واثقا لا يهتز
ماذا فعلت به إهانتها؟؟
ماذا فعل به صوتها؟!!
لم يخطر بباله يوما أن قلبه الصلب ستهزه مشاعر كهذه
مشاعر لذيذة عذبة وشفافة
تماما كصوتها اللذيذ العذب الشفاف
ولكن هل سيترك كبرياءه قلبه على هواه؟!!
*************************
ذات الوقت ولكن بتوقيت آخر
الساعة السادسة والنصف مساء في واشنطن
كان مشعل يعود لبيته من صلاة المغرب في المسجد الملاصق
كان قد خطط في بداية النهار
أن يزور زوجة عمه بعد صلاة العصر
ليرى أحوالهم وإن كانوا يحتاجون شيئا
ولكنه بعد موقفه مع هيا
يشعر بحرج شديد
حتى الآن لا يعلم كيف فقد السيطرة على نفسه لدرجة إمساكها
تصيبه هذه الفتاة بالجنون!!
ما أن فتح باب شقته
حتى رن هاتفه المحمول..
ألتقطه نظر للاسم وابتسم من أعماقه:
هلا والله.. هلا هلا هلا من واشنطن للدوحة.. ولا تكفي
أم مشعل بحنان غامر: أصدق بعدين يأمك..
مشعل بحنان: صدقي جعل عيني ما تبكيش.. أشلونش يالغالية؟؟
أم مشعل بحنان أكبر: طيبة فديتك.. أنت اللي أشلونك؟؟
تاكل زين؟؟ ترقد زين؟؟ تدرس...
مشعل يقاطعها بمرح: والله إن كل شيء زين فديتش..
وش ذا النهار المبارك اللي سمعنا صوتش الحلو..
بالعادة ما تكلموني ذا الحزة..
الساعة مهيب 4 ونص الصبح عندكم الحين؟؟
أم مشعل برقة: بلى.. بس جدتك من يوم درت ببنت ولدها..
ماجاها رقاد تبي تكلمها
توتر مشعل: ذا الحزة؟؟
أم مشعل رجاء: تكفى يا مشعل.. من يوم صلت الفجر
وهي تحن تبي تكلمها
روح لهم وأتصل على تلفون مشاعل
لأني بأروح المطبخ.. ابيك عنده فطور رياجيل..
مشعل يبتسم: ليتني على يمين أبو مشعل بس.. والله ما أخليه يتعب روحه
أم مشعل بحنان: جعلنا مانذوق حزنك يأمك ويردك لنا سالم غانم..
يالله يأمك فديتك.. روح عند بنت عمك.. وخلها تكلم جدتك..
لم يكن مشعل يريد الذهاب لشقة هيا
فهو أصبح يكره رؤية هذه الهيا
التي تستمتع بإيلامه وبمحاولة التقليل من احترامه
ولكنه لا يستطيع رد رغبة جدته الغالية ولو كان في ذلك قطع عنقه
فكيف بأمر سخيف مثل مقابلة ثقيلة الدم المدعوة هيا؟!!
**************************
بيت محمد بن مشعل
ناصر وراكان يعودان سويا
بعد ليلتهما المارثوانية
ليلة كشف الأسرار التي استنزفت كلا منهما
استنزفت راكان بوحا
واستنزفت ناصرا تضامنا
صلوا الفجر في سوق واقف
وأفطروا في مطعم بيروت وأحضروا معهم فطورا للبيت
ووضعوه في المطبخ الداخلي
وصعدا لغرفة مريم
باب غرفة مريم يُطرق
كانت مريم تستعد للنوم بعد أن صلت الفجر
"ادخل"
يُفتح الباب وتدخل خطوات ثقيلة
مريم تبتسم : وين مسربتين الشباب البارحة؟؟
جيت أذهنكم لقيت سرايركم باردة
يعني مابعد نمتوا.. يالله اعترفوا!!
ناصر بمرح: يالله صباح خير.. ترا منتي ببنت عبدالله عشان تحاسبيني
أنا ما يحاسبني إلا المدام فديت عينها
راكان بابتسامة: أم محمد تحاسب اللي تبي..
وكلمتها تمشي على رقبتك ورقبتي
مريم تبتسم بحنان: جعلني ما خلا من عين الناس الذوق..
مهوب الغجر اللي ربي بلا مشاعل فيهم..
ناصر يضحك: دايماً ظالميني.. كني ولد البطة السوداء.. ماكني بأخيكم..
راكان بهمس وهو يميل لمريم: عروستنا وش علومها؟؟
انقبض قلب مريم
فالعنود قضت الليل كله تشهق وتكتم شهقاتها
حتى لا توقظ مريم التي تظنها نائمة..بينما النوم جافاها
(كيف تنام وصغيرتها المدللة العذبة تعاني؟!)
أجابت راكان بهدوء: مستحية شوي.. بس زينة..
راكان بحنان: فديت روحها ماني بمتخيلها مره متزوجة..
ناصر بذات الحنان: ولا أنا.. لا.. وإلا لو تجيب عيال..
أشلون تربيهم وهي بروحها بزر..
مريم برقة: بزر في عيونكم.. بس العنود ما ينخاف عليها.. مره ماشاء الله
*************************
فندق الريتز
الدوحة
مشعل يتمدد على سريره بعد أن صلى الفجر
يشعر بأسى يخنق روحه
لم يخطر بباله ولا حتى في أسوأ أحلامه
أنه قد يُطرد بيته
ومن الذي يطرده؟؟
لطيفة
لطيفة
لطيفة التي بات لا يعرفها
أو ربما لم يتح لنفسه فرصة التعرف عليها
13 عاما وهذه المرأة زوجته
ثم يكتشف أنه لا يعرفها
كلما تذكر ثورتها عليه
يشعر بقشعريرة تجتاح جسده
قشعريرة لا يعلم لها سببا
قشعريرة باردة.. وملتهبة في آن
تهز سلسلة ظهره الفقرية بعنف ككهرباء لاسعة
يتقلب الجسد الضخم المثقل بالهم
يحاول أن يرتب أفكاره
ليجدها تعود للتبعثر
كيف سيتصرف الآن؟؟
لا يستطيع فرض وجوده على لطيفة
لا رجولته ولا كرامته يقبلان ذلك على نفسه
ولا يستطيع أن يعود لبيت أهله
فأي خزي يعود به كشاب مراهق بعد أن أصبح في الثامنة والثلاثين؟!!
لا يحتمل أن تهتز صورته أمام أحد منهم
هل يؤجر له بيتا أو شقة؟؟
ماذا سيقول الناس ؟!!
سيسلخون وجهه سخرية وأقاويل فارغة وإشاعات مغرضة
هو في غنى عنها
"بل أنت كنت في غنى عن هذا كله!!"
(أي مصيبة جلبتها لنفسك يا مشعل؟!!!)
هل يعجل بفكرة الزواج؟؟
حتى لا يتكلم عليه أحد حين يؤجر أو يشتري بيتا!!
أولاده كيف سيبرر غيابه عنهم..
مشتاق للشيطانة الصغيرة المسماة جود
فهو اعتاد أن يمر سريرها كل يوم قبل ذهابه لعمله
ليطبع على وجنتيها المدورتين قبلاته
نعم.. هو كثير الانشغال
ولكنه مغرمٌ بأولاده.. واعتاد على رؤيتهم كل يوم
فكيف سيتقبل فكرة "الضيف غير المرغوب فيه"؟؟
النوم جافاه وعشرات الأفكار تغتاله
أبرزها
فكرة واحدة
اسمها
لطيفة
***********************
الساعة الثامنة صباحا
في بيت مشعل بن محمد
لطيفة في غرفة أولادها توقظهم
محمد يفتح عينيه وهو يقول بنعاس: يمه كم الساعة؟؟
لطيفة بحنان: 8 الصبح
محمد قفز من سريره: يمه الله يهداكم مابعد صليت..
ليش ابي ماقومني أروح معه للمسجد مثل كل يوم..
لطيفة ابتلعت ريقها (بدأ اللي أخاف منه): ابيك عنده شغل ..
عشان كذا يبي ييبي يبات قريب منه
قفز عبودي الصغير الذي كان يسمع: أشلون عنده شغل
هو قايل لي إنه إذا حمود خلص امتحاناته بيودينا النقيان ويخلينا نركب الرينو..
لطيفة تحضن عبودي وهي تحرك شعره بنعومة وتقول بحنان مصفى:
فديت راعي الرينو يا ناس.. بيرجع ويوديكم لا تستعجل على رزقك..
وبعدين يالنصاب ابيكم يوديكم النقيان كل أسبوع
يعني فرقت ذا الأسبوع..
كانت لطيفة تعلم أن مشعل إذا وعد أبناءه فهو لن يخلف..
ولكنها ستحرص ألا تراه حينها..
ستجهز الأولاد وتجعلهم ينزلون له..
هل بدأ قلبك يقسو يا لطيفة؟!!
أ حقا لا تريدين رؤيته؟!!
*****************************
أمام شقة هيا يقف
يشعر أن رؤيتها ثقيلة على نفسه
ولكنه يفعلها من أجل جدته
رن الجرس رنة واحدة
وهو يتمنى ألا تفتح له
حتى يجد عذرا لنفسه
لم يكن يريد أن يراها اليوم بالتحديد بعد ماحدث في الجامعة
كان يريد تأجيل رؤيتها ليوم آخر
ولكنه لم يكد يرن حتى فُتح الباب
كانت باكينام من فتحت
وكانت أصلا على وشك فتح الباب لتغادر
حين رن مشعل الباب..
صُدمت باكينام برؤيته
ولكنها ألقت التحية عليه بأدب
ونزلت باستعجال قبل أن يقفل سكن الطالبات في وجهها
مشعل مازال واقفا عند الباب الموارب
"يا أهل البيت"
هيا ما أن سمعت صوته حتى تناولت عباءتها واختبأت خلف الباب ترتديها
وترتدي حجابها وهي تشير لأمها أنها لا تريد رؤيته
ثم دخلت للمطبخ
أم هيا بهدوء: ادخل يمه مشعل
مشعل خطا خطوة واحدة للداخل وترك الباب مفتوحا: مساش الله بالخير يمه
أم هيا بحنان: مساء النور.. اقعد يمه نحط لك عشاء
مشعل برفض: تو الناس على العشاء.. جعله عامر
ثم أكمل بهدوء: ادعي لي هيا يمه.. أبيها ضروري
هيا كانت تسمعه من مكانها في المطبخ توترت..(وش يبي بعد؟!)
هيا خرجت بخطوات مترددة قبل أن تناديها أمها
وهي تقول لمشعل بهدوء مستفز: خير إن شاء الله..
*****************************
باكينام وهي في طريقها للسكن
قررت أن تمر المقهى المجاور لسكن هيا
لتأخذ لها عشاءً خفيفاً على استعجال
لتتناوله في السكن
لم يخطر ببالها مطلقا أنها قد تصدف النادل إياه
ولكنها صدفته وهو خارج بعد أن أنهى فترة عمله
هزت رأسها كتحية وهي تدخل
وهو هز رأسه وهو خارج
خرج
بدا لها وسيما جدا في لباسه اليومي
بنطلون جينز وقميص أبيض
بعيدا عن لباس المقهى
ثم قطبت باكينام جبينها
وهي تتذكر لباسه
لا يمكن أن يفوت عينها الخبيرة
كيف لنادل محدود الدخل
أن يرتدي بنطلونا من (دولتشي آند غابانا)
وقميصا من (بربريز)؟؟!!
القميص لوحده ثمنه يوازي راتبه لشهرين!!!
هزت رأسها:
"أكيد تئليد، بس بصراحة تئليد بيرفكت!!"
**********************
هيا خرجت بخطوات مترددة قبل أن تناديها أمها
وهي تقول لمشعل بهدوء مستفز: خير إن شاء الله..
مشعل أخذ نفسا عميقا (اللهم طولك ياروح..):
الخير بوجه هل الخير إن شاء الله طال عمر جنابش..
هيا ببرود: تمسخر حضرتك..
مشعل بنفس برودها: كلن يرى الناس بعين طبعه..
هيا بحدة: اخلص وش تبي؟؟ ما أعتقد إنك جاي في ذا الليل تنغزني بالحكي..
(كانت هيا تحاول أن تزيح إحساسها بالحرج بهذه الحدة)
أم هيا بغضب: هيا احشمي ولد عمج يا قليلة الحيا.. واحشميني..
هيا تلتفت لوالدتها وتقول لها باحترام: أنتي لج الحشيمة والقدر..
ثم تلتفت لمشعل وتقول ببرود: بس غيرج ماله عندي قدر ولا حشيمة
لأنه ما يستحقها..
مشعل بغضب هادر فقد وصل منتهاه منها:
وغيرها ما يبي الحشيمة منش لأنش ما تسوين مواطي أرجيله..
والله لولا اسمش اللي أخره مشعل ما هميتني.. اسمي ارتبط باسمش غصب
لكن أنتي كانسانه بلسانش الفالت وقلبش الأسود أخر شيء يهمني..
والحين اخلصي علي كلمي جدتي
ويا ويلش ويا سواد ليلش لو زعلتيها بكلمة
والله ثم والله يا شرب دمش كله مايكفيني..
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
04-08-2009, 11:39 PM
أسى الهجران/ الجزء العشرون
شقة هيا
حيث اندلعت النيران
هيا تلتفت لوالدتها وتقول لها باحترام: أنتي لج الحشيمة والقدر..
ثم تلتفت لمشعل وتقول ببرود: بس غيرج ماله عندي قدر ولا حشيمة لأنه ما يستحقها..
مشعل بغضب هادر فقد وصل منتهاه منها:
وغيرها ما يبي الحشيمة منش لأنش ما تسوين مواطي أرجيله..
والله لولا اسمش اللي أخره مشعل ما هميتني.. اسمي ارتبط باسمش غصب
لكن أنتي كانسانه بلسانش الفالت وقلبش الأسود أخر شيء يهمني..
والحين اخلصي علي كلمي جدتي
ويا ويلش ويا سواد ليلش لو زعلتيها بكلمة
والله ثم والله يا شرب دمش كله مايكفيني..
صوت غاضب اقتحم المعركة الدائرة بينهما
كانت أم هيا تتعكز بصعوبة وتقف على قدميها وهي تقول:
أنتو اثنينكم احشموني.. عجوز واقفة بينكم ماحشمتوا شيباتي
مشعل باحترام: يعني يرضيش يمه تطويلها لسانها عليّ؟؟
ثم أكمل وهو يقول بغضب:
أنا ما أدري الشيخة هيا وش كانت تبيني أسوي
تبيني أقول لجدي لا تطرد عمي وأنا عمري سنتين؟؟
أم هيا ألتفتت لهيا المعتصمة بالصمت: هيا اعتذري لولد عمج..
هيا باستجداء: يمه تكفين لا تصغريني قدامه..
مشعل يسحب نفسا عميقا: يمه أنا ما أبيها تعتذر مني..
الله المغني عن اعتذارها
بس قولي لها تكلم جدتي زين
جدتي متشفقة عليها.. لا توجعها بالحكي.. جدتي جاها ماكفاها..
هيا بحدة: هي جدتي مثل ماهي جدتك..
بأكلمها زين عشانها أم سلطان وبس
وإلا أنت...
أم هيا تقاطعها بغضب: بس يا هيا
مشعل أخذ نفسا عميقا مرة أخرى
(الله يعدي ذا الليلة على خير لأذبحها)
تناول هاتفه ليتصل.. وأم هيا تشير له ليجلس..
جلس ..وهاتفه على أذنه..
وهيا توجهت وجلست بجوار أمها وهي تمسك بكفها
فسماع صوت جدتها بعد كل هذه السنين.. كان شيئا فوق احتمالها
حتى لو تصنعت القوة أمام مشعل
مشعل يبتسم وهو يسمع صوت مشاعل
(استغربت هيا ابتسامته فهي كانت تظنه لا يعرف الابتسام)
- هلا والله مشمش هلا بشيخة هل الدوحة وأحلاهم
- ..........
- إذا أنتي اشتقتي لي شوي انا اشتقت لش واجد.. أشلونش يا قلبي؟؟
شعرت هيا بشعور فضول غريب.. وبشعور آخر آخر مختلف..
وأفكار شتى تصطخب في مخيلتها
(من هذه التي تبرق عيناه وهو يسمع صوتها؟!!
من هذه التي يتغزل بها ويهبها كل هذا الحنان؟!!
أ يكون متزوجاً؟؟ وهذه زوجته؟؟
لا لا ليس متزوجا..
وما الذي يمنع أن يكون متزوجا فهو على أعتاب الثلاثين؟؟)
غصبا عنها شعرت بضيق غير مبرر من فكرة كون مشعل متزوجا
(خليه يتزوج بالطقاق.. الله يعين مرته على مابلاها!!)
- إيه أنا عندهم.. عطيني جدتي..
- ..............
- هلا والله.. والكاذب جعل ابيه النار..
- ...................
- طيب جعلني ماذوق حزنش..
- .....................
- والله أني طيب.. أنتي بشريني منش؟؟ أشلون صحتش يالغالية؟؟
انتفضت هيا بعنف.. لانها علمت أنه يكلم جدتها الآن..
كانت ترى مشعل وكأنه نسي وجودهم
وهو ينغمس في حديث ممتع مع جدته
شعرت ببعض الغيرة وبكثير من الحزن..
طوال السنوات الماضية كل أحفادها تمتعوا بحنانها إلا هي..
كلهم تمتعوا بقربها وحكاياتها وأحضانها إلا هي..
هي أحق بها منهم جميعا
لأن سلطان كان يعشقها
وما يعشقه سلطان هي تعشقه..
شيء بقي لها من ذكرى سلطان الغالية..
مشعل يرفع عينيه في هيا، وهو يقول بنبرة محايدة:
إيه يمه أنا عندهم ذا الحين
شعرت هيا بريقها يجف ويتشقق كأنه أرض بور..
وقلبها يكاد يثب من بين ضلوعها
ربما كانوا سكان الصين يسمعون دقات قلبها الآن!!
كان مشعل يقول بابتسامة (وبعيارة):
بس ترا بنت ولدش ما تعرف تحكي..
حكيها ما أدري وشو قايل.. حكي حضران..
ما أدري تفهمين عليها وإلا لا
.................
مشعل بشيء من الجدية: والله أني صادق يمه..
إذا جات عندش علميها حكيش الزين
ولو أني ظني لا تقعدين تعلمينها عشر سنين ما أعتدل لسانها الملتوي..
على الطرف الآخر كانت الجدة تشعر باللهفة تخترق أحشائها
كان مشعل يقول : ولو أني ظني لا تقعدين تعلمينها عشر سنين ما أعتدل لسانها الملتوي..
- ما يهم يا أمك إن شاء الله تحكي هندي المهم أسمع صوتها
- لذا الدرجة متشفقة عليها (مشعل بحنان)
- الله لا يفجعك بالولد يأمك (الجدة بنبرة غارقة في الحزن)
مشعل ألتفت لهيا وهو يقول: هاش يمه كلميها
تناولت هيا الهاتف وهي تشعر أنها تكاد تسقط من فرط ارتعاشها وتوترها
*****************************
هيا تناولت الهاتف وهي ترتجف، والجدة استعدت لمكالمتها
والاثنتان يهزهما سيل من مشاعر متطابقة في عمقها ولهفتها
كيف هو صوتها؟؟
أيحمل رائحة صوت سلطان؟؟
أتحمل بعضا من بحته وحدته في نطق الحروف؟؟
أ لها العمق الحنون نفسه؟؟
أ سيهز صوتها روحي كما كان صوت سلطان؟!!
هيا بتردد: ألو..
الجدة بصوت مخنوق: هلا والله.. هلا ببنت سلطان.. هلا ببنتي..
هيا لم تحتمل.. لم تحتمل.. لم تهتم لكون مشعل موجودا..
وكونها تتمنى أن تموت ولا يراها ضعيفة
كل هذا لم تهتم له وهي تنخرط في بكاء حاد موجع
حين سمعت صوت جدتها النقي الهادر كأمواج البحر
كانت هيا تنشج كطفلة ضائعة أعادوها لوالديها
فُجع مشعل من ردة فعلها
لم يتوقع أن هذه الباردة الوقحة الحقودة تحمل قلبا بين جوانحها
لم يحتمل منظرها الباكي ولا لحظات ضعفها..
هزت دموعها مشاعره النبيلة بعمق
لا يحتمل دموع أي امرأة.. فكيف بابنة عمه؟!!
قام ووقف وخرج لينتظر عند باب الشقة من الخارج
وهيا مستمرة في نحيبها المؤلم والجدة بعبرات مخنوقة:
بس يأمش.. قطعتي قلبي.. فديت عينش
أم هيا تناولت الهاتف من يد ابنتها
في الوقت الذي هيا قفزت للحمام لتغسل وجهها وتحاول تهدئة نفسها
أم هيا باحترام: هلا يا أم محمد.. أنا أم هيا.. يا هلا والله فيج
الجدة بنفس الصوت المخنوق: الله يحيش هلا والله.. وش فيها هيا؟؟
أم هيا: مافيها شيء.. مستانسة اللي سمعت صوتج
هيا تحبج وايد من محبة سلطان لج
الحين تغسل ويهها وبتيي وبتكلمج..
بعضا من كلام أم هيا.. لم تفهمه الجدة..
لكن مايهمها أنها ستسمع صوت هيا
أم هيا نادت مشعل.. الذي دخل بتردد..
وأعطته هاتفه بعد أن أغلقت الخط
مشعل باستغراب: وينها هيا؟؟
أم مشعل: قامت للحمام وبتيي..
بعد لحظات خرجت هيا بوجهها المحمر وهي تعاود الجلوس بجوار أمها
وتقول لمشعل بهدوء وعينها على الأرض: كلم لي جدتي..
مشعل أعاد الاتصال وأعطاها الهاتف..
هيا باحترام وهدوء: هلا يمه.. سامحيني فديتش..
ماقدرت أتحمل صوتش
ذكرني بأبي الله يرحمه..
كان مشعل يعتقد أنه أخطأ سماع اللهجة التي تتكلم بها هيا
لذا ارهف السمع وهو يعود للجلوس في مكانه..
الجدة بحزن: حي الطاري وراعيه.. جعل مثواه الجنة.. وجعلها برايد عليه..
هيا بذات الحزن: آمين..
الجدة بحنان: أشلونش يأمش؟؟
هيا بنعومة: طيبة طاب حالش.. أنتي أشلونش؟؟ وش وقعش؟؟
الجدة تبتسم: زينة.. زان وقعش..
هيا بذات النعومة: أشلون من يعز عليش؟؟ أشلون عماني وعيالهم؟؟
بشريني منش طال عمرش في الطاعة؟؟
الجدة تتسع ابتسامتها: طيبين كلنا..
هذا حكيش زين.. وازين من حكي خوات مشيعل
اللي ألسنتهم متلوية
وش قومه عليش يعذرب حكيش؟؟
هيا تلتفت لمشعل الذي كان مصعوقا من طريقتها في الكلام
كانت تتكلم كجدته.. بنفس طريقتها.. وبلهجة حادة كحدتها
كانت تتكلم كمن اعتاد أن يتحدث هذه اللهجة طوال عمره
( إذن كانت تسخر منه!! وتصغره كعادتها!!)
هيا تجيب بابتسامة جانبية وهي تنظر لمشعل: يمه مشعل ما يعجبه شيء
كلامي مهوب عاجبه.. يقول ما أعرف احكي
الجدة تبتسم وتقول بحنان: ماعنده نظر.. جعلني ما أبكي منطوقش الزين
استمر الحوار بين الجدة وهيا لأكثر من عشر دقائق
ومشعل غضبه يتصاعد
(وش تقصد بحركتها يعني؟؟
تبي تطلعني غبي قدام جدتي
زين يا هيا زين)
كانت كلما استغرقت في الحوار كلما زاد غضب مشعل
كان يمني نفسه أنها تمثل اللهجة حتى لا تنتصر عليه
ولكن لهجتها كانت صميمية
لهجة من عاش حياته كلها بين أهلها ولم يمارس غيرها
من أين تعلمت أن تتكلم بهذه الطريقة القديمة؟؟
حتى شقيقاته لا يعرفن أن يتكلمن مثلها
تبدو لهجتها صافية لم تخالطها لهجات أخرى
كما يحدث لكل البنات اللاتي يتأثرن من لهجات صديقاتهن في المدرسة.
والحقيقة الصارخة أنها أقرب لمفردات مجالس الرجال
ولكن بألقها الساحر وعذوبة صوتها
وهنا قفزت المعلومة لذهنه
إنها طريقة عمه سلطان في الكلام.. لا شك..
أنهت هيا المكالمة وابتسامة صافية شفافة ترتسم على محياها
يالله كم هي رائعة جدتها!! (هذا مايجول بأعماقها)
وعدتها هي بنفسها أن تأتي للدوحة في أقرب وقت
(بأروح لها بس مهوب مع مشعل
بنروح بروحنا)
أعادت الهاتف لمشعل وهي تحاول أن ترسم تكشيرة على وجهها
ولكنها فشلت وظلت ابتسامتها ترتسم معبرة عن فرحتها العميقة
(من فرحتي بجدتي.. بأبتسم حتى للجن الأزرق!!)
مشعل وهو يأخذ هاتفه ويقول ببرود:
وش قصدش من الحركة اللي سويتيها؟؟
هيا بنفس بروده: أي حركة؟؟
مشعل بنبرة ثلجية: يوم لسانش يلوط أذانش..
ليه تطلعيني كذاب قدام جدتي..؟؟
هيا بسخرية: والله ماحد قال لك تألف كلام على كيفك..
مشعل بحدة: أنا ألفت كلام؟؟ أنا ماقلت غير اللي أنتي قلتيه
ثم أعاد كلامها الذي قالته له اليوم صباحا بطريقة ساخرة:
"والله هلي اللي انت تقول رموني، من وين أتعلم كلامهم من الهوا"
هيا بسخرية: بس ماقلت لك أني ما أعرفه؟؟
ثم أكملت بحنين: هذا كلام سلطان ، اشلون ما تبيني أعرفه؟!!
أم هيا تبتسم وهي تقول بحنين بنكهة أخرى: تدري يمه يامشعل
كان رأسها برأس سلطان طول اليوم
والله العظيم ما كنت أفهم شيء من كلامهم من سرعتهم ووشوشتهم
#أنفاس_قطر#
أسى الهجران/ الجزء الحادي والعشرون
بيت جابر بن حمد
الصباح الباكر
الصالة السفلية
أم حمد تجلس عند (دلالها) وترتب الفطور
استعداد لنزول زوجها وبناتها
اليوم عندهن تدريب على اختبار التوفل لكل المدرسة
لذا سيذهبن يوم السبت
معالي أول الواصلات تقفز على الدرج وتدندن بقصيدة حربية قديمة
تبتسم أمها: أنتي رايحة للمدرسة وإلا رايحة الغزو؟؟
معالي تصل أمها وتطبع على خدها قبلة كبيرة وهي تقول:
الاثنين.. المدرسة أصلا جهاد أكبر..
أم حمد بابتسامة: إلا تعالي ذا القصيدة من وين تعلمتيها؟؟
ما أتذكر إني قد قلتها لش..
معالي تضحك: من جدتي هيا فديت عينها..
وإلا أنتي صايرة بنوتية ضيعتي قصيد الأولين كله..
أم حمد تضحك: واللي يقابلش أنتي وخواتش يبقى فيه مخ..
ضيعتوا مخي الله حسيبي..
أصوات ضاحكة مازالت تنزل الدرج:
يعني عشان محترة على معالي تدخلينا معها
معالي تبتسم: حياهم الله رقية وسبيكة
عالية تبتسم: يعني اليوم مهوب كوبي وبيست..
معالي تنظر في لبسهم المدرسي وتسريحة شعورهم وتضحك:
إلا أبو الكوبي والبيست وأمه
نعنبوا داركم المدرسات يشتكون أنهم ما يفرقون بينكم..
وأنتو حتى الكلبس نفس الشكل وعلى نفس المكان كنكم قايسينه بالمسطرة
غيروا على الأقل البلايز والا الكلبس اللي في شعوركم يالمغبرات
علياء (بعيارة): محترة يا الكويحة..
معالي ترفع أنفها وهي تقول بغرور: السمار نص الجمال..
ياللي لونش كنه لون مريضة ما شافت الشمس..يالمومياء..
عالية: عشتو.. حبو لي خشمه ما أطوله...
صوت حازم يقاطعهم: أصبحو وأفلحوا.. ذا النقرة كل صبح لازم..
قفزن الصبايا الثلاث باحترام وهن يرين والدهن ينزل الدرج
وتسارعن إليه كل واحدة تقبل أنفه بمحبة واحترام..
علياء وعالية جلستا صامتتين باحترام
ولكن معالي قفزن لجوار والدها، وأمها تصب القهوة عليه، معالي بدلال ولؤم:
جبوري حبيبي.. طلع اللي في مخابيك
وأتحف بنتك المزيونة بخمسين ريال، مية، خمسية ما نقول لا..
اللي بيطلع من ذمتك.. وأنت كريم واحنا نستاهل
أم حمد بغضب: اقطعي واخسي.. احشمي أبيش يا قليلة الخاتمة..
أبو حمد يضحك: خليها تقول جبوري كود أعود ولد..
وتجوزني حد من بنيات المدرسة اللي معها..
معالي تضحك: بأزوجك المدرسة كلها.. بس قبضني..
البنات ووالدهن يضحكون، بينما أم حمد عقدت ناظريها وهي تقول:
إيه جايز لكم الحكي..
الله لا يبلانا.. البنات وأبيهم استخفوا
**********************
غرفة راكان
الساعة التاسعة صباحا
منبه هاتفه يوقظه
فلديه اليوم تدريب رماية استعدادا لبطولة آسيا في الرماية
التي سُتقام في سنغافورة
أطفأ الجرس ثم أنتبه لرسالة تنتظر الفتح
فتحها كانت من لطيفة:
" لو سمحت راكان إذا صحيت دق علي ضروري"
استغرب راكان وشعر بالقلق
اتصل بلطيفة
التي كانت وقتها مستغرقة في الاستذكار لأولادها
ردت لطيفة بهدوء: هلا والله
راكان بقلق: صبحش الله بالخير يا أم محمد عسى ماشر؟؟
فيكم شيء؟؟
لطيفة ابتسمت: مافيه شيء يا ابن الحلال..
يعني أختك الكبيرة مالها حق تقول اتصل علي أسلم عليك
ابتسم راكان: تمونين يا أم محمد.. الله يكبر قدرش..
بس أكيد إنش تبين شيء.. آمريني..
لطيفة برقة: ما يأمر عليك عدو أبي منك خدمة كبيرة شوي
راكان بشهامة: أفا عليش.. الغالي يرخص لش يامرت الغالي..
توترت لطيفة من مرور ذكر مشعل، ولكنها أكملت بهدوء:
أدري راكان إنه واسطتك كبيرة.. ومعارفك كثير..
وأبيك تخدمني في موضوع..
راكان بثقة: آمري..
لطيفة استمرت بذات هدوؤها:
أنا ادري أني السنة الدراسية بادية لها تقريبا شهر..
بس أنا أبي أرجع أسجل ثالث ثانوي منازل..
وأدخل اختبار الثانوية العامة ذا السنة.
راكان باستغراب: بس أنتي مخلصة ثالث ثانوي.. وش عندش؟؟
لطيفة بثقة: شهادتي صارت قديمة.. وأنا أبي أدخل الجامعة..
راكان ابتسم: حلو ذا الطموح المتأخر.. تمونين يأم محمد..
هي صحيح صعبة وخصوصا إنه ثالث ثانوي وهم خلاص جهزوا القوائم
يعني لو ثاني مثلا كان اهون
بس حاضرين.. ماطلبتي شيء..
لطيفة ابتسمت: خلاص بأخلي الخدامة تجيب لكم في البيت الحين ظرف فيه أوراقي
ومشكور يا أبو محمد الله يوفقك دنيا وآخره..
****************************
منتصف الليل في واشنطن دي سي
كولومبيا ديسكرت
قلبان ساهران
في مكان مختلفان
تغمرهما مشاعر مختلفة.. عميقة..
هيا الليلة سعيدة جدا
تكاد تلمس من النجوم من فرط سعادتها
تريد أن تحتضن العالم كله
حتى مشعل الكريه لو لم يكن من آل مشعل لاحتضنته الليلة!!!!
يالله كم جدتها رائعة !!
كم يشبه كلامها كلام سلطان!!
كم تتمنى رؤيتها واستنشاق رائحة سلطان فيها
"أضناني الشوق يا سلطان
وأضنتي الوحدة في غيابك!!"
مشعل يشعر بالغيظ منها والشفقة عليها
كيف اجتمع هاذين الشعورين لا يعرف
مغتاظ منها لسخريتها منه
وتقليلها من احترامه
من حدة لسانها الدائمة
وهي دائما مستعدة بكلماتها القاسية
ولكن بكائها اليوم آلمه في العمق
لم يتخيل أن هذه المخلوقة الحاقدة الساخرة المرة يمكن أن تبكي
وأن لها قلبا نابضا ومشاعر رقيقة
آلمه ضعفها وحزنها وإحساسها بالوحدة
أحاسيسها التي اقتحمته بعنف موجع!!
*****************************
الساعة 9 والنصف صباحا
بيت حمد بن جابر
موضي تجلس في الصالة
تشاهد أخبار الجزيرة
مازال حمد نائما
بعد دقائق
حمد ينزل عليها
توترت
هكذا علاقتهما.. حينما تراه تتوتر حتى تعلم كيف مزاجه
ألقى التحية بعذوبة
(الحمدلله.. اليوم زين.. ويارب ما يقلب)
اقترب وجلس بجوارها
موضي على وشك النهوض
حمد برقة: وين بتروحين؟؟
موضي بهدوء: بأروح أجهز ريوقك
حمد يتناول يدها ويطبع في باطنها قبلة عميقة ويقول بحب:
اقعدي عندي حبيبتي.. شوفة وجهش تكفيني عن الريوق
شعرت موضي بالأسى
حمد حين يكون رائق البال
يكون عاشقا ولا أروع
لا في كلامه ولا في لمساته
ولكن كل هذا لم يعد يحرك في مشاعرها شيئا
سوى الأسى
الكثير من الأسى
والخوف
لأنها ماعادت تثق فيما سيحدث بعد دقيقة
هاهو الآن يضع رأسه على فخذها
يحتضن يدها
ويغمر أناملها بعشرات من قبلاته الحنونة
ولكنها لا تستبعد أن يكسر الأنامل التي يقبلها بعد دقيقة واحدة
فكيف تأمن على يديها بين يديه؟!!
كما لو أنك تعطي يديك لشخص ما ليقبلها
وأنت متيقن تماما أنه سيقبلها ثم سيعضها بوحشية
فكيف سيكون إحساسك بملمس شفتيه على يديك؟!!
مرٌّ هذا الإحساس..مرّ..
أن يصبح من يفترض أن يكون مصدر الأمان في حياتك
هو مصدر الرعب والخوف
فتصبح كالهارب من الرمضاء إلى النار
***************************
الساعة العاشرة صباحا
غرفة فارس
كان يستقيظ من نومه
لم ينم حتى ساعتين متواصلتين
كان يحلم بها حتى وهو نائم..
(ماهذه المصيبة المسماة العنود التي ابتلاه ربه فيه؟!)
تفكير مجنون يخطر بباله
وليس هو من يتردد في تنفيذ قرار
تناول هاتفه واتصل برقم مخزن عنده
ولكنه قليل الاتصال به
إنه رقم مريم
فقد اعتاد أن يتصل بها لتهنئتها في الأعياد
لحظتها كانت مريم تستيقظ من نومها لتوها وتريد التوجه للحمام
سمعت هاتفها يطلق اسم فارس في الجو
استغربت وتوترت
(وش يبي فارس؟؟!!)
مريم ردت باحترام: هلا فارس..
فارس بهدوء: هلا والله.. صبحش الله بالخير يا بنت محمد
مريم: صباحك أخير..
فارس: أشلونش طال عمرش؟؟
مريم واستغرابها يتزايد: طيبة طاب حالك
فارس تنحنح ثم قال بثقة: مريم لو سمحتي عطيني العنود أبي أكلمها؟؟
مريم توترت: (وش يبي بالعنود؟) قالت بهدوء:
فارس يأختك.. ترا العنود مافيه أبيض من قلبها
والكلام اللي قالته أمس والله أنها ماتقصده..
تكفى أنك ما توجعها بالحكي.. تراها ما تستحمل..
فارس توتر من تذكيرها له بالموضوع ولكنه قال بهدوء:
الكلام اللي هي قالته شيء بيني وبينها.. لو سمحتي عطيني إياها..
مريم بتوتر: الحين العنود نايمة..
فارس بثقة: روحي صحيها.. أبيها ضروري
*********************
بيت مشعل بن محمد
الساعة العاشرة صباحا..
كانت لطيفة في غرفة أولادها
تذاكر لمحمد ومريم
بينما عبدالله في غرفة الألعاب يلعب بلاي ستيشن وجود تشاهده
جاءت الخادمة ودخلت على لطيفة المنهمكة مع أولادها:
مدام.. بابا مشعل تحت يبي انته..
انتفض قلب لطيفة بعنف
لم تمضِ حتى 12 ساعة على معركتها الأخيرة معه
المعركة التي استنزفتها
لِـم جاء؟؟؟
غير مستعدة لمواجهته؟؟
لِـمَ جاء؟؟
لِـمَ جـــاء؟؟؟؟
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
04-08-2009, 11:43 PM
أسى الهجران/ الجزء الثاني والعشرون
يوم جديد
ومشاعر جديدة
وقوالب الثلج المشعلية أحرقتها شموس أميرات آل مشعل
فما الذي ينتظرهم؟!!
الساعة العاشرة وعشر دقائق صباحا
غرفة العنود
مريم تدخل بهدوء
فارس مازال على الخط مصراً على مكالمة العنود
مريم تقترب وتهزُّ العنود برفق: عنادي قومي ياقلبي
العنود بصوت ناعس متعب: تعبانة مريم فديتش..
خليني أنام شوي
تدرين إني مانمت إلا عقب ما شرقت الشمس
مريم بهمس: قومي كلمي فارس.. فارس يقول يبيش ضروري
العنود قفزت لتجلس، وهرمون الأدرينالين يرتفع إلى حده الأقصى
وهي تقول بهمس: وش يبي؟؟
مريم بذات الهمس: ما أدري
هذا الحوار وصل إلى فارس بكل وضوح..
وقلبه ترتفع دقاته إلى حده الأقصى وهو يسمع صوتها المرهق.
العنود تناولت الهاتف وهي تقول بهدوء بصوتها المبحوح من أثر النوم:
ألو
لم تكن هذه مجرد (ألو)
كانت سهما انغرز في قلب فارس
انغرس نصله في غشاء قلبه إلى نهايته .. نهايته
يكاد يقسم أنه شعر بألم السهم يخترق قلبه بوحشية حقيقية..
تماسك وهو يجيب بهدوء غلفه ببرود بارع: صباح الخير
العنود بخجل ذائب: صباح النور.. فيه شيء فارس؟؟
كانت العنود تريد أن تنهي الاتصال في أسرع وقت
بينما فارس حلق في عالم آخر
لاسمه بين شفتيها وبنبرة صوتها نكهة أخرى
طعم أشبه بالسكر المصفى
وإحساس أشبه بالخيال الأبدي
(كرري اسمي ألف مرة
امنحي اسمي بعضا من سحركِ
اسكريني بلحنه من بين شفتيكِ
انفثي في روحي نسيم همساتكِ
فروحي تذوب.. أقسم أنها تذوب)
ولكنه تماسك وهو يقول لها بثقة: أشلون الوالد والوالدة؟؟
استغربت العنود (أقول له وش تبي، يقول لي أشلون الوالد والوالدة)
ردت بخجل وهي تتمنى أن تنتهي هذه المكالمة بأسرع وقت:
طيبين طاب حالك..
فارس من الأساس ليس لديه شيء يقوله
يريد أن يسمع صوتها فقط
حين صحا من نومه صباحا
كان يشعر أنه سيجن إن لم يسمع صوتها
كان يمني نفسه أنه حين يسمعه هذه المرة
سيجده لا يستحق الزخم الأسطوري الذي ارتسم في أعماقه لسحر صوتها
سيفقد رونقه.. ويكتشف أنه صوت عادي لفتاة وقحة بليدة
وسينفك عنه سحر هذا الصوت الذي أصابه بالجنون
ولكنه اكتشف أن كل تفكيره لم يكن أكثر من هراء غبي
وهاهو يسمع صوتها ويكتشف أنه كالعطشان
الذي يشرب من ماء البحر ليزداد عطشا
لا يريدها أن تتوقف عن الكلام
يريد أن يسمعها كل يوم وكل ساعة وحتى أخر دقيقة في عمره
هكذا شعر!!
ويالاوقع اكتشافه المرعب لشعوره في نفسه!!
أكمل فارس بذات الثقة أسئلته التي لا معنى لها
سوى أن تكون وقودا يدفعها للكلام، ويدفعه لمزيد من الذوبان:
شأخبار الجامعة إن شاء الله زينة؟؟
العنود بارتباك: كل شيء زين.. فارس مريم تقول إنك تبيني ضروري..
وش فيه؟؟
(كرري اسمي مرة أخرى..
أرجوكِ كرريه
أيتها الأسطورة العذبة
يا أجراس النغمات
وساحرة العبارات
لم أكتشف أن لاسمي هذا الجمال
حتى سمعته منغما من بين شفتيكِ
حتى سمعته يتسربل بروعة همساتكِ)
ولكن فارس وجد أن موقفه أصبح محرجا
وأنه لابد أن يجد له سببا وجيها للاتصال: إيه أبيش ضروري..
ثم صمت..
يريدها أن تستحثه للكلام.. أي وسيلة ليطيل سماعه لصوتها
العنود بتوتر: هاه فارس.. شنو؟؟
(آه يا قلبي خلاص ماني بمتحمل
والله العظيم مافيني أتحمل)
فارس بهدوء: عطيني رقم حسابش.. أحط مهرش فيه..
العنود بحرج ووجهها يشتعل باللون الاحمر:
فارس هالموضوع بينك وبين الوالد
أرجوك لا تحرجني..
(أ أحرجتك يا صغيرتي؟!!
كم أتمنى أن أراك هذه اللحظة بالذات
أرى حمرة الخجل تكتسح خديكِ
ألمسهمها.. لتزهر أصابعي!!)
(صوتها أسكرني.. وأنساني التفكير بشكلها
من لها هذا الصوت المطرز بالسحر.. كيف يكون شكلها ياترى؟!!)
فارس بهدوء: أنا ماقلت شيء غلط.. أنا أتكلم في حق..
العنود بحرج بالغ: خلاص فارس الموضوع هذا بينك وبين ابي
ثم أكملت وهي يخطر لها خاطر أرعبها: فارس أنت استاذنت ابي تكلمني أو لا؟؟
فارس بذات بروده: لا.. وما اعتقد إنه عشان أكلم مرتي لازم أخذ أذن..
العنود هنا شعرت انتهت من الخجل
صوتها أصبح أكثر ارتعاشا وفي قلب فارس أكثر تأثيرا:
خلاص فارس ممكن أسكر..؟؟
( أ مستعجلة هكذا على نحري؟!!
نحرتني أولا بإهانتكِ
ونحرتني ثانيا بصوتكِ
فماذا تخبئين لي أيضا؟!!)
فارس بثقته المعتادة رغم أن داخله يذوب ويذوي: خلاص يالله مع السلامة
العنود بخفوت وهي تشعر بالسعادة لانتهاء التعذيب: مع السلامة
انتهت المكالمة
فارس مبعثر..
مبعثر..
يـــــــــــــــحــــــــبـــــــها
متأكد أنه يحبها..
ليس طفلا ليجهل هذه المشاعر التي اكتسحته بعنف..
إنه الحب.. وليس سواه..
ولكن متى؟؟
متى؟؟
بالأمس فقط سمع إهانتها وسمع صوتها
بالأمس فقط كان لا يريدها
وكان يريد فسخ كل ما بينهما
لا لا يحبها
هو يكرهها.. يكرهها..
إذن : هو يكرهها بقدر ما يحبها!!
أ يعقل أن طوفان المشاعر هذا كان ينتظر صوت العنود لإيقاظه من سباته
يا صوتها!!
ماذا فعلت بي يا صوتها!!
أحبها.. أحبها
لا شك في ذلك
ولكن كرامتي فوق كل شيء
لعنة الله على الحب
إن كان سيجعلني أنسى إهانتها لي..
لعنة الله عليه
**********************
بيت مشعل بن محمد
مشعل يجلس في الأسفل
كان قد طلب من الخادمة حين ذهبت لتنادي لطيفة
أن تحضر له جود
وهاهي جود تجلس في حضنه
وتقرص خديه
وتطبع قبلاتها على أنفه
وصوت ضحكاتهما يعلو في الجو
حين نادت الخادمة لطيفة
نظرت لطيفة لوجهها في المرآة
كان ذابلا وباديا عليها قلة النوم والبكاء
(ماني بمفرحته فيني
يدري إني قعدت طول الليل أبكي عليه هو ووجهه
خله يدري إنه ماهمني)
توجهت لغرفتها
أبدلت ملابسها ووضعت (ميكب) خفيف.. ونزلت
قبل أن تنزل
رأتهما من الأعلى
هو وجود
منسجمان ..سعيدان
آلمها قلبها
وهكذا هي الأم.. إحساسها بأولادها قبل إحساسها بأي شيء
قبل تنزل
شعر مشعل بشعور غريب يجتاحه
شعور يقول له إنها قادمة
رفع عينيه للدرج
كانت تنزل.. شعر أنها توقع خطواتها
على وقع دقات قلبه
(وش فيك يا أبو محمد؟؟ خرفت؟؟)
كانت لطيفة تنزل بثقة
وقلب مشعل يتزلزل بدون أن يعرف السبب لذلك
بدت له أشبه بأميرة أسطورية
تنزل من عليائها
هذه الثقة.. بل هذا الغرور المرتسم على وجهها
كأنها ثقة من اعتادت على أن تأمر فيستجاب لها
أو يأمر حسنها فتنصاع الرقاب له
(فعلا الجمال مرحوم..
سبحان من خلقها وصورها!!)
(أما أنك استخفيت صدق يا مشعل
المره مرتك لها سنين توك تكتشف انه
سبحان من خلقها)
(توني أدري إن زينها يوجع كذا)
لطيفة وصلت وجلست بعيدا عنه وهي تقول لجود:
جودي.. مامي.. روحي العبي مع عبودي..
جود برفض: لا لا.. بأدعد عند بابي..
مشعل بهدوء: أشفيش لطيفة عليها.. خليها تقعد..
ثم أكمل بحنان وهو يحتضن جود: أنا أصلا مشتاق لها فديت عينها
(لعنة الله عليك يا مشعل
كم تبدو قريبا.. وبعيداً!!)
قبّل مشعل جود
ورفع عينيه لتشتبك مع عيني لطيفة في نظرة كثيفة
ولكن لطيفة سارعت بتغيير اتجاه نظرتها
لا تريده أن يقرأ نظرة عينيها ويحس بمشاعرها.. إذا كان لديه إحساسٌ أصلا!!
لطيفة بثقة وهدوء: ممكن أعرف انت جاي ليه؟؟ وش تبي؟؟
مشعل بهدوء: أنتي مهوب قلتي إني أقدر أجي كضيف غير مرغوب فيه
اعتبريها زيارة من الضيف غير المرغوب..
شعرت لطيفة بالألم.. لم تعتد أن تكون لئيمة..
هو من دفعها لهذا..
لطيفة ببرود: والزيارة ما انتهت؟؟
رفع مشعل عينيه إليها
(لم تكوني قاسية هكذا يوما لطيفة
أ أنا من زرع هذه القسوة في قلبك
وحان وقت حصادي!!)
( لا تنظر لي هكذا مشعل
نظرتك تذيبني
كما فعلت وتفعل بي طيلة سنوات!!
لا تعبث بي يا مشعل
لا تعبث بي..
فقد انتهيت من عبثك.. انتهيت)
مشعل بهدوءه المعتاد: وفيه سبب ثاني للزيارة
لطيفة ببرود: خير؟؟
مشعل بذات الهدوء: ملابسي.. الملابس اللي خذتها أمس كلها غلط
ماخذت فوطة.. وخذت سراويل بدون فنايل
جيت بأسبح ماقدرت..
"ما أوهى عذرك ياهذا!!
ولكن لا بأس.. لاعبْ لطيفة
فالحرب خدعة!!"
شعرت لطيفة غصبا عنها بالألم
فهو لم يعتد أن يرتب ملابسه بنفسه
بل حتى ملابسه الداخلية هي من تشتريها له منذ سنوات مع أولادها
تنهدت (لن أضعف) ردت ببرود مصطنع: والمطلوب مني؟؟
مشعل تنهد: رتبوا لي شنطة على الأقل.. (رتبوا، وليس رتبي!!)
لطيفة وقفت.. وهي تقول ببرود:
ناد اللي تبي من الخدامات.. وخلها ترتب لك اللي تبي
آلمه ذلك
آلمه حتى النخاع
كأنها تقذف به كشيء بلا قيمة
مشعل بعتب: ويهون عليش تخلينهم يحوسون في أغ**** الخاصة؟!!
(أيها الخبيث
تعلم قدرك وتأثيرك
ولكن لن أسمح لك بهزيمتي)
لطيفة بعتب أكبر: مثل ما هنت أنا عليك
#أنفاس_قطر#
.
.
كبرياء فارس
04-08-2009, 11:47 PM
أسى الهجران/ الجزء الثالث والعشرون
بيت مشعل بن محمد
الصالة السفلية
لطيفة واقفة
ومشعل يجلس وجود على فخذه وتعبث في أزرار ثوبه
الجو مشحون حولهما
وفي عيني كل منهما نظرة عتب
مشعل بهدوء خبيث: خلاص بأتصل في العنود تجي ترتب لي شنطتي..
(عرفت تلعبها صح يا مشعل!)
أجابت لطيفة بهدوء عميق: مافيه داعي حد يدري إنه فيه شيء بيننا يا مشعل
تشغل بال هلي وهلك..
ثم أكملت بسخرية: خلها لين أنت تتزوج ويدرون كلهم مرة وحده..
مشعل بذات الهدوء المدروس: خير إن شاء الله
لطيفة تشتعل في داخلها (يا لوح الثلج الموبوء
كم أتمنى أن أغرز أظافري في وجهك البارد الوسيم)
لطيفة ببرود: خلاص أنا بأرتب لك شنطتك.. شيء ثاني..
مع أنها كانت تنوي في الأساس أن ترتبها
فهي يستحيل أن تترك الخادمات يعبثن في أغراض مشعل
لكنها أرادته أن يظن أن الخادمات هن من رتبن له
لأنها ليست مسئولة عنه أو عن أغراضه
ولكنه لم يتح لها الابتهاج بنصرها الصغير
وهاهو يجبرها على تنفيذ رغباته بطريق غير مباشر
(خبيث..
خبيث..
وآسر..)
مشعل بهدوء: لو سمحتي ادعي حمود ومرايم وعبودي
أشوفهم على ما تجهز شنطتي..
********************
فارس
مريض العشق الجديد..
القلب الملتاع بجدارة..
من عرف كيف يكون الاكتواء بنار الغرام من ليلة واحدة
فكيف يصبر لثلاثة أشهر؟؟ كيف؟؟
يريدها..
يريدها..
يريد أن يعذبها
يستمتع بصوتها..
لا يعلم أي جنون يعصف به..
سيجن بهذه الطريقة؟؟ سيجن؟؟
كان في سيارته متوجها للبنك
يريد سحب مهر العنود ليعطيه لعمه..
يالا حجته السخيفة التي خطرت بباله اليوم
حين طلب من العنود رقم حسابها!!
ولكن لم يجد حجة غيرها
فأي حجج سيخترع بعد؟!!
***********************
مر عشرة أيام
على الأحداث الأخيرة
مشعل مازال نزيلا للفنادق
يكاد يجن من انعدام الاستقرار الذي يعيش فيه
ومن شوقه لأولاده
ومن شوقٍ غريبٍ حادٍّ لمن كانت تنام جواره كل ليلة
اعتاد على حركتها الناعمة بجواره
وصوت تنفسها الهادئ ينبئه أن هذا العالم بخير
زار بيته عدة مرات
لم ير لطيفة.. رأى أبنائه فقط
أبنائه الذين يسألون بشكل مستمر
أين هو؟؟ وما كل هذا الغياب؟؟
محمد بالذات بدأ يشعر أن هناك شيء بين والده ووالدته
فهو في الثانية عشرة
وذكاؤه يتجاوز سنة حتى
شعر بالمشكلة منذ اليوم الأول ولكنه اعتصم بالصمت
ينتظر ما تسفر عنه الأيام
والموضوع يحز بعمق في روحه
روح المراهقة المبكرة
مشعل كان يحضر يوميا للمجلس
حتى لا يلحظ أحد غيابه عن بيته
ولم يكتشف أحد أن هناك شيء بينه وبين لطيفة
لطيفة
سجلها راكان في المدرسة
وأحضر لها الكتب
وبدأت في الاتصالات بالمدرسات
حتى تلحق مافاتها
وبدأت في الاستغراق في الدراسة
علها تتناسى غياب ذلك المسيطر المتغلغل في روحها حتى النخاع
فطالما هي غير مشغولة بأبنائها ودراستهم
فهي تدرس دروسها
حرصت ألا ترى مشعل خلال الأيام الماضية
رغم أنه حضر لرؤية أبنائه أكثر من مرة
أو لنقل
حرصت أن يعلم أنها لم تراه ولم تهتم لحضوره
بينما هي رأته في كل مرة جاء فيها!!!
فارس أصبح كثير الصمت
راكان وناصر هم من لاحظ عليه هذا الطبع الجديد
ولكنه كان دائما يطمئنهما بأنها مشاكل في العمل
حتى لا يعلم أحد بالطوفان الذي يزلزل القلب
موضي وحمد
مازال الحال على ماهو عليه
لكن حمد هذه الأيام هادئ عموما
وهي تتجنب قدر الإمكان استفزازه
هيا ومشعل سكان واشنطن
خلال الأيام المنصرمة
هيا هاتفت جدتها أكثر من مرة
فهي أخذت رقم البيت من مشعل في المرة الأولى
التي كلمتها فيها
ولكنها لم ترَ مشعل مطلقا بعدها
رغم أنه زار أمها عدة مرات
وكان يحضر أغراض المنزل
ولكنه كان يتعمد المجيء في وقت ذهاب هيا للجامعة
فهو غير معتاد على جو المشاحنات العاصف
الذي تحقنه فيه هيا بلا هوادة
كما أنه لا يريد فرض وجوده عليها مادامت تكره وجوده
المهم أن يطمئن عن أحوالهم ويؤدي واجبه تجاههم
شقة هيا
الساعة الثانية ظهرا
مشعل بعد أن خرج من الجامعة
وصلى الظهر
اشترى مايعتقد أن أهل عمه قد يحتاجونه وتوجه لهم
يعلم أن هيا في الجامعة
فهو أصبح يعرف جدولها من أمها
طرق الباب
فتحت له الفتاة المكسيكية التي ترافق أم هيا وقت تواجد هيا في الجامعة
أخذت منه الأغراض وأدخلتها للمطبخ
دخل مشعل وألقى التحية على أم هيا
التي كانت تجلس كعادتها في الصالة
سلم وجلس كعادته على المقعد الأقرب من الباب
وترك الباب مفتوحا
أم هيا بعتب: يمه مشعل.. لمتى وأنت تجنب تشوف هيا؟
هذي وصاتي لك؟!!
مشعل بتعب: يمه أنتي وصيتيني عليها..
وأنا قلت لش لا تحاتينها ولا تشيلين همها
وإن شاء الله إنها ما تنضام وأنا رأسي يشم الهوا
أم هيا بقلق: أشلون وأنت حتى شوفتها ما تطيقها؟؟
مشعل ابتسم: لو إحنا في الدوحة، كان مستحيل أشوفها..
ثم أكمل بعمق: وبعدين يمه هي اللي ما تطيق شوفتي
أول ما تشوفني تركبها السكون .. (السكون= العفاريت أو الجن)
وأنا بصراحة ماني بمتعود على المناقر مع الحريم
أم هيا بنبرة خاصة: زين ولو مرتك تحب النجره، منت بمناجرها؟؟
مشعل يضحك: لا يمه جعلني ماذوق حزنش.. أنا واحد حار..
صحيح قلبي طيب..
بس مافيني صبر على حنه.. أبي وحدة مثل خواتي..
فديت خواتي مافيه مثلهم في كل الدنيا..
أم هيا بنفس النبرة الخاصة: يعني وحدة مثل هيا ما تنفع لك؟؟
مشعل لم ينتبه مطلقا لمقصدها: لا لا يمه..
لو أخذ وحدة مثل هيا بيتنا بيصير ساحة حرب..
اللي مثل هيا ينفع لها واحد مثل ولد عمي محمد راكان.. أعصابه في ثلاجة..
أم هيا بعمق: والله هيا مافيه في طيبة قلبها
بس مجروحة من جرح سلطان.. لا تلومها..
هيا كانت روحها معلقة في أبوها
كانت تحبه أكثر مني.. أكثر مني بكثير..
أنا كنت مثل جدة لها..
بس سلطان كان أبوها وأمها..
أنا أعترف إني كنت أعاملها مثل ما الجدة تعامل حفيدتها
تدلعها.. وشفقانة عليها.. وماتحب حد يقول لها شيء
يعني لو علي.. أنا كان يمكن خربتها بالدلع
بس سلطان هو اللي رباها..
وكان يعرف متى يشد عليها ..ومتى يرخي
مشعل باحترام: الله يخليش لها.. أنتي الخير والبركة
أم هيا بحزن: أنا مرة كبيرة ومريضة وللمرة الثانية أقولها لك
لو صار لي شيء.. ترا هيا أمانة في رقبتك
مشعل وهو يقوم ويقول بثقة: والله العظيم إنها في رقبتي
وأنها ما تضام.. وأنها المبداة حتى على خواتي
لا تحاتين شيء.. والله يخليش لها
والحين اسمحي لي أستاذن
عندي دراسة
وبأمرش بعد بكرة نفس الوقت إن شاء الله
وأي شيء تبينه دقي علي..
خرج مشعل..
وعادت أم هيا تطوف مع أفكارها
وقلقها الدائم على ابنتها
والذي خف كثيرا مع ظهور مشعل في حياتهم
الذي أشعرهم بقوة السند الذي يقف خلفهم
بعد نصف ساعة وصلت هيا
ألقت التحية على أمها وقبلتها وهي تخلع عباءتها وتعلقها
ودخلت لتحضر لها كأس ماء
خرجت والكأس بيدها وهي تقول بنبرة محايدة: مشعل كان هنا؟؟
أم هيا بهدوء: إيه
هيا بغيظ: يمه قولي له لا عاد يجيب شيء من أغراض البيت
احنا موب محتاجينه..
وسبب غيظ هيا الرئيسي أنه أصبح يتعمد المجيء وقت غيابها
آلمها إحساسها أنه يكره رؤيتها
وهكذا هي غرابة الأنثى.. المخلوق العصيّ على التفسير!!
أم هيا بغضب: إلا محتاجينه..محتاجين ريال يكون سند النا
موب كفاية إنج كل ما تشوفينه صار لسانج شبرين وهو مستحملج
زين ماعطاج من أولها طراقين
هيا بعتب: يمه الله يهداج.. وش فيج صايرة مع ولد آل مشعل علي
أم هيا وغضبها يتزايد: وانتي بعد بنت آل مشعل وهو ولد عمج
هيا وهي تحاول تهدئة أمها وتقول بحنان: خلاص يمه خلاص فديتج
لا تعصبين.. تدرين العصبية موب زينة عليج
أم هيا بغضب: لو تهمج أعصابي.. ماكان كل ماشفتي مشعل حرقتي أعصابه
هيا بنعومة: خلاص ولا يهمج.. مشعل فوق رأسي.. المهم رضاج..
***********************
الساعة الثامنة مساء
لطيفة في غرفة بناتها
تمشط شعر مريم بعد أن حممتها استعدادا للنوم
مريم بتردد: يمه أنتي وابي بتطلقون؟؟
لطيفة صعقت..وانتفضت بعنف: من اللي قال لش ذا الكلام؟؟
مريم بخوف: حمود يقوله..
لطيفة احتضنتها وهي تقول لها بحنان: أبيكم مشغول شوي وبس..
ما أدري من وين جبتوا ذا الأفكار؟؟
لطيفة تشعر بحزن عميق
عميق جدا.. لا حدود له
ما ذنب هؤلاء الأطفال تنفتح أذهانهم على مشاكلها هي ومشعل التعيس
الخائن الذي يريد الزواج عليها
تريده أن يكون الآن أمامها لتمزقه بأسنانها
تضربه.. تعضه
أي شيء قد يبرد بعضا من قهرها
كل شيء قد تتقبله إلا شيء يمس صغارها
حينها هي مستعدة للحرب مهما كانت خسائرها
المهم أن يكون صغارها بخير
وهكذا هي الأم!!
توجهت لطيفة لغرفة أولادها
لمحمد تحديدا
كان يتمدد على سريره بيده مجلة "ماجد" يقلب فيها
بينما هو سارح عنها..
جلست بجواره
فجلس احتراما لها
لطيفة بهدوء: حمود حبيبي.. وش ذا الكلام اللي أنت قايلة لمريوم؟؟
صمت
وعبق روحه المتأرجح بين الطفولة والمراهقة يحضر بعنف
لطيفة بحنان: جاوبني حبيبي
حمود بنبرة بين البكاء وإدعاء التجلد.. نبرة مؤلمة للنخاع:
ماقلت لها غير الصدق
خلهم يدرون
إبي صار له عشر أيام وهو مخلي البيت
لمتى بتدسون علينا يعني؟؟؟
**********************
ذات الوقت
ولكن في بيت عبدالله بن مشعل
رن هاتف المنزل
كانت هيا من يتصل
الساعة هي السادسة صباحا في واشنطن
أرادت أن تلقي تحية المساء على جدتها
بالعادة كان من يرد عليها جدتها
وأحيانا أم مشعل
ولم تسمع غير صوت الاثنتين
ولكن اليوم رد عليها طفل
كان يتكلم بنبرة رجولية مسلية
التقط الهاتف: أرحب طال عمرك
هنا بيت عبدالله بن مشعل.. أرسل
هيا ابتسمت: السلام عليكم
شعر الطفل بالخجل فهو لم يعرف الصوت
فهو رأى رقم طويل في الكاشف وظنه مشعل
ابتسمت هيا: وين جدتي؟؟
ضحك الطفل: ليه أنتي مضيعة جدتش عندنا..
ضحكت هيا (كم هو ظريف!): جدتي هيا أم محمد..
ضحك الطفل وهو يقول: أووووه بنت عمي..
يا هلا والله ببنت عمي هيونه الامريكية
شوفي كنش مزيونة تراش مقروعة
فويرس خذ عنود الصيد وأنا كنت أبغيها
لكن كنش شينة.. السموحة
دوري حد غيري.. ما عطلش..
ضحكت هيا حتى كاد يغشى عليها
الطفل: بسم الله عليش.. لا تطيح حنوكش بس..
شكلش كويحه يا بنت عمي
هيا بصوت متقطع من كثرة الضحك: خلك بس لين تشوفني..
ماعادك بممسي الليل
ضحك الطفل: هويا.. قولي وراي: يا ليل ما أطولك
ضحكت هيا مطولا ثم سألت بابتسامة:
زين وولد عمي المزيون قاعد يخطب
وهو حتى اسمه ماقاله لي
الطفل وهو يفخم صوته: سلطان طال عمرش حطيه على يمناش
شهقت هيا والاسم يخترق أذنها كسهم عذب:
سلطان.. سلطان
#أنفاس_قطر#
.
.
اليوم بارت الشباب الصغار
محمد بن مشعل
و
سلطان بن عبدالله
وأنا حبيت إني أشير للأولاد في هالسن
الشائع إنه يقال البنات حساسين أكثر
بس أنا أقول الأولاد حساسين أكثر
مجتمعاتنا ضاغطة على الطفل الذكر
وتطالبه من طفولته إنه يكون رجّال
عشان كذا حساسيته أخطر لأنه يكتمها في نفسه
حتى لا يتهم بالضعف
ونهاركم ورد
وانتبهوا لأولادكم
أحبكم كلكم
.
كبرياء فارس
04-08-2009, 11:51 PM
أسى الهجران/ الجزء الرابع والعشرون
شقة هيا
الساعة 6 وربع صباحا
مازال رنين ضحكات سلطان الصغير يعمر أذنها
يا الله ما أروعه!!
هل الروعة كُتبت لكل من اسمه سلطان؟!!
هزها بعنف أن عمها سمّى ابنه على والدها
مشاعر مختلفة غزت روحها
هل كانت تتمنى أنه لم يسمِ على أبيها
حتى تبقى تقنع نفسها أنهم نسوا والدها وألغوه من حياتهم؟؟!!
حتى تبقي سببا لحقدها عليهم وكراهيتها لهم
هاهو سلطان آخر يعيش بينهم
سلطان صغير تشعر بلهفة عميقة لرؤيته
فرد جديد ربطها أكثر بعائلة آل مشعل بعد جدتها هيا
هناك الآن اثنان تتلهف لرؤيتهما في الدوحة
جدتها
وسلطان الصغير
فهل هناك من مزيد؟!!
*********************
الدوحة
بعد صلاة العصر
يوم الخميس
مشعل بن محمد يصل لبيته
حتى يأخذ أولاده للنقيان كما اعتادوا غالبا عصر كل خميس
حين يكون الجو معتدلا
لطيفة تقرر أن تنزل له
لم يتوقع مطلقا أن يراها
فهي كانت تتجنبه طوال الأيام الماضية
رآها تنزل.. مبهرة
مبهرة تماما..
في دراعة صفراء ذكرته بشروق الشمس
كأن الشمس لم تبزغ إلا من أجل أن تنير على وجنتيها
كم تؤلمه رؤيتها..
تذكره بخسارته التي يرفض كبرياءه الاعتراف بها!!
كانت لطيفة تقترب وأولادها يحيطون بوالدهم مستعدون للذهاب
اقتربت لطيفة وهي ترسم على وجهها ابتسامة
رغم أنها ترغب في أن تعضه لا أن تبتسم في وجهه
لم تفتها نظرة حمود المنكسرة المراقبة
نظرته نحرتها في الصميم.. وجعلتها أكثر عزما على تنفيذ ما نزلت من أجله
اقتربت من مشعل
ومشعل مستغرب اقترابها هذا
مالت على مشعل وطبعت قبلة على جبينه
ثم جلست لجواره
حين شعر بها مشعل تميل إليه
شعر برائحة عطرها تخترقه حتى النخاع
ثم ملمس شفتيها العذبتين على جبينه
(ما الذي يحدث؟!!
أي لعبة تلعبينها اليوم يا لطيفة؟؟)
لطيفة قبلته وهي ترغب في البصق في وجهه
ثم جلست جواره وهي تتمنى لو ترفسه
ثم احتضنت ذراعه وهي تتمنى لو تكسرها
همست في أذنه من قرب: ترا حمود داري إنه فيه شيء بيننا
وقايل لاخته إنه احنا بنتطلق
كلماتها نحرت مشعل تماما وهو ينقل نظراته بين أولاده
لطيفة قالت بصوت عالي: ها حبيبي مشعل .. شغلك ما خلص..
خلاص الليلة إن شاء الله بترجع صح؟؟
مشعل بهدوء: إن شاء الله.. خلصت الشغل اللي كان عندي وبأرجع
مشعل ولطيفة معا كانت نظراتهم مركزة على حمودي
الذي نفرت من عينه دمعة بريئة
مسحها بسرعة وهو يظن أن لا أحد رآها ويبتسم ابتسامة شاسعة:
يالله يبه تأخرنا.. ولا تنسى بكرة تقومني أروح معك صلاة الفجر
*******************************
بعد صلاة العشاء
بيت عبدالله بن مشعل
جميع فتيات العائلة يجتمعن اليوم
عدا لطيفة التي اعتذرت بأنها تريد الدراسة
مادام أبناؤها ذهبوا مع والدهم
البنات أخذن راحتهن لأن عبدالله سيبات الليلة عند إبله بالقرب من الشحانية
ومعه ذلك العفريت الصغير المسمى سلطان الذي اعتاد على إزعاجهن
و على إزعاج معالي بالذات
وكثيرا ماكانت أمها تصرخ فيها " أنتي لمتى وأنتي مناشبة ذا البزر؟"
ومعالي تصرخ بدورها: خلي ذا البزر يفتك من رقبتي
وسلطان يصرخ بدوره: من البزر أنتي وياها؟؟.. أنا الشيخ سلطان بن عبدالله
البنات يجلسن في صالة البيت الرئيسية
التوأم الثلاثي ومشاعل وموضي ومريم والعنود
والسيدات الكبار في غرفة الجدة
أمهات مشعل وأم حمد
معالي تجلس على الأرض وتمدد ساقيها
وموضي تقول لها وهي تضحك: أنتي يالعجوز اللي يشوفش يقول أكبرنا
قومي فزي..
معالي وهي تئن بطريقة تمثيلية: ماعلي منكم.. رجيلاتي توجعني..
مريم تبتسم: حلوة رجيلاتي ذي من وين جبتيها.. أكيد مسروقة من قاموس جدتي
معالي تضحك: جعلني ماخلا منها.. قاموسها جاي على كيف كيفي
ثم أكملت معالي كمن تذكر شيئا: إلا تعالي موضي..
صدق مشيعلوه الزرافة لقى بنت خالي سلطان في أمريكا؟؟
موضي تضحك: أولا إخي اسمه مشعل.. واكبر منش ب12 سنة، احشميه ياقليلة الحيا
ثاني شيء.. إيه لقاها معه بنفس الجامعة..
عالية وعلياء أخيرا نطقتا وفي وقت واحد: واو.. أكشن فله والله..
الجميع ضحكوا من كلامهما مع بعضهما..
فلطالما تكلمت الاثنتان في نفس الوقت وبذات العبارة
معالي بحماسة: والله حلو.. وجه جديد يدخل العائلة
لانه أنا بصراحة تمللت من وجيهكم اللي تجيب الكآبة..
أول حد يجيب الكآبة خواتي المبجلات الكوبي والبيست
كل ما أشوف وجيههم تجيني كآبة مزمنة
أحس إن الثنتين طالعين من فيلم قديم بالأبيض والأسود
أما الكآبة الأكبر فهي من نصيب عرايسنا مشاعل والعنود
الثنتين مسوين فيها مستحيين
وأنا متاكدة إنه الحين وحدة تفكر في نويصر والثانية في فويرس..
مشاعل خجلت من ذكر من ناصر
لكن العنود ابتسمت وهي تقول لمعالي:
الحين نسينا ما كلينا معاليوه.. رجعتي علي..
معالي تضحك: شوفي أنا مستعدة أرجع معاهدات السلام بيننا إذا زوجتيني فويرس
لأن أنتي من بدأ بالخيانة والاستيلاء على المزيون الموت الحمر
العنود تضحك: روحي زين..إذا كذا ما أبي معاهدات سلام معش..
خلي الحرب أحسن
في وقت جملة العنود كان هاتف موضي يرن، موضي تضحك:
كان ذكرتوا لنا مليون ريال بدل فارس
الظاهر درا إن حبيبة القلب جايبة طاريه قام ودق
العنود اشتعل وجهها بالاحمرار.. ومعالي تطلق سهام تعليقاتها عليها
بينما موضي قامت لترد على فارس بعيدا عن هذا الإزعاج.
************************
بعد صلاة العشاء
مشعل يعود لبيته..
كان يحمل جود التي نامت في الطريق على يديه
دخل بها لغرفتها
وضعها في سريرها وخلع حذائها
ثم قبلها وهو يهمس: اشتقت لبوستش وانتي نايمة يالشيطانة
توجه لغرفته وهو يشعر بنوع من التردد والتوتر
فهو حتى الآن لا يعلم ماذا تخطط لطيفة
دخل
استغرب التغيير الحادث
طقم جلوس جديد
وفي طرف غرفة الجلوس يوجد مكتب جديد
عليه الكثير من الكتب المكدسة
ولطيفة غير موجودة
اقترب من المكتب تناول كتابا
"كتاب جغرافيا للصف الثالث ثانوي"
ماذا يحدث؟؟؟
خلع غترته ووضعها على السرير
وهو يمرر يديه فوق شعره بإرهاق
وجلس ينتظر لطيفة التي علم أنها في الحمام
خرجت لطيفة دون أن تنتبه للمخلوق الضخم الجالس على طرف السرير
فغرفة نومهما غرفة شاسعة
كانت ترتدي روبها ومنشفتها
أخرجت بيجامتها والتفتت تريد العودة لغرفة التبديل
فجعت بالعينين المراقبتين: بسم الله الرحمن الرحيم
تنحنح.. قول شيء
مشعل بهدوءه المستفز: خفتي يعني؟؟!!
لطيفة بنفس هدوءه: لأ طبعا.. وليش أخاف
مشعل بهدوء: ما أدري.. انتي اللي خفتي مهوب أنا
لطيفة ببرود رغم أنها تشتعل من بروده:
دقيقة أبدل واجيك..بيننا كلام
سابقا كانت تحتمل بروده..
لأنها كانت تعيش على أمل أن هذا البرود سيذوب يوما
ولكنها الآن غير قادرة على احتمال بروده هذا.. وهي تعلم أنه لا أمل لها
ارتدت ملابسها وعادت
حين عادت كان مشعل انتقل للجلوس في غرفة الجلوس
توجهت لطيفة بتلقائية للسرير والتقطت غترته
ولكنها تذكرت.. فرمتها
ولكن مشعل انتبه لها
عضت على شفتها "أوف"
جاءت وجلست بعيدا عنه
مشعل بهدوء: حلو الطقم هذا.. وش طاري عليش مغيرة؟؟
لطيفة ببرود: غيرته عشانك..
قامت لطيفة وضغطت طرف الأريكة فانفتحت وتحولت لسرير
وهي تكمل بذات البرود: هذا سريرك
يستحيل أن تخبره أنها اشترت هذا الطقم لتنام هي على هذه الأريكة المتحولة
لأنها من بعد مغادرة مشعل لم تحتمل أن تنام على سريرها
بدون إحساسها أنه إلى جوارها
ولكن مشعل رد عليها بهدوء: أنا أفضل أخذ غرفة ثانية
(اطعنيني وسأطعنك
تريدين أن تبعديني عن سريركِ
سأبعدكِ عن غرفتي كاملة)
( أيها البارد الخبيث السادي!!) تنهدت لطيفة وهي تقول ببرود:
بكيفك يا بو محمد
أريح بعد.. أنا لو علي كنت مرتاحة يومك تجينا ضيف وتروح
بس أنا عشان عيالي
حمود صاير حساس بزيادة وكل شيء يلاحظه ونقل أفكاره لمريوم
مشعل يقف وهو يقول ببروده الشهير: مايصير إلا الخير..
لطيفة تشعر أنها تشتعل.. تتمنى أن تصفعه
تريد أن ترى هل وجهه هذا مصنوع من ألواح من الثلج أم ماذا؟؟
مشعل يريد أن يعجل بانسحابه..
فهو على الجبهة الأخرى ماعاد يحتمل حضورها الجديد الآسر
ماذا يحدث يا مشعل؟!!
أكمل بهدوء وهو يتوجه للحمام: خلاص أم محمد أنا بنام هنا
كانت لطيفة تكور يديها وهي تفرك أناملها حتى أبيضت من غضبها عليه
وعلى بروده
لِـمَ هو صامت كصمت قبر مهجور؟!!
تريده أن يصرخ بها
حتى تصرخ به..
تريد أن تفرغ كل طاقتها السلبية فوق رأسه
قبلا كان (يعصب) أحياناً
تريد بعضاً من هذه العصبية الآن
حتى تجد سببا لتشفي بعضا من غليلها فيه!!
هل يستمتع بجعلها تشعر أنها غير ذات أهمية بالنسبة له؟!!
قبل أن يدخل مشعل الحمام تذكر شيئا فعاد:
أم محمد وش سالفة المكتب والكتب؟؟
كان بود لطيفة أن تقول له (مهوب شغلك) ولكن تهذيبها واحترامها لنفسها
قبل احترامها لكونه والد أبنائها يمنعها
جاوبته ببرود: بأقدم امتحان الثانوية العامة ذا السنة
مشعل بعتب: وبدون حتى ما تستشيرني؟!!
وكانت لطيفة تنتظر جملة كهذه لتنفجر انفجارها الثاني فيه..
**********************
بيت عبدالله بن مشعل
موضي قامت لمجلس الحريم الخالي حتى ترد على فارس
موضي بمحبة: هلا هلا هلا بالشيخ فارس
فارس بهدوء: هلا والله بالقاطعة.. نعنبوا دراش ماكن لش إخ تسألين عنه
موضي تضحك: مشاغل مشاغل
فارس يبتسم: زين أنا عند باب مجلس النسوان..
افتحي لي اسلم عليش..وأروح
موضي فتحت له فورا
فارس يبتسم: أنتي قاعدة لابدة عند الباب
موضي تحتضنه وتقبل خده وهي تقول: أنا أصلا كنت هنا..
طاقة من البنات مسوين إزعاج
فارس شعر بالحرج ولكنه قال بهدوءه الواثق:
أنتو عندكم نسوان.. مادريت والله..
يالله بأروح..أنا كنت جاي اسلم عليش وبس
لأنه جدتي وأمي أم مشعل ومشاعل جايهم اليوم العصر..
كان فارس يستعد للخروج حين ضحكت موضي وقالت:
إلا قول إنك دريت إن حبيبة القلب هنا..
وقلت على الأقل نشم ريحة الحبايب..
فارس توقف وهو يشعر كما لو كان سكب على ظهره ماء مثلج
وهو يقول بهمس هادئ: العنود هنا..؟؟
موضي تبتسم: يس، هنا.. وتدري لازم نستلمها شوي بما إنها العروس الجديدة
فارس سحب نفسا عميقا
وهو يقول لموضي برجاء عميق واثق أشبه بالأمر:
موضي أبي أشوفها..
موضي صُعقت: أنت مجنون..
أشلون تشوفها البيت مليان عالم.. وهي مستحيل توافق؟؟
فارس بهدوء وثقة: أنا ماطلبت شيء حرام في الشرع.. هذي مرتي..
وأصلا أنا ابي اشوفها بدون ماتدري هي..
والموضوع بيني وبينش وبس
موضي ابتسمت بخبث: كذا مقدور عليها
موضي أطفئت أضواء المجلس ثم سحبت فارس من يده
وأوقفته بجوار الشباك الخلفي المطل على مطبخ البيت الخارجي
وقالت له بهمس: وقف هنا وأنا بجيبها الحين بوديها معي المطبخ
ثم خرجت..
وطبول الحرب تستعر في قلب فارس
وأعماقه التي ما عرفت التردد يوما يهزها زلزال من الترقب واللهفة
أي لعبة تلعبها يا فارس؟؟
أنت لم تحتمل حتى صوتها فكيف ستحتمل رؤيتها؟!!
" أنا محترق.. محترق
وحالتي حالة من يوم سمعت صوتها
وش بيضر شوفتها زود"
#أنفاس_قطر#
.
.
كبرياء فارس
04-08-2009, 11:54 PM
أسى الهجران/ الجزء الخامس والعشرون
بيت عبدالله بن مشعل
موضي تعود للبنات في الصالة وعينيها تبرقان بحماسة
فحمد لم ينجح بعد في خنق كل روحها المرحة
تقترب من العنود وتشدها من يدها لتوقفها:
قومي معي المطبخ خلينا نجيب عصير للبنات
العنود نهضت معها
ثم قفزت معالي: وأنا بعد بأروح معكم
موضي بغيظ منها فهي ستفسد مخططاتها:
اقعدي.. بأقول لها كلام نسوان.. وش ملقفش؟؟
معالي وهي تجلس وتقول بلهجة منكسرة مصطنعة:
الله حسيبكم كسرتوا خاطري الرقيق
مريم تضحك: لا تخافين على خاطرش.. يكسر كل الخواطر طال عمرش
وموضي والعنود توجهتا للمطبخ الخارجي
وقتها كان فارس يشتعل من الترقب
ويشعر بخطورة ماهو مقبل عليه
هو لا يخشى شيئا لأنه يعرف أنه لا يفعل شيئا محرما في الشرع
وهو لا يخاف من أي كان..فالخوف والتردد ملغيان من قاموسه منذ طفولته
ولكنه بات يخشى هذا القلب الذي أصبح يجهله
وكأنه ليس قلبه
بعد أن فقد سيطرته عليه
بعد دقيقة رأى شبحين يقتربان
دقات قلبه تتزايد
أغمض عينيه وهو يتنهد بعمق
وقتها كانت موضي وصلت باب المطبخ المقابل تماما لشباك المجلس
قالت للعنود بنبرة تمثيلية: يوه المطبخ ريحته بصل مايصير نبخرش بصل
وقفي هنا وأنا بأجيب الأغراض تساعديني نشيلهم داخل
العنود وقفت وهي تسند ظهرها للحائط بجوار باب المطبخ
لحظتها فتح فارس عينيه
ثم عاد لإغلاقهما وكأن نور الشمس الساطع غشا عينيه
ليس "كأن"
بل فعلاً
فنور شمسه (هو) غشا عينيه حقيقةً..
فارس وصل لمرحلة غريبة من العشق
أنه مهما يكون سيكون شكل آسرته
فهي أسرته.. وانتهى
لا يهمه أن تكون جميلة أو قبيحة
وعين الرضا عن كل عيب كليلة # لكن عين السخط تبدي المساويا
وربما كان في ذلك حالة معاكسة لمشعل
فمشعل لم ير جمال لطيفة
وفارس سيرى العنود جميلة على كل حال
فكيف وهي جميلة فعلا
بل هي أجمل من كل أحلامه وأعذب!!
حين فتح عينيه كانت تقف أمامه..أمامه تماما
بكامل بهائها وأناقتها
تمازج قميصها الزهري مع صفاء بشرتها
وشعرها الأسود المدرج يحيط بهالة القمر
كانت حكايته الخيالية
الشعر.. الوجه.. النحر.. الجسد
سلسلة من الحكايات المرسومة بإبداع
كل شيء مرسوم من أجله..
له هو فقط..
فارس غير متواجد على الكرة الأرضية
فارس يحلق في كوكب آخر
كوكبها هي!!
" ماذا فعلتي بي أيتها الصغيرة؟!!
ماذا فعلتي بي؟!!
لِـمَ أنتي ساحرة هكذا؟!
وفاتنة هكذا؟!
ورائعة كهذا؟!
وبريئة هكذا؟!
لماذا تدفعينني لأحبك أكثر؟!
لا أريد أن أحبك أكثر!!
أريد أن أكرهكِ أكثر
أريد أن أمزقكِ!!
أريد أن أنتزع قناع البراءة الذي تتسربلين به
حتى أرى كيف تجرأتي وطعنتني في رجولتي
لأرى أي لسان سليط قميء تخبئين
ذاك اللسان الجارح القاتل الذي يقف بيني وبينك
وسيبقى حائلا بيننا مهما تغلغتي في روحي وتمكنتي"
مازالت العنود واقفة وهي تهتف لموضي:
موضي هذا كله تجيبين عصير
بتجين وإلا رحت؟!!
فارس يهتف في داخله
" لا لا تروحين.. لا تصيرين قاسية كذا
ماشبعت من شوفتش!!"
كان ينظر لها بتمعن
كأنه يريد أن يخزن كل تفصيل من تفاصيلها في ذاكرته
شعرها السرمدي
عيناها الناعستان
شفتاها الشهيتان
نحرها المبهر
وصوتها!!
غرامه الأبدي!!
(أريد أن أسمع صوتها مرة أخرى)
ابتعد عن النافذة قليلا
واتصل بموضي وهمس لها: موضي خليها تسولف وطولوا شوي
موضي بهمس: تراك مسختها
فارس بثقة: نفذي وأنتي ساكتة..
موضي من داخل المطبخ:
العنود ماقلتي لي وش سويتي في المادة اللي أنتي خايفة منها؟؟
بدأت العنود في الحديث وهي تسترسل تماما
فموضي عرفت كيف تختار الموضوع
فهذه المادة بالذات هي مأساة العنود التي ما أن يفتح موضوعها
حتى تبدأ بالشكوى التي لا تنتهي
كانت تتحدث بحماس حينا وبشكوى حينا آخر
عيناها تلمعان
ويداها تتحركان
تبتسم حينا وتعبس حينا
وكل حركة وإيماءه وهمسة وابتسامة تذيب قلب فارس المتيم
ونبرات صوتها طيور نوارسٍ حلقت به فوق البحر الشاسع
جعلته ينفصل عن عالمه لعالم آخر
عالم يحلق فيه مع صوتها الملائكي المثير
(أي مخلوقة أنتِ
أ اعتدتي على نحر القلوب؟؟
أ تنحرينها وأنتي لاهية يا طفلتي؟!
متعب أنا أيتها الصغيرة
متعب
متعب منكِ
وبسببكِ
أحبكِ
وأريد أن أكرهكِ
أريد أن أكرهكِ كثيرا
كثيرا
اجعليني اكرهكِ
أرجوكِ لا تكوني عذبة هكذا!!
وشفافة هكذا!!
ولذيذة هكذا!!"
موضي خرجت أخيرا وهي تعطي العنود صحنا
وتعود لتحضر هي صحنا آخر
وتغادران
وتتركان المأسور المصاب بحمى العشق واقفا أمام شباكه
ما أن رأهما تغادران حتى جلس
يشعر أن قدميه لا تحملانه
كثير كل هذا عليه وعلى رجولته
أن تعبث هذه الطفلة به
تطعنه وتهينه
ثم تجعله يذوب فيها ومن أجلها
أ هكذا تكون العدالة؟!!
بدلا من أن ينتقم منها
يكون قلبه أسيرها؟!!!
وماذا ؟ ليكن أسيرها.. ولكن هي لن تعلم!!
موضي ما أن أوصلت العصير حتى عادت له وهي تغلق الباب خلفها
أشعلت الأنوار
وجدته جالسا
موضي بقلق: بسم الله عليك فارس وش فيك؟؟
فارس بهدوء وكأن صوته قادم من عالم آخر: مافيني شيء.. أنا باروح
موضي بنعومة: تبي تطق وما تقول لي رأيك في المدام
فارس وهو يخرج ليلملم مشاعره المبعثرة، يقول بثقته المعتادة:
بعدين بعدين موضي
موضي هزت كتفيها وعادت للبنات
***************************
معركة من نوع آخر
على جبهة أخرى
أحدُّ وأنضج
وأكثر خطورة
غرفة مشعل ولطيفة
المعركة على وشك الاحتدام
مشعل يتساءل: أم محمد وش سالفة المكتب والكتب؟؟
كان بود لطيفة أن تقول له (مهوب شغلك) ولكن تهذيبها واحترامها لنفسها
قبل احترامها لكونه والد أبنائها يمنعها
جاوبته ببرود: بأقدم امتحان الثانوية العامة ذا السنة
مشعل بعتب: وبدون حتى ما تستشيرني؟!!
لطيفة كانت تنتظر منه إشارة حتى تنفجر، وهاهي انفجرت:
نعم؟؟
استشيرك؟؟ وليش استشيرك؟؟
سنين وأنا ماشية ورا شورك
وش لقيت يعني في أخرها
لا حشيمة ولا قدر ولا محبة
مشعل بهدوء: أم محمد لا تكونين مثل ماقال صلوات الله سلامه عليه
من مكفرات العشير..
أنا ما حشمتش ولا قدرتش؟؟ اتقي الله تبهتيني وأنا واقف؟؟
لطيفة مازالت مستمرة في ثورتها وصوتها يعلو:
وليه أنت تسمي تعاملك البارد معي طول ذا السنين حشمة؟!!!
ويا سلام على الحشمة اللي أخرتها كذا
حشمتني وأنت حتى مشاعري ما احترمتها
حشمتني وأنت تبي تزوج علي بدون سبب
حشمتني وأنت طول عمرك متجاهلني وتعاملني كني طوفة
مشعل اقترب منها
وفي عينيه بريق غريب مختلف
خافت لطيفة
أ يعقل أن يضربها؟!!
وهو الذي لم يفعلها يوما
ومع ذلك لم تتراجع وبقيت تصرخ في وجهه
بكل قهر السنوات المكتوم
فهي مازال لديها الكثير لتقوله.. ولن تتراجع
ولكنها صدمت بتصرف آخر لم يخطر ببالها
مشعل يمسك وجهها من ناحية ذقنها بيد واحدة
ويسكتها بقبلة طويلة كما أراد في المرة الأولى تماما
لطيفة صُعقت
حاولت تخليص نفسها وهي تضرب صدره العريض
ولكنها لم تفلح
حينما أروى غليله.. أفلتها هو بنفسه
وهو يعطيها ظهره عائدا للحمام
لطيفة تصرخ بغضب وقهر:
يا الحقير أنا أم عيالك ماني بوحدة رخيصة تسوي فيني كذا!!
مشعل يلتفت عليها ويقول بهدوء:
أنتي أم عيالي وأنا ما أني بأصمخ أسمع زين..
وكل ما طولتي صوتش بأسكتش بذا الطريقة
أظني عيالنا غرفهم قريبة منا مافيه داعي تسمعينهم
وثاني شيء أنا سمحت لش تعصبين
بس ما أسمح لش تسبين
ذا المرة بأعديها بكيفي.. بس إياني وإياش تعيدينها
لطيفة بغضب مكتوم وهي تخفض صوتها: أكرهك.. أكرهك..
مشعل ببرود: كذابة..
لطيفة بذات الغضب المكتوم: إلا .. أكرهك وكل يوم أكرهك أكثر
مشعل عاد إليها وهو يقول بهدوءه المثير الذي أثار القشعريرة في جسدها:
يالله..حطي عينش في عيني وقولي إنش تكرهيني
أشاحت لطيفة بوجهها وهي تقول: أكرهك.. أكرهك
ابتسم مشعل وهو يعود للحمام: كذابة
(لعبةٌ مسلية..
قاوميني قليلا أيتها الشهية..
واجعلي اللعبة أكثر متعة
فأنا أعرف أنك ستستسلمين لي في النهاية!!
فأنا معتاد على المعارك
نفسي طويل
وصبري أطول
فماذا عنكِ؟!!)
ولطيفة تشتعل.. تشتعل
(حقير
حقير
وخبيث
ولئيم)
***********************
الساعة 2 ظهرا
واشنطن دي سي
مشعل قادم لزيارة زوجة عمه
يطرق الباب
لكن لا رد
استغرب
توجه لسؤال حارس المبنى إن كانوا قد ذهبوا لمكان معين
ليصعقه بالجواب:
أم هيا في المستشفى من البارحة بعد أن جاء الإسعاف وحملها
#أنفاس_قطر#
.
.
كبرياء فارس
04-08-2009, 11:58 PM
أسى الهجران/ الجزء السادس والعشرون
الساعة الثانية والربع ظهرا
مستشفى جامعة جورج تاون
الملاصق للجامعة من ناحية اليمين في 3800 Reservoir Road NW
كان مشعل يصل المستشفى
وهو يقطع ممراته ركضا بخطواته الطويلة
سأل عن أم هيا
وأخبروه أنها في العناية الفائقة
ارتعب
ماذا حدث
قبل أمس حين زارها كانت بخير
ولكنها كانت توصي بابنتها
أ كانت تشعر بشيء؟!!
(لا.. إن شاء الله.. بأتفاول على المره.. مافيها إلا الخير)
كان يشعر بالغضب على هيا لأنها لم تتصل به
من المفترض أنها ابلغته فور تعب والدتها
وصل مشعل للمكان
ولم يحتج أن يبحث عن الغرفة لأنه عرف مكانها
من الخيال الأسود الذي يدفن وجهه بين يديه
اقترب مشعل منها بهدوء وهو يهمس: هيا
رفعت هيا وجهها له
صُعق من ذبول وجهها وانتفاخه
يبدو أنها لم تتوقف عن البكاء منذ البارحة
مشعل بهمس: الوالدة وش فيها؟؟
هيا بصوت باكي: تعبانة يا مشعل تعبانة.. أمي بتروح وتخليني
سلطان راح وخلاني.. والحين أمي بتروح وتخليني بروحي في ذا الدنيا
مشعل بحنان وهو يجلس على الكرسي المجاور ولكن بدون أن يقترب منها:
أفا عليش هيا
وش ذا الكلام.. احنا هلش وأنتي في ذمتنا
هيا بحزن: أنتو ما بغيتوني وابي حي.. تبوني الحين
مشعل بذات الحنان: الله يهداش أنتي عارفة إن ذا الكلام في رأسش أنتي وبس
والوالدة إن شاء الله مافيها إلا كل خير.. هدي نفسش بس
وأنا بأروح أكلم السفارة والدكاترة..
************************
بيت فارس بن سعود
الساعة 2 بعد منتصف الليل
فارس يصل غرفته بعد سهرته مع أبناء عمه
ويبدو أن سهرته ستطول كثيرا
فهو طوال تواجده مع أبناء عمه
كان تفكيره فيها هي
وصورتها تتضخم حتى سيطرت على كل خلية في دماغه
يكره هذا الضعف
وليس فارس من يضعفه حب أنثى
ولكنها ليست أي أنثى
إنها العنود
بلسانها السليط
ثم بصوتها الساحر
ثم بتفاصيلها المبهرة وطلتها الملائكية الساحرة
فأين المفر؟؟
(ولكن أنا أيضا فارس بن سعود!!)
توضأ .. وصلى قيامه
فور تسليمته
رن هاتفه
استغرب
من يتصل به هذا الوقت؟؟
التقط الهاتف.. نظر للاسم ورد باحترام رغم استغرابه:
هلا والله بحضرة العميد
صوت ثقيل على الطرف الآخر: هلا والله أبو سعود
ماأدري أقول صباح الخير وإلا مساء الخير
فارس برزانة: تقول اللي تبيه يأبو أحمد.. آمر..
العميد بنبرة رسمية مهذبة: أدري أنه الليلة جمعة
والمفروض إنه إحنا بلغناك قبل
والسموحة يا أبو سعود
بس احنا عندنا مداهمة كبيرة
ونبي حد من النيابة العامة معانا
وأنا ما أمون إلا عليك..
فارس باحترام: ربع ساعة وأكون عندكم في المركز
العميد بامتنان: جعلني ما أخلى منك..
ماعمرك رديتني.. مع أنه حقك ترفض بدون تكليف رسمي
فارس برجولة: أفا عليك أبو أحمد.. ما بيننا ذا السوالف
فارس أنهى الاتصال وهو يلبس ملابسه بسرعة
مر بغرفة والدته وجدها نائمة
كان يخشى أن يتأخروا للفجر
وألا تجده في سريره وتقلق عليه
لكنه لم يرد تكدير نومها
(إن شاء الله قبل الفجر راجع)
**************************
بيت مشعل بن محمد
الساعة 4 الا ربع فجرا
لطيفة تطفئ منبهها وتصحو
البارحة كانت ليلة عصيبة عليها
بعد معركتها مع مشعل
هي خرجت لأولادها لترى أحوالهم بعد عودتهم
وبقيت عندهم حتى ناموا و تأكدت إن مشعل خرج
فهي تحفظ جدوله
وتعرف أن الليلة جمعة وأنه لابد سيسهر في المجلس
عادت لغرفتها ووظلت تدرس حتى اقترب موعد عودته
لا تريده أن يظن أو يخطر بباله إنها بقيت تنتظره
تمددت على سريرها
ومثلت النوم
وكم أصبحت بارعة في التمثيل!!
وكم تتعبها هذه الحياة
فهي ما اعتادت على هذه الحياة المعقدة الكثيفة
حتى حينما كانت تتعذب بهجران مشعل وبروده
كانت هي تتصرف بسجيتها
لكن الآن برود مشعل.. وتضطر أن تمثل برودا يشابهه!!
عاد مشعل
وجدها نائمة
كان لديه أمل غبي أنها ستنتظره
كان لديه أمل أنها قد تنسى كل ما قاله وستسامحه
ولكن هو يستحيل أن يطلب السماح
فلا بد أن تسامحه من تلقاء نفسها
هل أجرم أنه قال أنه يريد الزواج؟!!
هي من دفعته لهذا التفكير
وهي من دفعته لإلغاءه
نعم .. إلغاءه!!!!!!
فأي مجنون يتزوج على فتنة مثل هذه؟!!
دفعته للتفكير فيه طيلة سنوات
ودفعته لإلغاءه في دقائق
ذلك الحماس المتوقد خلب لبه
وطعم شفتيها الجديدتين أذابه
هي من عبثت به
هي من عبث به منذ البداية
وهي من لا بد أن ترضيه وتسترضيه
هو يستحيل أن يتنازل
أو يقول لها إنها غير رأيه عن فكرة الزواج
لن يصغر نفسه أمامها!!
ينظر لها وهي نائمة
كم هي رائعة
وكم هو مشتاق لها!!
"أوف"
خرجت تنهيدته عميقة وحادة جدا
لطيفة بداخلها (تأفف لين بكرة .. أحسن)
توجه لسريره الجديد وفتحه لينام
تقلب مطولا
قبل أن يحل النوم بأطراف عينيه
وهاهي الآن لطيفة تصحو
وحان دورها لتتأمله وهو نائم
اقتربت منه لتصحيه لصلاة الفجر
تمعنت فيه وهو نائم على جنبه اليمين وكفه تحت وجهه كما اعتاد
لحية عارضه أكثف
وبدا لها أكثر وسامة
هل هو متعب؟؟ مرهق؟؟
موعد الحلاق عنده كالساعة تماما
مابه أهمل عارضه هذه المرة
ما الذي يشغله؟؟
أ هي العروس الجديدة؟؟
الحقير.. كم أتمنى أن أقتله وأقتلها
ولكن لن أشمته فيني
ليذهب ويتزوج
ليشبع بها ويملأ عينيه التي لا يملأها التراب
لطيفة بنبرة باردة: مشعل.. مشعل.. الأذان أذن.. قوم
ولا تنسى تأخذ حمود.. حتى عبودي صحه وأخذه معاكم
*********************
مستشفى جامعة جورج تاون
الساعة الخامسة عصرا
سمحوا لهم بالدخول لرؤية أم هيا..
هيا ومشعل وباكينام التي حضرت فور معرفتها بالخبر
كانت أم هيا تعاني من جلطة.. وهذه هي الجلطة الثالثة
ووضعها الصحي متدهور.. فهي في السابعة والستين
وتعاني من السكر والضغط والكوليسترول
الثلاثي المتلازم
هيا انكبت على يد والدتها وهي تبكي
وباكينام وقفت خلفها وهي تربت على ظهرها
وبعينيها دمعات متعلقة
وببلعومها تختنق العبرات وهي تحاول تهدئة هيا
مشعل ذهب من الناحية الأخرى
ومال إلى أذن أم هيا وهو يقول بحنان وثقة:
ماعليش شر يمه.. تجربين غلاش علينا
تراش غالية.. ومافيش إلا العافية
أم هيا بصوت هامس: هيا أمانتك يا مشعل.. هيا أمانتك
مشعل بثقة ورجولة: هيا في عيوني وانتي بعد..
وماعليش شر.. تعب بسيط..لا تدلعين
هيا حين سمعت أمها توصي بها
انهارت في بكاء مر
باكينام مالت على أذن هيا: هيا يا حبيبتي.. اللي بتعمليه مش كويس ئدام ماما
لازم تباني جامدة ئدامها
هيا ارتمت في حضن باكينام وهي تقول بنشيج: ما أبي أكون قوية
تعبت وأنا قوية.. أبي أمي.. أمي وبس
فرت دمعة قاتلة من عين أم هيا
ومشعل يشعر بنفسه يختنق.. يختنق
يــخــتــنــق
فخرج ووقف خارجا
*************************
بيت فارس بن سعود
أذان الفجر
أم فارس تصحو من نومها
تتوضأ وتتوجه لغرفة فارس لإيقاظه
وهي تفتح الباب شعرت بإنقباض كتم على أنفاسها
استعاذت بالله من الشيطان الرجيم
وفتحت الباب
شعرت بالرعب وهي ترى سريره خاليا ومرتبا
أي أنه لم ينم عليه
عادت لغرفتها وهي تلتقط هاتفها
وترن الرقم المخزن عندها في رأس قائمة الاتصال السريع
كان مغلقا
وكأن إغلاقه كان إغلاقا لأنفاسها
شعرت أنها عاجزة عن التنفس
وكل الأفكار المرعبة تتزاحم في مخيلتها
استعاذت بالله من الشيطان الرجيم للمرة الثانية
وهي ترن على الرقم الثاني في قائمة الاتصال السريع
كان يخرج لتوه من الحمام متوضئا لصلاة الفجر
ويريد إيقاظ أولاده
استغرب الاتصال رد بسرعة وقلق: عسى ماشر يا وضحى؟؟
جاءها صوتها المخنوق ليرفع قلقه للحد الأقصى: سعد تكفى يا أختك
فارس ما أدري وينه.. وأدق عليه جواله مقفول
تكفى يا أختك بأموت من الخوف عليه.. بأموت
#أنفاس_قطر#
.
.
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:00 AM
الجزء السابع والعشرون
.
.
ولو كان الحزن رجلا لقتلته
.
.
أسى الهجران/ الجزء السابع والعشرون
بيت محمد بن مشعل
كان ناصر عاد قبل وقت من صلاة الفجر ويستعد للنوم
رن هاتف ناصر.. رد باستغراب: هلا والله أبو فيصل
سعد على الطرف الآخر: ناصر تكفى روح لأم فارس وجبها للمستشفى
ناصر يقفز عن سريره ويقول برعب: عسى ماشر؟؟
سعد بقلق وحزن مرٍّ: فارس متعور عوار بسيط..
وأنا قلت لها وطمنتها
بس هي حالتها حالة.. ومهيب مصدقتني
روح جيبها تكفى
أنا لو رحت لها أبي لي ساعة
وأنا خايف عليها...
ناصر برعب: وفارس صدق بخير.. أمنتك الله تقول لي الصدق
سعد بقلق وحزن عميق: دامك أمنتني..
ما أدري.. ما أدري.. ماخلوني أدخل عليه
قبل الصلاة دقت علي أم فارس تقول ما تدري وينه
أنا قلبي نغزني جيت على طول طوارئ حمد
لقيت المستشفى مقلوب ومليان ضباط
وفارس كان معهم في مداهمة أخر الليل وانصاب فيها
ناصر باستعجال ورعب متوحش: خلاص جاينيكم الحين..
ناصر قفز وارتدي ملابسه بسرعة صاروخية
ثم خرج يتسحب لا يريد أن يراه والده أو راكان حتى يتأكد من وضع فارس
توجه لغرفة العنود
كانت العنود قد نامت بعد أن صلت الفجر
ناصر حركها وهو يقول لها بقلق مكتوم:
العنود قومي البسي عباتش وامشي معي
العنود قفزت مرعوبة: عسى ماشر؟؟
ناصر وهو يحاول التمسك بالهدوء: مافيه شر.. بس أبي أروح لأم فارس
وما أقدر أدخل على المره بروحي
العنود شعرت بقلبها يغوص بين قدميها: وفارس وينه؟؟
حتى لو كانت مشاعرها مازالت تتأرجح ناحية فارس
بين التوجس والإحترام والمودة
فالأنثى السوية ما أن يرتبط اسمها باسم رجل ما
حتى تجد مشاعرها الطبيعية تتدفق ناحيته بتلقائية
وهذا ما يحدث
ففارس أصبح نصفها الآخر
وبالغصب عنها مشاعر القلق اقتحمتها: فارس فيه شيء؟؟
ناصر باستعجال: خلصيني يا بنت الحلال بدون كثرة أسئلة
فارس مافيه إلا العافية
بالفعل العنود ارتدت عباءتها ونقابها على عجل
وهي تخرج خلف ناصر لبيت فارس
العنود دخلت أولا وناصر بقي خارجا في السيارة
وطلب منها إحضار أم فارس
دخلت العنود ووجدت أم فارس منهارة من البكاء
انقبض قلب العنود بشدة
أم فارس حين رأت العنود انهارت أكثر
اعتقدت أن فارس مصابه جلل
لذا قدمت العنود
ارتمت على صدر العنود وهي تنتحب
العنود ليست مهيأة كفاية بنعومتها ورقتها لمثل هذه المواقف
ولكنها جينات آل مشعل
الجينات التي تعمل بأعلى كفاءاتها تحت الضغط وفي أسوأ الظروف
العنود أمسكت بأم فارس وهي تقول لها بحزم
رغم أن داخلها يذوي قلقا على فارس: وين عباتش يمه؟؟
أشارت أم فارس لعباءتها الملقاة على المقعد..
تناولتها العنود وألبستها إياها وخرجت بها وهي تسحبها تقريبا
أركبهما ناصر
ولأن بيوتهم متجاورة
عاد لبيتهم وقال للعنود بحزم: انزلي..
العنود فُجعت وهي تقول بهمس موجع: ما أقدر أروح معكم؟!
ناصر بحزم: وين تروحين ..المستشفى مليان رياجيل عنده الحين
باودي خالتي أم فارس تطمن عليه.. وبارجعها على طول
نزلت العنود وهي تشعر كأنها تنحر..
اقتربت من شباك ناصر وهمست له:
تكفى طمني
**************************
مقر حزن آخر
مستشفى جامعة جورج تاون
حالة أم هيا تزداد صعوبة
ووضع هيا النفسي يزداد سوءاً
باكينام ومشعل مرابطان مع هيا في المستشفى
ولكن هيا أصبحت عدائية جدا مع مشعل
فهي تريد أحدا تفرغ فيه غضبها وحزنها
ووجدت أن واحدا من آل مشعل هو خير من ينفع للدور
مشعل متعاطف معها جدا ويقدر ظرفها وحزنها
ولكنه إنسان بشري له حدود طاقة
وهو ليس أي أحد
بل واحد من آل مشعل بكبريائهم الثمين
الذي تحاول هيا دوسه بقدميها
مشعل يقترب من هيا ويقول لها بهدوء:
هيا أنتي ماكلتي شيء ولا ارتحتي من البارحة
روحي للبيت أنا بأقعد عندها
هيا بعدائية غريبة: ما أبيك تقعد عندها..
أصلا من يوم شفنا وجهك ماشفنا خير يا وجه الشوم
باكينام هي من ردت وهي تقول لهيا بغضب مكتوم:
عيب اللي بتئوليه ياهيا..الراجل ما طلعتش منه العيبة
ودي حاجة مكتوبة عند ربنا.. وماما حصة ست تعبانة من زمان
هيا بغضب ونحيب: كله منه وجه النحس.. خليه يفارق ما أبي أشوف وجهه
وجه مشعل بدأ يتغير من فعل غضبه الذي يحاول كتمه لأنه ليس وقته ولا مكانه
باكينام وقفت وهي تهمس: ماعليش يادكتور مشعل ياريت تروح انته
أنا ئاعدة معاها
مشعل كان على وشك الذهاب لأنه كان وشك الانفجار فعلا
لولا أنه رأى أحد منسوبي السفارة القطرية يتوجه إليه
فابتعد مشعل عن مكان تواجد البنات وألتقى به وألقى التحية عليه
مشعل بترحيب: هلا والله أستاذ طلال.
طلال بهدوء: الله يرحب بك.. ترى السفير موجود هنا في المستشفى
جاي يزور السفير التونسي ويوم درا إن مرت عمك في المستشفى
لزم يمر يزورها ويشوف وضعها
مشعل بهدوء: حياه الله
مشعل عاد وأعطى هيا تنبيها أن السفير سيمر بهم
هيا عدلت وضع جلال والدتها الملفوف فوق غطاء شعر المستشفى
وقالت له بحنان: يمه بييي ريال يزورج
بعد دقائق وصل السفير ومعه سكرتيره وطلال
هيا وباكينام كانتا تقفان في زاوية الغرفة بعيدا عنهم
السفير اقترب من أم هيا وهو يقول لها: ما تشوفين شر ياخالة ماعليج شر
أم هيا بضعف وهي تضع طرف الجلال على الناحية السفلى من وجهها: من أنت؟؟
السفير يبتسم: أنا السفير القطري.. تبين شيء.. قاصرج شيء.. ترانا حاضرين
أم هيا بضعف ولكن بنبرة حازمة: إيه أبي..
السفير بهدوء وثقة: آمري ياخالة
أم هيا بحزم الضعف: هذي بنتي.. وهذا ولد عمها
السفير يقاطعها: أعرف مشعل زين يا خالة..
أم هيا تكمل: أبيك تاخذهم اثنينهم الحين معك للسفارة.. وتجيب الشيخ
وتزوجهم
هيا ومشعل صُعقا.. ومن شدة الصدمة لم يستطيعا الكلام
وقع الصدمة عليهما معا كان أكبر من كل وصف
طلب أم هيا نزل فوق رأسيهما كالصاعقة..
السفير القطري بتهذيب: ولا يهمج يا خالة
إن شاء الله إذا قمتي بالسلامة زوجناهم وسوينا لهم عرس بعد
أم هيا بحزم رغم ضعفها البادي: يمه هذي وصاة مره تموت.. أحطها أمانة في رقبتك
أبيك تزوجهم الحين.. ما أبي أموت وأخلي بنتي مابعد تطمنت عليها
السفير ارتعب.. فالأمانة أمر جلل.. فكيف وهي أمانة امرأة تحتضر؟!
هتف بحزم لهيا ومشعل: يالله قدامي للسفارة
هيا تكاد تجن.. ومشعل وقف صامتا بحزم
هيا توجهت لإذن أمها وهي تقول باستجداء مر هامس ودموعها تغرق وجهها:
يمه تكفين.. كله ولا مشعل.. كله ولا مشعل
تبين أتزوج من اللي ذبحوا أبوي.. ومشعل بالذات وجهه كان نحس علينا
أكرهه يمه.. أكرهه
أم هيا بحزم: إذا تبيني أموت وأنا غضبانة عليج.. أنتي وضميرج..
هيا مسحت دمعتها وهي تتوجه لمشعل
وتقف بجواره استعدادا للذهاب مع السفير
************************
الدوحة
ناصر يصل بأم فارس لطوارئ مستشفى حمد
وطوال الطريق وهو يطمئنها
إن إصابة فارس إصابة بسيطة
ولكن أم فارس كانت مستمرة في نحيبها الذي مزق ناصر
من لها بعد فارس؟؟
من؟؟
هو الشيء الوحيد الذي خرجت به من هذه الحياة
وتعيش من أجله
إذا ذهب فارس فما قيمة الحياة؟؟
لِـمَ تشرق الشمس إن كانت لن تشرق على وجهه؟؟
ولِـمَ تغرد العصافير إن كان فارس لن يصحو على تغريدها؟؟!!
ولِـمَ يهب النسيم إن كان لا يحمل رائحة عطره؟!!
زواجه بعد شهرين ونصف
تحلم بهذا اليوم منذ سنوات
تحلم بأولاده.. أحفادها
فكيف يذهب والدهم.. وهم لا يأتون؟!!
أ ستكفنه بالبشت الأسود الذي اشترته منذ سنوات وخبئته ليوم زفافه؟!!
أ تغسله بدهن العود الثمين المخبئ في قواريره الفاخرة لذلك اليوم؟!
أ تزفه لقبره بدلا من أن تزفه لعروسه؟!!
(ارفق بي يارب.. ارفق بقلبي الثاكل)
************************
واشنطن
بعد حوالي ساعة
هيا ومشعل يعودان للمستشفى
خرجا أبناء عم
وعادا زوجين
طوال طريق العودة في سيارة الأجرة
كلاهما معتصم بالصمت
وكلاهما يلتزم مكانه ملتصق ببابه
وكأن المساحة الفاصلة بينهم ليست أشبارا
ولكنها مئات الكيلومترات
هوة عميقة لا حدود لعمقها واتساعها
عالمان مختلفان
لا يجمع بينهما أي مشاعر طبيعية
هيا تكره مشعل أو تظن أنها تكرهه
ومشعل يريد حمايتها أو يظن أن هذه أسبابه
وصلا للمستشفى
كانت باكينام عندها
دخلا على أم هيا
أم هيا حين رأتهما معا ابتسمت بشفافية
مشعل اقترب منها
وطبع قبلة على جبينها لأول مرة
فهي أصبحت من محارمه شرعا بعد أن أصبحت أم زوجته
أم هيا بابتسامة سماوية: تزوجتوا؟؟
مشعل ابتسم وهو يميل عليها: تزوجنا.. ونتناش تطلعين من المستشفى
عشان نروح شهر عسل جماعي
أم هيا وضعت كفها على خد مشعل وهي تهمس له:
اصبر عليها.. قلبها مليان حقد صحيح.. بس ترا قلبها ذهب
اصبر عليها يمه.. أوصيك فيها.. تكفى ما تقهرها يوم
شعر مشعل أنه يختنق: يمه والله إنها في عيني.. والله ما تقهر ولا تُضام وهي في بيتي
هيا كانت تنتحب.. أشارت لها أمها فانكبت على يدها تقبلها
أم هيا وضعت يدها الأخرى على رأسها وهي تقول بحنان: يمه هيا ارفعي راسج
هيا رفعت وجهها المغرق بالدموع
وأم هيا تقول لها: يمه وصاتج مشعل.. ترا مشعل ريال مافيه مثله
لا تثقلين عليه يمه
هيا صمتت
أم هيا بضعف: يمه هيا أنا أقول مشعل وصاتج
هيا بصوت باكي: في عيوني يمه.. مشعل في عيوني
بس تكفين لا تعبين روحج بالكلام
اللي تبينه بيصير
باكينام انزوت في الركن وبدأت تبكي بصمت
وأم هيا تكمل بضعف: أنا الحين ارتحت.. اللهم لك الحمد والشكر
اللي طوّل في عمري لين ذا اليوم
الله الله في أنفسكم
ثم وجهت حديثها لمشعل: مشعل يمه.. وجهني للقبلة
هيا صُعقت..كلماتها مبعثرة: يمه لا تقولين كذا.. تكفين لا تفاولين على روحج
مشعل بحزم حنون: هيا وخري عنها
توجه لها وهو يوجهها للقبلة
ثم وقف عند رأسها وهمس في أذنها: يمه تشهدي.. تشهدي
قولي أشهد ألا إله إلا الله.. وأشهد أن محمدا رسول الله
باكينام اقتربت وهي تمسك بهيا التي رمت بنفسها على صدرها
هيا كانت تنتحب وترتعش: أمي بتخليني يا باكي
أمي بتخليني..
أم هيا تشهدت 3 مرات ومشعل يعيد عليها التشهد كل مرة
ارتعشت رعشة خفيفة ثم سكن جسدها
سكن للمرة الأخيرة
في رحلة الراحة الأبدية
لدار المقر
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)
مشعل أغلق عينيها وهمس بحزن عميق:
إنا لله وإنا إليه راجعون
اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلفنا خيرا منها
هيا حين سمعت مشعل يقول ذلك
انهارت
انهارت تماما وهي تنتحب على أرضية الغرفة
مشعل اقترب منها
وهو يرفعها عن الأرض بخفة
ويحتضنها بعنف حانٍ ويهمس في أذنها:
إنما الصبر عند المصيبة الأولى
قولي إنا لله وإنا إليه راجعون
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:09 AM
أسى الهجران/ الجزء الثامن والعشرون
مستشفى جامعة جورج تاون
هيا تجلس على كرسي في الممر
تبكي بصمت وهي تكرر:
إنا لله وإنا إليه راجعون
وباكينام تجلس إلى جوارها ودموعها تنساب بصمت
مشعل أنهى بعض الإجراءات
وعاد لهيا وهو يميل عليها ويهمس:
هيا.. أنا أبي جوازاتكم عشان الحجز
هيا بنبرة غارقة في الحزن: أي حجز؟؟
مشعل بمساندة: للدوحة عشان نرجع الوالدة ندفنها
ونسوي عزاها في الدوحة
هيا بحزن مرير: مافيه داعي مشعل مافيه داعي
أمي موصيتني من أيام ماكنا في بريطانيا
وحتى عقب ماجينا أمريكا
إنه المكان اللي تموت فيه تندفن فيه
كانت تقول الأرض كلها أرض الله
أنت قبلنا هنا بسنين
شوف لها مقبرة مسلمين ومسجد يُصلى عليها فيه
باكينام تؤيد كلام هيا: فعلا ماما حصة كانت دايما بتقول
الحته اللي أموت فيها ادفنوني فيها
مشعل تنهد
وهو يجري اتصالاته بالسفارة وبنادي الطلاب القطريين
وبسعيد وبأصدقائه وبإمام المسجد
استعدادا للصلاة عليها ودفنها بعد تغسيلها
************************
الساعة 6 صباحا
طوارئ مستشفى حمد
ناصر يصل بأم فارس للطوارئ
وجدا سعد واقفا في الممر
والمستشفى مزدحم من كثرة الضباط
فكل من كانوا في عملية المداهمة
أصروا أن يبقوا حتى يطمئنوا على فارس
الذي كان الوحيد الذي أصيب في عملية المداهمة
سعد توجه لأم فارس وهو يبتسم ويقول لها:
أبشرش الدكتور الحين طلع من غرفة العمليات
ويقول إصابة بسيطة في كتفه وطلعوا الرصاصة خلاص..
أم فارس تنتحب بخفوت: تكفون أشوفه..
ناصر بحزم: الحين بأوسع لش درب يا خالة..
ناصر توجه للضباط المتجمهرين أمام الباب
وسلم عليهم وتحادث معهم قليلا
ثم ابتعدوا
كان فارس في غرفة الاستراحة
دخلت أمه وناصر وخاله
ما أن رأى أمه حتى ابتسم وهو يتحامل على نفسه ليجلس
سارع له ناصر ليساعده وفي ذات الوقت طبع قبلة على رأسه
وهو يقول له: سلامات سلامات خارجن من الشر
وش لك يا الملقوف بشغل المداهمات أنت وكيل نيابة
قر في مكتبك الله يرضى عليه
لم يكن ذهن فارس مع ناصر
فعيناه كانت على المخلوقة الغالية الأثيرة خلفه
بعينيها الدامعتين الظاهرتين من فتحات نقابها
وهو يبتسم ويقول: والله إني طيب يمه
اعتبريها من أيام الهدود اللي أنتي خابره
يوم كل يوم أجيش مفلع.. دمياني تصب
أمه اقتربت منه واحتضنته بحنان وخفة حتى لا تؤلمه
وهي تقول وعبراتها تخنقها: كبرت يأمك كبرت وماعاد قلبي يستحمل
سعد بمرح: هذا هو طيب يا بنت الحلال وأمشي خليني أرجعش للبيت
وأشوف عيالي.. خليتهم بروحهم في البيت ما عندهم إلا أبو صبري
ناصر باحترام: إيه خالتي روحي.. الضباط يبون يسلمون عليه يرجعون بيوتهم
غادرت أم فارس
ودخل الضباط للاطمئنان على فارس
وخرجوا
وبعدها نقل فارس من الاستراحة لغرفة في الأعلى
بعد ساعة
رن هاتف ناصر.. نظر للاسم وهو يضرب رأسه ويقول :المسكينة نسيتها
فارس باستفسار: أي مسكينة؟؟
ناصر بمرح: حرمكم المصون.. موصيتني أطمنها عليك وأنا نسيتها
انتفض قلب فارس بعنف
(أ حقا قلقة أنتِ علي؟!
هل لأني فارس الذي ذاب من أجلكِ؟
أم لكوني مجرد زوج فرض نفسه عليكِ؟!)
كان ناصر يرد ومشاعر فارس تتحفز مع كل كلمة
هلا عنادي
.............
طيب
.............
والله العظيم إنه طيب.. تعويرة بسيطة
..........
يا بنت الحلال والله العظيم إنه طيب (ناصر بدأ يمل منها)
...............
يعني أشلون.. تكلمينه عشان تتأكدين.. بأكذب عليش يعني؟!! (ناصر بعصبية)
(أجل ناصر
أرجوك..
دعني أكلمها
أسمع صوتها
أريد أن أستمتع بخوفها علي
هل هي حقا خائفة علي؟!!)
هكذا كان فارس يهتف في نفسه.. رغم أنه يعلم استحالة ذلك
ناصر ينهي المكالمة ويلتفت لفارس ويقول: مرتك ذي أذوة
مهيب ****ة تصدقني.. خايفة عليك.. ياحليلكم يا جوز الكناري
***********************
ذات اليوم بعد ساعات
مساءً في غرفة فارس
رجال عائلة آل مشعل يجتمعون عند فارس
حتى الشباب الصغار
سلطان بن عبدالله
ومحمد وعبدالله أولاد مشعل بن محمد
فارس بهدوء يلتفت عليهم ويقول: لا أحد يقول لمشعل بن عبدالله شيء
مافيه داعي تشغلون باله..
عبدالله أبومشعل بتأثر: مشعل الله يعينهم هو وبنت عمه
مرت سلطان توفت عندهم
محمد انتفض: إنا لله إنا إليه راجعون..لازم يجيبها تدفن هنا.. ونسوي عزاها
عبدالله بهدوء: المره موصية إنها تدفن في المكان اللي تموت فيه
ثم صمت عبدالله قليلا
وأكمل: وفيه شيء ثاني أبي أبلغكم فيه.. مشعل تزوج بنت سلطان
محمد بغضب: أشلون يتزوج بدون مايشورنا
وحتى ما أنتظر لين يرجعون الدوحة ونزوجهم على سلوم العرب وسنعهم
عبدالله بهدوء: مرت سلطان كانت موصيته عليها..
وهو تزوجها عشان أمها تطمن عليها
ومايصير البنت تقعد بروحها وهو مهوب حلال لها
فالسفير القطري زوجهم قبل ما تموت مرت سلطان
صمت الكل
وهم يتبادلون نظرات الاستغراب
وكان أول من قطع الصمت سلطان الصغير وهو يقول بمرح:
أما أنتو يا عيال ال مشعل مشافيح
يوم أني أبغي العنود جاء الشيخ فارس وخذها
وذا الحين يوم حطيت عيني على بنت عمي الأمريكية
جاء أخي الشيخ العود وخذها
ذا الحين لأحط عيني على خدامتنا فاطمة القردة نط الشيخ راكان يبغيها
ضحك الجميع فلطالما كان سلطان مصدر تندر دائم
ومحمد يلتفت لأبنه راكان المبتسم ويقول:
هذا هو خويك عرس.. ماعاد باقي إلا أنت
صمت راكان وهو يتبادل نظرات عميقة مع ناصر
ثم نهض راكان ليتصل بصديقه
لا يعلم هل يعزيه أو يهنئه؟!!
********************
بعد المغرب
بيت حمد بن جابر
موضي كانت غاية في الحزن والضيق
منذ علمت بإصابة فارس
كانت تريد زيارته ولكنه طمئنها أنه بخير
ويزوره كثير من الرجال
وسيخرج من المستشفى خلال يومين
وتستطيع زيارته في البيت
حمد يدخل عليها
حمد بنبرة غامضة: أنت لمتى وأنتي قالبة وجهش كذا؟؟
فارس طيب ومافيه إلا العافية
موضي بضيق: حمد أنت عارف فارس وش كثر قريب مني
حمد بسخرية: والله لد الخال ذا راعي مشاكل من صغره
مهوب منتهي لين يموت في وحدة من ذا المداهمات اللي ماله شغل فيها
موضي وقفت وهي تقول بغضب: حمد ما أسمح لك تفاول على فارس
جعل عمره طويل والله يحفظه من كل شر
حمد بغضب: نعم.. نعم.. ما تسمحين لي..؟؟
موضي بغضب مشابه: إيه ما اسمح لك.. على الأقل راعي مشاعري
وأنت تفاول على أخي قدامي
كان رد حمد عليها صفعة مباشرة قوية على وجهها
موضي حافظت على توازنها
حتى لا تسقط من قوة الصفعة التي أشعلت خدها باللون الأحمر
وهي تتماسك أمامه وتقول بقوة: مد يدك على مرة ثانية
والله ما يردني إلا بيت عبدالله بن مشعل
وأظني إنك عارف من عبدالله بن مشعل.. ومهوب بناته إللي يضامون
إذا أنا تحملتك وتحملت ضربك وإهاناتك ذا السنين كلها فعشان خالي وعمتي
وعلى أمل إنك بتتعالج يوم
والحين خلاص أنا كفيت حق خالي وعمتي ووفيت
وأنت خلاص مافيه أمل أنك بتوافق على العلاج
حمد بغضب مجنون: تهدديني.. تهدديني؟!!!
موضي بقوة: لا أهددك ولا تهددني.. بس أنا خلاص صبري خلص
ماعاد فيني صبر
إذا أنت رجّال بتحشمني وتحترمني
أو رجعني للبيت اللي خذتني منه
أنت ما خذتني من الشارع
أنت ماخذني من بيت شيوخ..
**************************
غرفة فارس في المستشفى
الساعة العاشرة مساء
كان فارس يصلي صلاة العشاء بعد أن ذهب أخر زائر من عنده
راكان هو من أصر أن يبقى مرافقا له
لأن ناصر تقريبا لم ينم منذ البارحة
وهو مع فارس منذ الصباح الباكر
بعد أن أنهى صلاته وتأكد راكان من وضعه
استأذنه راكان أن يستحم
ودخل للحمام الملحق بالغرفة
حينها رن هاتف فارس
كانت مريم بنت عمه
استغرب فهي اتصلت به العصر وهنئته السلامة
رد باحترام: هلا والله ببنت محمد
لم يكن صوت مريم
كان صوتا آخر
آخــــــر
آخــــــــــر
أسى الهجران/ الجزء التاسع والعشرون
الساعة 10 وعشر دقائق ليلا
غرفة فارس في المستشفى
رن هاتفه
كانت مريم بنت عمه
استغرب فهي اتصلت به العصر وهنئته السلامة
رد باحترام: هلا والله ببنت محمد
لم يكن صوت مريم
كان صوتا آخر
آخــــــر
آخــــــــــر
صوت أحلامه يصله يذوب خجلا وترددا: مساء الخير فارس.. أنا العنود
(عرفتكِ
منذ همستكِ الأولى
منذ أن وصل رنين أنفاسك إلى أذني)
لأول مرة يجد فارس نفسه مرتبكا
لم يخطر له ولا في أعذب أحلامه أنها قد تتصل به
ولكنه رد عليها بهدوء بثقته المغروسة فيه غرساً: هلا العنود
العنود بخجل: ما أبي أطول عليك.. بس قلت لازم أقول الحمدلله على السلامة
(يا آلهي.. ما أعذبكِ)
(حرام عليش.. اللي تسوينه فيني!!)
رد عليها بهدوء: الله يسلمش (خطر له أنها أنهت مهمتها وستنهي الإتصال الآن
وهو مازال عطشانا مشتاقا لهمساتها، لذا قرر أن يشاكسها)
أكمل بذات الهدوء قبل أن ترد الرد الذي يعلم أنه سيكون (مع السلامة):
ويا ترى أنتي استاذنتي عمي قبل تكلميني؟!! (يعيد لها الجملة التي قالتها له)
شهقت العنود بعذوبة وفارس شعر أن قلبه ذاب مع شهقتها
ثم قالت بحرج كبير: لا ما استاذنته.. استحيت.. أستاذنت مريم.. ما يكفي؟!!
(والله العظيم أنتي مخلوق غير طبيعي
معقولة فيه حد عنده هذا الكم الخرافي من البراءة والعذوبة
ذبحتيني.. ذبحتيني وأنتي ما تدرين)
أكملت العنود بحرج أكبر: فارس أنت زعلان إني كلمتك..
(محرجة.. أعلم هذا!!
هذه المرة أستطيع تكوين الصورة الكاملة
لإحمرار الوردتين المسماة وجنتيكِ
بعد أن سكنت صورتكِ خيالي
وهذه المرة لن أكتفي بحلم لمسهما لتزهر أصابعي
هذه المرة أتمنى لو كنتِ أمامي
لأدفن وجهك المحمر في صحراء صدري القاحلة
لتعشوشب أرجاء هذا الصدر المجدب دون ندى وجنتيكِ)
فارس رد عليها بهدوء رسمي: وش دعوى أزعل.. حياش الله..
وشكرا على ذوقش وعلى الاتصال
زاد خجلها.. هتفت بارتباك: خلاص أنا أستاذن.. مع السلامة..
ومرة ثانية الحمد لله سلامتك..
(يا آلهي.. ستتركني
ستتركني معلقا بين الحلم بها
والحقد عليها
معلقا بين وجع حبي لها
ورغبتي أن أكرهها)
فارس بهدوء: مع السلامة
أغلقت لتتركه مبعثرا كالعادة
(ليش ما أتصلت من تلفونها
على الأقل كان عرفت الرقم
ولقيت لي حجج أكلمها عليه)
**********************
مرت أياما ثلاثة
فارس خرج من المستشفى
وهو في إجازة مرضية لمدة أسبوعين
مشعل ولطيفة
مازال الحال على ماهو عليه
زوجان بالاسم فقط
كلاهما معتصمان بكبريائهما
هي تشتعل من الغيرة كلما خرج من المنزل
(لا بد أن يراها
وربما كان يخططان لزواجهما
ويسخران من الغبية المسماة لطيفة)
تعامل مشعل ببرود بارع
وما لم تكن مشغولة بأولادها فهي تدرس
أما مشعل فهو بطل لعبة البرود
رغم أن مفاصله تبدأ بالإنصهار كلما رأى لطيفة
ويشعر بالجنون من تجاهلها له
ولكنه يظهر عدم اهتمامه بأي شيء أمامها
سوى عمله وأولاده
فهو يرى أن هذه معركة كرامة
وهو ما اعتاد على خسارة معاركه!!
سكان واشنطن
انتهت أيام العزاء الثلاثة
التي قضتها هيا في بيت السفير القطري
الذي أصر على استقبال العزاء في بيته
خلال الأيام الثلاثة الماضية
تلقت هيا على هاتفها عشرات الاتصالات من أفراد عائلتها
عائلة آل مشعل
الجميع اتصل بها وعزاها
جدتها وأعمامها وعمتها وزوجات أعمامها وبنات أعمامها
الكل اتصل بها وأكثر من مرة
شعرت هيا أن كل هذا كثير عليها
كثير عليها
لم تتوقع أن يحيطوها بكل هذه المشاعر الدافئة
وأكثر من تأثرت بإتصاله كانا عميها محمد وعبدالله
شعرت برائحة أعمق لسلطان فيهما
لم ترَ مشعل خلال الأيام الثلاثة الماضية
ولكنه كان يتصل بها كثيرا ليرى إن كانت تحتاج شيئا
كانت ترد عليه ببرود عجزت هي نفسها عن إيجاد سبب له
وهاهي على وشك تقبل كل آل مشعل إلا هو
اتصل فيها ليأخذها للبيت
سلمت على زوجة السفير وشكرتها كثيرا
وخرجت بحزن مر يلتهم روحها وشوق مرير لأمها
خرجت
لتبدأ حياتها الجديدة مع زوج فُرضت عليه وفُرض عليها
************************
الساعة العاشرة مساء
غرفة لطيفة
لطيفة تدرس بعد أن نام أولادها
متأنقة كعادتها
لم تهمل عادتها في التأنق
سابقا كانت تتأنق من أجل مشعل
ولكنها الآن تتأنق من أجل نفسها
وحتى تبقى نفسيتها مشرقة
كان شعرها مرفوعا فوق رأسها بفوضوية
وخصلها تتناثر على وجهها بعذوبة
وقد غمست في شعرها قلماً نسيته
دخل مشعل
(غريبة وش عنده الأخ جاي بدري
مهوب عوايده)
لم ترفع رأسها عن كتبها
سلم ببرود
وردت بذات البرود
ثم دخل ليستحم
خرج وهو مازال في طور التعود على تصريف أموره بنفسه
مشتاق للمساتها الرقيقة في حياته
وتدخلها في كل صغيرة وكبيرة
خرج وأخذ ملابسه بنفسه
ولكن ما لا يعرفه
أن لطيفة أصبحت ترتب ملابسه بطريقة يسهل عليها تناولها
فهي تضع ماسيرتديه في الأعلى لأنها تعلم أنه لن يبحث بالتاكيد
وسيأخذ ما سيجده في الأعلى
تناول ملابسه
ارتداها
وجدها معطرة
ابتسم
(لا تستطيع إهماله مهما ادعت
يعرف ذلك!!)
تعطر كعادته.. ثم جاء وجلس في الجلسة
سألها بهدوء: أقدر أشوف الأخبار أو بأزعجش؟؟
لطيفة بهدوء مماثل: عادي حط على اللي تبي..
مكتب لطيفة في الزاوية خلف التلفاز من ناحية اليمين
ووجهها لظهر التلفاز.. حتى لا يلهيها شيء
مشعل أصبحت لديه متعة جديدة
اسمها مراقبة لطيفة الجديدة
فهو يضع على الأخبار ويقصر على صوت التلفاز لحد ما
ثم تبدأ طقوس المراقبة
كيف تعقد ناظريها
كيف تكتب؟؟
كيف تركز؟؟
تتأفف!!
تعض شفتيها!!
عالم جديد ممتع ومثير يتكشف أمام عينيه
يشعر كما لو كان يعود مراهقا
يتمتع بتصيد ومراقبة محبوبته
مشاعر لذيذة ومنعشة
نفضت ركام حياته السابقة
بدأ يتذكر بالكثير من الحنين الكثير من مواقف حياتهما السابقة
قلقها عليه
تدفقها ناحيته
ارتعاشها بين يديه
كم هو مشتاق لها!!
يلوم نفسه في اليوم ألف مرة على غبائه
ولكن لومه لنفسه هو في نفسه!!
يستحيل أن يتنازل أو يتراجع
هي أيضا عبثت به
كما أخطأ هو
هي أيضا أخطئت
هي من دفعته للتفكير بسواها
وهي من أطالت لسانها عليه
يستحيل أن يكون البادئ في إرضاءها
هي من لابد أن تعتذر
(ألف أفٍ على كل هذا
كم أنا مشتاق لها!!)
الساعة تقارب الثانية عشرة
وكلاهما يمثلان دوريهما بإتقان
مشعل نهض ليصلي وينام
قبل أن يتوجه للحمام
توجه إليها
انتفضت لطيفة حين رأته يقف إلى جوارها
اخترقت رائحة عطره الثمين حويصلاتها الهوائية
(كم أشتقت لكَ أيها الخبيث!!)
مال عليها
انتفضت أكثر
انتزع القلم من شعرها برقة
ووضعه أمامها على المكتب
وغادرها
بعد أن نجح في بعثرتها
بعثرها كأنها مجموعة من أحجار الليغو
هو وحده قادر على جمعها وتركيبها
**********************
واشنطن
بعد صلاة الظهر
مشعل يصل بهيا إلى بيته
هيا بتوتر: وش فيك وقفت هنا؟؟
مشعل بهدوء: انزلي الحين.. وباشرح لش داخل
هيا صعدت معه لشقته
فتح الباب
ودخلت بخطوات مترددة
كانت شقته أكبر من شقتها وأفخم بكثير
هيا بتوتر: أنت ليش جبتني هنا
أنا أبي أروح لشقتي
مشعل بهدوء: شقتش سلمت مفاتيحها
وأغراضش جمعتها باكينام كلها
وجبتها كلها هنا
هيا بثورة: أنت أشلون تسمح لنفسك تصرف من رأسك
ومن سمح لك تسوي كذا
مشعل بذات الهدوء: اللي سمح لي إني رجالش الحين إذا أنتي ناسية
مشعل كان تفكيره ينحصر أن يجنبها العودة لشقتها
حيث كانت المكان الأخير الذي جمعها بأمها
لم يرد لجروحها أن تنفتح من جديد
أرادها أن تبدأ حياتها الجديدة من مكان جديد
هيا تستكتمل ثورتها: ولو رجّالي على قولتك
مهوب المفروض تشركني في قرار مثل هذا
لأن هذي حياتي أنا مهيب حياتك
كانت تتكلم بذات لهجته وحدتها
ولكن ماضايق مشعل أنه شعر أنه يتحاور مع رجل
وليس مع أنثى
فحدتها كحدة الرجال وليست حدة أنثوية مطلقا
مشعل بتعب: هيا اسمعيني
أنا مهوب صعب علي أكوفنش الحين
أخليش تحاسبين ألف مرة قبل ما تعلين صوتش علي
كف واحد مني بيخليش تحرمين
لكن عمر هذا ماكان أسلوبي
ولا هذي بالمرجلة في نظري
أنا رجالش الحين
برضاش.. غصبا عنش.. رجالش
وأظن أخر شيء وصتش أمش فيه هو أنا
مثل ما أنا حفظت وصاتها.. أتمنى أنتي تحفظينها
أنا وأنتي باقي لنا ذا السنة بس ونخلص دراستنا
خلينا نخلصها بالطول وإلا بالعرض
وما فيه داعي تحولين حياتنا جحيم
هيا شعرت بالخجل
الكثير من الخجل
من تساميه فوق عصبيتها
وثورتها غير المبررة
هيا همست بهدوء: إن شاء الله مشعل إن شاء الله
ثم قالت بخفوت: غرفتي وينها؟؟
ثم أكملت وهي تبتلع ريقها: مشعل أنا أبي لي غرفة بروحي
أعتقد أنك فاهم إنه إحنا تزوجنا في ظروف غير طبيعية
وأنا مازلت غير متقبلة لفكرة الزواج كلها
وما أعتقد إنك بتطالبني بحقوق أنا مهوب مستعدة لتقديمها
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:13 AM
أسى الهجران/ الجزء الثلاثون
شقة مشعل بن عبدالله
هيا تقول بخفوت:
مشعل أنا أبي لي غرفة بروحي
أعتقد أنك فاهم إنه إحنا تزوجنا في ظروف غير طبيعية
وأنا مازلت غير متقبلة لفكرة الزواج كلها
وما أعتقد إنك بتطالبني بحقوق أنا مهوب مستعدة لتقديمها
مشعل يتجاوزها وهو يلقي بنفسه على الأريكة ويقول بإرهاق:
فيه غرفة نوم فاضية جنب غرفتي الحين بأشيل شناطش فيها
ولا تخافين ماني مطالبش بشيء غير إنش تخفين من عصبيتش
تراني مافيني صبر على الحنّة الواجدة..
هيا بنبرة غضب: تهددني؟؟
مشعل بتأفف: الله يهداش بس.. دائما متحفزة ومستعدة للهجوم
ترا أنا ما أنا بعدوش.. عشان أهددش
هيا أخذت نفسا عميقا.. وهي تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم
ثم دخلت لداخل الشقة لإكتشافها ولفسخ عباءتها
تشعر بالخجل من خلع عباءتها والجلوس أمام مشعل بدونها
ولكن لابد أن تعتاد على ذلك عاجلا أو آجلا
فتحت باب الغرفة الأولى
اكتشفت فورا إنها غرفة مشعل
مكتب مكدس عليه كتب
وملابس ملقاة على السرير
ورائحة عطر رجولي فخم داعبت أنفها فور فتح الباب
شعرت بالخجل يكتسحها
أغلقت الباب وتوجهت للغرفة الأخرى
كانت غرفة نوم أنيقة ونظيفة وخالية تماما
سوى من بعض ملابس رجالية في الدولاب
أزاحتها هيا إلى الجانب
لأنها لا تعلم ملابس من هي
خلعت عباءتها وحجابها وعلقتهما
نظرت لنفسها في المرآة
كانت ترتدي بنطلونا واسعا أسود اللون
وبلوزة سماوية لنصف فخذها
وشعرها مجموع في صرة أسفل رأسها
مطلقا ليس منظرا مناسباً
ليكون المرة الأولى التي يرى فيها زوج زوجته
ولكن هل هما زوج وزوجة فعلا؟؟
وهي سارحة في أفكارها
طُرق الباب
كان مشعلا يحمل حقائبها
حقيبتان ضخمتان يحملهما بخفة
همست بخجل: ادخل
دخل مشعل ثم وقف في منتصف الحجرة ليضع الحقائب
وهو يشعر بحرج غير مفهوم
بدت له رقيقة وضئيلة
بعيدا عن العباءة التي كانت تخفي معظم تفاصيلها
اعترف لنفسه أنه مبهور بعنقها الطويل الشامخ
قال كمحاولة لتبديد احساسه:
الملابس اللي في الدولاب ناسيهم راكان ولد عمي لما زارني العام..
حطيهم في كيس وفضي الدولاب لش..
هيا بهدوء: إن شاء الله
أجابها بذات الهدوء: محتاجة شيء ثاني؟؟
هيا بهدوء: لا شكرا
ثم استدركت بحزن عميق: مشعل أغراض أمي وش سويتوا فيها؟؟
مشعل بهدوء: الملابس كلها في شناط وخليتها عند إمام المسجد
لين أشوف إذا أنتي موافقة خليته يدخلها في التبرعات
وباقي الأغراض بتلاقينها في شناطش
والكراتين اللي برا فيها كتبش
وبكرة باشتري لش مكتب
**********************
بيت مشعل بن محمد
وجبة الغداء
أسرة مشعل تجتمع كاملة على الغداء
يجلسون على الأرض حول سفرتهم
لطيفة مشغولة بإطعام جود
ومشعل مشغول بمراقبتهما
لا يعلم أي ولع غريب أصابه
كل ما تفعله بات يفتنه
حتى في إطعامها لابنتها يتتبع حركة أناملها الرشيقة
ابتساماتها لها
تدليلها ومناغاتها لها
تبدوان كما لو كانتا جزءا من صورة مبهرة
الصورة قائمة بذاتها لا تعلم ماذا فعلت بقلوب معجبيها واندهاشهم
لطيفة انتبهت أنه لا يأكل
سألته بعفوية: مشعل الأكل ما عجبك؟؟
رد عليها بهدوءه الماكر: ولو قلت ما عجبني؟؟
كانت على وشك الرد بردها الاعتيادي الذي ربما كان يتوقعه
(بأسوي لك غيره الحين)
ولكنها ردت بهدوء متقن مغلف ببرود بارع
وهي ترسم ابتسامة من أجل أبنائها:
بأقول بكيفك يا بو محمد.. تسوي ريجيم أحسن..
ابتسم.. بل كان على وشك الانفجار ضحكا
لولا أنه تحكم في ردة فعله (كم أنتِ لئيمة!!)
أجابها بابتسامة: وأنا بأقول كثر الله خيرش يأم محمد
يجي منش أكثر..
(كم أنت بارد!!
لِمَ هذه الابتسامة؟!!
هل قلت نكتة ما أيها السخيف؟!!)
لطيفة ردت عليه بنفس مستوى خبثه:
وأنا بأقول خيرك سابق
وأنت راعي الأولة يا أبو محمد
وراعي الأولة ما ينلحق..
وأظني إنك فاهمني..
"تقصد أنك من بدأ وليس أنا!!"
لطيفة أنهت عبارتها له..
وحملت ابنتها وغادرت..
وهي تقول لأبنائها: إذا خلصتوا تعالوا لي في غرفتكم أدرسكم
عشان العصر أخليكم تشوفون الكرتون..
ومشعل يبتسم وهو ينظر إلى ظهرها وهي تغادر
(يعني أشلون؟؟
ياحليلش!!
تعتقدين سكتتني كذا؟!!
توش ماعرفتي مشعل يا لطيفة
انطري علي شوي بس)
*************************
بعد صلاة العصر
بيت عبدالله بن مشعل
الصالة السفلية
الجدة تتقهوى قهوة العصر وناصر وفارس عندها
جاءا للسلام عليها
فارس مازال متعبا ولكنه يمر للسلام على جدته
حتى لا يرهقها بأن تأتيه بنفسها
مشاعل في الأعلى
تسأل وكالة الأنباء ريم: من اللي عند جدتي؟؟
ريم (بعيارة): فارس أبو نص ذراع.. (لأن يده معلقة برقبته)
مشاعل قرصتها في ذراعها: عيب يا قليلة الادب
ريم تفرك مكان القرصة: ول قبصتها والقبر..
جعل نويصر يصرقعش كفين ليلة العرس
مشاعل بغضب: زين يا قليلة الأدب.. دواش عندي
ريم ترقص حاجبيها: إذا مسكتيني يا مرت ناصر سوي اللي تبينه
وخرجت تركض ومشاعل خلفها
ونزلت للأسفل وهي تركض على السلالم ومشاعل مازالت خلفها
وهي تقسم بأن تأدبها اليوم
كان فارس وناصر يجلسان متجاورين ووجهيهما للدرج
استغربا أولا نزول ريم كالإعصار وصوت ضحكاتها يتعالى
ثم المخلوق الآخر خلفها
مشاعل وصلت نصف الدرج ثم انتبهت لوجود مخلوق آخر يجلس بجوار فارس
مشاعل بقيت لنصف دقيقة وهي مازالت غير مستوعبة
وعيناها مثبتتان عليه
ثم رمشت بجزع وعيناها تمتلئان بالدموع وتعود ركضا للأعلى
الآخر هو..
كان فاغرا فاه..
على كثرة ما زار جدته لم يصدفها يوما..
رغم أنه تمنى كثيرا لو يلمحها فقط
فهل انفتحت له أبواب ليلة القدر اليوم؟؟
وهل دعت له أمه اليوم من قلبها
وقالت: "روح ياناصر الله يحقق لك أمانيك"
فارس رغم أنه غضب أولا
ولكنه لم يستطع منع نفسه من الانفجار من الضحك
وهو يرى ناصر مغفور الفم
فارس يمد يده السليمة ويغلق فم ناصر وهو يقول (بعيارة):
يا أخ سكر البلاعة ذي لا يدخلها الذبان
الجدة لم تنتبه لشيء مطلقا لأن ظهرها كان للدرج
ناصر يضع يده على قلبه ويقول بطريقة تمثيلية وهو يهمس لفارس:
فارس يا أخيك..
تكفى زوجوني الليلة.. لا أستخف عليكم
نعنبو داركم.. داسين ذا الملاك علي.. حرام عليكم يالمجرمين
في الأعلى مشاعل انخرطت في موجه بكاء حادة
آخر ما خطر ببالها أنها قد ترى ناصر
وفي هذا الوضع المحرج!!
خجلها منه يخنقها..
تكاد أن تموت خجلا وحرجا
وكلما استعادت الموقف وهو يبحلق فيها
بدأت في موجة جديدة من البكاء
************************
المقهى القريب من جامعة جورج تاون
قبل صلاة العصر
كانت باكينام تصل وتضع كتبها على طاولة خالية وتجلس
تريد أن تتناول شيئا خفيفا وتعود للسكن لتصلي وترتاح
كانت تضع ملاحظات في كتابها
حين اقتحم سكونها الصوت العميق الدافئ إياه:
وأخيرا عدتي لزيارتنا.. خشيت أن تكوني قد كرهتي شاينا الإنجليزي
رفعت باكينام عينيها
يبدو أكثر وسامة من المرة الماضية
هذه النظرة الغامضة في عينيه تفتنها
ابتسمت باكينام: انشغلت قليلا مع صديقتي
فوالدتها توفيت
هو بتأثر: خالص تعازيّ
باكينام بعذوبة: شكرا..
ثم قالت باللهجة المصرية: يخرب بيت زوئك وحلاوتك (حتى لا يفهمها!!!!)
ثم اكملت بالإنجليزية: هل تعلم أنك مصدر محيرة؟؟
ابتسم بغموض: أنا؟؟
ابتسمت: نعم أنت..
بذات الغموض: ولماذا؟؟
ابتسمت: مكسيكي يتحدث الانجليزية بنبرة بريطانية فاخرة..
وحوارك يدل على ثقافة.. وتعمل نادلا
أي من هذه الأشياء لا يثير حيرة..؟!!
بغموضه المثير: قابليني بعد أن أنهي عملي.. وأزيل حيرتك..
لأني لا أستطيع الثرثرة مع الزبائن؟؟
ابتسمت باكينام وهو تقول بذكاء: ومادمت أنا زبونة.. أحضر لي كوراسون وعصير برتقال لو سمحت..
ابتسم بدوره..
كلاهما يجيدان اللعب..
كلاهما ذكيان..
وخطيران..
خطيران جدا..
****************************
شقة مشعل بن عبدالله
مشعل بعد أن أدخل كل أغراض هيا لغرفتها
دخل إلى غرفته وأغلق الباب
وبدأ العمل على إطروحته
التي يقضي ساعات طويلة عليها يوميا
مرت أكثر من ساعتين حتى سمع أذان العصر
توضأ وخرج للصلاة
حين عاد كان يشعر بالجوع
تعوّد طيلة السنوات الماضية أن يخدم نفسه بنفسه
رغم أنه تعود في الدوحة على تدليل أمه وشقيقاته له
ولكنه هنا تعوّد أن يقوم بكل شيء بنفسه
وخصوصا أنه كان يعرف نوعا ما أن يطبخ
من رحلات القنص التي كانت تستغرق أسابيعَ
ولكنه الآن وكأي رجل شرقي يستحيل أن يطبخ لها
ولكنه أيضا لن يطلب منها أن تطبخ له
فهو مازال يجهل هذه الهيا التي تبدو له غامضة ومتباعدة
وهاهو يتوجه للمطبخ
سيعد له شطيرة وكأسا من الشاي
حين دخل رأى أمامه شيئا غريبا
اعتقد أن عينيه تخونانه
ولكنه كان فعلا شيئا غريبا ومبهرا وأخاذاً
********************
الساعة الواحدة والنصف ليلا
غرفة مشعل ولطيفة
كلاهما مستغرقان بالنوم
كلاً في مكانه
لطيفة في سريرها
ومشعل على أريكته
رن هاتف لطيفة
لطيفة نومها خفيف
مع الرنة الثانية كانت تصحو مرعوبة
تنظر للاسم وتلتقطه برعب: موضي عسى ماشر؟؟
صوت موضي يصلها متقطعا: لطيفة تعالي الحين.. الحين.. أنتي ومشعل
لطيفة برعب: وشفيش موضي؟؟
موضي بنفس الصوت المتقطع: مافيني شيء بس تعالوا الحين بسرعة
لطيفة تقفز لمشعل وتهز كتفه بسرعة: مشعل مشعل
مشعل يمسك يدها ويحتضنها وهو نائم ويهمس: أخيرا جيتي حبيبتي حرام عليش قلبي ذاب وأنا أتناش..
انتزعت لطيفة يدها (يحلم بحبيبة القلب) عادت لتهزه بعنف أكبر: مشعل مشعل
قفز مشعل مرعوبا: وش فيش لطيفة؟؟
لطيفة بقلق: موضي متصلة تقول تبينا نجيها الحين
مشعل برعب: عسى ماشر؟؟
لطيفة وقلقها يتصاعد: ماقالت لي شيء.. بس قالت تعالي أنتي ومشعل
مشعل يقفز لارتداء ملابسه: يالله بسرعة البسي..
لطيفة لبست وأيقظت خادمة البيت العجوز..
ووصتها أن تنام في غرفة بناتها حتى تعود
وهم خارجين من البيت
صدفهم راكان في الشارع وهو يدخل لداخل بيتهم
راكان اتصل بمشعل وهو يقول له بقلق: عسى ماشر مشعل؟؟
وين رايح أنت وأم محمد في ذا الليل؟؟
مشعل بقلق: موضي متصلة تبينا.
راكان بقلق: ذا الحزة.. طمني عقب.. لا يكون فيها وإلا في حمد شيء
بعد دقائق كان مشعل الذي قاد سيارته بسرعة جنونية
يقف أمام باب بيت حمد ويجد جميع الأبواب مشرعة
ويدخل هو ولطيفة وقلقهم يصل للحد الأقصى
ليفجعوا بما رأوه داخل البيت
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:17 AM
أسى الهجران/ الجزء الحادي والثلاثون
شقة مشعل بن عبدالله في واشنطن
كان مشعل يدخل إلى المطبخ
ليرى أمامه صدمة بكل المقاييس
هيا كانت تقف أمام المغسلة وتغسل وظهرها للباب
ليست هذه الصدمة بالتأكيد..
الصدمة كانت في الليل الأخاذ السرمدي الذي يصل طوله إلى ركبتيها
قبل حوالي ساعتين..بعد أن دخل مشعل لغرفته
رتبت هيا بعض أشياءها الضرورية واستخرجت بعض ملابسها
ثم قررت أن تطبخ
ظنت أن هذا قد يكون تصرفا لائقا تجاه مشعل
وحتى تتلهى عن الحزن العميق الذي يخنق روحها
والأفكار المرة التي تأخذها في دوامات الذكريات
بعد أن أنهت الغدا..ء تركته ينضج
واستحمت.. جففت شعرها سريعا ثم تركته مسدلا ليستكمل جفافه
وعادت للمطبخ لتنهي غسل الأواني
وهاهو مشعل يقف خلفها..
مشعل كان مبهورا..
بل كلمة الانبهار وصف أقل بكثير عن الاحساس الذي اكتسحه
كان يعتقد أن طول الشعر المفرط هذا قد انقرض
ولم يكن شعرها طويلا فقط بل كان مبهرا في طوله وسواده ونعومته وكثافته
كان تماما كما كانت جدته تصف شعرها في شبابها
بل إن شعر جدته مازال طويلا نوعا ما.. وهي تجدله في جديلتين طويلتين
لطالما عشق مشعل في طفولته الالتفاف بهما
وكان يقول لها: ماني بمتزوج إلا وحدة شعرها مثل شعرش طويل
وجدته تضحك وتقول: فاتّنّك.. ماعاد فيه يأمك.. خلصوا..
وربما حاول مشعل متعمدا تناسي الشرطين الآخرين
كان دائما يقول لها: يمه أنا أبي وحدة اسمها هيا وتشبهش.. وشعرها طويل نفس شعرش أيام الشباب على قولتش..
وجدته تضحك طويلا وترد عليه: هذي بيصنعونها على حسابك!!!
فهل كانت الأقدار تلعب لعبة ما!!
هاهو على أعتاب الثلاثين وكان لم يتزوج بعد
رغم أن أمه كانت تلح في كل مرة يعود فيها للدوحة
أن يتزوج ليجد من يؤنس وحدته في الغربة
ولكنه كان يرفض دائما دون سبب مقنع
فأي الأسباب كنت تنتظر يا مشعل؟!!
تنحنح مشعل.. التفتت له هيا وهي تشعر بالخجل
مشعل ابتسم: ماشاء الله هذا كله شعر..
هيا بخجل: ابي كان يحب الشعر الطويل يقول يذكره بجدتي
كان يقول إني طالعة عليها
عشان كذا ماكنت أقصه ولا قصيته ..عشانه
ثم أكملت بحزن صميم: وأمي كانت تهتم فيه واجد
كان بود مشعل أن يعبر عن إعجابه به
أو حتى يكتب قصيدة في هذا الشعر الأسطورة
ولكنه صمت.. فليس في موقع يسمح له بالغزل
وليست في وضع يسمح لها بتقبله
هيا بهدوء: تبي غدا؟؟
مشعل بذات الهدوء: وش طبختي؟؟
هيا رسمت ما يشبه ابتسامة باهتة: كبسة.. تمشي الحال؟؟
مشعل ابتسم : أكيد تمشي الحال.. أنا أصلا كانت أقصى أمنياتي سندويشة وكأس شاي
**************************
بيت حمد بن جابر
الساعة 2 إلا ربع قبل الفجر
كان مشعل الذي قاد سيارته بسرعة جنونية
يقف أمام باب بيت حمد ويجد جميع الأبواب مشرعة
ويدخل هو ولطيفة وقلقهم يصل للحد الأقصى
ليفجعوا بما رأوه داخل البيت
كانت موضي تجلس على الأرض الرخامية وتسند ظهرها على الكنب
والدم يسيل من جميع أنحاء جسدها ووجهها متورم
مشعل فقد عقله وهو يراها على هذه الحال
لم ينتبه ولم يهتم إلى أنها كانت بدون غطاء أو عباءة والكثير من جسدها ظاهر
اقترب منها وهو يحملها بين يديه بخفة
أنت موضي أنة ضعيفة..
وولطيفة صرخت برعب وهي تصرخ في مشعل: مشعل يدها مكسورة
مكسورة.. مكسورة
وبالفعل كانت يدها مكسورة كسر سيء والعظم مزق جلدها خارجا
موضي فتحت عينيها بضعف ومشعل يركض بها للسيارة ويسألها بصوت غضب مرعب:
من اللي سوى فيش كذا..؟؟
موضي بضعف: طحت من الدرج..
لم تكن موضي تريد حماية حمد لكنها تريد تجنيب عائلتها النزاع ومرارة الانتقام
لطيفة تجهز مكانا في الخلف وتركب أولا لتتناولها
وتقول له بغضب وحزن وهي ترتعش وتختنق بعبراتها القاتلة:
لا ماطاحت .. أكيد حمد ضاربها..
مثل ما يضربها من يوم خذها
بس خلاص لهنا وخلاص.. لهنا وخلاص..
وقتها كان مشعل ركب في مقعده وهو يلتفت على الخلف
ويقول بغضب ناري مرعب كاسح.. غضب بركاني: وشو؟؟ يضربها؟؟
الكلب.. النذل الحقير
ماعاد إلا بنت عبدالله بن مشعل تضرب
وأنتي وإياها دواكم عندي بعدين.. يعني ذا السنين كلها يضربها وأنتوا ساكتين
مخلينه متوطي شيخته ماكن وراها رياجيل
وأنتي يا لطيفة بالذات دواج عندي.. هذا وانتي الكبيرة
لطيفة ابتلعت ريقها..
ومشعل يقود بسرعة جنونية وهو لا يرى أمامه من الغضب الذي أعماه..
بعد أن ألقى غترته على لطيفة لتفتحها وتحاول تغطية موضي بها
بعد دقائق رن هاتفه.. كان راكان الذي سأله بقلق:
مشعل.. حمد وهله أربهم طيبين..
مشعل بغضب ناري:حمد الكلب.. يا من يمسكني رقبته بس والله ما يخلصه مني شيء..
راكان قفز واقفا وهو ينتفض من الحمية: وشو مسوي حمد؟؟
مشعل بذات الغضب الملتهب: ضاربن موضي ومكسرها..
جسمها ماعاد ينشاف من الضرب والدم.. الحيوان من خذها وهو يضربها
راكان لم يحتمل أن يسمع أكثر.. أقفل هاتفه..
وهو يخرج ليركب سيارته بدون أن يغير ملابسه حتى..
مشعل عرف ما سيفعله راكان، ويعرف أن راكان وإن كان أكثرهم حلما
إلا أنه عندما يغضب فغضبه لا حدود له..
مشعل أعاد الاتصال براكان، راكان رد عليه بكلمة واحدة: نعم
ومشعل رد عليه بجملة واحدة: آجعه بس لا تذبحه !!
**********************
قبل ذلك بحوالي ساعة
كان حمد في غرفة المكتب
وموضي كانت نائمة منذ الساعة التاسعة
حوالي الساعة 12 قامت من نومها وهي تشعر بالعطش
قررت أن تحضر لها ماءً لتشرب
في طريقها للمطبخ وجدت باب المكتب مفتوحا ونوره مضاء
دخلت لترى إن كان حمد يحتاج شيئا
وجدت المكتب خاليا
والخزنة التي يحرص حمد على إغلاقها بشكل دائم مفتوحة
وفوقها ظرف بني يحمل اسم مستشفى
شعرت موضي بالفضول
ابتعلت ريقها
وفتحت الظرف
لتفجع بما وجدت فيه...
لحظتها تماما دخل عليها حمد الذي كان في الحمام
نظر لها والظرف بيدها
وعيناه تنقلبان من الغضب: وش تسوين؟؟
موضي ابتلعت ريقها مرة ثانية وحاولت أن تقف بثقة وهي تقول له:
أنا ما كان عندي مانع إني أعيش معك
حتى لو كان معك عيب خلقي يمنعك من الانجاب
بس إنك طول ذا السنين وأنت تذلني وتضربني على عيب مهوب فيني وأنت داري
فهذا خلاص هو الفراق بيني وبينك
طلقني يا حمد..طلقني..
حينها حمد فقد عقله تماما
كيف يطلقها.. كيف؟؟ وروحه معلقة فيها؟؟
لا حياة له بدونها.. هي سبب استمراره في هذه الحياة
وكيف تتجرأ عليه وتتهمه؟؟ كيف؟؟
كيف تتجرأ وتكتشف سره؟؟
كيف سيواجهها بعد أن فقد مصدر قوته أمامها؟؟؟
أدخل يده في شعرها وسحبها للصالة وهو ينهال عليها ضربا ورفسا
بصورة لم تحدث مسبقا ولا في أي مرة من المرات السابقة
لأن هذه المرة ليست كأي مرة سابقة
***********************
حمد عاد لبيته بعد دقائق من أخذ مشعل ولطيفة لموضي
فهو استعاد وعيه
وعاد يريد أن يذهب بها للمستشفى
لم يجدها..
أخذ يدور في البيت كالمجنون وهو يناديها
حينها دخل عليه راكان..
حمد بتوتر: هلا راكان..
راكان كان رده عليه أن صفعه على وجهه صفعة أسقطته أرضا
وهو يقول بصوت اختلطت نبراته من الغضب الذي لا حدود له:
هذا ردي على سلامك
والحين قوم وقف..
ويومك رجّال يدك طويلة.. ورني فعل يدك
لم يستغرق حمد في يد راكان أكثر من 5 دقائق
تركه راكان بعده ملقى على الأرض غارقا في دمه
وراكان يميل عليه ويبصق عليه: اللي يمد يده على مره هو مره مثلها
ولولا حشمة مره هي عمتي نورة وإلا والله واللي رفع سبع سموات بليا عمد
يا الليلة ممساك أبو هامور.. (أبو هامور=منطقة في الدوحة فيها مقبرة كبيرة باسمها)
والحين إتصل في حد يوديك للمستشفى لا بارك الله فيك
بذل راكان جهدا خرافيا ليحكم عقله وحتى لا يقتل حمد أو يصيبه بعاهة مستديمة
من أجل شخصا واحدا يحمل له معزة كبيرة
هي عمتهم الوحيدة نورة
فحمد هو وحيدها
كان غضب راكان لا حدود له.. غضب صِرْف ملتهب..
أولا لأن موضي واحدة من بنات آل مشعل
ولو حصل لأي واحدة منهن ما حصل لموضي كان هذا سيكون تصرفه
الشيء الآخر الذي آلمه حتى النخاع
آلمه حتى أعمق أعماق روحه الموجوعة
أنه فضّل هذا الحيوان المدعو حمد على نفسه
ترك حبيبة قلبه له
على أمل أنه سيكون أفضل لها منه
على أمل أنه سيصونها وستكون هي أميرته الوحيدة
أراد لها الأفضل
كان يظن أن حمد هو الأفضل
فكيف وهي عاشت تتعذب معه
وراكان عاش حياته يتعذب
لو أنه كان يعلم فقط!!
لو أنه كان يعلم فقط!!
كان جنّبها وجنّب نفسه كل هذا العذاب
مهما يكن.. كان آلمها بكونه متزوجا صوريا أخرى
سيكون أهون من عذاب الإهانة التي عاشتها سنوات
ولكن ماعاد للتمنيات معنى!!
فموضي أصبحت طيفا ومجرد ذكرى باهتة
وهو مات قلبه!!
وأجدبت عروقه..
راكان عاد للبيت
وغير ملابسه
وتوجه للمستشفى
**************************
طوارئ مستشفى حمد
الساعة 3 قبل الفجر
راكان يصل للمستشفى
وجد مشعل يقف في الممر
وثوبه الأبيض غارق بالدم
كاد راكان أن يجن
وهو يتمنى أن يعود ليقتل حمد
لانه علم أن هذا الدم هو دم موضي
وما منعه من ذلك إلا أنه ترك حمد أشبه بجثة
وليس هو من يستقوي على من لا يستطيع مجابهته
اقترب من مشعل وهو يقول بتأثر: وش أخبارها؟؟
مشعل بغضب: أربك عرفته جزاء سواته فيها؟؟
راكان بهدوء: عرفته وزود.. موضي شاخبارها؟؟
مشعل يشتعل غضبا: الحيوان الله يأخذه.. ماخلا فيها عظم سالم..
عندها كسرين.. من غير الرضوض في كل جسمها..
راكان يشعر بالكثير من الغضب
والكثير من الأسى..
مشعل يستكمل: سووا لنا سالفة والشرطة جات..
بس الضابط كان يعرفني.. وعرف إن الموضوع حساس
واحنا قلنا له إنها طاحت من الدرج
مع إن الدكتور كان مصر إنه تعذيب وضرب
وقدرت ألم الموضوع.. ولو أني كنت أتمنى أخليه يدخل السجن ويعفن فيه
راكان كان صامتا.. يشعر أن كل الكلمات لا معنى لها
ككل حياته!!
تضحيته كانت بدون معنى..
ضحى بها من أجل سعادتها..
فإذا هو يضحي بها حقيقة
ويجعلها قربانا لقسوة حمد وجنونه
كيف صبرت هي كل هذه السنوات؟؟
كيف صبرت؟؟
شعر بضياع مر قاس
كان يعيش حياته كلها في كذبة اسمها
"تضحيتك لها قيمة!!"
مشعل يهمس لراكان: مشعل لا يدري بشيء
المجنون لو درى مهوب بعيد ياتي.. ويذبح حمد
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:23 AM
أسى الهجران/ الجزء الثاني والثلاثون
طوارئ مستشفى حمد
أذان الفجر
راكان خرج من المستشفى
ولكنه لم يعد للبيت
مشعل يقف على باب غرفة الملاحظة
و طلب من إحدى الممرضات أن تنادي له لطيفة
لطيفة خرجت له
كانت عيناها الباديتان من فتحتي النقاب متورمتين من البكاء
فما تراه في موضي ذبحها من الوريد إلى الوريد
مشعل يخاطبها دون أن ينظر لها
تعلم لطيفة أنه غاضب
وتعلم أنها لم ترَ بعد شيئا من غضبه
وتعلم أنها مخطئة
أكثر من 3 أعوام ونصف وهي تعلم أن حمد يضرب موضي ضربا مبرحا
كانت الوحيدة التي تعرف
ولكن موضي أمنتها ألا تخبر أحدا
ولكنها الآن تشعر بعظم جنايتها
مر عام والآخر ألم يكفيا لتعلم استحالة العيش بينهما؟!
أكان يجب أن يصل الوضع لهذا الحال حتى تعلم؟!!
كانت تعلم أن كسور موضي وجروحها ستطيب يوما
لكنها تعلم أن في أعماقها جرحا نازفا لن يطيب
فحمد كسر روحها قبل جسدها
ليتها تحركت قبل ذلك.. ليتها!!
ليتها تحركت قبل أن تُذبح برؤية أختها الصغيرة على هذا الحال
مشعل بنبرة باردة دون أن ينظر لها:
أنا بأروح للبيت بأبدل وبأصلي وبأشوف العيال.. وبأرجع عليكم
لطيفة بهدوء وعيناها في الأرض: زين..
**********************
كورنيش الدوحة
قبل آذان الفجر
يحمل الجو نسمات باردة
أصبحنا في أواخر أكتوبر
يجلس على الحاجز الحجري
غترته إلى جواره
ونسمات الهواء تعبر خصلات شعره
لم يعتد مطلقا أن يخلع غترته في مكان عام
ولكنه مخنوق.. مخنوق
يتمنى أن يتخفف من جسده الضخم لو استطاع
يتمنى أن تحلق روحه
بل يتمنى أن يجد روحه أولا ليجعلها تحلق
الروح التي خُنقت حين تزوج من زوجة صديقه
ثم استلت تماما وغادرته حين تزوجت موضي
مرٌّ هذا الإحساس الذي يكتسحه
تضحيته بدون قيمة
ضحى بسعادته وسعادتها معاً
بدون ثمن
فلا هي عاشت سعيدة!!
ولا هو عاش سعيدا!!
موضي ذاتها لم تعد سوى ذكرى
لم يعد لها في داخله أي مشاعر خاصة
ولكنها ذكرى ثمينة
فهي حبه الوحيد
مازال يحتفظ بالدفتر إياه
الدفتر الذي خبئه منذ أربع سنوات ونسيه
الديوان الذي طمره كما طمر مشاعره حين تزوجت موضي من حمد
يشعر برغبة كاسحة أن يستخرجه الآن ليكتب فيه قصيدة أخيرة يسميها
"موضي ضحيتي"!!!
**************************
طوارئ مستشفى حمد
بعد صلاة الفجر
تم نقل موضي لغرفة خاصة في الأعلى
لطيفة صلت
وأخذت تتأمل وجه أختها الذي لا يكاد يظهر من كثرة الضمادات
تشعر بألم لا حدود له
فهي كان لها دور كبير في ألم أختها
كما قال مشعل "هي كانت الكبيرة"
كان لا بد أن تتصرف قبل هذا بكثير!!
قرار يتشكل في ذاتها.. آن وقت تصحيح الأخطاء
وحضرت روح آل مشعل المقاتلة
أخذت هاتفها واتصلت برقم معين
كان يصل لبيته بعد أن صلى الفجر
رن هاتفه
توقع أنه أحد (ربعه الشياب) يريده أن يفطر معه
فمن سيتصل غيرهم في هذا الوقت
استغرب حين سمع صوت لطيفة، رد بقلق: عسى ما شر يا أبيش؟؟
لطيفة سحبت نفسا عميقا وهي تقول بثقة: اسمعني يبه
أنت داري إن غلاك من غلا إبينا والله الشاهد
بس خلاص طال عمرك.. خلاص
تروح الحين لولدك وتخليه يطلق أختي أول ما تطلع الشمس
أبو حمد برعب: طلاق؟؟ ليه يا أبيش؟؟
لطيفة اختنقت بعبراتها: يبه حن زوجنا حمد شيختنا.. نحسب إنه بيصونها
لكنه توطاها كنه مطية لها
من يوم خذها وهو يضربها.. والبارحة ضربها لين ما خلا فيها عظم سالم
إبي ما بعد درا.. وأظني إنك تعرف عبدالله بن مشعل إذا درا وش ممكن يسوي
مهوب بعيد يذبح حمد وأنت داري
خل حمد يطلق موضي.. ويسافر لين تعافى موضي
أبو حمد مصدوم.. والصدمة ألجمته.. تمتم بنبرات متقطعة:
يصير خير يا أبيش يصير خير..
أبو حمد شعر بغضب كاسح يتصاعد في روحه (هذي أخرتها يا حميّد.. هذي أخرتها!!)
أبو حمد ركب سيارته وتوجه لبيت حمد..
وجد الأبواب مفتوحة..
دخل ليجد حمد ممددا على كنبة في الصالة
وملابسه غارقة في الدم
أبو حمد ارتعب حين رآه لكن ذلك لم يمنعه أن يلكزه في كتفه:
من اللي سوى فيك كذا؟؟
حمد بصوت ضعيف: راكان..
أبو حمد بغضب: حجت يمين راكان أنا أشهد إنه رجّال..
والله ثم والله لو أني ماجيت وعينتك كذا
ما كان يفكك من يدي شيء
ثم أردف: فيك كسور؟؟
حمد بذات النبرة الضعيفة: لأ..
أبو حمد بقوة: قم أوديك للمستوصف.. وعقبها ورانا مشوار
حمد وهو يحاول الوقوف: أي مشوار؟؟
أبو حمد بثقة: المحكمة عشان تطلق موضي..
حمد برعب وهو يشعر بالجملة تنزل على رأسه كالصاعقة:
لا يبه تكفى.. كله ولا طلاق موضي..
أبيه وهو يسحبه للسيارة: ليه أنت متوقع إن عبدالله وإلا ولده بيخلونها عندك
عقب اللي أنت سويته فيها يا أسود الوجه..
حمد بعبرات مختنقة: كله منك يبه.. كله منك..
أنت السبب... أنت السبب
كل اللي فيني من سبتك
أبو حمد وهو يركب سيارته ويشغلها يقول له باستنكار:
أنا؟؟ ليه وأنا وش سويت؟؟
حمد بذات العبرة المختنقة: أنت كنت عارف إني عندي مشكلة
لكن بدل ما تعالجني ضربتني.. ضربتني لأنك تحبني
وأنا أضرب موضي لاني أحبها
هذي اللغة اللي أنت علمتني..
أبو حمد بغضب: أنا ماضربتك غير مرة وحدة لأنك كنت غلطان
لكن أنت لك سنين وأنت متوطي موضي
ماحشمت إنها بنت عمتك وبنت خالك
حمد بدأ بالبكاء وهو يقول: كله منك كله منك..
أبو حمد بغضب: إقطع يالخاسي بتبكي مثل النسوان..
حمد صمت وهو يطوي مرارته في ذاته
وأبو حمد صمت وهو يقود وتعود ذاكرته لحوالي 20 عاما مضت
كان حمد في الصف السادس الابتدائي
استدعته إدارة المدرسة
مدير المدرسة كان رجلا منفتحا
أخبر أبو حمد أن حمد يعاني من عنف غير مبرر
وأنه أكثر من مرة ضرب طلاب في الصف الأول الابتدائي ضربا مبرحا
وأخبره المدير أنه حجز لحمد موعدا في الصحة النفسية
حتى يتابع مواعيده هناك
فحمد يبدو أنه يعاني مرضا نفسيا يحتاج العلاج
وأنه من الأفضل أن يتداركوه قبل استفحاله
ولكن أبا حمد بأفكار مجتمعه المتغلغلة فيه رفض فكرة العلاج النفسي
وأرجع تصرفات حمد إلى أنه أفرط هو ونورة في دلاله
لأنه ابنهما الوحيد
فكان تصرفه أنه نقله لمدرسة أخرى
وعاد به للبيت وأغلق عليه باب غرفته
وضربه ضربا مبرحا
ونورة تسمع صراخ ابنها وتصرخ عند الباب
هذا الموقف عاش في روح حمد وتغلغل
يعرف أن والده يحبه.. لذا ضربه
والعلاج النفسي عيب
توقف عن إبداء أي تصرفات عنف
ولكنه أصبح متباعدا لا يعبر مطلقا عن مشاعره
حتى حينما جئن شقيقاته وهو في الرابعة عشرة
لم يشعر بشيء تجاههن
بل كان يتمنى أحيانا لو يضربهن
ولكنه يستحيل أن يفعلها
فهو لا يحبهن.. فلماذا يضربهن؟!!
حينما تزوج موضي
تدفقت مشاعره ناحيتها بعنف
ومع مشاعره تدفق عنفه
كلما ازداد حباً لها
كلما ازداد عنفاً معها!!!
وهاهو والده وسبب مشكلته
يريد أن ينحره
يريده أن يطلق المخلوقة الوحيدة التي ينتمي لها وتنتمي له
لذا كان سكناه في بيت وحده
كان يريدها أن تكون له وحده
حتى أهله لا يشاركونه فيها
وحتى لا يعلم أحد كيف يعبر عن حبه الغريب لها
بضربها!!
*************************
بيت مشعل بن محمد
الساعة 6 وربع صباحا
لطيفة اتصلت بمشاعل لتذهب إلى بيتها
حتى توقظ أولادها وتجهزهم للمدرسة
بيت لطيفة ملاصق لبيت أهلها وبينهما باب مفتوح
وترتيب بيوت آل مشعل على النحو التالي
بيت مشعل بن محمد أولا
بجواره منزل عمه عبدالله
ثم بيت محمد
ثم بيت فارس ملاصقا لبيت محمد
وبينها جميعا أبواب
ولكن كل الأبواب مغلقة لا تفتح إلا لحاجة
عدا الباب بين لطيفة وأهلها
لطيفة أخبرت مشاعل أنها مرضت في الليل لذا أخذها مشعل للمستشفى
وأنها تستطيع أخذ راحتها في البيت لأن مشعل معها
طلبت منها تجهيز الأولاد محمد وعبدالله ومريم للمدرسة
وستساعدها خادمة البيت الكبيرة التي ستأخذهم مع السائق للمدرسة
وبعدها تأخذ جود وتعود بها معها لبيت أهلها
مشاعل ارتدت جلالها وتوجهت لبيت لطيفة
مشعل لم يعرف عن ترتيب لطيفة هذا
لذا كان له ترتيب آخر
طلب من الخادمة أن تجهز الأولاد للمدرسة
واتصل بناصر ليحضر العنود ويأتي بها ليأخذان جود بعد أن يذهب أخوانها للمدرسة
ناصر أطل على العنود وجدها تدرس لامتحان سيكون المحاضرة الأولى
فقرر أن يذهب لوحده ويحضر جود بعد أن يتأكد من ذهاب أخوانها
ثم يتوجه لعمله
وهاهو ناصر يصل لبيت مشعل
في ذات وقت وصول مشاعل له
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:25 AM
أسى الهجران/ الجزء الثالث والثلاثون
بيت مشعل بن محمد
الساعة 6 وثلث صباحا
مشاعل وصلت
و دخلت من ناحية باب المطبخ الداخلي لأنه الأقرب للباب النافذ بين بيتهم وبيت لطيفة
وقتها كان ناصر يصل مع باب الصالة الرئيسي
ويتوجه للمطبخ الداخلي ليضغط جرس مناداة الخادمات من غرفتهن بجوار المطبخ الخارجي
تلاقيا
كان ناصر يدخل المطبخ
في الوقت الذي كانت مشاعل ترفع الجلال عن وجهها وشعرها
صُدمت صدمة حياتها برؤيته أمامها
وشعرت بارتعاشة خجل وخوف حادة تجتاحها
كانت تريد العودة وراءها
ولكنه لم يمهلها لتنفيذ مخططها
كان أسرع منها وهو يمسك ذراعها بقوة وحنان.. ويثبتها في مكانه
لم يكن ناصر يقصد سوءا مطلقا
حين رآها أمامه
شعر أن هذا اليوم فعلا هو يوم رضى والدته عليه وبركة دعائها له
أراد فقط أن يراها عن قرب
فهو شعر بارتعاشة ناعمة ومختلفة في ذات وقت رفعها للجلال عن وجهها
ورؤيته لشعرها القصير الناعم ينزل ليداعب عنقها بعذوبة مصفاة
فأراد أن يرى كيف هي ملامح هذا الملاك من قريب!!
ولكن ما فجعه هو نظرة الرعب التي ارتسمت على وجه ملاكه
لم يكن خوفا!!
لم يكن خجلا!!
كان رعبا صِرْفا!!
أفلتها وهو يقول لها بحرج: أنا آسف.. والله ماقصدت أضرش بشيء.. آسف
لم ترد عليه وهي تعود أدراجها راكضة
شعر ناصر بالألم.. بالكثير من الألم
يعلم أنه أخطأ في تصرفه..
ولكن ردة فعلها بدت له غير طبيعية أبداً
لم يعرف كيف يتصرف.. كيف يبرر
لم يجد أمامه غير سيدة المهمات الصعبة
أخته مريم
اتصل بها وأخبرها بكل شيء
مريم عاتبته مطولا
ناصر بضيق: والله العظيم إني داري إني غلطان
بس والله العظيم ماكان قصدي أضايقها
كنت أبي أشوفها بس..
مريم بضيق: مشاعل خجولة بزيادة.. بس خلاص لا تحاتي
أنا بأتصرف..
ناصر أغلق منها وصعد ليرى أبناء شقيقه ويأخذ جود..
ومريم أغلقت منه واتصلت فورا بمشاعل التي كانت وقتها في غرفتها
لم تكن تبكي
كانت مذهولة
مرعوبة
مصدومة
رن هاتفها.. كانت مريم
ردت عليها بجملة واحدة فقط:
خليه يطلقني.. ما أبيه..
********************
الساعة 8 صباحا
حمد ووالده يقفان أمام المحكمة الشرعية
حمد جسده مغطى بالضمادات
عانى والده في إقناع الطبيب حتى لا يتصل بالشرطة
وسكت في النهاية على مضض احتراما لسن أبي حمد ورجاءاته
حمد طوال الطريق يحاول إقناع والده بالتراجع عن فكرة الطلاق
ولكن أبا حمد كان مصرا
لأنه يعلم أنه لا أمل أن يوافق أحد على عودة موضي له
إن كان هو بنفسه لا يوافق على عودة ابنة شقيقته لإبنه.. فكيف بأهلها؟؟
يقفان أمام القاضي
بعد أن طلب أبو حمد من أحد الموظفين أن يأتي ليشهد معه على الطلاق
القاضي حاول أن يثني حمد عن فكرة الطلاق
وكان يريد تحويل قضيتهم لمركز الاستشارات العائلية على أمل الإصلاح كالعادة
ولكن أبا حمد همس في أذن القاضي بعدة عبارات جعلته ينظر لحمد شزرا بغضب
وبدأ بكتابة العقد..
أبو حمد بثقة وقوة قال للقاضي: طلاق بائن يا شيخ ثلاث طلقات محرمات
حمد فُجع.. كيف قرأ والده أفكاره..
فهو كان يفكر أن يطلقها طلقة واحدة ليسكتهم.. ثم يعيدها قبل نهاية فترة العدة
وستكون حينها قد شُفيت وأهلها خف غضبهم..
حمد همس لوالده بألم عميق: تكفى يبه تكفى طالبك.. طلقة وحدة..
عطني فرصة
والله بأعالج وأتغير..
أبو حمد همس له بغضب: أوص ولا كلمة..
تطلقها وأنت كلب ثلاث طلقات ذا الساعة..
والله ماعاد تعرفها ..دامك ما عرفت قيمة الجوهرة عندك
خلاص ما تستاهلها..
********************
ليل واشنطن
الليلة الأولى التي تقضيها هيا في بيت مشعل
الساعة 10 مساء
بعد غدائهما الصامت مع بعضهما
الذي تبادلا فيه النظرات فقط
نظرات دون كلام
نظرات لا معنى لها
ولها كل المعاني
رتبت هيا المطبخ وعادت لغرفتها
ترتب أغراضها فيها
ومشعل لم يخرج من غرفته حتى صلاة المغرب سمعت بابه يفتح
ولم يعد إلا بعد صلاة العشاء حوالي الساعة 9 وربع
الآن تقرر هيا الخروج من غرفتها
تريد أن ترى إن كان يريد عشاءً رغم أن هيا ذاتها غير متحمسة
للقيام بدور الزوجة المتفانية في خدمة زوجها
فهذا الدور لا يليق بها
وخصوصا مع مشعل بالذات
ولكن هيا يحضرها شيء واحد
أن مشعل كان الشيء الوحيد الذي وصتها به والدتها وهي تموت
وجدته في الصالة
يشاهد أخبار الجزيرة
الساعة في الدوحة الآن الثامنة صباحا
عشر ساعات تفصل بينهما
(وليتك تعلم يا مشعل أين إحدى أميراتك الأثيرات الآن
وكيف ظُلمت أختك وضُربت وأنت لا تعلم؟!
أنت الذي أردت أن تحميهن من هبوب النسيم
فإذا ضلوعهن تسحق
ليتك تعلم أن الثلاث كلهن يعانين هذه اللحظة
لطيفة
وموضي
ومشاعل
قلوبهن مجروحة .. مجروحة حتى النخاع
رحمك الله بالبعد يا مشعل!!)
هيا اقتربت منه بهدوء: مشعل تبي عشاء؟؟
مشعل نظر لها بتمعن (أشلون صغيرة ورقيقة.. لكن ليش لمت شعرها؟؟)
أجابها بهدوء: لا.. أنا وسعيد مرينا كوفي عقب صلاة العشاء وتقهوينا
ماني بمشتهي..
هيا هزت كتفيها وتوجهت عائدة لغرفتها
استوقفها مشعل: هيا
هيا التفتت عليه: نعم
مشعل بهدوء: اقعدي معي شوي..
هيا عادت وجلست بعيدا عنه، مشعل ابتسم: أنتي خايفة مني؟؟
هيا بحرج: لا.. ليش تقول كذا..
مشعل بنفس الابتسامة: شوفي وين قعدتي..
هيا قامت وجلست في كرسي أقرب..
مشعل بهدوء: سولفي لي عن دراستج بريطانيا..أي جامعة دخلتي؟؟ أنا أعرف بريطانيا عدل ولو أني ممنوع الحين من دخولها..
مشعل كان يريد فتح حوار معها.. وحاول أن يختار موضوع البدء بذكاء
لم يرد أي موضوع قد يفتح أيا من جروحها
وموضوع دراستها في بريطانيا قد يكون موضوعا مناسبا..
ولديه من الحكايات حولها الكثير..
******************
ناصر في مقر عمله في وكالة الأنباء القطرية..(العلاقات العامة)
كان في غاية التوتر من بعد موقفه مع مشاعل صباحا
وخصوصا أنه علم أن مريم توجهت لبيت عمها قبل ذهابها لعملها
لم يتوقع أن الموقف سيكون له كل هذه التبعات
نادم على تصرفه الأهوج
ولكن نيته كانت صافية
لم يرد مطلقا أن يؤذيها
أراد رؤيتها فقط
يتصل بمريم ولكن مريم لا ترد
بالتأكيد ناصر ليس عاشقا مثل فارس مثلا
ولكنه يحمل مشاعر رقيقة لمشاعل
مشاعر طبيعية بما أنها زوجته التي ارتبط اسمها باسمه
مشاعر شاب طبيعي يميل نحو نصفه الآخر ويتمنى قربه
أعاد الإتصال بمريم
وأخيرا ردت
ناصر بلهفة: مريم الله يهداش وهذا وأنا موصيش
مريم ابتسمت رغم أن داخلها غير مطمئن: خلاص يا ابن الحلال
حط في بطنك بطيخة وكبر مخدتك
ناصر ابتسم: يعني خلاص أتطمن إنها مهيب زعلانة
ابتسمت مريم رغم قلقها: إن شاء الله
وهي تستعيد ماحدث بينها وبين مشاعل قبل أكثر من ساعتين
الأمر الذي أثار قلقها على حياة ناصر ومشاعل معا..
**********************
غرفة موضي الساعة 11 صباحا
مشعل مر بهم صباحا ليرى إن كانت لطيفة تريد شيئا
وأحضر لهم بعض الاحتياجات الضرورية
ثم توجه لعمله حوالي الساعة الثامنة بعد أن اتصل بالسائق وأوصاه أن يعيد أولاده لبيت أهله
زائر يصل
صوته المتأثر يصل لطيفة من خلف الباب: لطيفة لطيفة
لطيفة قفزت وهي تقول باحترام: ادخل يبه
دخل.. قابلته لطيفة عند الباب.. وقبلت رأسه
دخل للداخل .. فُجع بمنظر موضي
بل الفجيعة كانت شعورا أقل بكثير مما شعر به
لم يتخيل أن وحشية ابنه وصلت لهذا الحد
شعر أن داخله يتمزق لمئات الشظايا
لطالما كان أبناء شقيقته مقربين منه
وخصوصا موضي بعد أن أصبحت زوجة ابنه
كانت دائما أشبه بنسمة رقيقة
فماذا فعل ابنه بهذه النسمة؟!!
أبو حمد بتأثر بالغ: ماتشوف شر
ثم استدرك بتأثر أشد: أم مشعل وخالتي أم محمد دروا؟؟ (هيا الكبيرة:خالته)
لطيفة بنفي: لا ماحد يدري إلا انا ومشعل
خايفة على أمي وإبي إذا دروا
أبو حمد بحزن: والله يا أبيش ما أدري وش أقول لش
الحكي مافيه فود.. والله مالي وجه.. قطع وجهي حميّد
لطيفة بتأثر: تكرم يبه ويكرم وجهك
أبو حمد أعطاها ظرفا بيده: هذا طلاق موضي قعدت فوق رأسي القاضي لين خلصه ووثقه..
وهذا شيك مني لبنتي موضي أدري فلوس الدنيا كلها ما تعوضها
بس خلها تعتبره هدية من إبيها الشيبه
وتعتبره بشارة مخلاصها من ولده
موضي تناولتهما وهي تقبل رأس خالها مرة أخرى وتقول بتأثر:
الطلاق وكثر الله خيرك.. جميلك ما ننساه جعل عمرك طويل
لكن الشيك جعلك سالم..(قالتها وهي تمزقه) ما نقبل العوض يا خالي
وعوضها في مخلاصها من حمد.. وأنت تكرم عنه وعن أفعاله..
خالها تأثر كثيرا وهو يحضنها ويقول:
أنا أشهد إنش بنت مشعل العود جعل عظامه الجنة
ثم التفت لموضي الغائبة عن الوعي وقبل رأسها فوق الضمادات
ثم ألتفت على لطيفة وقال لها بحزن: حمد حجزت له غصبا عنه
وهو قال بيسافر لمصر يعالج.. بس لا حد يدري بسالفة العلاج يا أبيش
وخلاص الحين هو رايح المطار بيسافر
ثم غادر أبو حمد
حينها قررت لطيفة أن تتصل بأمها ووالدها وفارس وتبلغهم
فحمد سافر بعد أن طلق موضي
وماعاد هناك شيء تخاف منه..
ولكن لنقل هناك شخصان تخشى مواجهتما في الدوحة عدا ساكن واشنطن
والدها
وفارس
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:29 AM
أسى الهجران/ الجزء الرابع والثلاثون
غرفة مشاعل
حوالي الساعة 7 إلا ربع
مريم وصلت.. شعرت بحرج شديد وسائقتها تدخلها
وهي تبرر سبب زيارتها المبكرة لجدتها وأم مشعل اللاتي كن عند قهوتهن في الصالة السفلية
لو كانت قالت أريد السلام على جدتي كان سيكون أمرا اعتياديا
ولكن ما يثير الريبة أنها أرادت رؤية مشاعل
الجدة أخذت الأمر على ظاهره
ولكن أم مشعل بنظرتها البعيدة علمت أن هناك شيئا ما..
لكنها سكتت وتركت سائقة مريم توصلها للأعلى
كانت مشاعل تجلس صامتة مذهولة
في قلبها رعب هائل من ناصر
فأفكار مرعبة جدا خطرت لها
أفكار عمقت خوفها من الزواج بشكل عام ومن ناصر بشكل خاص
مريم تدخل..
تتلقاها مشاعل بخجل..
والسائقة وقفت تنتظر عند الباب المغلق من الخارج
مريم بعتب: وش الكلام اللي قلتيه لي في التلفون؟؟
عرسش بعد شهرين وتجيبين طاري الطلاق
مشاعل بحزن: طبايع ناصر مهيب عاجبتني خلينا نتطلق وإحنا على البر..
مريم باستفسار ثم شرح: أي طبايع؟؟ ناصر ماكان يبي يضرش بشيء..
كان يبي يشوفش من قريب
وهو ما سوى شيء عيب وإلا حرام في الشرع
يمكن هو تصرف طايش شوي منه.. بس ناصر رجّال ما تطلع منه العيبة..
مشاعل بحزن: أمس يطالعني ويبحلق فيني وفارس قاعد جنبه
قلت ما عليه.. النظرة ماينلام عليها
بس اليوم يمسكني في بيت مشعل وماحد منهم موجود
وشو يعني أنتظر صدفة ثالثة يسوي فيني شيء يعني؟!!
مريم باستغراب: بصراحة أفكارش غريبة..
ناصر رجّالش.. وقبلها ولد عمش.. مستحيل يضرش بشيء
مشاعل لم تعد تحتمل وطأة أفكارها رمت نفسها على صدر مريم
وبدأت في الانخراط في كل البكاء المكتوم في صدرها
مريم انفجعت من ردة فعلها.. لكنها احتضنتها بحنان وهي تقول لها:
مشاعل الله يهداش.. ترا ردات الفعل عندش مبالغ فيها شويتين
مشاعل بهمس: خايفة يا مريم خايفة..
مريم باستغراب عميق: من ويش خايفة؟؟
مشاعل بعمق باكي: من ناصر ومن الزواج.. ومن الحياة الجاية كلها
مريم بحنان: والله العظيم مهوب عشان ناصر أخي.. بس ناصر مافيه مثله
طيب وحنون ومرن.. وقبل أي شيء رجّال صدق
وهذا هو حالته حالة.. خايف تكونين زعلانة منه.. وش تبين أرد عليه يعني؟؟
مشاعل بتردد: ما أدري.. ما أدري
**********************
واشنطن/ شقة مشعل بن عبدالله
قبل صلاة الفجر
البارحة بقي مشعل وهيا يتحدثان حتى حدود الساعة 11
لاحظ مشعل أنها غير راغبة بالحديث
شاردة حينا..ومتباعدة أحيانا كثيرة
لذا تركها تعود لغرفتها
وهو عاد لغرفته
والآن صحا من نومه منذ وقت
صلى تهجده.. وينتظر آذان الفجر
توجه للمطبخ يريد شرب ماء
سمع صوتا خافتا
كان صادرا من غرفة هيا
توجه للحجرة وأرهف السمع
كانت تبكي
بدا له أنها تنتحب وتحاول كتم شهقاتها
شعر بألم عميق
ولكنه احترم حقها في التعبير عن حزنها
توجه للمطبخ وشرب الماء.. وعاد
مازال الصوت مستمرا
لم يحتمل أن يتركها وهي على هذا الحال
أن يتركها تغرق في عوالم حزنها لوحدها دون مواساة
اقترب
لم يطرق الباب
شعر إن حدة الطرقات جارحة في مقاطعة حزنها
فتح الباب بخفة
كانت منكبة على سريرها تبكي وبجوارها صورة لها ولوالدتها
في حفل تخرجها من كوينز قبل عام
اقترب جلس إلى جوارها
فور شعورها بحركة جوارها رفعت رأسها
وهو يضع يده على ظهرها ويقول بحنان:
اطلبي لها الرحمة..
مشعل صُدم من ردة فعلها
فهي نهضت واستوت جالسة
ورمت بنفسها فوق صدره
وهي تنخرط في بكاء حاد
هيا حين وصلها مشعل
كان لها ساعات وهي تبكي
تعبت من البكاء والوحدة والوحشة
لو كانت رأت أيا كان في هذه اللحظة
لارتمت في حضنه
تحتاج أن تشعر بلمسة إنسانية حانية
وهاهو مشعل يقدمها لها
مشعل احتضنها بحنان
وهو مستغرب من اقترابها منها
فهي تبدو متباعدة وشحيحة جدا بأي مشاعر طيبة تجاهه
لطالما كان صدره ملاذا لشقيقاته الأربع
ويبدو أنه أُضيف لهن شقيقة خامسة!!!
ولكن لَمَ إحساسه برأسها المدفون في عرض صدره مختلف عن إحساسه بشقيقاته؟!!
لَمَ إحساسه بأنفاسها الدافئة التي تلفح عضلات صدره مختلف؟!!
لِمَ إحساسه بملمس شعرها الناعم تحت ذقنه مختلف؟!!!
هيا ابتعدت قليلا
وعيناها في الأرض وتقول بصوت مبحوح: أنا آسفة
مشعل تنحنح: ليش تعتذرين.. أنا اللي المفروض اعتذر أني دخلت بدون استئذان
بس ما قدرت اسمع صوتش تبكين وأخليش..
هيا تنهض وتقوم عن سريرها وتبتعد: أنا بأروح أتوضأ
************************
بعد صلاة الظهر
غرفة موضي/ مستشفى حمد
لطيفة اتصلت بوالدها وطلبت منه أن يحضر معه والدتها وأن يحضر فارس أيضا
ففارس لا يستطيع أن يقود السيارة حاليا مع إصابة كتفه
كان والدها وفارس أكثر شخصين تخشى مواجهتهما
ولو كان شقيقها مشعل هنا كان سيكون صاحب النصيب الأوفر من خوف المواجهة
لذا يكفيها الآن القلق من مواجهة الاثنين!!
وفعلا كانت على حق في قلقها
فوالدها وفارس ثارا ثورة هائلة وهما يريان وضع موضي
التي لم يكف الممرضات عن حقنها بالمهدئات حتى لا تشعر بالألم قبل أن تتحسن قليلا
كانت ثورة الاثنين أشبه بثورة بركان مرعب
ألقى كل حممه النارية خارجا
وكان على لطيفة تحمل كل هذه الثورة
وخصوصا وهي أخبرتهما بكل صراحة أن حمد يضرب موضي منذ سنوات
ولكنها أخبرتهما أنها ومشعل أصرا أنها سقطت عن الدرج
وهذا ما سيخبرونه لكل الناس
فارس لم يتوقف عن إجراء الاتصالات أراد التأكد أن حمداً سافر حقا
وليست مجرد محاولة من لطيفة لتهدئته وحماية ابن خالها
شعر بخيبة أمل مرة حادة وهو يتأكد من إقلاع طائرة حمد قبل نصف ساعة
كان يشعر بغضب كاسح وهو يرى أخته الأثيرة على هذا الوضع
بينما من فعل بها هذا هرب وهو لم يروي غليله منه
كان يريده أمامه ليمزقه تمزيقا ألف مرة
على كل دمعة ذرفتها موضي
على كل صفعة صفعها إياه
على كل قطرة دم أراقها من جسدها
لطيفة بهدوء: يبه أنت وفارس الله يهداكم
حمد طلق موضي خلاص
وراكان ماقصر فيه
ضربه لين الله شاف له
وهذا هو راح في طريقه
وأنا طالبتكم ما حد يوجع خالي بالحكي
خالي ماله ذنب.. ولا قصر
من الصبح جاب لي ورقة طلاق موضي موثقة..
والمسكين متفشل من ولده وغصبه على الطلاق
واللي فيه يكفيه..
كانت أم مشعل تسمع وتتمزق
ماتراه في ابنتها نحرها
كانت تشعر بعذاب موضي منذ زمن
هي أيضا مسؤولة.. مسؤولة
لطالما اكتفت أن تقوم بدور الام الحنون فقط
وتركت التصرف كله لعبدالله بقوة شخصيته وحضوره المسيطر
كان إتخاذ المواقف الحاسمة يوترها
وترى أنها زرعت جزءا من هذه الصفة في بناتها
لطالما شعرت أن بناتها الثلاث الكبريات ينقصهن القدرة على اتخاذ الموقف الحاسم في الوقت الصحيح
لأنها ربتهن أن يفضلن الجميع على أنفسهن
كانت أم مشعل تعلم بمشاكل بناتها الثلاث وهي صامتة
لطيفة تعلم أن مشعل متباعد عنها
ولكنها عجزت عن مواجهته لنسف البرود المتجذر بينهما
وموضي كانت تعلم أن حمد يؤذيها بطريقة ما
وإن كانت لم تتصور أنها وصلت للضرب
ولكنها تعلم أنها صبرت عليه حفاظا على مشاعر كل الناس إلا هي..
ومشاعل.. ماذا تخبئ الأيام لها؟؟..
تعلم أنها خجولة جدا ومرعوبة من فكرة الزواج..
فهل ستستطيع مواجهة خوفها قبل فوات الأوان؟؟
هذه هي الأفكار التي كانت تغرق أم مشعل في دواماتها
وهي تنفصل عن الحوار الحاد الذي يدور بين لطيفة وعبدالله وفارس
دون أن تنتبه إن كبرى بناتها بدأت بالتخلي عن إرثها لها (إرث المهادنة)
فلطيفة حضرت روحها المقاتلة
وهي غير مستعدة للتفريط بها مهما حدث!!!
ولكنها روح غلفتها بكل تهذيبها الرفيع
واحترامها الكبير لوالدها وأخيها
******************
الصباح الباكر/ واشنطن
مشعل ارتدى ملابسه
وأعد لنفسه كوبا من القهوة
هاهو يشربه في غرفته وهو يجهز أوراقه وحاسوبه
ليتوجه للمكتبة كعادته
قطع إنهماكه في عمله صوتها
كانت تقف أمام الباب المفتوح من الخارج
سألته بتوتر غامض: بتروح الجامعة الحين؟؟ بدري
ابتسم: تعودت.. عشان أستغل النهار من أوله.. وخير النهار البكور
هيا بنبرة اعتيادية: أنا عندي محاضرة الساعة 10
باص أي ساعة أخذ؟؟
مشعل بهدوء: أنا بأرجع بأوديش..
هيا برفض: لا أنا بأروح بروحي.. مافيه داعي ترجع
مشعل بثقة وعند: خلاص يا بنت الحلال أنا قلت بأرجع أوديش..
أنتي قبل كنتي تروحين مشي..
بس الحين أنا مسؤول عنش وماراح أخليش تلتهين في الباصات
هيا بنبرة غضب خفيفة: مشعل أنت ناسي إني لي كم سنة أنا أصرف أموري
مشعل ينهي كوبه ويضعه على الطاولة ويقول بهدوء: هذاك أول..
الحين أنتي مرتي ومسؤولة مني..
كانت هيا مرهقة وتريد أن تعود لتنام قليلا قبل محاضرتها
فهي لم تنم منذ دخلت هذا البيت.. لذا صمتت ليس لأنها مقتنعة
ولكن لأنها لا رغبة لها في الحديث الآن.. وقررت تأجيله لوقت لاحق
**************************
الساعة 8 مساء
غرفة موضي في المستشفى
مازالت موضي لم تفق بعد
وهي تُحقن بالمهدئات بشكل مستمر
عندها لطيفة ومشاعل وأم مشعل
يصل عامل التسليم ويطرق الباب الخارجي
تلبس لطيفة نقابها وتخرج
كانت باقة ورد ضخمة كُتب عليها:
"ألف حمدا لله على سلامتكِ
خطاكِ الشر
أخوكِ الأكبر
مشعل بن محمد"
توترت لطيفة نوعا ما
أمها تسأل: من؟؟
لطيفة بهدوء: مشعل مرسل ورد..
أمها بذات الهدوء: إذا جاء رجالش روحي معه..
لطيفة برفض: لا يمه بأقعد عند موضي
أمها باستنكار: وعيالش منهم في ضوه؟؟ (جملة تعني من سيهتم بهم)
من البارحة ما تدرين عنهم
وأنا ومشاعل ما عندنا شغل
وحدة منا بتقعد عندها والثانية بترجع البيت مع عبدالله إذا جاء عقب شوي
بعد دقائق طرقات واثقة على الباب
تلاه صوت مشعل عند الباب دون أن يدخل:
الحمدلله على سلامة موضي يمه..
أم مشعل بهدوء: الله يسلمك يا أبو محمد.. جعلك ما تزار
وكثر الله خيرك.. وجعل شيبانك الجنة
أنت ولطيفة وماقصرتوا.. إخذ مرتك وروحوا لبيتكم
لطيفة على قعدتها من البارحة
مشعل بهدوء وهو واقف عند الباب ولا يرى أحدا منهم لأن الستارة ممتدة بينهم:
هاه لطيفة تروحين؟؟
أمها تأشر لها أن تذهب، فردت على مضض: إن شاء الله جايتك
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:34 AM
أسى الهجران/ الجزء الخامس والثلاثون
الممر أمام غرفة موضي
الساعة 8 وربع
لطيفة تخرج لمشعل الذي ينتظرها خارجا
مازال يوجه لها الحديث دون أن ينظر لها:
تحبين تنتظرين عند موضي لين أجيب السيارة عند الباب وتنزلين علي
أو بتروحين معي للمواقف؟؟
لطيفة بهدوء: بأروح معك..
مشعل ببرود: يالله امشي..
خرجا متوجهين للمواقف دون أن يتبادلا أي حوار حتى وصلا السيارة
وركبا..
تحركت السيارة..
مشعل بهدوء وعيناه مثبتتان على الطريق كيديه المتمسكتين بقوة بالمقود:
أظني إنش عارفة إني مابعد حاسبتش على إنش دسيتي علي إن حمد يضرب موضي..
لطيفة بذات هدوءه: ما يهمني حسابك ولا أي شيء بتسويه
مشعل ألتفت عليها بقوة لدرجة إنه توازن السيارة اهتز وهو يقول بنبرة غضب: نعم؟؟
لطيفة دون أن يهتز منها شعرة: اللي سمعته.. أنا موجوعة يا مشعل موجوعة
موجوعة من قبل.. واللي شفته في موضي نحرني
وش بتسوي فيني زود؟؟
أنا ما أحتاج حد يحاسبني..لأني حاسبت روحي..
لو حتى تجيب سكين وتقطعني ماراح أحس بألم..
لأن خلاياي كلها غرقانة ألم وندم..
صمت مشعل.. كان مبهوتا.. مصعوقا
لم يتخيل يوما أن لطيفة لديها هذا الاسلوب القوي في التعبير عن مشاعرها وأفكارها..
استطاعت سحب كل مشاعره السلبية بعدة جمل
كان غاضبا جدا عليها
فإذا مشاعره تنقلب
ولكنه مع ذلك رد عليها: كان ممكن إنش توفرين ذا الألم على نفسش
وعلى أختش..لو إنش بلغتي حد فينا..
أنتي أختها الكبيرة.. شفتيها صبرت عليه شهر شهرين سنة سنتين
خلاص كفاية كذا..
وبعدين أنتي عارفة إن الضرب عمره ماكان أسلوب حد منا
أشلون رضيتي أختش تعيش في ذل ضرب حمد..
لطيفة بحزن: حمد كان يموت في التراب اللي تمشي عليه موضي..
كان عندي أمل أنه حاله بينصلح يوم دامه يحبها ذا الحب كله..
مشعل بدأ يغضب: يعني أنتي مستعدة تعيشين معي وتتحملين وأنا اضربش
عشاني أحبش وبس..
لطيفة بهدوء مدروس بارد: إذا موضي استحملت ضرب حمد وهو يحبها
فأنا استحملت برودك وأنت ما تحبني..
يعني لا تقلل من قيمة تحملي لك لأنه فوق ما تتخيل!!
وقتها كان مشعل يفتح الباب الخارجي بجهاز التحكم
ويُدخل سيارته ويقف في موقفه الداخلي ويلتفت عليها ويقول بنبرة غامضة:
يعني أنتي الحين متحملتني؟؟
لطيفة وهي تفتح بابها وتنزل: مستحملتك لحد ما تتزوج..
وعقبها خلاص
ماعاد لك أي حق عندي وأكون كفيت ووفيت..
شعر مشعل برغبة عارمة أن يوقفها.. يجذبها لصدره المشتاق لها ..يحتضنها ويقول لها:
تحمليني العمر كله
لأني ماني بمتزوج أبد
لأني..
لأني.....
لأني..........
"كم هو صعبٌ على كبرياءه اعترافه بمشاعره حتى لنفسه!!!"
************************
المقهى بالقرب من جورج تاون
الساعة 12 ظهرا
هيا وباكينام تصلان المقهى
هيا يبدو عليها الإرهاق عكس إشراق باكينام
باكينام بقلق وهما تجلسان: هيا حبيبتي .. مالك؟؟
هيا بتعب: مافيني شيء مرهقة شوي بس.. ما نمت نهائي..
باكينام بذات القلق: كده مش كويس عليكي
لازم تهتمي بنفسك شوية
ثم أردفت باهتمام: ومشعل مش مهتم فيكي وإلا إيه؟؟
هيا بنبرة محايدة: مشعل ما يقصر..
باكينام بنبرة خاصة: وهو عامل معاكي ايه؟؟
هيا بذات النبرة المحايدة: مثل ما قلت لج مايقصر..
باكينام تبتسم: إيه حكاية قصر طول دي.. إذا ما كنتيش واخدة بالك يعني
مشعل ده يهوس بره وجوه.. ستايله وشخصيته تجنن..
يمكن أنتي اتجوزتيه غصبا عنك
بس الغصب ده من بركة دعاء ماما حصة ليكي
اعرفي ئيمة الراقل وما تطفشيهوش..
هيا ابتسمت بالغصب: تدرين إنج متفرغة..
باكينام تضحك: يارب ابعت لي بس.
وهم تتحاوران اقتربت منهما النادلة وابتسمت باحترام: ماذا تشربن آنساتي؟؟
باكينام نظرت إليها وابتسمت: أين النادل الآخر؟؟
الفتاة بابتسامة: أيهم؟؟
باكينام وهي تضحك: الأسمر الوسيم..
الفتاة تنهدت بعمق: أوووه جو الوسيم.. إنه في المدرسة اليوم؟؟
ضحكت باكينام وهي تهمس لهيا: البت هتسيح في مكانها
وأكيد المستر جو في مدرسة محو الأمية زي كل المكسيكان اللي هنا
(جو اختصار جوزيف.. واختصار اسم آخر آخر رديف!!!!)
كثير من اللاتينين المهاجرين لأمريكا يدرسون في مدارس مسائية حكومية لتعليمهم المناهج الأمريكية
*************************
غرفة موضي
الساعة 10 مساء
مشاعل من أصرت أن تبقى مع شقيقتها
ووالدتها غادرت مع عبدالله من أجل أم محمد وولديها الصغيرين: سلطان وريم
كانت مشاعل تنظر لموضي بجسدها المغطى بالضمادات
وتشعر أنها تختنق
وأن روحها تنزف وجعا لا نهائيا
تشعر بألم مرٍّ يتسلق روحها
ويغرس رماحه.. ليتجذر في أعمق أعماق روحها الشفافة
أخبروها أن موضي سقطت عن الدرج وهي تحمل حقيبتها بعد أن طلقها حمد
(هل يعتقدون أني غبية أو طفلة؟؟!!)
مشاعل علمت أن مافي موضي هو من ضرب حمد لها
شعرت بحقد عميق على حمد
وخوف متزايد من ناصر
(هل يعقل أن يفعل ناصر بي يوما مافعله حمد بموضي؟!
يضربني ويمتهن إنسانيتي؟!!
أو حتى يتعامل معي كجسد لتلبية رغباته دون أي حب كمشعل ولطيفة؟؟!!
أي أن أعاني القهر في كلا الحالتين!!
لا أريد الزواج.. لا أريد
لا أريد أن أكون لرجل يهينني جسدا أو روحا
لمن أشكو؟؟ لمن أتوجه؟!
من سيفهمني؟!!
الكل يمدح ناصر.. لن يتفهم أحد مخاوفي!!
يا آلهي.. يا آلهي
خائفة.. خائفة
ماذا تخبئ لي الأيام؟!!)
*************************
مابعد منتصف الليل
غرفة فارس
مازال فارس ساهرا
ويبدو أن سهرته ستطول
شعور مر يجتاحه
شعور بالخديعة والقهر والغبن
عاجز عن إغلاق عينيه
فكلما حاول إغلاقهما تعلقت صورة موضي بأهدابه
صورتها والضمادات البيضاء تغطيها
كأنها حمامة بيضاء مهيضة الجناح
عاجز عن تخيل كيف تجرأ حمد على ضربها طوال هذه السنوات
تحت أنظارهم وأنوفهم وهي تعاني وتتعذب وهم لا يعلمون
كيف تجرأ ذلك الحقير المسمى حمد على خدش جوهرته
وإهانتها والتطاول على كرامتها وجسدها
كلما استعاد هذه الأفكار وجد نفسه يغلي من الغضب
يكاد يكسر يديه من عصرهما غضبا
(أشلون يجي له قلب يمد يده عليها؟!
أشلون وصلت حقارته يهين بنت عمته وبنت خاله في نفس الوقت!!)
" وأنت يافارس ماذا تسمي ما تنوي عمله
بالعنود ابنة عمك؟؟!!"
(لا لا
أنا مستحيل أهين مره أو أمد يدي عليها
لكني بأعرف أشلون أنتقم منها على طريقتي أنا!!)
****************************
الساحة المقابلة لكلية الإدارة
جامعة جورج تاون
الساعة 4 عصرا
هيا تتوجه للساحة حيث اتفقت مع مشعل على الإلتقاء هناك
ليعودا للبيت
هيا وهي تقترب رأت شخصا يقف مع مشعل
ويوجه الحديث له باهتمام
بل كانت ملامح الشخص الآخر تكاد تذوب ولهاً
وهي تلتقط كل حرف ينطق به مشعل باهتمام
شعور غريب اكتسح هيا
فالشخص الآخر كان قنبلة ذرية بكل المقاييس
سمراء لاتينية بشعر أشقر وعينين عسليتين
فتنة متجسدة في كل تفصيل من تفاصيل وجهها وجسدها
شعرت هيا بشعور أشبه بغضبٍ غريب
اقتربت وسلمت ببرود
مشعل ابتسم لهيا وهو يعرفها على محدثته: دكتورة باتريشيا من كولومبيا
أستاذة زائرة هذا الفصل..ولديها اهتمام شاسع بالقضايا العربية
هيا حاولت أن تدفن أحاسيسها التي هي استغربتها
وهي تبتسم وتقول: تشرفنا دكتورة باتريشيا
ولكن الكولومبية الحسناء لم تستطع الابتسام وهي تقول:
تشرفنا.. لم نتعرف بكِ؟؟
مشعل بهدوء: هذه زوجتي هيا..
لم يفت هيا مطلقا انقلاب ملامح الدكتورة التي تجاهلتها وهي توجه خطابها لمشعل:
لم تخبرني سابقا أنك متزوج.. كما أنك لا ترتدي خاتما في يدك
مشعل بدأ يشعر بالغضب من الدكتورة التي شعر أن في أسئلتها رائحة فضول غير مريحة:
أنا تزوجت منذ أيام.. ونحن في ديننا وعاداتنا لا نرتدي الخواتم
الدكتورة بنبرة سخرية: وهي أيضا لن ترتدي خاتما؟؟
مشعل بنبرة غضب: هي اسمها هيا ونحن متوجهان الآن لشراء خاتم لها إذا سمحتي لنا..
مشعل قال جملته وأمسك يد هيا التي بقيت صامتة وهي تشعر بغضب يتصاعد في روحها ليغادر بها
في الوقت الذي هتفت به الدكتورة وهي تمنحه ابتسامة رائعة:
تهاني لكما معا...ولا تنسَ احضار ماطلبته منك أرجوك..
ما أن ابتعدا قليلا حتى انتزعت هيا يدها من يده
مشعل لم يستغرب موقفها..
بل استغرب أصلا أنها سمحت له بمسك يدها طوال هذه الفترة ولم تنتزعها قبلا
مشعل لم يعرف بعد مشاعر الأنثى العصية التفسير..
مشاعر التملك
فهيا شعرت بالخطر من هذه الحسناء
وأرادت أن تثبت لها أن مشعل ملكها.. لها هي فقط
لذا تركت يدها له..
فالأنثى تفهم الأنثى..
وعرفت أن حجة الدكتورة واهتمامها بالقضايا العربية ليس أكثر من اهتمام بمشعل شخصيا
هذا الشيء قرأته بوضوح في نظرة عيني باتريشيا
النظرة التي توجه دعوة مفتوحة فاضحة ربما لم يلحظها مشعل بتدينه وتهذيبه
ولكنها لم تفت أنثى مثلها!!
فور ركوبهم السيارة.. هيا سألت مشعل بلهجة حاولت أن تكون اعتيادية جدا:
من متى تعرف الدكتورة؟؟
مشعل بلهجة اعتيادية فعلا وليس اصطناعا: شفتها عند مشرفي قبل حوالي شهر
ولما عرفت إني عربي.. قالت إنها مهتمة بالقضايا العربية واللغة العربية
خذت رقم تلفوني..وطلبت مني أجيب لها كتب عربية..
والحين بعد طالبة مني كتب بعد..
هيا بذات اللهجة الاعتيادية المصنوعة: أمممممم بس مهيب صغيرة على أنها دكتورة؟!!
مشعل بلهجته الاعتيادية الفعلية: ما اهتميت ولا سألت..
سكتت هيا لأنها لا تستطيع قول المزيد
ولا تستطيع تفسير شعور الغضب الغريب الذي اكتسحها
ما تعرفه أن مشعل زوجها
ولا يرضيها مطلقا أن يكون محط أنظار أي امرأة أخرى
هيا كانت غارقة في هذه الأفكار فلم تنتبه إلى أين أخذها مشعل
الذي لم يبتعد عن منطقة جورج تاون بل دخل في عمقها
حتى توقف عند محل معين يحتل قلب جورج تاون..
هيا انتبهت أن السيارة توقفت.. استغربت مكان توقفها: ليش وقفنا هنا؟
مشعل ابتسم: انزلي وأقول لش داخل
هيا دخلت ومشعل يقول لها بعذوبة: هذا أتيليه كارنيس..
أحسن ناس يسوون دبل ألماس في واشنطن.. اختاري على ذوقش اللي تبينه
هيا بحرج: مشعل أرجوك لا تحرجني..
مشعل ابتسم: أنا واحد غشيم في ذا السوالف..
أختي موضي هي اللي سألتني أمس لو كنت شريت لش دبلة على الأقل
وعلى فكرة ترا من يوم عقد زواجنا في السفارة خذت رقم حسابش منهم
وحطيت مهرش فيه قبل أمس..بس ماصارت فرصة أقول لش..
هيا تشعر بحرج شديد: مشعل ليش تسوي كذا؟؟
مشعل بابتسامة: وش سويت؟؟ ليه تبين تتزوجين بدون مهر..
أنتي بنت سلطان بن مشعل.. منتي بأي وحدة...
هيا بخجل: بس أنت ماخذتني برضاك عشان تسوي ذا كله..
مشعل بغضب: والله العظيم لو سمعتش تعيدين ذا الكلام مرة ثانية
بيكون لي تصرف ثاني معش..
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:37 AM
أسى الهجران/ الجزء السادس والثلاثون
مضى شهر على الأحداث الأخيرة
وأصبحنا في أواخر شهر نوفمبر
تبقى حوالي 20 يوم على عودة مشعل للدوحة
وحوالي شهر على زواج ناصر وفارس
موضي خرجت من المستشفى بعد حوالي أسبوع من حادثتها
طابت الكثير من رضوضها بقي فقط الجبس في يدها اليسار المكسورة كسرين
أخبروا الجميع أنها سقطت من الدرج بعد طلاق حمد لها
وهي تحمل حقيبتها عائدة لبيت أهلها
لا أحد يعلم بالحقيقة عدا لطيفة ومشعل وراكان وعبدالله وفارس وأم مشعل
ومشاعل التي عرفت لوحدها
حتى مشعل أخبروه فقط أنها طُلقت
وأخبروه أنها مصابة برضوض بسيطة
وكانت موضي هي من اتصلت فيه بنفسها وأبلغته
حتى يطمئن حين يسمع صوتها
موضي تحاول أن تبين للجميع أنها بخير
وتبدي الكثير من المرح لكل من حولها
ولكن كسرها الداخلي العميق لم يخفَ على ثلاثة أشخاص
لطيفة ومشاعل وفارس
موضي كانت مجروحة بعمق..
فحمد حطم روحها وثقتها بنفسها وأنوثتها وإنسانيتها
مشعل ولطيفة
مازال الحال كما هو عليه
يلعبان لعبة الفأر والقط
بين كر وفر
لا وجود لأي تلامس جسدي بينهما ولا حتى في أدنى حدوده
فلطيفة تحاول جاهدة ألا تقترب منه حتى
ومشعل يستحيل أن يتنازل ويكون هو من يقترب لا روحيا ولا جسديا
معاناتهما تتعمق واشتياق كل منهما للآخر يتجذر
ولكن لطيفة مجروحة منه
ومشعل يمنعه كبرياءه من الإعتذار
ومازالا عاجزين عن التوصل لمنطقة الوسط
وخصوصا إن لطيفة مقتنعة أنه سيتزوج
ومشعل لا يبذل أي جهد لإلغاء هذه الفكرة من رأسها
مشعل وهيا
الزوجان الجديدان
أو لنقل رفيقا السكن بمصطلح أفضل
فهما هكذا
رفيقا سكن لطيفان!!
مازالا في طور تعرف كل منهما على الآخر
فكل منهما يبدو للآخر كلغز عصي على الحل والتفسير
فردات فعلهما غير متوقعة
وبينهما تدور مشاعر كثيفة غير مفهومة
خليط من الاستلطاف والإعجاب والغيرة
هيا اكتشفت أنها تغار عليه بجنون من كل النساء
وخصوصا من المدعوة باتريشيا
في أحيان كثيرة حين يرن هاتفه ويكون غير موجود
وتكون باتريشيا هي المتصلة
تقوم بمسح الاتصال من القائمة حتى لا يعيد الاتصال بها
حين تفعل ذلك تحس بالغرابة
(لِمَ أفعل ذلك؟!)
ولكنها تعجز عن الإجابة على تساؤلها!!
مشعل معجب بها وبعمق..
ولكن يضايقه عنادها غير المفهوم.. ولكنه لا يستطيع أن يقسى عليها
اكتشف أنها تعرف الكثير عن عائلته من حكايات والدها
ولكن معلوماتها تحتاج فقط لتحديث قام به مشعل
وهي الآن في غاية التوتر من لقاء بقية أسرتها بعد أسابيع معدودة
رغم أنه انكسر حاجز خوف كبير لأنهم يقومون بمهاتفتها بشكل دائم
فارس العاشق المتجبر
مازال عاشقا ومتجبرا!!
لم يرَ العنود أو يسمع صوتها منذ المرة الأخيرة قبل أكثر من شهر
يشعر بشوق قاتل لها
رنين صوتها لا يفارق أذنه
وملامحها سكنت خياله
وحقده لم يتغير عليها!!!
العنود
تتجهز لعرسها القريب
لطيفة غالبا هي المرافقة التي تأخذ العروسين معا
العنود ومشاعل
وشتان بين حماسة العنود وفتور مشاعل الذي كان يحز في أعماق لطيفة بوحشية
فمشاعل مع اقتراب موعد زفافها يزداد توترها وهواجسها
وخوفها!!!
ناصر
الحال كما الحال
بين عمله وأهله و تدريبات الفروسية
تبلورت فكرة اعتزال السباقات الرسمية في باله
ولكن رئيس الفريق يطلب منه تأجيلها قليلا
راكان
بين عمله والرماية والشطرنج
والبطولات والميداليات
والحزن المقيم في قلبه دون تفسير!!!
مريم
الحال كما الحال
القلب الحنون الذي يحتضن الجميع
النور المطفئ الذي ينير للجميع
اهتمامها الأكثر حاليا هو بمشاعل
تحاول إزالة الإفكار السلبية من رأسها عن الزواج بشكل عام
وعن ناصر بشكل خاص
حمد لم يعد من مصر
والدته لم تعرف بضربه لموضي
تألمت كثيرا للطلاق وتتألم أكثر لغياب حمد
والتوأم الثلاثي لاهيات في عوالمهن الخاصة ومدرستهن
باكينام
بين دراستها وهيا
ومقهى جو الوسيم
الذي ألمح لها أكثر من مرة أنه يريد مقابلتها بعد عمله
لكنها كانت تقطع تلميحه بذكاء
فآخر ماتريده هي علاقة من أي نوع
مع شخص ليس من مستواها المادي أو الفكري
*************************
واشنطن
الساعة 9 صباحا
يوم الأحد
يوم سكون واشنطن الأسبوعي
مشعل لم ينم بعد صلاة الفجر
وهو يعمل على أطروحته
الجو بارد جدا خارجا
ولا يفكر أن يخرج من البيت رغم أن سعيد هاتفه الآن
و يصر أن يقابله لموضوع مهم كما يقول
لذا عرض على سعيد أن يزوره في البيت
ويريد أن يخبر هيا حتى لا تخرج من غرفتها
ولكنها لم تخرج منها بعد
لذا قرر أن يطل عليها
رغم أنه محرج من دخوله لغرفتها
فهي مطلقا لا توحي له بأي نوع من الترحيب
وهو لا يستطيع أن يغامر بإبداء أي محاولة تقرب قد ترد عليها برفض له
والرفض سيكون مهينا لكبرياءه لأبعد حد
مشعل يطرق باب غرفتها بهدوء
لا رد
يفتح مشعل الباب بهدوء
صدمه بعمق عذوبة منظرها ورقتها وهي نائمة
وشعرها الطويل متناثر حولها
اقترب قليلا
تمنى لو يستطيع لمس خدها.. احتضان شعرها بين أنامله
استنشاق عطرها الرقيق
تنهد بعمق وهو يبعد أفكاره التي جرحته بعمقها وعنفوانها
وهو يتذكر أن سعيد على وصول
همس وهو يبتعد قليلا: هيا.. هيا
هيا فتحت عينيها ببطء وهي تقول باستغراب: نعم مشعل
مشعل بهدوء: سعيد بيجيني الحين.. يقول يبيني ضروري
خليش في الغرفة لين يروح
هيا وهي تجلس وتلم شعرها وتقول بحرج: إن شاء الله
(أكيد شكلي يفشل!!)
مشعل خرج ومع خروجه رن جرس الباب
ابتسم مشعل (نعنبو هذا شكله كان يكلمني وهو تحت)
فتح الباب ورحب بسعيد الذي بدا متوترا على غير العادة
جلسا.. شعر مشعل بتغير سعيد قال له بقلق: وش فيك سعيد؟؟
محتاج فلوس يا أخيك ترا الجيب واحد جعلني ماخلا منك
سعيد ابتسم رغم توتره: لا جعلني ماخلا منك.. الخير واجد
أنا أبي منك شيء أغلى من الفلوس إلا لو أنا ما أستاهل
مشعل ابتسم: أفا عليك.. العين ترخص لك
سعيد تشجع: أنا كنت أكلم هلي قبل ساعة..
والوالدة قالت لي إن أختك تطلقت.. لا تستعجل وتعصب علي
خلني أكمل
أنا ما أبي حد يسبقني لأنه واجد يبون آل مشعل يكونون خوال عيالهم..
أنت عارف أن ذا الفصل آخر فصل لي
وراجع عقب شهرين للدوحة نهائي
بتكون هي خلصت عدتها....
تزوجوني؟؟؟
************************
ذات اليوم يوم الأحد
الساعة 12 ليلا
بيت عبدالله بن مشعل
غرفة موضي
مشاعل وموضي ساهرتان
موضي تسند ظهرها لرأس السرير ويدها المجبرة جوارها
بعد أن وضع لها الطبيب مؤخرا جبيرة خفيفة
ومشاعل تضع رأسها على على فخذ موضي
وموضي تداعب شعرها بيدها السليمة
وتقول وهي تبتسم: ياحظه ناصر بذا الشعر
بس بيقول خليني ألعب فيه.. ملمسه يونس ماشاء الله
توترت مشاعل من مجرد تفكيرها بلمس ناصر لشعرها
ولكنها لم ترد أن تشغل موضي بتوترها ومخاوفها
فما في موضي يكفيها.. لذا حاولت أن ترد بمرح:
والله شعرش هو اللي ماعليه زود
بس طايل واجد ويبي ترتيب.. منتي بناوية تعدلين قصته؟؟
موضي ابتسمت ابتسامة باهتة: مالي نفس أقصه.. خليه.. لويش أقصه؟؟
مشاعل بنعومة: تقصينه عشان نفسش ونفسيتش..
شوفي لطيفة ماشاء الله عليها مع إنشغالها بعيالها ودراستها إلا أنها مهتمة بنفسها
وأنتي أصلا كنتي أكثر وحدة تحب تكشخ فينا..
موضي بنفس الابتسامة الباهتة: لطيفة حلوة يحق لها تتعدل..
بس وحدة مثلي ليش تتعدل..
ثم أكملت بغصة كأنها تحادث روحها: تدرين إن حمد كان دايما يعايرني بلطيفة
يقول ماحد حظيظ غير مشعل.. خذ المزيونة اللي تجيب عيال
مشاعل قامت عن فخذ موضي وهي تهتف بانفعال: أنتي ماعليش قاصر
لا تخلين حمد الحيوان يهز ثقتش بنفسش
ماشاء عليش موضي أنتي الواحد مايشبع من شوفة وجهش
مابعد شفت حد فيه ملح وجاذبية مثلش..
موضي تقرص خد مشاعل وتقول بحنان:
شكرا على المجاملة ماي ليتل سيستر
************************
المقهى بالقرب من جورج تاون
اليوم الأحد
فلايوجد طلاب
وعدد الرواد قليل
باكينام تجلس وهي تضع دفترها على الطاولة
كانت تريد أن تتناول إفطارها
ثم تتوجه لزيارة هيا
جاءها جو .. فكل العاملين أصبحوا يعرفون أنها لا تريد أن يخدمها سواه
وجو يريد أن يكون الوحيد الذي يكلمها
اقترب جو بابتسامته المعتادة: صباح الخير آنسة باكي..
وهو يصب لها بعض الماء في الكأس الخالي أمامها
باكي ترد ابتسامته بابتسامة شديدة العذوبة: صباح الخير جو..
كيف أخبار مدرستك.. إذا كنت تحتاج مساعدة أنا مستعدة؟؟
ابتسم جو : أي مساعدة؟؟
باكينام بمرح: في المدرسة..
ضحك جو ضحكة قصيرة: قد أسألك أنا إن كنتي أنتي تحتاجين للمساعدة في المدرسة..
ضحكت باكينام: ولكني ماجستير ولست في مدرسة وأنت تعلم..
ابتسم لها جو ابتسامة لم تخلُ من سخرية:
آنسة باكي هنا في اللهجة الأمريكية حتى الجامعة تُسمى مدرسة
وبما أنك طالبة ماجستير.. وأنا طالب دكتوراة..
فربما كنتِ أنتِ من تحتاجين مساعدة؟؟
وقتها كانت باكينام تشرب من كأس الماء الذي صبه جو لها
شرقت وكحت وكلماتها تخرج متناثرة من الحرج
وهي تشعر أنها خُدعت واُستهين بذكائها وأنها بدت بمنظر الغبية
الأمر الذي أغضبها كثيراً : دكـ ـتـ و ر اة؟؟
جو ارتعب وهو يميل عليها ويحاول أن يمسح وجهها بالمناديل الورقية
ويقول بقلق: سلامتك..سلامتك.. خدي نفس.. خدي نفس
(كان يقولها باللهجة المصرية القاهرية الصميمة!!!)
***************************
ذات الليلة
بيت مشعل بن محمد
الساعة 10 مساء
لطيفة تدرس بعد أن نام أطفالها
وفي ذات الوقت تترقب عودة مشعل
الذي لم يعد يتأخر مطلقا في العودة عدا نهاية الأسبوع لأنه يسهر في المجلس
ما أن تسمع صوت فتحه لباب الغرفة الرئيسي
حتى تمثل الاستغراق الكامل في الدراسة
رغم التوتر غير المفهوم الذي يجتاحها
فهي تشعر أن الوضع الساكن بينهما أصبح هشا جدا
وعلى وشك الإنفجار.. وهي تكاد تموت رعبا من هذا الانفجار!!
الذي تخشى أن يكون إعلانه لقرب موعد زواجه
فهي الآن مكتفية بمجرد قربه حتى لو كان متباعدا ويستنزفها شوقها إليه
يكفيها أنها بقربها ولها وحدها وينام قريبا منها كل ليلة
أصبحت الساعة 11 ولم يعد
الـ12 ولم يعد
شعرت أن أعصابها تذوب توترا وقلقا
لم تعد تستطيع الجلوس على مكتبها
أخذت تدور في غرفتها كالاعصار
(إش فيه تأخر؟؟ يالله سترك.. يالله سترك)
حوالي الساعة 12 ونصف رن هاتفها الذي لم يفارق يدها من قلقها
ردت فورا بلهفة رغم أنها حاولت تغليفها بالبرود لكنها فشلت:
مشعل عسى ماشر.. وش فيك تأخرت؟؟
مشعل بتعب: لطيفة وسعي درب لراكان بيجيبني لغرفتي الحين
#أنفاس_قطر#
.
.
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:41 AM
أسى الهجران/ الجزء السابع والثلاثون
واشنطن
الساعة 9 وربع صباحا
شقة مشعل
سعيد يقول لمشعل بتوتر: أنا كنت أكلم هلي قبل ساعة..
والوالدة قالت لي إن أختك تطلقت.. لا تستعجل وتعصب علي
خلني أكمل
أنا ما أبي حد يسبقني لأنه واجد يبون آل مشعل يكونون خوال عيالهم..
أنت عارف أن ذا الفصل آخر فصل لي
وراجع عقب شهرين للدوحة نهائي
بتكون هي خلصت عدتها....
تزوجوني؟؟؟
مشعل تنهد بعمق ثم قال بهدوء: بس أختي اللي تقصد أكبر منك بشهور
(سعيد طالب ماجستير في آواخر ال25)
سعيد تشجع أكثر: لو هي أكبر مني بسنين بعد أبيها
وأشلون والفرق شهور بس
أنا أشتري نسبكم
مشعل بهدوء: ماتشوف إنك مستعجل
أختي توها تطلقت من شهر وباقي لها شهرين
إذا رجعت الدوحة يصير خير
سعيد برجاء حاد: أنا دريت إنها تطلقت نهائي
يعني دام رجّالها مهوب مرجعها
أتمنى إني أكون المقدم على أي حد
مشعل بحرج: أنا ما أقدر أوعدك.. لأنه إحنا مانقدر نجبرها على شيء
سعيد برجاء عميق: تكفى مشعل أنا شاري نسبكم وأبيك أنت تصير خال عيالي
والله العظيم أن أحطها في عيوني وفوق رأسي
ما أبي منك وعد.. أبي بس أحط عندك خبر أني أبيها قبل ماحد يتكلم عليها
أنا أبي نسبكم من زمان
بس كنت عارف إن خواتك كلهم اللي متزوجة واللي متملكة
ويمكن الله كاتب أختك ذي من نصيبي
***********************
غرفة لطيفة
حوالي الساعة 12 ونصف رن هاتف لطيفة
الذي لم يفارق يدها من قلقها
ردت فورا بلهفة رغم أنها حاولت تغليفها بالبرود لكنها فشلت:
مشعل عسى ماشر.. وش فيك تأخرت؟؟
مشعل بتعب: لطيفة وسعي درب لراكان بيجيبني لغرفتي الحين
لطيفة برعب: مشعل اشفيك؟؟
كان راكان هو من رد عليها وهو يقول بمرح:
يا أم محمد وسعوا لي درب.. رجالش الدب كسر كتفي
لطيفة ارتعبت وهي تلبس بسرعة عباءة مغلقة فوق بيجامتها
وترتدي شيلتها ونقابها بسرعة
وقتها كان راكان وصل لباب غرفتهما وهي تفتح الباب
ويدخل وهو يسند مشعل
شعرت لطيفة بريقها يجف وقلبها ينزل في قدميها
ولكنها اعتصمت بقوتها الظاهرية وهي تفسح لراكان الطريق
حتى أوصله راكان للسرير
حينها رأت ظهر مشعل
وكادت تنهار.. وهي ترى ثوبه ممزقا من الخلف وملطخ بالدم
وخلف تمزيقات الثوب يظهر الكثير من طيات الشاش الأبيض
لطيفة حاولت أن تسأل راكان بهدوء مصطنع: وش فيه أبو محمد..؟؟
راكان وهو يمدد مشعل على بطنه: الحمدلله على سلامته يا أم محمد
رجالش قطوة بسبع أرواح.. الليلة كان يعاين مشروع وطاح خشب من فوق عليه
بس الحمدلله مالمس إلا طرف ظهره وهو نازل
تسلخ شوي.. بس الحمدلله إنها جات على كذا
راكان مد كيس كان في يده: هذي غياراته والمطهر
لأنه احتمال يحتاج تغيير الشاش في الليل لو نزفت جروحه
لو ما أحتاج.. بكرة الصبح أنا بأجيه أوديه يغيرون عليه
لطيفة كانت تسمع كلمة .. وكلمة تعجز عن استيعابها
فبالها كله كان مع مشعل الذي لا ترى سوى ظهره
ولم ينطق بكلمة منذ وصوله
استاذن راكان وغادر
لطيفة بقيت لدقيقة واقفة عاجزة عن احتمال انفعالها
ثم ابتلعت ريقها: الحمد لله على سلامتك يا مشعل
ما تشوف شر..
صوته الهادئ جاءها مكتوما قليلا لأن وجهه ناحية المخدة: الشر مايجيش.. بسيطة يا أم محمد
أصلا حتى روحة المستشفى مالها داعي بس راكان لزم..
لطيفة خلعت عباءتها ثم اقتربت منه وهمست: مشعل خلني أبدل لك ملابسك
مشعل بهدوءه المعتاد: لا..تعبان أبي أنام.. عادي أنام هنا الليلة؟؟ أو أقوم لفراشي؟؟
(تدري إنك سخيف وبارد وماعندك مشاعر!!) ولكنها ردت عليه:
أكيد تقدر تنام.. وأنا قريبة منك إذا بغيت شيء نادني..
مشعل نام بعد دقائق من شدة تعبه
ولكن لطيفة لم تستطع النوم وهي تتمدد على الأريكة وتطل عليه كل 5 دقائق
حينما أصبحت الساعة الثانية والنصف بدأ مشعل يئن بشكل مؤلم
لطيفة انتفضت بعنف وهي تقفز وتتوجه له
***********************
واشنطن
المقهى
الساعة 9 ونصف صباحا
ابتسم جو لبكينام ابتسامة لم تخلُ من سخرية: آنسة باكي هنا في اللهجة الأمريكية حتى الجامعة تُسمى مدرسة
وبما أنك طالبة ماجستير.. وأنا طالب دكتوراة.. فربما كنتِ أنتِ من تحتاجين مساعدة؟؟
وقتها كانت باكينام تشرب من كأس الماء الذي صبه جو لها
شرقت وكحت وكلماتها تخرج متناثرة من الحرج
وهي تشعر أنها خُدعت واُستهين بذكائها وأنها بدت بمنظر الغبية
الأمر الذي أغضبها كثيراً : دكـ ـتـ و ر اة؟؟
جو ارتعب وهو يميل عليها ويحاول أن يمسح وجهها بالمناديل الورقية
ويقول بقلق: سلامتك..سلامتك.. خدي نفس.. خدي نفس
(كان يقولها باللهجة المصرية القاهرية الصميمة)
حينها قفزت باكينام وهي تقول بغضب كاسح باللهجة المصرية:
ومصري كمان؟!!
لكده وكفايه.. يعني كل ده بتستغفلني.. بتستغفلني..
واسمك جو كمان والا دي استغفلتني فيها كمان
جو بحرج حاول تغليفه بالثقة: اسمي يوسف..
وانتي عارفة انه يوسف بنقول له جوزيف جو..
وبعدين أنا لا استغفلتك ولا حاجة.. أنتي اللي كدبتي الكدبه وصدقتيها
وكل مائلت لك نتئابل اشرح لك.. انتي بتتهربي..
باكينام لم ترد عليه ووجهها يحمر من الحرج والغضب وتغادر بسرعة
وتنسى دفترها على الطاولة
الدفتر الذي تناوله يوسف وهو يشعر بالألم من الموقف غير المتوقع
*************************
شقة مشعل بن عبدالله
الساعة 9 ونصف بعد مغادرة سعيد
وخطبته الغريبة التي أثارت حرج مشعل واستغرابه
عاد ليطل على هيا التي كانت نهضت من نومها واغتسلت وبدلت ملابسها
وهاهي تمشط شعرها أمام المرآة
كانت تمشطه وهي واقفة حتى تستطيع التحكم فيه
مشعل بهدوء: خلاص سعيد راح
هيا بنفس هدوءه: غريبة جاي هالحزة؟؟
مشعل ابتسم: جاي يخطب موضي
ابتسمت هيا: ماشاء الله عليها موضي.. مابعد خلصت العدة ويجيها خطّاب
لهالدرجة مزيونة؟؟
ضحك مشعل: موضي أملح خواتي.. ولطيفة أحلاهم.. ومشاعل أرقهم
ضحكت هيا: يعني لكل وحدة ميزة
ابتسم مشعل: تقدرين تقولين كذا!! ولا تنسين ريم فديتها أشطنهم..
وقتها هيا كانت أنهت تمشيط شعرها وتريد رفعه..
فوجئت بمشعل يقترب منها يمسك بيدها اللي كانت تلف شعرها
ويقول بنبرة خاصة: خليه
ارتعشت هيا بعنف.. وهي تشعر بملمس يده على معصمها كسعير نار لاهبة
كان بود هيا أن تسأله (وليش أخليه؟) لكنها شعرت أن ريقها جاف جدا
والكلمات تقف في بلعومها
أعاد مشعل كلمته وهو يفلت يدها ويقول بذات النبرة الخاصة: خليه
ليش دايما رافعته؟؟
أنهى جملته وخرج لأنه شعر أن طاقة تحمله على وشك الانهيار النهائي
فهو مهما يكن رجل.. وهي زوجته وأمامه
وهذا الشعر وهذه الرقة يفتنانه حتى الثمالة
خرج
ليترك هيا مبعثرة المشاعر خلفه!!
**********************
عودة لغرفة لطيفة
الساعة 2 ونصف قبل الفجر
لطيفة قفزت وهي تسمع مشعل يئن بألم
اقتربت منه وهي تشعل الأباجورة جواره
لترتعب من مظهر ظهره
فالشاش غارق بالدم
لطيفة جلست جواره وهي تهزه بلطف وتهمس بحنان: مشعل مشعل
مشعل رد عليها بهدوء وهو يحاول أن يكتم إحساسه بالألم ويلتفت ناحيتها: نعم لطيفة
لطيفة برعب: لا تتحرك خلك على بطنك..
ثم أكملت بانفعال: الشاش غرقان دم.. خلني أغيره..
مشعل برفض: لا لطيفة لا..
لطيفة باستغراب عميق وألم أعمق: ليش مشعل؟ لهالدرجة ما تبيني أقرب منك؟؟
مشعل بهدوء: لطيفة الله يهداش أنتي وين راحت أفكارش
أنا حانّش بس.. (حانش = رأفة بكِ)
لطيفة باستغراب: تحني من ويش؟؟ كله شوي شاش بأغيره عقب ما انظف الجرح
مشعل بذات هدوءه وهو متمدد على بطنه: وبتستحملين منظره.. ترى ظهري كله منسلخ!!
لطيفة لم ترد عليه وهي تقرب المقص وتقص ثوبه أولا
ثم تقص الشاش بخفة
وتبدأ بفكه
لتنفجع من شكل التسلخات العميقة النازفة
شعرت أن عبراتها تقفز لبلعومها وعيناها تمتلئان بالدموع غصبا عنها
بدأت بالتنظيف
شعرت بألم عميق يمزق روحها
لأول مرة تلمس جسده منذ شهرين
ويكون بهذه الحال
يغتالها انفعالها بآلمه.. تكاد تشعر أن جروحه تنزف في جسدها هي
أنهت التنظيف وهي تعرف أنه يكتم إحساسه بالألم
شعرت أن شهقاته التي يكتمها كسكاكين حامية تنغرز في روحها وجسدها
كانت تعرف أنه يتألم كثيرا
كلما مسحت الجروح بالمطهر ارتعش جسده دون أن يبدي أي صوت
ومع كل ارتعاشة كانت هي تشهق في داخلها وتبدأ دموعها بالإنهمار
وكأنها تتألم نيابة عنه
ثم بدأت تغطي جروحه بالشاش بعناية
حين أنهت مهتمها كانت قد وصلت قمة انهيارها العاطفي
لم تعد تحتمل
فمالت على أذنه
وارتعش مشعل وهو يحس بأنفاسها قريبة منه هذا القرب
همست في أذنه بصوتها الباكي المرتعش: ليته فيني ولا فيك
ثم نقلت شفتيها لكتفه العاري وهي تقبله بحنان
ارتعش مشعل في داخله
شعر أن انفعاله أكبر من أي كلمات
همساتها الناعمة في أذنه
ثم ملمس شفتيها العذبتين على كتفه
كان أعذب من كل أحلامه
كان مشعل أشبه كما يكون بصحراء قاحلة
فوجئت بانفتاح السماء عليها بأمطار غزيرة
فتحتاج هذه الصحراء بعض وقت
لامتصاص المياه ولتزهر بعد جدب..
ولكن لطيفة المحرجة كانت تنتظر منه ردة فعل ما
ردة فعل على مشاعرها ناحيته
مجرد كلمة ما كانت ستكفيها
لكن مشعل مازال انفعاله العميق يهزه..
شعرت لطيفة بألم كبير وهي تشعر بإهانة حادة قاسية
(للمرة الثانية أكون غبية.. غبية
المفروض أني حفظت درسي من أول مرة
أبعثر مشاعري قدامه
وأنا عارفة إنه مشاعره مع وحدة غيري)
قفزت لطيفة للحمام لتغلق على نفسها
وتنخرط في بكاء حاد
في الوقت الذي التفت فيه مشعل لها ليقول لها:
لطيفة حبيبتي
ليجد مكانها خاليا..!!
*************************
شقة مشعل بن عبدالله
الساعة 10 إلا ربع صباحا
بعد الموقف بين مشعل وهيا
مشعل خرج للصالة ليشاهد الأخبار في محاولة للسيطرة على انفعاله
في الوقت الذي كانت فيه هيا تعاني انفعالا أكبر مازالت في غرفتها
رن جرس الباب
فوجئ مشعل بباكينام عند الباب
ووجهها غارق في الدموع
وهي تقول بحرج وعيناها في الأرض:
دكتور مشعل ممكن أدخل عند هيا..
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 12:42 AM
أسى الهجران/ الجزء الثامن والثلاثون
غرفة مشعل ولطيفة
الساعة 3 إلا ربع
مشعل تحامل على نفسه ونهض ليقترب من باب الحمام
نحره صوت شهقاتها المكتومة القادمة من داخل الحمام
شعر بألم عميق حاد
وكم هو قاسٍ هذا الألم على رجلٍ متخمٍ بالكبرياء مثله!!
لم يعرف كيف يتصرف
ممزق بين مشاعره العميقة وكبرياءه الثمين
عاد ليجلس على السرير ووجهه لباب الحمام
استغرقت لطيفة عشر دقائق لتخرج
وهي تحاول التجلد
فألمها كان عميقا متوحشا غائرا في أعماقها
هذه المرة ألمها كان أقوى وأحد وأقسى
فكل ما تبقى لديها من الأمل تبخر
فمشعل في ظنها عاجز عن مبادلتها أدنى شعور
كان إحساسها مرا جارحا ومهينا
شعور مؤلم لا حدود لألمه الممتد في كل شريان من شرايينها
كانت تنزف ألما ويأسا ومرارة!!
فور خروجها.. همس مشعل بهدوء: لطيفة
لطيفة قاطعته ببرود وثقة: أرجوك مشعل لا تقول شيء
أي شيء بتقوله بيحرجني زيادة
اعتبرني ما قلت شيء وانت ماسمعت شيء
مشعل بذات هدوءه العميق: بس لطيفة....
قاطعته لطيفة (لا تريد أن تسمع.. لا تريد أن تسمع
كانت تظن أنه سيخبرها عن سبب عدم قدرته على مبادلتها مشاعرها
وشعرت أن مصارحة كهذه ستكون قاسية جدا على مشاعرها وكرامتها):
خلاص مشعل أرجوك
لو لي أي احترام عندك.. ما أبي اسمع شيء
صمت مشعل.. فكبرياءه لا يحتمل أكثر من هذا!!
فهو حاول أن يفسر .. يشرح.. يعترف
يعترف الاعتراف الذي انتظرته لطيفة 13 عاما
ولكنها لم تمنحه الفرصة
وهو يستحيل أن يستجدي الفرصة منها!!
تركها تتوجه لأريكتها وهو تمدد على السرير
ولم ينم أي منهما!!
**********************
غرفة هيا
الساعة 10 وربع صباحا
مازالت باكينام تبكي وهي تهتف بانفعال: أنا غبية غبية
أنا ينضحك عليا كده وبالطريئة دي
أكيد هو كان طول الوئت بيضحك عليا وأنا عاملة زي مراهقات المدارس
هيا بمساندة وهي تحتضن يد باكينام: باكي حبيبتي تراج مزودتها
مافيه شيء يستاهل
الولد ما غلط بشيء.. وحتى لو أنتي شايفته غلطان
خلاص السالفة كلها إنه أنتي خلاص ماتروحين هناك وبس
باكينام مازالت تبكي: يعني أنتي شايفة أنه ماخلانيش مسخرة
دا أنا كنت بأتغزل فيه بالمصري وهو ساكت
ابتسمت هيا: وحد قال لج تغازلينه؟!!
باكينام ابتسمت وهي تدعك أنفها المحمر:
أهو عبط وخلاص..
وهو يخرب بيته كان شكله وزوئه ينطء الحجر
هيا ضحكت: زين ابتسمتي.. فكيها
يمكن ربي بعث لج هالمصري عشان ينتقم لكل المصريين اللي لوعتي قلوبهم
باكينام بعمق: بس هو جرحني بجد يا هيا..
يعني أنا كنت باقول له أنت مكسيكي.. وكان بيسكت..
ليه ما ئاليش إنو مصري.. ليه يجرحني كده؟!!
هيا بنبرة خاصة: ما نحس بالجرح إلا من الناس اللي نحمل لهم مشاعر خاصة
باكينام وقفت وهي ترتعش: إيه مشاعر خاصة دي
أنا أخرتها هأبص لجرسون لا راح ولا جا
بعد ولاد الوزراء والسفراء اللي ماحدش منهم ملا عيني
ابتسمت هيا: جرسون بس طالب دكتوراه..
باكينام باستنكار: حتى ولو.. جرسون حافي مش لائي ياكل..
**********************
اليوم التالي
غرفة لطيفة
لطيفة نائمة
نامت بعد ذهاب أولادها للمدرسة
وبعد مجيء راكان وأخذه لمشعل
فهي لم تنم مطلقا من البارحة
تركت لطيفة هاتفها بجوارها ونبهت تلفونها على صلاة الظهر
رن جرسها
صلت الظهر ومشعل لم يعد بعد
بعد الصلاة
عاد مشعل وشكله متعب أكثر
كان راكان من أدخله
ثم همس لطيفة بصوت منخفض: جروحه ملتهبة
الدكتور كان يبي ينومه في المستشفى بس هو مارضى
انتبهي له.. تلفوني جنبي.. لو تعب عليش أي وقت دقي علي
وهذي أدويته.. أهم شيء المضاد الحيوي الحين
تحاول لطيفة تنحية شعورها العميق بالألم
ولكنها عاجزة
فكل مافيها ينطق بالألم
شرايينها تصرخ ألما له ومن أجله
(هذا مشعل
مهما كابرت.. مشعل
مهما دسيت مشاعري.. مشعل
حتى لو هو ماعرف.. يظل مشعل
مشعل اللي أتنفسه
مشعل اللي يمشي في عروقي بدل الدم
ليش ماقدرت تحبني يا مشعل ليش؟!!
يعني كل ذا الحب اللي أحبك ماحرك شيء في مشاعرك!!)
لطيفة هزت رأسها لتنفض أفكارها
خلعت عباءتها
واقتربت من مشعل الذي كان ينام على بطنه
همست: مشعل أجيب لك شيء؟؟
مشعل على الجبهة الأخرى اجتمعت عليه كل الآلام الروحية والجسدية
همس بهدوء: لا شكرا
لطيفة بذات الهمس: أشلون يعني؟؟ منت بمتغدي؟؟
مشعل بذات هدوءه: والله ماني بمشتهي
كثيرٌ عليهما كل هذا الألم
يتمدد هو السرير
وتجلس هي إلى جواره
قريبان
بعيدان
متألمان
يدور حولهما إعصار من المشاعر الكثيفة العميقة ينتظر لحظة الإطلاق
لحظة الإطلاق التي يبدو أنها أضاعت الطريق في ضبابية الكبرياء
**********************
خبر إصابة مشعل انتشر
والكل بدأ بزيارته أولهم والده وعمه وجدته
بيت عبدالله بن مشعل
بعد صلاة العصر
موضي تتصل بفارس
فارس يبتسم: من وين الشمس شارقة؟؟
الشيخة موضي متصلة
تدرين كان من المفروض مخلين حمد يطلقش من زمان
عشان تكلميني كل يوم
موضي تألمت من ذكر حمد الذي أعاد لها الذكريات المرة
لكنها ضحكت وهي تقول:
يا ملغك بس
هم المزايين كلهم مليغين وإلا أنت بس؟؟
فارس ينهرها: مويضي..
موضي تبتسم: قول مويضي على كيفك
المهم منت بعندي تزنطني
فارس ضحك: لو أني مني برايح لمشعل الحين
كان مريتش وزنطنش
موضي قفزت في بالها فكرة شيطانية: لا تروح لمشعل الحين
روح له عقب المغرب
فارس باستغراب: وليش بعد المغرب؟؟
موضي بخبث: حبيبة القلب بتكون هناك عقب المغرب
لأنها عندها محاضرات بترجع منها لبيت مشعل
هي قالت لي قبل شوي في التلفون
فارس شعر أن قلبه يغوص بين قدميه
ومجرد ذكرها بعث قشعريرة انفعال هزت جسده
ولكنه رد ببرود: وخير يا طير
موضي وهي تصطنع لهجة عدم اهتمام: صح خير ياطير
كنت بأخليك تشوفها بس
هذه المرة شعر فارس أن قلبه انتزع من مكانه بقوة قاهرة
ولكنه رد بذات بروده: أنتي نصابة
أشلون أشوفها وبيت مشعل الحين مليان ناس
أمه وأخته مريم.. حتى أمي راحت لهم واكيد أمش بعد
موضي تضحك: اعترف أول أنك أنت اللي تبي تشوفها
وعقب خلها على قدرات أختك الذهبية
فارس لا يريد أن يراها فقط
بل سيجن ليراها.. ولكنه ليس هو من يتنازل
لذا رد بكل بروده وثقته الشهيرة: والله بتخليني أشوفها بدون ما تحرجيني بخبالش
زين على زين
بتكثرين علي البربرة اقلبي وجهش المغبر
موضي تضحك: يمه منك
أدري أنك مستحيل تقول لي لو سمحتي يا أختي خليني أشوف عنودتي
لأني من يوم شفتها المرة اللي فاتت وأنا ما أمسي الليل
بس أختك قلبها طيب.. يا الله موب لازم أني أنا أنبسط يوم تترجاني شوي
المهم أنت تنبسط والله يعطيني على قد نيتي
خلاص أنت تعال بعد المغرب.. وخل الباقي علي..
**************************
شقة مشعل بن عبدالله
بعد العشاء
كانت هيا ترفع صحون العشاء عن الطاولة
ومشعل يشرب شايا أمام التلفاز
رن هاتفه
ألتقطه بهدوء ورد بهدوء: أهلا دكتورة باتريشيا
هيا ارتعشت يدها
وسقط الصحن من يدها على الطاولة
ليحدث دويا بسيطا ولكن دون أن ينكسر
لأن المسافة كانت قريبة..
لكن الصوت كان كافيا لجلب انتباه مشعل
الذي هتف بهدوء: لا بأس دكتورة باتريشيا
سأحاول الحضور إن استطعت
ثم أغلق الهاتف
وتوجه لهيا وقال لها بهدوء: سلامات.. فيش شيء؟؟
هيا لم ترد على سؤاله ولكنها قالت بغضب مكتوم: وش تبي باتريشيا هانم؟
مشعل بهدوء: عندها بكرة ندوة.. تعزمني عليها
هيا بذات الغضب المكتوم: وبتروح؟؟
مشعل بهدوء: ما أدري ما بعد قررت..
هيا وهي تصر على أسنانها: لا تروح
مشعل بحدة: نعم؟؟
هيا بحدة مشابهة: أقول لا تروح..
مشعل بغضب: أنتي تامريني أنا..
هيا بغضب أكبر: اعتبره مثل ما تبي
مشعل بغضب ناري: يظهر إنش فهمتي حلمي عليش ومراعاتي لش غلط
وخلتش تبين تحطين رأسش برأسي
أعتقد إني الرجّال هنا.. فاحفظي حدودش
وإعرفي أشلون تحشمين رجالش
هيا لم ترد عليه
وهي تتوجه لغرفتها وتغلق بابها عليها بصوت مدوٍ
كان بود مشعل أن يتوجه خلفها
لأنه لم ينهِ كلامه معها بعد
فهذه ليست المرة الألى التي تحتد فيها حين تكلمه باتريشيا بالذات
ولكن حدتها وقلة أدبها –كما يرى- تجاوزت الحد هذه المرة
لذا تحتاج لمن يوقفها عند حدها
عاجز عن تفهمها وتفهم تصرفاتها الغريبة
وأتعبته محاولة الفهم
لذا قرر أن يتصل بإحدى شقيقاته ويسألها
فالأنثى أكثر فهما للأنثى
مبدئيا كان يريد الاتصال بلطيفة
فهو يثق في بعد نظرها كثيرا
ولكنه يعلم أن مشعل مريض –كما أخبروه- لذا لابد أنها مشغولة معه
لذا قرر الاتصال بموضي
موضي التقطت الهاتف بلهفة: هلا والله بقلب أخته
هلا برجّال هيونه
مشعل ابتسم: هلا والله بالغالية.. ورجال هيونه يبي استشارة نسوية
عشان هيونه حيرته
موضي تبتسم: حاضرين.. وبدون ما تقول: الاستشارة بيني وبينك
بس مهوب تنسى أتعابي..
مشعل ابتسم: فديت اللي فاهمني يا ناس
مشعل حكى لموضي كل شيء
وكان رد موضي عليه إنها استغرقت في ضحك عميق
ثم حاولت التماسك وهي تقول: وحضرة الدكتورة باتريشيا مزيونة؟؟
مشعل يضحك من ضحكها: بصراحة ما اهتميت.. بس إيه مزيونة
موضي مازالت تضحك: مزيونة شوي وإلا واجد؟؟
مشعل يبتسم: فوق الواجد بواجد..
موضي لا تستطيع مسك نفسها من الضحك: قول كذا يا ابن الحلال!!
مشعل مبتسم: خلصيني يا بنت الحلال..
والله إني عجزت أفهم ليه تركبها العفاريت عند طاري ذا الدكتورة
موضي بحنان: ولو أنك أنت اخي الكبير وبتصير دكتور بعد كم شهر..
بس بريء الله يرج عدوينك
مرتك غيرانة عليك.. زين إنها مافقعت من الغيرة لحد الحين
وأنت ولا مهتم ولا داري
مشعل باستغراب: هيا غيرانة علي أنا؟!!
موضي برقة: لا غيرانة على ولد الجيران..
حرام عليك مشعل.. راعي مشاعرها شوي
إذا هي ما تكلمت.. المفروض أنت تفهم من تلميحاتها لك
المسكينة ترا فاض بها
زين ما ثارت عليك من زمان..
وإذا تبي نصيحتي
بلاها سالفة ذا الدكتورة.. مافيه داعي تجرح زوجتك من أولها
مشعل أغلق من موضي وهو يشعر أن غشاوة أُزيلت عن ناظريه
شعر أن كثيرا من تصرفات هيا غير المبررة
بدت له الآن مفهومة
ولكنه يعرف أن الغيرة دليل حب
فهل يعقل أنها .......؟؟
مشعل تنهد وتوجه لغرفة هيا
فتح الباب ليجدها منكبة على سريرها وتبكي
فُجع
لم يتوقع أن تكون ردة فعلها هكذا!!
اقترب منها بهدوء
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 01:45 AM
أسى الهجران/ الجزء التاسع والثلاثون
شقة مشعل بن عبدالله
مشعل أغلق من موضي وهو يشعر أن غشاوة أُزيلت عن ناظريه
شعر أن كثيرا من تصرفات هيا غير المبررة
بدت له الآن مفهومة
ولكنه يعرف أن الغيرة دليل حب
فهل يعقل أنها .......؟؟
مشعل تنهد وتوجه لغرفة هيا
فتح الباب ليجدها منكبة على سريرها وتبكي
فُجع
لم يتوقع أن تكون ردة فعلها هكذا!!
اقترب منها بهدوء
همس: هيا.. هيا
شعرت هيا بحرج شديد.. وهي تراه أمامه
وتشعر أنها عارية أمامه بدموعها وضعفها
لذا كانت ردة فعلها أنها صرخت به وهي تحاول إخفاء دموعها والتسلح بالقوة:
اطلع من غرفتي
أظني احنا متفقين إنه لكل واحد غرفته
ومالك حق تدخل غرفتي بدون استئذان..
مشعل شعر بالغضب فعلا من أسلوبها المستفز، وهو من كان قادم لاسترضائها:
وأنا أظني إن هذا مهوب أسلوب تكلمين فيه رجّالش
إذا أنا مستحملش واحترمش
مهوب تستغلين ذا الشيء وتستغلين صبري عليش
هيا قفزت وهي تقول بغضب مر: إيه قول كذا
قول إنك مستحملني لأنه أمي فرضتني عليك
وإلا لو عليك كان رميتيني من زمان
مثل ما جدك رمى أبي
مشعل بغضب: أنتي ما تنسين الحقد اللي قي قلبش؟؟
هيا بغضب أكبر: أنا غلطانة يوم حاولت أنساه
غضب هيا وغيرتها جعلتها تدخل القضايا في بعضها
وهي تكيل العبارات القاسية لمشعل
تراكمات حقدها ومشاعرها الكثيفة وحزنها وحبها الوليد لمشعل
الحب الذي تحاول إنكاره
والذي اكتشفت أنه بدأ يتعمق في روحها
وأن مشعل لابد اكتشف ذلك من غيرتها غير المبررة
مشعل يتنهد بعمق وهو يحاول ألا ينفجر فيها
فهي مهما كان أنثى ضعيفة لا ملجأ تلجأ له في هذه الغربة سواه
ولا يمكن أن يكون مصدر الحماية لها هو ذاته من يجرحها
لذا قال بغضب مكتوم: تدرين الحكي معش ضايع
أنا ماراح أرادش في الحكي
وباشتري رأسي لأنه أنا مهوب ناقص حنة..
قال جملته وخرج
وفي الوقت الذي كانت هيا تصرخ خلفه:
إيه كلامي ثقيل على قلبك
بس كلام غيري عسل..
**************************
بيت مشعل بن محمد
بعد صلاة المغرب
مشعل مازال في المسجد
فهو رغم تعبه إلا أنه كان يصر على الصلاة في المسجد
في مجلس الحريم
كانت نساء عائلة ال مشعل
أم محمد وأمهات مشعل وأم فارس ولطيفة وموضي ومريم
مشاعل في البيت رفضت المجيء
والعنود في طريق العودة من الجامعة بعد أن ذهبت سائقة مريم لإحضارها
بعد دقائق اتصل مشعل بلطيفة يخبرها أنه وصل هو وراكان
ويريدان السلام على جدتهما
جميع من في المجلس أضفين عباءاتهن ونقاباتهن عليهن عدا مريم
دخل مشعل وراكان يسنده
سلموا على جدتهما وأمهما ومريم
وألقوا التحية على الباقين
وجلسا في الزاوية..
مشعل وجه خطابه بهدوء لموضي: بنت عبدالله.. أشلون يدش الحين؟؟
موضي بهدوء وهي تضفي عباءتها على يديها رغم أنه لا يظهر منها شيء بتاتا:
الحمدلله طال عمرك.. أنت اللي أشلونك؟؟ ومعافى من الشر
مشعل بهدوء: طيب طاب حالش..
ثم أشار لراكان أن يأخذه للأعلى
راكان وقتها كان مستغربا كيف تحولت مشاعره فعلا
قبل زواج موضي كان مجرد ذكر موضي يحرك زلازل مشاعره وفيضاناتها
الآن هي متواجدة معه في ذات المكان
ولا يشعر بأي شيء مطلقا
وجودها كعدمه..
سخر بمرارة من نفسه (الله يرحمه قلبي
كان قلب حنون ومتدفق
عظم الله أجرك يا راكان في قلبك!!)
راكان خرج بمشعل لغرفته
في الوقت الذي لطيفة همست لموضي أن تتولى مهمة صب القهوة
حتى ترى مشعل وتعود
موضي بمرح: أشلون أصب؟؟ بيد وحدة؟!!
لطيفة غير قابلة للمرح قالت بهدوء: صرفي روحش أو ادعي حد من الخدامات
وقتها رن هاتف موضي كان فارس المتصل..
موضي همست له: شوي لا تجي الحين
راكان أوصل مشعل وغادر
في الوقت الذي صعدت فيه لطيفة لمشعل الممدد على سريره
لطيفة همست له: مشعل تبي شيء؟؟
مشعل بهدوء: جيبي لي جود.. وأنتي روحي لضيوفش
لا تهتمين مني..
(كيف لا أهتم؟؟
كيف؟؟
قد أكون معهم.. ولكن تفكيري كله معك
ليتك تعلم كم يمزقني قلقي عليك!!
أي قلبٍ جليدي تحمل يا هذا!!
أيجري بعروق قلبك دم ساخن كدماءنا
أم أن مايجري بقلبك هو محض ماء بارد؟!!
ألا تشعر بشيء مطلقا؟!!)
*************************
مجلس الحريم في بيت مشعل بن محمد
العنود وصلت سلمت على الجميع
ثم صعدت ركضا لأخيها
دخلت عليه بهدوء كان يتمدد على جنبه
وجود تتمدد على ذراعه وتلعب بلعبة في يدها
وهي تثرثر على والدها
وهو يبتسم لكل شيء تقوله رغم إحساسه بألم عميق يمزق خلايا ظهره
كان جزؤه العلوي عاريا وظهره كاملا مغطى بالضمادات
ما أن رأت العنود منظره حتى انخرطت في بكاء حاد
مشعل جلس وهو يفتح ذراعيه لها ليحتضنها ويقول بحنان:
انتي تفاولين علي يعني
مافيني شيء وتبكين ذا البكاء كله
أجل لو أنا...
العنود وضعت يدها على شفتيه وهي تقول برقة باكية: تف من ثمك
جعل يومي قبل يومك
جود تسأل والدها: بابي ئميمية ليش تكي؟؟
مشعل ابتسم: تبكي عشانها غبية ودلوعة..
جود توجه حديثها للعنود: ئميمة أنت كبيه ودلوئة؟؟
العنود تمسح أنفها المحمر وتبتسم: وأنتم عيلة ماعندها مشاعر من الأبو العود
للبنت المفعوصة..
مشعل يحتضن جود بحنان مصفى: فديتها ذا المفعوصة حبيبة إبيها
العنود تجلس بجوار مشعل دموعها مازالت مستمرة بالانهمار:
انت طمني عليك.. أمانة أنت طيب؟؟
مشعل يحتضنها من كتفها ويقول بحنان: والله إني طيب
تبين أشلش على ظهري مثل يومش صغيرة عشان تتأكدين
العنود تطبع قبلة على خده: لا فديتك بلاها الشلة ذي
حينها رن هاتف العنود كانت موضي المتصلة:
العنود بسرعة روحي لغرفة مريوم لأنه فارس طالع يسلم على مشعل
العنود حينما سمعت اسم فارس وأنه قادم
شعرت كما لو كان سُكب فوق دماغها ماءً مثلجا جمد خلايا مخها
وقلبها يرتعش كأجنحة عصفور مبلل
قفزت
سألها مشعل باستغراب: وش فيش؟؟
العنود بخجل: بيجيك رجّال ويبوني أطلع
مشعل باستغراب: ومن اللي بيطلع لي غرفتي.. خله وأنا بانزل له..
العنود بخجل أكبر: فارس
مشعل بتفهم: فارس ماعليه.. أنتي روحي وبخلي لطيفة تجيبه
وقتها كان عقل موضي يعمل بسرعة حتى تحكم مخططها
كانت لطيفة تريد أن تصعد مع فارس
لكن موضي قالت لها: خليش أنتي مع النسوان
مساكين ما تقهوا وانا قاعدة أقهويهم بيد وحدة
أنا بأوصله فوق وباروح للعنود في غرفة مريوم
مريم بنت لطيفة كانت عند خالتها ريم في بيت جديها
مثل عبدالله ومحمد اللذين كانا عند خالهما سلطان
لطيفة أخذت الأمر على ظاهره وتركتها تصعد مع فارس
بعد ما أتصلت على مشعل وأخبرته
وتأكدت أن العنود خرجت من عنده
فارس وموضي يصعدان الدرج
فارس يهمس لها بهدوء: أنتي وش أنتي مهببة؟؟
قلبي ناغزني منش
موضي تضحك: أنت مهوب تبي تشوفها
بتشوفها
بس ترا دقيقة وحدة لك
فارس رغم أن قلبه يذوب شوقا لها
ولكنه غير مطمئن لمخطط موضي الذي لا يعلم عنه شيء
حين وصلوا للأعلى
موضي همست له روح افتح الغرفة اللي هناك
فارس باستغراب: بس هذي مهيب غرفة مشعل
موضي بنفاذ صبر: لا تصير مسبه.. روح على أساس أنك غلطان في الغرفة
والغلطان ماعليه حرج
فارس تنهد وهو يأخذ نفسا عميقا
ثم يفتح الباب
*************************
بعد ذلك بوقت
ولكن بتوقيت آخر
الساعة 2 بعد منتصف الليل
غرفة باكينام في السكن
باكينام مازالت ساهرة
فموقف اليوم لا يغيب عن بالها
وهي تستعيده مرارا وتكرارا
كأنه شريط سينمائي يمر أمام عينيها
تشعر بالكثير من الألم
تشعر أنها أهينت
لو كان طالب دكتوراة فقط ولكنه مكسيكي كما تظنه
كان سيكون أمرا اعتياديا
ولكن ماجرحها بعمق
أنه ابن بلدها ومع ذلك استمتع بالعبث بها والسخرية منها
رن هاتفها
رقم غريب.. لم ترد
لكن الرقم عاود الاتصال
ردت..
صوته العميق اقتحم سكونها: باكينام آسف إني باتصل دلوئتي
بس مش ئادر أنام ..سبيني اتكلم لو سمحتي
أسى الهجران/ الجزء الأربعون
بيت محمد بن مشعل
فارس يقف أمام غرفة مريم الصغيرة
تنهد وأخذ نفسا عميقا
ثم فتح الباب
وقتها كانت العنود تجلس على سرير مريم المواجه للباب
وظهرها مسند لرأس السرير وساقاها مطويتان للخلف تحتها بشكل مائل
و تتأرجحان على طرف السرير ليظهر طرف (البوت العالي) الذي ترتديه
كانت مازالت ترتدي عباءة الجامعة المغلقة
ولكن شيلتها على كتفيها
وشعرها كانت فكته للتو لتريحه من الربط تحت الشيلة
وهاهو يتناثر على كتفيها
مازالت آثار البكاء واضحة عليها
ووجهها الخالي تماما من أي زينة كان محمرا
كانت متوترة نوعا ما
لأنها تعلم أن فارس قريب منها
متوترة من مجرد إحساسها بقربه
فإذا بها ترى الباب يُفتح
وسبب توترها يقف أمامها
لم تره يوما من هذا القرب وبهذا الوضوح
خطوات فقط بينهما
شعرت أن حضوره ألتهم مساحة الحجرة لتضيق عليها
حتى باتت عاجزة عن مجرد التنفس
وعيناها ضارعتان للوجه البالغ الوسامة والحضور المبهر الرجولة
حاولت أن تقفز للحمام
أن تختفي من أمامه
ولكن قدميها عاجزتين عن حملها
وهي تنظر له بجزع
ودقات قلبها طبول مجنونة
(كم يبدو وسيما
ومهابا
ورجوليا لحد الوجع!!!)
فارس حلق في عالم آخر
رؤيتها هزته بعنف عميق
أعنف وأعمق من المرة الماضية بكثير
فهذه المرة هي قريبة.. قريبة..
العين في العين ودقات القلوب تتناغم
منظرها الباكي ووجهها الطفولي المحمر
كان ممزقا لشرايينه بعنف
بدت له أصغر من المرة الماضية وأكثر عذوبة وبراءة وسحرا
بدت مخلوق ملائكي لا ينتمي إلى البشر
فالبشر ليس لهم مثل هذه الطلة التي تنغرز في الروح وتهزها بعنف
( يا آلهي ماذا فعلت بنفسي؟!!
لماذا وافقت أن أراها
لماذا؟؟
رؤيتها تشطرني نصفين
تمزقني
تبعثرني
أي مخلوق هي؟؟ أي مخلوق؟؟
ليتني لم أرها.. أشعر أني ضائع.. ضائع
عاجز عن إيجاد روحي)
صوت موضي من الخارج قاطع المشهد:
فارس تعال
غرفة مشعل من هنا
فارس أغلق الباب بهدوء وملامح وجهه لم تتغير مطلقا
رغم الزلزال الذي يضربه بعنف
أغلق الباب وهو يشعر أنه ترك قلبه خلف هذا الباب
تركه حقيقة لا مجازا
يشعر أن يسار قفصه الصدري خال من قلبه
الذي حلق ليحط بين بيدي أميرته الصغيرة
يشعر أن خطواته ثقيلة وهو يتوجه لغرفة مشعل
وموضي تمسك به وتهمس في أذنه: وش الأخبار؟؟
لم يرد عليها فارس بغير كلمات معدودة أثارت أقصى استغرابها:
ماسويتي فيني خير.. ليتني ماشفتها
نحرتيني يا أخيش وأنتي ما تدرين
*********************
غرفة مريم الصغيرة
العنود بدأت بالبكاء من حرجها من الموقف
موضي فتحت الباب ودخلت
العنود قفزت وهي ترتمي على صدر موضي التي حضنتها بيد واحدة
وهي ترتعش وتهتف بصوتها الباكي: تكفين موضي لا حد يدري إن فارس شافني هنا
موضي ابتسمت وهي تمسح دموع العنود: أنتي غبية
أكيد ماحد بداري .. لا تحاتين
ثم ابتسمت العنود وهي تقول بعذوبة بين دموعها:
ويعني مالقى يشوفني إلا وأنا حالتي حالة
أكيد الحين بيهون.. ويقول ما أبيها.. جيكرة ..أنا أحلى منها
ضحكت موضي: لا تحاتين من هالناحية.. ياحظه اللي بيضويش بس (يعني محظوظ من ينالك)
ثم أكملت وهي تغمز لها: وش رأيش في فويرس من قريب كذا؟؟
عشان ما تنصدمين ليلة العرس
تنهدت العنود بعمق وهي تقول بخجل وحالمية:
ما تخيلته يجنن لذا الدرجة يا موضي
جذاب فوق الحد والوصف.. وإلا عبق رجولته.. ياويلي.. ياويلي
تحسين المكان حوالينه غرق رجولة..
ابتسمت موضي: يا سلام على وصف العشاق..
أحمر وجه العنود وهي تكح من الحرج: عيب ياموضي..
الشرهة على اللي يعطيش رأيه بس
***********************
غرفة باكينام
رن هاتفها
رقم غريب.. لم ترد
لكن الرقم عاود الاتصال
ردت..
صوته العميق اقتحم سكونها: باكينام آسف إني باتصل دلوئتي
بس مش ئادر أنام ..سيبيني اتكلم لو سمحتي
باكينام قفزت عن سريرها وهي تهتف بغضب:
أنت جبت نمرتي ازاي؟؟
يوسف بهدوء: من النوت بتاعك اللي سبتيه في الكوفي النهاردة
باكينام تحاول التحكم بأعصابها: خلاص صاحبتي هتيجي تاخده من عندكم
يوسف بعتب: للدرجة دي مش عايزة تشوفيني.. تبعتي حد ياخده
باكينام بلهجة استعلاء مصطنعة تحاول بها تغطية جرحها العميق:
وأنت تكون مين عشان أجي أشوفك
يوسف يتنهد ويقول بنبرة عميقة هزتها بعنف:
إزا كنتي انتي مش شايفاني حاجة أنا شايفك كل حاجة
بليز باكي اديني فرصة اشرح لك
خلينا نتعرف على بعضينا وبصراحة المرة دي
شعرت باكينام أن قلبها يغوص في قدميها غصبا عنها
ونبرته العميقة الدافئة تذيب خلاياها
ولكنها مجروحة منه لذا قررت أن تجرحه:
العب على ئدك ياشاطر
شوف لك جرسونة زيك
وما تبصش فوق أوي عشان رئبتك ما تنكسرش..
الإهانة وصلت يوسف حادة جارحة مؤلمة ولئيمة:
دا أخر كلام عندك؟؟
باكينام تتمزق ولكنها أجابته ببرود مصطنع: وماعنديش غيره
كبرياءها اللعين حضر بقوة
خليط من كبرياء عربي وتركي وإيرلندي صنع مخلوقاً مختلفا
متخما بالكبرياء
مستعدة هي أن تدوس قلبها ومشاعرها في سبيل كبرياءها
وتكبرها أيضا !!
التكبر الذي ورثته من عرق اللوردات الإنجليزي الفخم
*********************
الساعة 9 ونصف مساء
غرفة مشعل بن محمد
بعد أن عاد مشعل من صلاة العشاء
وتأكدت لطيفة من تناوله لعشائه
توجهت لابنائها درستهم قليلا
ثم بقيت عندهم حتى ناموا
ثم عادت لمشعل
قد يكون مشعل في ظنها لا يحبها ويريد الزواج بأخرى
ولكنه مهما يكن زوجها ووالد ابنائها وابن عمها
وهي كامرأة أصيلة مسؤولة عنه حتى تصح جروحه وتشفى
"هل هو هذا فقط يالطيفة؟!!"
كان مشعل ينام على جنبه
كان متعبا ويشعر ببوادر حرارة من آثار الإلتهاب
ولكن لطيفة حين سألته: شأخبارك الحين مشعل؟؟
أجابها: بخير تمام
ثم أردف بهدوء: اليوم مادرستي كلش
أشغلتش معي.. روحي ادرسي.. انا بأنام أصلا
لم تكن لطيفة تريد أن تدرس
كانت تريد أن تبقى لجواره
ولكنها لا تستطيع أن تقول ذلك له
(الرجّال بروحه زهقان مني
ومهوب طايق يشوفني
يبيني أروح أدرس يفتك مني)
تشعر بألم عميق من مرارة أفكارها المهينة
ولكنها قالت له بهدوء: خلاص أنا بأروح أدرس
وهذا أنا قريبة منك
إذا بغيت شيء نادني
لطيفة توجهت لمكتبها
وبدأت بالدراسة التي لم يكن تركيزها معها
بل تركيزها في شيء آخر
أجبرت نفسها على الدراسة قليلا
ثم أطلت عليه ووجدته نائما
أطمئنت وعادت للدراسة
حوالي الساعة 11 عادت لتطل عليه
صدمها منظر العرق على وجهه
فالجو كان باردا
اقتربت منه وجلست جواره
وضعت كفها على جبينه
كان ملتهبا
ارتعبت
أحضرت له كمادات ماء بارد
وأحضرت دواء الحرارة
ثم همست قريبا منه: مشعل مشعل
مشعل بتعب: نعم لطيفة
لطيفة بحنان: قوم مشعل اكل الحبوب هذي
مشعل بإرهاق: ما أبي حبوب.. أبي أنام
لطيفة وضعت يدها خلف عنقه وهي تحاول أن تقعده
ولكنها عجزت
فجسده الضخم المتخم بالعضلات كان كجبل مثبت بأوتاد
لطيفة همست له: مشعل تكفى قوم..
مشعل حاول أن يجلس وهو يشعر بدوار حاد
فسقط على ظهره فأن بعمق من ألم جروحه التي ارتطمت بالفراش
شعرت لطيفة أنها تتمزق: تكفى مشعل بس ارفع رقبتك شوي
بعد عدة محاولات نجحت في جعله يبتلع الأقراص
ثم بدأت تضع الكمادات على جبينه وهو متمدد على جنبه
وهي تجلس بجواره
كان يرتعش
ولطيفة ترتعش لارتعاشه
بقيت لطيفة لحوالي 40 دقيقة وهي تغير الكمادات
حتى انخفضت حرارته من تاثير العلاج والكمادات
حينها كانت لطيفة أنهت مهمتها
وعلى وشك القيام
لولا أنها فوجئت بيد تطبق على معصمها
وصوت عميق يقول لها: خليش جنبي
انتفض قلب لطيفة بعنف
كان بودها أن ترفض
فهي ليست مجرد محطة انتظار يرتاح هو بها
حتى موعد ذهابه لمحطته الرئيسية
ولكنها عجزت أن ترفض طلبه
تمددت جواره وهي تترك مساحة فاصلة بينهما
مشعل بهدوء وعيناه مغلقتان: ترا احنا مهوب مراهقين عشان تخافين تقربين مني
إلا لو كنتي أنتي ماتقدرين تتحكمين في انفعالاتش وخايفة إنها تخونش
(وقح
ومغرور
وقليل أدب
وشايف روحه..)
هذا مادار بخلد لطيفة التي أجابته بهدوء مستعر وهي تلتصق به :
خل نشوف من اللي انفعالاته شكلها بتخونه
مشعل بذات هدوءها البارد المستعر: نشوف
والاثنان ينخرطان في لعبة جديدة أكثر خطورة
مستوى جديد أخطر في لعبتهما
لعبة الكر والفر
"مستوى احترق بالقرب وادعي البرود"
******************
منتصف الليل
غرفة فارس
يبدو أن السهر والشجن أصبح رفيق هذا الشاب المتيم
ممزق تماما هذه الليلة.. ممزق
يشعر أن مايحدث له ظلم سافر له
فهي لا تستحق أن يحبها كل هذا الحب
فلِمَ يحبها حباً هو فوق الحب ذاته؟!!
يشعر أن هذه المشاعر الرقيقة العذبة لا تنتمي لشخصيته الصلبة القوية
مشاعر لا تشبهه.. ولكنها تشبهها!!
(يا الله
ما أعذبها وأرقها!!
عذوبتها ورقتها فوق الخيال
ليش يارب؟؟ ليش؟؟
اللهم أني أستغفرك وأتوب إليك
مهوب اعتراض على حكمك
بس هي ما تستاهل كل ذا الحب
يا الله..
ماعاد اللي أحسه ناحيتها حب وبس..
أنا مذبوح من حبها
قلبي ذاب.. والله العظيم ذاب
أنا واحد شخصيتي ما تنفع تحب بذا الطريقة
لا ومع العنود بالذات
اللي قلبي مليان حقد عليها
وفي نفس الوقت مليان عشق لها!!)
ينقلب على جنبه
وصورتها تقتحمه
تقتحمه بعنف
لتنسف خلاياه وتنثره شظايا في فضاءها
فضاءها هي فقط..
هي فقط..
************************
اليوم التالي
واشنطن دي سي
شقة مشعل
بعد مواجهة البارحة العاصفة
هيا ومشعل لم يتقابلا ولم يتكلما
هيا بقيت معتصمة بغرفتها
ومشعل اعتكف على أطروحته حتى نام
ثم نهض لصلاة الفجر
وبقي يعمل بعد الصلاة حتى موعد ذهابه المعتاد للجامعة
وهاهو يعود في موعد ذهاب هيا ليأخذها للجامعة
ولكنه فوجئ أنها غير موجودة
اتصل فيها: هيا وينش؟؟
هيا ببرود: رحت للجامعة
مشعل بغضب: أشلون تروحين بدون ما تقولين لي
أنتي عارفة إنه أنا بأرجع أوديش
ممكن تفسرين لي سبب روحتش كن رجّالش طوفة مهوب رجّال
هيا بذات البرود: ماحبيت أتعبك..
مشعل غاضب فعلا: ما تبين تعبيني.. تعصيني..
زين هيا.. حسابش إذا رجعتي البيت
لأنه خلاص أنتي تجاوزتي كل حد
هيا بهدوء: ماني براجعة.. بأقعد عند باكينام
وأبيك تطلقني
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 01:48 AM
أسى الهجران/ الجزء الحادي والأربعون
الحوار مستمر بين مشعل وهيا
مشعل غاضب فعلا: ما تبين تعبيني.. تعصيني..
زين هيا.. حسابش إذا رجعتي البيت
لأنه خلاص أنتي تجاوزتي كل حد
هيا بهدوء: ماني براجعة.. بأقعد عند باكينام
وأبيك تطلقني
مشعل كان مصعوقا.. لا يتخيل حتى أنها تجرأت لتفكر بالفكرة
فكيف تقذفها هكذا على مسمعه
حاول مشعل أن يتمسك بالتفكير المنطقي وهو يتنهد ويكتم غيظه منها:
عمري ما تخيلت أنه ممكن أهون عليش لدرجة إنش تقولين ذا الكلمة
بدون أدنى احترام لي أو لمشاعري
اسمعيني وماراح أعيد كلامي
متضايقة مني وما تبين تشوفيني؟؟
خلاص ارجعي أنتي وباكينام
واقعدوا في الشقة
أنا اللي بأطلع وبأروح أقعد عند سعيد
وأنتي فكري عدل في الكلام اللي قلتيه لي
وشيلي فكرة الطلاق من رأسش لأنها مستحيل تصير
على الخط الآخر كانت هيا تحاول مغالبة دموعها التي بدأت بالانهمار بغزارة
ففكرة الطلاق كانت عليها أكثر قسوة
ولكنها بدأت تسيطر عليها فكرة أنها مفروضة على مشعل
وأن مشعل متضايق منها
ومايصبره عليها هو أن والدتها وصته عليها
وهذا الإحساس كان جارحا لها ولكبرياءها
بينما مشاعرها ناحيته تأخذ منحى آخر أعمق.. أعمق بكثير!!!
مشعل يتنهد: هاه هيا..؟؟
هيا لم ترد
مشعل يتنهد للمرة الألف لكتمان غضبه: عطيني باكينام أدري إنها معش
جاءه صوت باكينام الهادئ: نعم دكتور مشعل
مشعل باحترام: باكينام لو سمحتي جيبي هيا وارجعي معها البيت
وارجوش اقعدي معها ذا اليومين
ثم أكمل بهمس: وبليز حاولي تعقلينها شوي
أنا عجزت وأنا أسايرها
باكينام باحترام: ما تشيلش هم
وأديني باقول لك ئدامها
أنا معاك مش معاها
***************************
غرفة مشعل ولطيفة
قبل آذان الفجر
مشعل يفتح عينيه
ورائحة عطر خفيف مثير تداعب أنفه
عطر طال اشتياقه لصاحبته
كان يظن أنه يحلم
(الظاهر من قد ما أنا مشتاق لها
ومع السخونة البارحة بديت أخرف واتخيل
وأشم عطرها بعد)
حاول أن يركز بصره مع الإنارة الضعيفة
وهو يمد يده بعفوية لتصتدم بالمخلوق النائم إلى جواره
انتفض مشعل وهو يرفع رأسه قليلا ليراها تنام بهدوء
ووجهها ناحيته
ثم تذكر ليلة البارحة القاسية عليه وعلى رجولته
وجسدها اللين ملاصق لجسده المشتعل
لو لم يكن مرهقا من أثر الحمى وألم الجروح
وإلا لكانت سيطرته على نفسه انهارت لينهار معها كبرياءه الثمين
كم مضى عليها لم تنم جواره .. شهرين.. بل أكثر من شهرين
آلمه العميق ليس لمجرد حاجة جسدية..
لكنه محتاج نفسياً لقربها.. قربها الذي كان يسكن روحه
كم هو مشتاق أن ينام على ذراعها..
يسمع دقات قلبها
يتنفس عطرها حتى يملأ كل خلاياه
كم كان مكابرا وغبيا حين أبعدها عنه.. بعد أن كان ينعم بجنة قربها
تمعن في ملامح وجهها الساكنة بوداعة وسحر وفتنة
كان يتمنى لو يمد أنامله ليلمس خدها.. شفتيها.. حاجبيها
يمزقه شوقه لها لأشلاء متناثرة
ولكنه أكتفى أن همس في داخله:
(وربي اشتقت لش!!
والله العظيم وحشتيني!!
ما تحسين بالنار اللي تشعل جوفي كل ما أشوفش
ما تشوفين رعشة يدي لأنها عاجزة توصل لش
ما تسمعين دقات قلبي اللي تناديش؟!!
متى بتحنين علي ياقلبي؟؟
متى؟!!
تعرفيني طول عمري مغرور وغبي
لا تكسريني على آخرها
لا تكسريني)
**************************
شقة مشعل
هيا تعود للشقة هي وباكينام
بعد أن اتصل مشعل بباكينام وقال لها أنه جمع أغراضه وسيقيم مع سعيد
مشعل عاتب بالفعل على هيا
لذا لم يهاتفها هي
فهو يشعر أنها تختبر صبره وكرامته
توجه لسعيد بعد أن قال له أنه سيقيم عنده لعدة أيام
لأن صديقة زوجته لم تجد مسكنا بعد
لذا قرر ترك الشقة لهما
هيا فور دخولها للشقة.. وإحساسها برائحة مشعل تعبق في أرجائها
انخرطت في البكاء
وهي ترمي بنفسها على الأريكة
باكينام اقتربت منها جلست جوارها واحتضنتها بحنان:
ممكن أعرف بتعيطي له؟؟
هيا من بين دموعها: ما أدري.. ما أدري
باكينام بثقة: لا عارفة.. وإزا كنتي عاوزة تخبي علي
ما تخبيش على نفسك كمان
أنا عاوزة أعرف : جوزك وبتحبيه
بتعزبي نفسك وتعزبيه ليه؟!!
هيا لم ترد عليها وهي مازالت مستمرة في البكاء
*********************
بيت محمد بن مشعل
بعد صلاة الفجر
راكان وناصر يعودان من الصلاة
مريم تجلس في الصالة السفلية مع والدها الذي عاد قبلهما بدقيقة
ناصر بمرح: وش ذا؟؟ اجتماع قمة مبكر
يالله سترك وش عندكم؟؟
أبومشعل يبتسم: ماتعرف تقول السلام عليكم بالع رادو
ناصر يبتسم: لو أن بنت عبدالله قاعدة معكم كان سلمت
أبو مشعل بغضب: ليه حن صلب ما تسلم علينا
ناصر يميل على أذن راكان ويهمس: مشكلتهم الشيبان مايفهمون المزح
راكان يلطف الجو: سامحه يبه خلاص ماعلى باله إلا بنت عبدالله
عرسه قرب واستخف
أبو مشعل بنبرة خاصة: إن شاء الله الفال لك تستخف بعد
راكان كح.. وناصر يضحك ويهمس له: استلم الموال الصباحي
ثم قال ناصر بصوت عالي: اسمحوا لي ياجماعة الخير بأروح أرقد شوي قبل الدوام
وترك راكان بين يدي موال والده المعتاد
وهو يعرض عليه ابنة أحد معارفه التي اقترحتها عليه مريم للتو..
**********************
الساعة السابعة والنصف صباحا
لطيفة تعود لغرفتها بعد ذهاب أولادها لمدرستهم
كان مشعل مازال نائما
ولطيفة كانت تريد أن تعود للنوم حتى موعد قيام جود من نومها
ولكنها لا تريد أن تنام بجوار مشعل
تريد أن تنام على الأريكة
ولكنها مجبرة أن تتمدد جواره بل وقريبا منه
فهي يستحيل أن تشعره بضعفها أمامه
وأنها عاجزة عن السيطرة على مشاعرها أمام لوح الثلج
اقتربت وهي تتمدد بهدوء حتى لا تزعجه
الامر فوق طاقة احتمالها
(إذا هو ما يحبني وعادي عنده أكون قريبة أو بعيدة
أنا مهوب عادي
إذا كنت بالكاد محتملة قربه أول
أشلون الحين وهو قريب كذا
بس ماعليه يا مشعل.. ماعليه
ماراح أفرحك فيني
بتكون عندي أنت والطوفة واحد
مثل ما أنت تعاملني بأعاملك)
لطيفة تقلبت قليلا ثم نامت
حوالي الساعة العاشرة صحت جود من نومها
وتوجهت لغرفة والديها كعادتها
فتحت الباب ودخلت
بالعادة لا تجد إلا أمها
لكنها اليوم وجدت والدها لذا توجهت له أولا
لتطبع قبلة على خده وهو نائم
صحا مشعل وابتسم بعمق وهو يرى وجه جود العذب أمامه
احتضنها بحنان وهو يهمس في أذنها:وجهش أحلى صباح
جود همست في أذنه: دوم مامي أبي همام (قوم مامي.. أبي الحمام)
مشعل مد يده ليهز كتف لطيفة لكن جود أمسكت يده: كلط.. أنا هبيتك أنت هبها ( غلط أنا حبيتك أنت حبها.. تقصد أن يوقظها كما أيقظته)
مشعل ابتسم بخبث (والله إنش تونسين يا أبيش.. وينش من زمان
صدق بنت أبيش.. تعرفين وش اللي في خاطره)
مشعل اقترب من لطيفة المستغرقة في نومها
ورغم أن نوم لطيفة خفيف لكنها لم تشعر بجود لأنها كانت تتهامس مع والدها
اقترب أكثر وطبع قبلته السريعة الدافئة على خد لطيفة
كان بوده أن يطيل ويتعمق ويروي بعضا من شوقه العنيف
ولكنه لا يريد أن يكون مفضوح المشاعر لهذه الدرجة
(يا الله كم أشتقت إليكِ
لقربكِ
لهمساتكِ في أذني
لحنانكِ واحتواءكِ
أيتها العذبة البهية!!)
لطيفة فور شعورها بملمس شفتيه.. فتحت عيناها بجزع
كان وجهه مايزال قريبا جدا
شعيرات عارضيه المحددة باستقامة
عيناه الواسعتان الغامضتان
حاجباه الغليظان
كل التفاصيل التي تفتنها حتى النخاع
انتفض قلبها بعنف
كان ريقها جافا جدا وهي تقول بخفوت: فيه شيء؟؟
مشعل ابتسم وهو يبتعد ويقول بهدوء:
جود شرطت علي أذهنش مثل ماذهنتي هي
شعرت لطيفة بريقها أكثر جفافا..
(كان هذا ملمس شفتيه على خدي!!)
كان بود لطيفة أن ترفع يدها لمكان قبلته على خدها لتلمسها
ولكن يستحيل أن تفعلها
أو تظهر له تأثرها
لذا قالت بهدوء بارد وهي تنهض عن السرير:
جود مامي.. تعالي أوديش الحمام وأبدل ملابسش..
***********************
شقة سعيد
الساعة 11 مساء
سعيد يدرس امتحان وفي غرفته
ومشعل يجلس في الصالة
يشعر بضيق يكتم على روحه
لم يتخيل أن هيا قاسية لهذه الدرجة
بالكاد أكملا شهرا منذ زواجهما
وتفاجئه بطلب الطلاق
فاجأه رنين هاتفه.. انتفض قلبه ( أيعقل أن تكون هي؟!!)
نظر للاسم وابتسم ابتسامة حنونة فيها كثير من الشجن:
هلا موضي..
موضي برقة: صباح الخير
مشعل بلطف: عندنا مساء..
موضي بمرح: وعندنا الساعة 9 الصبح.. وأنا أسلم بتوقيت الدوحة
مشعل بحنان: وش مقومش بدري؟؟
موضي تضحك: اي بدري الله يهداك..
أنا وحدة نشيطة وما أحب نومة الضحى ذي
خليناها لأختك ميشو الدلوعة
مشعل باهتمام: زين يوم أنتي وحدة نشيطة.. ليه ما ترجعين للشغل
حرام موضي أنتي عبقرية حواسيب.. حرام تدفنين موهبتش
موضي بتوتر: ما أدري مشعل أفكر أرجع.. أنا أصلا متصلة استشيرك
فيه صديقة لي من أيام الجامعة.. تقول محتاجين مبرمجين لمشروع الحكومة الالكترونية
تقول بيكون فيه قسم خاص للنساء.. بس محتاجين ناس كفاءة على أعلى مستوى
مشعل بهدوء: دام حريم بروحهم.. عادي توكلي على الله
موضي بتوتر حزين: أخاف أني ما أكون قد الشغل..
مشعل يبتسم: لا لا.. مهوب موضي اللي تقول ذا الكلام..
إذا أنتي منتي بقدها.. يبقى ماحد قدها..
موضي بهدوء متأمل حزين: بأستشير إبي وبأفكر زيادة
مشعل بنبرة خاصة: ويمكن يكون فيه بعدين حد ثالث تستشيرينه
موضي باستغراب: عقبك وعقب ابي ما لحد حكم علي..
مشعل يضحك: ولا حتى رجّالش..
موضي برعب: أي رجّال..
مشعل يضحك: شوي شوي لا يطير قلبش..
فيه واحد من ربعي كلمني عليش.. يعني عقب ما تخلصين العدة
رجّال والنعم.. شهادة حق..
موضي اطمأنت وضحكت: أنا أعرف إن المطلقة ماعاد تلاقي حد يبيها
وش فيهم الناس علي؟؟.. مابعد خلصت العدة ونازلين الخطاطيب علي
مشعل باستفسار: ليه فيه حد تكلم عليش بعد؟؟
موضي تبتسم: فيه ثنتين عجايز كلموا أمي.. وواحد كلم ابي..
ووحدة كلمت لطيفة
والله يوم أنا بنت ماجاني خطّاب ذا الكثر..
شكلي بأوزعهم على عوانس الحارة..
مشعل بحنان: وأنتي وش رأيش؟؟ ترا ماحد بغاصبش على شيء
موضي بهدوء: لا فديتك.. لا..
أنا خلاص زواج ما أبي
مشعل بحنان مصفى: بس أنتي توش صغيرة..
موضي بحزن: وين صغيرة؟؟ خلاص يا أختك أنا جربت نصيبي
وخلصت من سالفة العرس كلها نهائي..
**********************
واشنطن دي سي
الساعة 1 بعد منتصف الليل
قلبان سهران
هيا تنظر لبكينام النائمة جوارها
ومشعل ينظر لسعيد النائم في السرير المجاور
وكلاهما يفكر في شخص غير من ينام لجواره
لِمَ صعب على كلاهما أن يفهم الآخر؟؟
أين مشكلة التواصل بينهما؟؟
هل هي قوة شخصية كل منهما؟؟
هل هي تراكمات العداء؟!!
هل هي المشاعر التي بدأت تتجذر بينهما؟؟
مشعل بدأ يفكر أن الهروب من مواجهة المشكلة هو مشكلة بحد ذاته
وتأجيل التفاهم سيأزم الوضع بينهما
كان يريدها أن يمنحها فرصة للتفكير
ولكنه الآن لا يريد منحها فرصة
يريد اقتحامها
إرباكها.. إثارة الفوضى في صفوفها
وقلب أوراق اللعبة عليها
لذا تناول هاتفه وخرج من غرفة النوم للصالة ليرن عليها بثقة
حينها هيا كانت جالسة تفكر.. كانت مليئة بالهم والحزن
والــــــــشــــوق
اقتحم هدوء الجو رنين هاتفها
التقطه بسرعة حتى لا توقظ باكي
رأت اسمه
شعرت زلازل أرضية عنيفة تضرب أرض قلبها
وهي ترد بصوت مرتعش غصبا عنها:
هلا مشعل
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 01:51 AM
أسى الهجران/ الجزء الثاني والأربعون
غرفة هيا
الساعة 1 بعد منتصف الليل
اتصال من مشعل يقتحم سكون الجو
ويقتحم قبلها وجع روحها وتفكيرها المثقل وشوقها له
الشوق الذي تحاول انكاره حتى على نفسها
ردت بخفوت مرتعش: هلا مشعل..
مشعل بهدوء: صحيتش؟؟
كان بودها أن تقول (إيه صحيتني) حتى لا يعلم أنها عاجزة عن النوم
ولكنها ردت بعفوية: مابعد نمت..
مشعل بهدوء مدروس تماما: وليش ما نمتي؟؟
هيا ابتلعت ريقها: ماجاني نوم..
مشعل بثقة: تفكرين؟؟ صح..
هيا بهدوء رغم دقات قلبها الصارخة:
مشعل وش تبي؟؟ ما أعتقد أنك تتصل هالوقت عشان تعرف إذا أنا نايمة أو لا
مشعل بذات الثقة: هيا اسمعيني زين
احنا راجعين للدوحة بعد حوالي أسبوعين
مابي نبين قدام أهلنا بيننا مشاكل واحنا تونا متزوجين
أهلي مبسوطين فيش كثير.. وأكثرهم جدتي وأنتي عارفة
استحمليني شوي... صعب ذا الشيء عليش؟؟
هيا بحزن: يمكن صعب عليك أنت تحملني؟؟
مشعل بهدوء: ليه أنا اشتكيت لش؟!!!
هيا بتوتر غاضب: مهوب لازم تشتكي.. مبين
مشعل بذات الهدوء: طيب وش اللي يرضيش؟؟
وضعنا كذا وكل واحد في مكان مهوب منطقي..
هيا خذت نفس عميق: تقدر ترجع.. بس بشرط
مشعل بنبرة غضب مكتوم: وبتشرطين بعد؟؟
هيا بعتب: ليه مالي حق؟!!
مشعل أخذ نفسا عميقا: يحق لش.. تدللي..
هيا لم تكن تريد أن تظهر أمام مشعل بمظهر الغيورة
ولكنها عاجزة عن الاحتمال.. وأعصابها احترقت تماما
لذا قالت له بحرج حاولت تغليفه بالثقة:
باتريشيا ذي تحذف اسمها من تلفونك
وماترد على اتصالاتها ولا لك شغل فيها
ابتسامة شاسعة ارتسمت على وجه مشعل
لكنه كتم ضحكته وهو يرد بهدوء: حاضر.. شيء ثاني؟؟
هيا استغربت أنه لم يعتبر هذا تجاوزا لرجولته الغالية
توقعت أنه سيعاند ولكنه فاجأها بالموافقة السريعة
ردت بحرج: لا ما أبي شيء ثاني
مشعل بثقة: يعني أرجع بكرة؟؟
هيا بحرج أكبر: براحتك
مشعل بهدوء: زين تصبحين على خير..
هيا أغلقت وهي تبتسم ابتسامة شاسعة
ليفاجأها صوت باكينام وعيناها مغلقتان:
بتعملوا ئلئ بدون سبب.. وتعالي يا باكي.. ونامي عندي يا باكي
وأنا عاوزه أتطلئ يا باكي
ويخرب بيت باكي اللي عايزة تنام..
وجوز الغفر، ئصدي الكناري نازلين غزل فوء دماغها
*************************
الساعة 2 الظهر
مريم تعطلت سيارتها على طريق الوجبة مقابل المدينة التعليمية
وهي عائدة من عملها في معهد النور للبيت
مريم بعادتها سريعة ومنطقية في قراراتها
لم تكن تريد أن تتعب أحد من أشقائها في هذا الوقت
لذا اتصلت بسائق البيت ليأتي لأخذها هي وسائقتها
والعصر ستعطي المفتاح لناصر ليرى مشكلة السيارة
كانت اتصلت للتو بالسائق وتنتظر
مر عليها عدد من أهل السيارات وتوقفوا وعرضوا المساعدة
ولكنها كانت تقول لسائقتها أن تصرفهم
وبدأت السائقة تصرفهم بدون الرجوع لمريم
ولكنها هذه المرة سمعتها تطيل في الجدال مع أحدهم
رنت هاتف سائقتها ونادتها
سونيا كانت تقف بجانب شباك مريم
ومريم تسألها: سونيا.. وش فيه؟؟
سونيا: هذا مستر سعد بابا محمد كازن كول احنا يروه مئاه
أو هو يكلي سوا سوا ينتزر درايفر
كانت مريم مازالت تتحادث مع سائقتها حين اقتحم حوارهما
صوت رجولي عميق: مساش الله بالخير يا بنت محمد
مريم انزلت يديها اللتين كانتا على طرف نافذة السيارة في حضنها
وهي تضفي عباءتها عليها
مريم ترتدي غطاء ثقيل على وجهها
لأنها لا تحتاج للبس نقاب عوضها الله الجنة
وردت باحترام وخفوت: مساك أخير يا أبو فيصل
سعد باحترام: أشلون الوالدة والأهل كلهم؟؟
مريم بذات الاحترام: طيبين طاب حالك.. أشلون فيصل وفهد؟؟
سعد بهدوء: طيبين جعل شيبانش الجنة
مريم بذوق: تسهل يا بو فيصل كثر الله خيرك.. سايق البيت جاي الحين
سعد بشهامة: لا طال عمرش في الطاعة..
أما تروحون معي أنتي وسواقتش
أنا باقعد في سيارتي أنتظر لين يجي سواقكم
مريم محرجة جدا.. السائق قد يحتاج نصف ساعة ليصل
وهي لا تريد أن تذهب مع سعد
ولا أن يبقى ينتظر معهما
ردت بهدوء عذب: تسهل الله يرضى عليك.. والله إن السواق على وصول
علم سعد أنها لا تريد الركوب معه.. ومحرجة منه.. رد بثقة:
خلاص أنا في سيارتي لين تروحون
لم يمهلها فرصة الرفض أو الرد وهو يتوجه لسيارته
وتفكيره مشغول بشيئين غصبا عنه
حين اقترب من سيارتها والقى التحية
وقعت عيناه على يديها الساكنتين على حافة النافذة
هي سحبت يديها وهو غض بصره وأشاح
ولكن النظرة سبقت
و شكل يديها سكن خياله بتمكن وبشكل غريب
(نعنبو وش ذا الايدين اللي عندها
تحس إيديها بتذوب من نعومتها وصفائها)
الشيء الآخر
كان صوتها العميق الهادئ والواثق
صوت يتسلل للروح ويهدهدها
ينبئها أن العالم مازال بخير
وأن العالم مسكون بالعذوبة والحنان
حاول طرد أفكاره وهو يرى سائقهم يصل
وتركبان معه
وهو يحرك سيارته ويمشي خلفهم
فبيته قريب منهم
***************************
بيت لطيفة
بعد المغرب
شقيقاتها موضي ومشاعل عندها
مشعل حينما توجه لصلاة المغرب
أخبرها أنه لن يعود حتى يصلي العشاء
وسيبقى في المجلس بين الصلاتين
لطيفة لم تكن مرتاحة مطلقا
فجروحه طرية وتنزف
ولن يحتمل البقاء لوقت طويل بثوبه وبجلسة مستقيمة كجلسة مجالس الرجال
ولكنها ردت عليه بهدوء: براحتك يابو محمد
رغم أنها تتمزق قلقا عليها
وحتى تتلهى عن قلقها اتصلت بشقيقاتها
ليحضرن عندها
ويتسلين معا
هاتف لطيفة يرن
لطيفة تنظر للهاتف وتبتسم ثم تنظر لموضي
وتقول بابتسامة خبيثة: شيخة
موضي تبتسم: ياختي رفيقتش ذي ما تفهم قولي لها ما أبي أخيها ولا أبي غيره.
خليها تستحي على وجهها مابعد خلصت عدتي..
لطيفة ردت: هلا والله بشيخة الحريم
شيخة تضحك: خشي في عبي يا بت يا لتيفة
ما أبي تمدحيني.. سبيني.. بس خلي موضي توافق على راشد إذا خلصت عدتها على خير
لطيفة تضحك: شوفي شيوخ.. أنا بحط التلفون على السبيكر
وهذي موضي تسمع
موضي تشير لا.. لكن لطيفة وضعته على السبيكر
وصوت شيخة الرفيع المرح يتصاعد: هيه مويضي وصمخ قطاوة
أنتي مافي قلبش رحمة.. حني علي..
ثم أكملت ببكاء مصطنع: أنا يتيمة وأخويا يتيم.. وعيالي يتامى
موضي تضحك: يكون حد قال لش إني جمعية خيرية
شيخة تضحك: ياأختي نبي لنا حد قلبه حنين مثلش وشرواش
تدرين ماعندنا إلا ذا الأخو تاخذه وحدة ملعونة خير مثل طليقته الله لا يردها
توطس فيني أنا وعيالي
تخيلي تخيلي ياللهول شيوخ تهمز أرجيل مرت أخيها
ولا عيالي واحد يكنس والثاني يطبخ... نهون عليش.. نهون على قلبش الطيب
موضي لا تستطيع السيطرة على نفسها من الضحك: على قولت سليطين الشهيرة غني يا ليل ما أطولك..
اذلفي.. اذلفي.. طري على باب مسجد أنتي وعيالش.. شكلش متدربة جاهزة
شيخة ببكاءها المصطنع: ياحرام عليش مافي قلبش رحمة
دحنا يتامى..
موضي تبتسم:شيوخ اشرايش تخلين منش ذا الهذرة.. وتسيرين علينا بكرة
شيخة كأنها تفكر: أمممممممم على شرط..
تسوي ميشو نفس الحلى اللي كلته عند لطيفة المرة اللي فاتت
لطيفة تتكلم: هذي ميشو تسمع وتقول حاضرة...
بس أنتي ماعندش اختراع اسمه ريجيم يالدبة
شيخة تتأفف: جاونا المزايين المعقدين..
مشكلتكم مشكلة أنتم يالمزايين ما ترضون باوساط الحلول..
مزيونة لازم تصير رشيقة بعد
لله درنا نحن معشر التنافيخ ماخذينها تيكت إيزي..
المهم أنتو يالثلاثي الكوكباني.. الله لا يعوق بشر
بكرة بأجيكم
لطيفة لا تتزين عشان ما تجرح مشاعري الرقيقة إذا شفت زينها وانا جيكرة
وميشو تزين لي الحلويات الزينة اللي هي تعرف
وموضي تقول إنها عندها استعداد تفكر بأخي رويشد لما تخلص عدتها..
أي شرط ناقص من الشروط الثلاثة باقلبها على رووسكم..
***********************
بيت جابر بن حمد
بعد صلاة العشاء
البنات في الصالة
وأم حمد مازالت عند والدتها في بيت عبدالله
معالي تمدد ساقيها على الطاولة وبيدها صحن فيه فوشار وتشاهد التلفاز
تصرخ على عالية في المطبخ الداخلي: عاليوه ترى الفوشار خلص سوو لي معكم
علياء تطل عليها : يازينش وأنتي تأمرين بس
معالي بصوت عالي: أظني أكلم عالية.. وش دخلش أنتي يالملقوفة؟؟
علياء تضحك: زين أنا عالية
معالي تضحك بطريقة مصطنعة: ههههههه يا بطني.. يابطني
بأموت من الضحك.. ارحميني على خفت الدم اللي عندش
زينش متلايطة بس..
هذه المرة عالية تطل: زين ياختي احنا كوبي وبيست
وش بيضر أي وحدة ترد على حضرت جنابش
معالي بتأفف: أي وحدة منكم تخلصنا وتجيب الفوشار قبل يبدأ الفيلم
مافيه احترام إني أختكم الكبيرة
أكبر منكم بربع ساعة كاملة..
وهم في حوارهم يرن هاتف البيت، تلتقطه معالي دون أن تنظر للكاشف
رغم تباعده عنهم وأنه لم يشعرهم يوما بأخوته
ولكن سماعها لصوته بعد مرور كل هذا الوقت
كان هازا لمشاعرها بعنف وهي تسمعه يقول بهدوء: السلام عليكم
معالي اختنقت بعبراتها: هلا حمد هلا والله
حمد بذات الهدوء: أشلونش معالي؟؟
معالي بانفعال: طيبين.. ومشتاقين لك.. متى بترجع؟؟ ما خلصت دورتك؟؟
حمد بذات الهدوء: حبه حبة يا بنت الحلال
دورتي مطولة شوي يمكن أبي لي 5 شهور بعد
معالي بصدمة: يعني 6 شهور مانشوفك.. حرام عليك!!
حمد بغموض: الله يكتب اللي فيه الخير.. وين أمي؟؟
معالي بضيق من الخبر: أمي عند جدتي
ثم أكملت: تكفى حمد كلمها على جوالها.. أمي مشتاقة لك
حمد ذهب تفكيره لاتجاه آخر.. أمه عند جدته حيث مكان موضي
الأمر أكثر من احتماله، لذا رد على معالي:
لا خلاص بأكلمها بعد ساعتين تكون موجودة
ثم استطرد: عالية وعلياء عندش؟؟
معالي مستغربة اهتمامه السؤال عنهما: إيه عندي
حمد بذات الهدوء الساكن: خليني أكلمهم
***********************
الصباح في واشنطن
شقة عبدالله بن مشعل
باكينام خرجت للجامعة
وأخبرت هيا أنها ستعود من الجامعة لسكنها
حاولت هيا أن تثنيها.. كانت تريدها أن تكون معها حين يعود مشعل
لكن باكينام رفضت
لأن هذا موقف لا يصح أن تتدخل فيه
وهاهي هيا تشعر بالتوتر الشديد
كانت في المطبخ تغسل بعض الصحون النظيفة لتفريغ توترها
وتتسلى بجر قصيدة قديمة..
لذا لم تسمع صوت باب الشقة حين فُتح
مشعل فتح باب الشقة ودخل
فاجأه بعنف صوت هيا القادم من داخل المطبخ
لم يكن صوتها المفاجأة
ولكن المفاجأة كانت في القصيدة التي تجرها
**********************
ذات الوقت بتوقيت آخر
ليل الدوحة
مشعل تأخر قليلا
ولطيفة كانت تتنقل بين غرف أبنائها حتى ناموا
حين عادت لغرفتها وجدت مشعل يحاول خلع ملابسه بصعوبة
اقتربت منه وساعدته بصمت
كلاهما يتعذب بهذا القرب اللاسع الموجع
حتى الحركة العفوية بينهما سابقا
أصبحت أبعد ما تكون عن العفوية الآن
وهي تُشحن بعشرات المشاعر الكثيفة العصية على التأويل
من ذلك مثلا أن يدها الساكنة الآن على عضده الصلب تحرق خلايا جسده بعنف
وتذيب شرايين قلبها بوحشية
رفعت يدها عنه وهي ترتعش دون أن يظهر عليها شيئا من مشاعرها
وهو معتصم بهدوئه الأسطوري
لطيفة بعد أن أنهت مهمتها
قررت التوجه لمكتبها لتتلهى بالدراسة
لولا أنه قاطع قرارها صوته العميق الهادئ وهو يقول:
لطيفة تعالي أبي أقول لش شيء
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 01:53 AM
أسى الهجران/ الجزء الثالث والأربعون
الصباح في واشنطن
شقة مشعل بن عبدالله
دخل مشعل إلى شقته وهو ينزل حقيبة صغيرة فيها أغراضه
صُدم وهو يسمع صوت هيا القادم من المطبخ
وصدمته كانت في القصيدة التي تجرها بلحن شديد العذوبة
مشعل لم يتحرك حتى أنهت جر القصيدة الطويلة
وبدأت تجرها من جديد
هذه القصيدة لها ذكرى خاصة وقلة هم من يعرفونها
يشك إن كانت واحدة من شقيقاته أو بنات عمه تحفظها
هذه القصيدة قالها جده مشعل في جدته هيا
إثر خلاف حصل بينهما وارتحلت على إثره إلى أهلها
القصيدة الرائعة والطويلة التي كان فيها مشعل يناجي هيا
لم يقلها مشعل لأحد لأن كبريائه لا يسمح له أن يستجدي عودتها
رغم الشوق الذي أضناه
ولكنه في ذات مرة كان يجرها على رأس (حزم)
وسمعه أحدهم وبقي مختبئا تحت الحزم حتى سمع القصيدة عدة مرات
وكأنه اكتسب كنزا بسماعه لها
ثم توجه مباشرة وألقاها في مجلس والد هيا وعلى مسمع من هيا
التي حين سمعت القصيدة
عادت بنفسها
وفوجئ مشعل بوجودها في البيت حين عاد
وهي تقول له: وصلني مرسولك.. وهذا جوابه
وهاهو مشعل الحفيد اليوم يسمعها من هيا الحفيدة
بعذوبة وألق غير مسبوقين
لم يتخيل مطلقا أنها تحفظ هذه القصيدة القديمة الصعبة المتمكنة من قلبه
لابد أنها حفظتها من والدها
هزه هذا الامر بعنف
وسماعها بصوتها الرخيم وطريقتها المميزة هزه أكثر
وهز مشاعره بعمق موجع حاد
وكأنهما يتلبسان علاقة جديهما المختلفة العميقة..
مشاعر مشعل كانت على شفير انهيار الاعتراف
وهاهي على وشك الانفجار وكل ماحوله يحفز هذا الانفجار العاطفي!!
دخل مشعل للمطبخ
وهاهو يقف خلف هيا التي كانت مشغولة بأفكارها
وغسل صحونها النظيفة وجر قصيدة الشوق المضني
همس خلفها بخفوت وعمق: هيا
هيا ارتعشت وصوته يخترقها كسهم ناري أشعل كل مشاعرها
والصحن يسقط من يدها في المغسلة
وهي تقف كتمثال جامد ويديها تحت الماء الجاري
مشعل اقترب أكثر
ليلتصق صدره الصلب بكتفيها
ويمد يده من فوقها ليقفل صنبور المياه
ثم يحتضن يديها المبللتين بين يديه بحنان وقوة
ارتعشت أكثر
مازال مشعل يمسك يديها
التي أعادها لصدرها ليحتضنها من الخلف
وينحني ليهمس في عمق أذنها من قرب بصوته العميق بخفوت موجع:
أنا آسف حبيبتي
هيا عاجزة عن الرد بأي شيء
الإنفعال يهزها كورقة شجر يابسة تنسفها ريح عاتية
وكل الكلمات تموت على شفتيها
كما أن مشعل لم يمهلها أي فرصة
وهو ينتقل من الكلام للفعل
وينقل شفتيه من أذنها لعنقها ليطبع عليه قبلة عميقة دافئة
حينها انتفضت هيا بعنف
وهي تخلص نفسها من بين يديه بحدة
وتركض لغرفتها وتغلق بابها عليها بالمفتاح بصوت مسموع
وتترك مشعل خلفها
مصعوقا
مجروحا
مطعونا في عمق مشاعره وكبرياءه
فهيا وجهت له إهانة قاسية
وهي ترفضه وترفض مشاعره بهذه الطريقة الجارحة
الجبهة الأخرى
غرفة هيا
هيا تقف وظهرها مسند للباب
قلبها يكاد يخرج من مكانه من تسارع دقاته
وهي تضع كفها على عنقها مكان قبلته
تشعر أن عنقها يشتعل بل جسدها يشتعل
وعروقها تشتعل
تشعر أنه اكتسحها بركان مدمر
لم تتوقع مطلقا أن يكون هذا تصرفه
باغتها تماما
كانت تتوقع أنه حين يعود سيمثل الغضب قليلا مع بعضا من كبريائه المعتاد
وبروده هذا سيتيح لها أن تقف أمامه دون توتر
ولكن كل هذا الكم من المشاعر الملتهبة كان أكثر بكثير من احتمالها
لا تستطيع الآن الخروج أو مواجهته
وهي تشعر بخجل قاتل يكتسحها
كلاهما اعتصم بجبهته
هو مجروح حتى النخاع
وفسر تصرفها أنه رفض له ولمشاعره
وهي مصدومة وخجلة من جرأته
ولم تعلم مطلقا تبعات تصرفها العفوي عليه
***********************
ذات الوقت ولكن بتوقيت آخر
ليل الدوحة
غرفة مشعل بن محمد
لطيفة أنهت مهامها وكانت تريد التوجه للدراسة
لولا أنه قاطع قرارها صوته العميق الهادئ وهو يقول:
لطيفة تعالي أبي أقول لش شيء
لطيفة عادت له
كان يجلس على السرير
جلست بالقرب منه وهي تقول بهدوء: خير إن شاء الله
مشعل بهدوء: خير.. أنا بسافر خلال ذا اليومين
لطيفة شعرت أن قلبها انتزع بوحشية.. (تعبان لهالدرجة عشان يسافر؟!)
ولكن ماصدمها أنه أكمل: عندي صفقة كبيرة في بون
ولازم أروح بنفسي، أبي أشتري معدات ثقيلة
لطيفة مصدومة مفجوعة كأنها تكلم نفسها: تروح في شغل وأنت على ذا الحال؟؟
مشعل بهدوءه البارد: أي حال؟؟
لطيفة شعرت بصداع مؤلم حقيقي يمزق خلايا دماغها
كانت تود أن تثور وتنفجر فيه
ولكنها تمالكت أعصابها وتناست صداعها وهي ترد بنفس بروده:
مشعل جروحك مالها يومين وبعدها تنزف
أشلون بتستحمل سفرة لألمانيا مدتها ساعات ولا وصلب الشغل بعد
مشعل بهدوء: مافيني إلا العافية
لطيفة كانت تريد أن تبكي فعلا.. تريد أن تصرخ وتصرخ وتصرخ
كم هي متعبة منه
ومن كبريائه
ومن عناده
ومن استمتاعه بألمها!!
هل يريد الهرب منها؟!!
هل يريد أن يجرحها أكثر؟!!
لكنها نحت كل مشاعرها جانبا وردت عليه وهي تعود لمكتبها
وداخلها ينزف بغزارة وهي تقول له بهدوء:
براحتك يابو محمد.. براحتك
الرد اللي كان مؤلما لمشعل مؤلما لأبعد حد
فمشعل اتخذ السفر حجة
كان يتمنى أن ترفض سفره.. تصرخ به.. تقول له أبقَ
كان يريد إشارة منها.. مجرد إشارة
لكنها أبعدته
فهو مطلقا لم يعد يحتمل هذا القرب البعيد/ البعد القريب منها
قربها ينحره
ينحر رغباته
ينحر مشاعره
ينحر رجولته
لذا قرر السفر رغم أن أحد موظفيه كان هو من سيسافر سابقا
لكنه ماعاد يحتمل مطلقا
فأما أن يسافر وأما أن ينهار
وأما أن ينهي مهزلة الخلاف بينهما
وبما أن الخلاف قائم
وكلاهما يرفض التنازل
هاهو يجد نفسه مضطرا للسفر مع وضعه الصحي المزري
*************************
المقهى بالقرب من جورج تاون
الساعة 11 صباحا
باكينام تصل وهي متوترة
تشعر بذنب عميق
مكالمتها ليوسف كانت جارحة وخالية من التهذيب
تشعر أنها آلمته لذا تشعر هي بألم عميق
كانت تشعر كأنها آلمت روحها وجرحتها
الاعتذار صعب جدا عليها
ولكنها أخطئت وهي ما اعتادت على الهروب من المواجهة
وهاهي الآن تصل وقد تسلحت بكل القوة الممكنة
جلست
جاءتها النادلة وهي تبتسم: أهلا آنستي
باكينام بتوتر: أين جو؟؟
النادلة كأنها تتذكر: أوه لا تقلقي لقد ترك دفتر محاضراتك في صندوق الأمانات
سأحضره لك حالا
باكينام أمسكت بيد النادلة : لا أسأل عن دفتر محاضراتي
أسأل عن جو شخصيا..
النادلة بحزن: جو عاد لمصر اليوم طائرته أقلعت قبل ساعتين ربما
شعرت باكينام أن الخبر وقع على رأسها مثل صاعقة اخترقت جمجتها وقسمتها نصفين..
شعرت بصداع حقيقي وهي تسأل النادلة:
هل من الممكن أن تعطيني رقم هاتفه بمصر أو عنوانه؟؟
النادلة هزت كتفيها: لا لم يترك شيئا
على العموم هو سيعود لواشنطن بعد حوالي شهرين
بعد أن يقضي فترة الأعياد ورأس السنة في بلده
ولكن لن يعود للمقهى لأنه قدم استقالته
باكينام وقفت وخرجت وهي تترنح
قدماها لا تحملانها وروحها مثقلة بالأسى
كانت النادلة تناديها لتعطيها دفترها
ولكنها لم تكن تسمع وهي تخرج من المقهى
وكأنها تهرب من جريمتها التي ارتكبتها
(لماذا؟؟
لمــــــــــاذا
هل تعاقبني يارب على جريمتي في حقه؟؟؟
أقسم أني أردت الاعتذار منه
لماذا رحل؟؟
لماذا رحل؟؟
كم هو معتم وجه واشنطن هذا الصباح!!
لِـمَ السماء مكفهرة؟!!
كم هي صغيرة واشنطن وخانقة دون رحابة وجهه!!
وكم هي مصر سعيدة باحتضانه هذه الليلة!!
لابد أنها تمطر في مصر أهازيجا وفرحا باستقباله!!
كما تمطر هنا حزنا وسوادا وألما لفراقه!!
ما بال الدنيا تعتم.. وتعتم
وتـــعــتــــم؟؟؟)
***************************
الدوحة
الساعة 11 مساء
فارس يدخل غرفته
يخلع ملابسه ليستحم
رن هاتفه.. التقطه
رد باحترامه وثقته المعتادة: هلا لطيفة
لطيفة بتوتر: تكفى فارس طالبتك
فارس انتفض من الحمية وهو يقول برجولة: اطلبي عزش
الغالي يرخص لش.. لو على قطع رقبتي
لطيفة بحنان: جعل عمرك طويل... مشعل يبي يسافر وأبيك تسافر معه
فارس ضحك غصبا عنه: غيرة ذي؟؟
لطيفة بغضب: صدق إنك متفرغ.. أقول لك بيسافر.. تقول غيرانه
تخيل يبغي يسافر خلال ذا اليومين
فارس برعب: أشلون يسافر بوضعه وجروحه تنزف..
لطيفة عبراتها وقفت بحلقها: شفت.. بس هو رأسه يابس..
عشان كذا أبيك تسافر معه
فارس ابتسم: حاضرين.. ولو إن عرسي قريب..
بس منتي اللي يرد لش طلب يا أم محمد
لطيفة برقة: جعلني ما أذوق حزنك..
ثم أكملت بتحذير: بس تراك أنت اللي بتقول لمشعل إنك بتسافر معه
أنا ماقلت لك شيء
فارس باستغراب: ليش يعني؟؟
لطيفة تكذب: تدري بيزعل علي لو درى إني تعبتك
(لم تكن تريد أن يعلم مشعل أنها قلقة عليها بل تتمزق قلقا وخوفا)
*************************
شقة مشعل بن عبدالله
حوالي الساعة 11 ونصف صباحا
هيا مازالت تغلق على نفسها باب غرفتها
مشعل يجلس في الصالة
مخنوق.. مجروح.. ومشبع بالألم
فوجئ بهيا تخرج عليه وهي ترتدي عباءتها
وتقول برعب: مشعل تكفى باكينام في المستشفى
لقوها طايحة في الشارع ودقوا علي لأني أخر رقم هي دقت عليه
مشعل وقف بشهامة وهو يخرج بها لسيارته بسرعة
ولكن دون أن ينظر لها مطلقا
مـــطـــلـــقـــا
ويبدو أنها عادة أبناء مشعل العريقة!!
أسى الهجران/الجزء الرابع والأربعون
مستشفى جورج تاون
المستشفى الأقرب للمقهى
هيا تخرج لمشعل الذي ينتظرها خارج غرفة باكينام
هيا تهمس له وهي عاجزة عن رفع عينيها به:
معها انهيار عصبي
غريبة.. باكينام طول عمرها قوية
إذا سمحت لي مشعل أنا بقعد معها
مشعل ببرود ثلجي: براحتش.. إذا بغيتو أي شيء دقي على على طول
هيا شعرت بألم عميق من طريقته في الرد
ردت بخفوت: إن شاء الله
عادت لبكينام التي كانت منطوية على نفسها كوضع الجنين
وتبكي بطريقة تمزق الروح بألمها وهي تشهق بألم موجع
هيا جذبت الكرسي عند رأسها
وهي تمسح على شعرها المنثور على المخدة وتسألها بألم:
باكينام وش فيج؟؟ شاللي صار؟؟
باكينام تشهق: يوسف سافر.. سافر.. أنا كنت عاوزة أعتزر له
والله كنت عاوزة اعتزر عشان كنت لئيمة معاه
بس هو سافر سافر
هيا ارتعبت.. لم تتوقع أن مشاعر باكينام ناحية يوسف
وصلت لهذه الدرجة من القوة والعمق لدرجة أن تنهار بهذه الطريقة الموجعة
بينما هي استمرت تنكر هذه المشاعر
بكبريائها وعنادها وقلة بصيرتها حتى خسرته
هيا فكرت برعب (ياترى ممكن يصير معاي نفس الشيء)
باكينام كانت منهارة تماما
باكينام حين تعرفت بجو كانت تشعر أن مشاعرها تتحرك بعنف ناحيته
لكن مامنعها من تحرير مشاعرها معرفته أنه من عرق آخر
ولكن حين علمت أنه مصري
ورغم رفضها لعرقه الذي هو عرقها..
لكن مشاعرها المكتومة انسكبت غصبا عنها لتصب في شخصه ومن أجله
شعرت أن يوسف احتل كل خلاياها غصبا عنها
كل مشاعرها المكتومة طيلة سنوات أصبحت له
وتنبض من أجله
حين اكتشفت ذلك.. قررت أن تتنازل من أجل قلبها
توجهت إليه
ولكنها كانت تأخرت..
تأخرت كثيرا..
كثيرا..
**********************
بعد مضي أسبوعين
مشعل وهيا على وشك العودة للدوحة
هيا بقيت عند باكينام لمدة يومين
حتى تحسنت باكينام
حينها قررت باكينام أن تتوجه لأهلها في بريطانيا
وأن تقضي معهم فترة الكريسمس
فنفسيتها كانت متعبة جدا
وكانت بحاجة لوجود أهلها لجوارها
بعدها عادت هيا لشقتها
لكن صدمها برود مشعل معها
يتعامل معها كأنها غير موجودة
هيا عرفت سبب تغيره.. لا تستطيع لومه
ولكنها كانت تتمنى أن يتفهم خجلها
تشتاق كثيرا لحنان مشعل واهتمامه بها
لا تريده عاشقا
ستكتفي أن يكون مثلما كان في بداية زواجهما
ولكن حتى مشعل ذاك اختفى تحت أطنان تجاهله الدائم لها
هيا تتمزق فعلا ولكنها عاجزة أن تشتكي
مشعل مجروح منها لأقصى أعماق مشاعره ورجولته
رفضها له كان جارحا ومؤلما ومهينا
جاءها يمد يديه ويفتح صدره وقلبه
فرفضت كل شي
يستحيل أن يبادر بأي شيء ناحيتها..
يستحيل أن يسمح لها باهانته مرة أخرى
كلاهما معتصمان بالصمت في الوقت الحالي
وهاهما على وشك العودة للدوحة
وهما مثقلان بالشجن والألم
مشعل الآخر سافر لألمانيا
وسافر معه فارس
كانت رحلة مريعة
فهو لم ينزل من الطائرة إلا وملابسه غارقة بالدم
وبقي في المستشفى لعدة أيام
أنهى صفقته
وهاهما عائدان
فارس ممتن للطيفة التي عرضت عليه مرافقة مشعل
فالرحلة قصرت عليه وقت الانتظار لموعد زواجه
لطيفة متألمة لسفر مشعل وقلقة
ومنذ سفره وهي تعاني صداعا أليما لا تعرف له سببا
أجرت عدة فحوصات وهاهي تنتظر النتائج
موضي تعافت تماما من جروحها الجسدية
ولكنها مازالت تعاني مع جروحها الروحية
قررت أن تعود للعمل وتنخرط فيه
لتتناسى آلامها في العمل
**********************
منزل سعد بن فيصل
بعد وجبة الغداء
سعد يغسل يديه ويتوجه إلى الصالة حيث تجلس شقيقته وضحى (أم فارس)
يجلس وأم فارس تصب له (بيالة) شاي..
يبتسم: جعل فارس سالم ليته يطول في سفرته
كسبناش ذا الأسبوعين.. والله بيتنا من غيرش بيفقد حلاه..
أم فارس تشرب بعضا من شايها وتنزله وهي تبتسم:
جيب لك حلا يا ابن الحلال.. حلا دايم على حسابك
ابتسم سعد وهو يفهم قصدها: عقب ماشاب ودوه الكتّاب..
أي حلا طال عمرش
واجد علي شاهي بدون سكر..
أم فارس تضحك: خلك من البربرة.. ألف بنية تمناك..
ثم أكملت بجدية: حرام عليك سعد دافن عمرك وشبابك من يوم توفت مرتك..
اول عيالك صغار تقول ما أبي أجيب وحدة تعذبهم
بس الحين ماشاء الله صاروا كبار.. والواحد منهم لسانه وش طوله
يعني لو قالت لهم مرتك شيء.. لا تخاف بيقولون لها عشر..
صوت ضحكات يقاطعهم وصوت شاب صغير يتدخل في الحديث:
كاني سامع ريحة تحريض علينا من عمتنا المبجلة..
وضحى تشير للمكان الخالي جنبها.. ويجلس كل واحد من ابناء سعد في ناحية
تحتضن فهد الصغير وترد على فيصل: وش تحريضه الله يخلف علي
هو حد يقدر عليكم أنتوا وأبيكم..
فيصل ذو الخمسة عشر عاما يلتفت على والده ويقول بجدية:
ترا يبه مثل ما تقول عمتي لو بغيت تزوج ترا الموضوع من حقك
وأنت ماقصرت معنا.. غيرك ما يسويها
صبرت ذا السنين كلها بدون مرة..
فهد (12سنة) من ناحيته يقفز ويعلق: بس يبه بتزوج جيب لنا وحدة مزيونة
ما نبي قردة تلوع كبودنا..
أم فارس تضحك وهي تحتضن فهد أكثر: صدق رفيق سليطين.. نفس الأفكار
جيل ما يعلم به إلا الله
سعد يبتسم: العمة وعيال أخيها سوو حزب على سعد الضعيّف
إذا بغيت أتزوج يوم أنتو اول من بيدري.. لا تصدعون راسي
الواحد يبي يقيل.. وانتوا فتحتو له ذا السيرة
فيصل وفهد استأذنوا وتوجهوا لغرفهم
والحقيقة أنهما متراهنان على دور بلايستيشن يريدان إكماله
وسعد التفت لأم فارس وسألها بهدوء: عرس فارس قرب..
فارس محتاج شيء.. قاصره شيء؟؟
تعرفين ولدش لو بيموت ما يطلب من حد شيء
أم فارس بحنين وشوق: لا فديتك.. الخير واجد..
والشباب عيال ولد عمك محمد مايقصرون هم اللي رتبوا كل شيء
سعد نبرة خاصة: على طاري ولد عمي محمد.. بنت محمد اللي ما تشوف وش أخبارها؟؟
أم فارس أخذت السؤال على ظاهره: مريم الله يعوضها الجنة..
والله ذا البنت مافيه مثلها حد.. وأخبارها زينة.. شايلة العرب كلهم على رأسها
سعد بدأ يدخل في المحضور في أسئلته: أنا أتذكر إنها كانت زينة وهي صغيرة
أم فارس مازالت تجاوب على سجيتها دون انتباه لنبرة الخصوصية في أسئلته:
ولحد الحين زينة ..حتى عيونها.. ماكنها بعيون عمياء..
الله يعوضها عن عيونها بالجنة..
سعد باستفسار: إلا هي وش سبة عماها؟؟
أم فارس تجاوبه: حمى جاتها وهي عمرها 3 أو4 سنين..
ماخلتها لين خذت نظرها.. الله يحمي جميع المسلمين ويعوضها عن صبرها
سعد يقف ليذهب لغرفته وهو يقول بنبرة خاصة:
ما تدرين يمكن الله يعوضها
أو تكون هي تعويض لغيرها..
************************
لندن/ منطقة مايفير أحد أرقى مناطق لندن
الظهر
منزل طه الرشيدي والد باكينام
سوزان والدة باكينام تقترب من باكينام التي تجلس في الشرفة تلتفع بدثار ثقيل
وتحتضن كوبا كبيرا من القهوة لم تشرب منه شيئا
سوزان تضع يدها على كتف باكينام وتهمس لها بحنان
بعربية مكسرة تحب أن تتحدث بها: باكي حبيبي.. جو كتير برد
باكينام تفكيرها ليس معها: It's OK mom
سوزان بقلق: صغيرتي مابكِ؟؟ منذ عودتكِ من واشنطن وأنتِ مكتئبة
باكينام بهدوء: لا شيء ماما.. اشتقت لكم فقط
ثم أكملت بألم: ماما أريد الذهاب لزيارة أنّا صفيه في القاهرة
اشتقت لها كثيرا.. أريد رؤيتها قبل عودتي لواشنطن
سوزان مسحت على شعرها وهي تقول لها بحنان: كلنا ذاهبون للقاهرة
أنا أساسا كنت أريد إخبارك.. فوالدك جاءه اليوم استدعاء من القاهرة
وهو يقول أنها فرصة لرؤية والدته وأشقائه
أكملت باكينام بألم ماعادت تعرف له سببا، ألم يمزق روحها:
ولكن لابد أن أرى جدتي فيكتوريا قبل سفرنا
سأذهب لها في ايرلندا إن كانت لن تعود قريبا
سوزان بذات الحنان: أمي ستعود من ايرلندا غدا
وسنذهب كلنا لمانشستر لزيارتها وتستطيعين البقاء عندها حتى موعد ذهابنا للقاهرة لو أردتي..
**********************
العصر
الدوحة
المستشفى الأهلي
لطيفة متوترة جدا
مشعل سيعود الليلة وهي أساسا متوترة بسبب عودته
وزاد التوتر عليها
أن الطبيب اتصل وطلب منها أن تحضر فورا
وأن تحضر معه أحد تثق به من عائلتها
الأمر الذي أثار قلقها لأقصى حد
واتصلت بمريم وطلبت منها مرافقتها
وهاهما الاثنتان تجلسان أمام الطبيب الذي بدا متوترا نوعا ما
لطيفة بهدوء وهي تحاول التسلح بالثقة: دكتور وش فيه؟؟
أنا عارفة إنه فيه شيء مهوب زين ومبين في وجهك
دكتور أنا إنسانة مؤمنة بالله عز وجل.. قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا
مريم برعب: الله يهداش لطيفة بتفاولين على روحش
الطبيب تنحنح: الحمدلله أخت لطيفة أنك متقبلة الوضع ومستعدة نفسيا
لطيفة تنهدت بعمق: الوضع اللي هو؟؟
تنهد الطبيب وكأنه يريد إلقاء قنبلته والتخلص منها: ورم خبيث بالمخ
لطيفة شعرت أن روحها نُسفت نسفا
وأربعة وجوه صغيرة تحتل كل تفكيرها
مريم صُعقت.. عاجزة عن مجرد التخيل
لطيفة ابتلعت عبراتها وهي تحاول التماسك لتسأل بهدوء: وأشلون وضع الورم؟؟
الطبيب بحرج: متأخر جدا جدا..
أنا مستغرب كيف تو تحسين بالألم من أيام
مفترض ورم بهذا الحجم والوضع المتدهور له سنين يعذبك..
لطيفة وقفت وهي تشعر أنها على وشك الانهيار: يعني مافيه أي إمكانية للعلاج؟
الدكتور بحزن عميق: الله قادر على كل شيء
لكن الفحوص تقول ولا وحتى واحد في الألف
الطبيب شرح لها وضعها بعبارات موجزة لكنها كانت قاتلة تماما
وهو يلمح إلى أنها من الأفضل أن تستعجل بكتابة وصية إن كانت تريد ذلك
الوجوه الأربعة الصغيرة تتكاثر في ذهن لطيفة
وجوه صغيرة أثيرة ألتهمت تفكيرها وألمها وحزنها
هم من يهمها
هم من ينحرها
هم من تنزف روحها خوفا عليهم من الحياة بعدها
(مازالوا صغارا.. صغارا
أربعتهم يحتاجونني
لم أعودهم حتى الاعتماد على أنفسهم
حتى ملابسهم لا يعرفون تناولها بأنفسهم من الدولاب
إذا لم أخرج لهم ملابسهم بنفسي لن يعرفوا ماذا يرتدون
إذا لم أدرسهم لن يدرسوا
إذا لم أطعمهم سيلتهون في اللعب عن الطعام
إذا لم أحضنهم لا ينامون
من كبيرهم محمد
حتى صغيرتهم جود
من سيحتضنهم بعدي
من يمسح دمعتهم
من يتحسس أجسادهم الصغيرة ليرى إن كان أي شيء يؤلمهم
من سيعالج جروح محمد وعبدالله اليومية من لعب الكرة؟؟
من يمشط شعر مريم الطويل؟؟!!
من سيعلم جود الصلاة ويحفظها القرآن؟!!
هل سيحسنون تربيتهم
تعبت كثيرا في تربيتهم.. فمن يكمل بعدي؟؟ من؟؟)
مريم عاجزة عن النطق وهي تشعر بروحها تُنسف شظايا
وحزن مر يلتهم روحها كالتهام النار للهشيم
(إنا لله وإنا إليه راجعون
من وين جات ذا المصيبة)
لطيفة تناولت يد مريم لتقودها وتتوجه بها للسيارة
دون أن تنطق أي منهما بحرف
ما أن وصلتا السيارة
حتى انهارت لطيفة تماما
تماما
تـــمــــامــا
ورمت بنفسها على صدر مريم وهي تنخرط في بكاء حاد مؤلم موجع
تبكي نفسها.. وما أقسى بكاء الإنسان على نفسه!!
أن يعلم أن الحياة ستسحب من جسده الممتلئ بالحياة
وأنه سيترك أحبائه خلفه
ليصبح عاريا من كل مافي الحياة.. فقط هو ذنوبه أمام الله عز وجل
(يقولون لا تبعد وهم يدفونني**وأين مكان البعد إلاَّ مكانيا)
كانت لطيفة تهتف بجملة واحدة فقط وتكررها بوجع لا نهائي يمزق الروح
لم تكن تقولها فقط .. ولكنها كانت تنزفها دما وألما وخوفا
جملة تمثل أقسى مخاوفها وأبشع آلامها:
عيالي يا مريم.. عيالي أمانتكم
في ذات الوقت
طائرة مشعل تقترب من الأجواء القطرية
مثقل تفكيره
وبداخله تختلط الأفكار
ففترة سفره أتاحت له التفكير الطويل
رأى أنه أضاع حياته في محض عبث
كان أعمى طوال عمره
أعماه غروره وكبرياءه ووجود النعمة أمامه
ولكن الغشاوة انزاحت عن عينيه
فلطيفة تستحق من يحتويها ليخبرها أنها المرأة الأروع التي لا مثيل لها
بل هي شيء يتجاوز الروعة والإنسانية والحنان والجمال
هي أميرته.. ونبض فؤاده
ونصفه الآخر
(اشتقت يا لطيفة
والله اشتقت
أنا من غيرش ولا شيء ولا شي
سامحيني يالغالية
سامحيني
لا أبوه لا أبو الكبرياء اللي بيوقف بيني وبينش
أنا راجع يا لطيفة
راجع
بكل معنى الكلمة راجع)
اعترف يا مشعل
اعترف!!!
ولكن ألا ترى أن الوقت فاتك
وأنك تأخرت
تأخرت كثيرا
كـــــثـــــــــــــيـــــرا
اعترفت بعد أن أخذك إعصار كبريائك بعيدا بعيدا!!
أخذك إلى حيث نقطة اللا رجوع
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 01:56 AM
أسى الهجران/ الجزء الخامس والأربعون
الدوحة
بعد صلاة العشاء
منزل محمد بن مشعل
مشعل وصل للتو من المطار
قادم للسلام على والديه أولا
يشعر بسعير نار محرقة
ولهفة كاسحة عميقة لرؤية لطيفة بالذات
مثقل بمشاعره التي يريد سكبها بين جنبيها
متعب من الكبت ومستنزف من الشوق
بعد أن سلم على والدته والعنود سأل عن مريم
أم مشعل بهدوء: في غرفتها.. العصر راحت مع لطيفة
ومن يوم رجعت وهي مسكرة على نفسها الباب
مشعل صعد لغرفة مريم
طرق الباب سمع صوت مريم الخافت: ادخل يابو محمد
مشعل حين دخل فُجع بمنظر مريم
كان واضحا تماما أن لها ساعات وهي تبكي
مشعل شعر أن قلبه انتزع من مكانه، فمريم لا يبكيها إلا أمر جلل
سألها برعب: مريم وش فيش؟؟
مريم وقفت وألقت بنفسها على صدره وهي تبكي بمرارة:
لطيفة يا مشعل لطيفة
مشعل شعر كما لو أوردة قلبه وشرايينه قطعت جميعها.. وريدا وريدا وشريانا شريانا
وهو يهتف برعب صرف: وش فيها لطيفة؟؟
لطيفة كانت طلبت من مريم ألا تخبر أحدا
ولكن مريم رأت أن مشعل بالذات لابد أن يعرف
فلطيفة تحتاج إلى من يقف إلى جوارها
مريم أخبرت مشعل بكل شيء وهي تشهق بمرارة بين عباراتها
كل كلمة كانت مريم تقولها كانت سكينا مسنونة
تنغرز في جسد مشعل بوحشية لتمزق أشلائه وتنثر دمائه أمام عينيه
شعر بألم متوحش يخترق صدره ليمزق كل خلية نابضة في جسده
ويحيلها رمادا
(لا لا ياربي لا..
كله ولا لطيفة.. كله ولا لطيفة
اخذني أنا..
خذ عمري كله وعطه لطيفة
ليه أعيش في الدنيا ولطيفة مهيب فيها
لا تخليني يا لطيفة
لا تخليني..
إذا أنا أهون عليش
عيالش يهونون عليش؟!!
لمن تخلينهم؟؟
عيالش صغار.. محتاجينش
لا يا لطيفة.. لا
لااااااااااااااااااا)
**************************
بعد ذلك بقليل
غرفة لطيفة
لطيفة تجلس على السرير
تحتضن هاتفها بيدها بعد أن أنهت مكالمة هامة
عاجزة عن احتمال انفعالها
الانفعال يهزها كالزلزال
وعيناها ممتلئتان بالدموع
وهي على هذه الحال
دخل مشعل
لم تنتبه لدخوله حتى شعرت بكفيه قويتان حانيتان على عضديها
وهو يقف أمامها ويرفعها بخفة
ليحتضنها بعنف كأنه يريد أن يخفيها بين ضلوعه
يريد أن يحمل عنها الألم والوجع
ويخفيها عن المرض عله ينساها ويتركها له
الألم يلتهم روحه.. والندم يأكله على كل لحظة أضاعها عليه وعليها
كان يشدد احتضانها أكثر وأكثر وأكثر..
وهو يستنشق عبير شعرها بعمق
كأنه يستنشق عبير روحها التي ستفارقه
يحتضنها بعمق.. ويستنشق رائحتها بعمق
كأنه يريد أن يطبع تفاصيل جسدها على جسده
ويخزن عبق رائحتها في ذاكرته
لطيفة كانت متفاجئة تماما من تصرف مشعل
بل شعورها تجاوز المفاجأة إلى الصدمة العصية على التصديق
شعرت أن روحها المعذبة تسكن ورأسها مدفون في صدر مشعل العريض
كانت تتنفس بعمق رائحته التي عذبها اشتياقها لها
كانت تشعر كالغريب الذي آب إلى أحضان وطنه أخيرا
فلكم اشتاقت إليه واستنزفها وجع الشوق إلى كل شيء فيه!!
رائحته
صلابة ذراعيه
عضلات صدره
دقات قلبه..
لطيفة شعرت بعد لحظات أنها عاجزة عن التنفس من شدة احتضانه لها
وأن عظام صدرها بدأت تؤلمها
هتفت بصوت خافت: مشعل خنقتني
مشعل لم يكن يريد إفلاتها
يريدها أن تسكن أضلاعه للأبد
أن يخفيها في قلبه وبين حناياه
لا يريدها أن تبتعد
يريدها أن تستوطن خلاياه لآخر لحظة في عمريهما
ولكنه أفلتها بخفة ليحتضن وجهها بحنان بين كفيه
وينظر لعينيها بوله ويهتف بعمق:
أنا أحبش يا لطيفة أحبش..
مهوب بس أحبش
أنا أعشقش..وأعشق الأرض اللي تمشين عليها
أنا كنت غبي
وطول عمري غبي
سامحيني حبيبتي سامحيني
لطيفة كانت مصعوقة
لم تتخيل أنها قد تسمع هذه الكلمات من مشعل
ولا حتى في أجمل أحلامها
شعرت ببركان يتفجر في روحها
وحرارتها ترتفع
ودقات قلبها تتزايد وتتزايد وتتزايد
وهي على وشك الارتماء في حضنه مرة أخرى
وغمر وجهه بقبلاتها المشتاقة
(وأخيرا يا مشعل.. وأخيرا)
لكنها خطر لها خاطر مرعب جارح مميت
سألته بحذر موجع خائف مرتجف
وهي تشعر برعب من الإجابة التي تمنت أن تخالف ظنونها
ودعت الله بعمق أن تخالف ظنونها
وضرعت لله ألف مرة أن تخالف ظنونها:
أنت شفت مريم؟؟
مشعل بألم صرف: توني جاي من عندها..
حينها لطيفة شعرت أن قلبها مات تماما
ومشاعرها تنطفئ كأنما انسكب عليها طوفان من الجليد
وهي تخلص نفسها من بين يدي مشعل وتقول ببرود.. برود مختلف
برود حقيقي .. ليس مصطنعا مثل كل مرة:
إيه قول كذا يا ابن الحلال!!
يا حرام..
تدري كلفت على روحك بذا الكلمتين
أكيد تعبت وأنت تقولهم
بس قلت ياحرام.. المرة بتموت
خلني أكذب عليها وأفرحها الأيام اللي باقية لها في الدنيا
خل شفقتك لنفسك
والفيلم الهندي البايخ اللي سويته وفره على حالك
لأنه أنا مافيني شيء
الدكتور توه كلمني الحين..يعتذر عن الخطأ الغير مقصود على قولته
يقول الفحص مهوب فحصي..
الفحص حق وحدة ثانية توفت الليلة الله يرحمها برحمته..ويعيضها الجنة
والله إني حزنت عليها
وأنا اللي معي مجرد ارتفاع في الضغط جاب لي صداع..
إذا تبي تتأكد هاك خذ كلمه..
وفعلا رنت لطيفة على الدكتور وأعطته لمشعل الذي تحادث معه قليلا
والدكتور يكيل الاعتذارات بحرج بالغ
لطيفة مجروحة بعمق..
ممزقة تماما
روحها مدمرة..
شعورها كان كمن يحلق فوق السحاب
ليجد نفسه بعدها يرتطم في الأرض بعنف
لتتحطم كل ضلوعه
وتنسحق سحقا
(أخرتها شفقة يا مشعل
أخرتها كذا
عمرك ماحبيتني ولا بتحبني
خلصت من ذا الفيلم كله خلصت
فقدت كل رغبة في حبك
أنا قرفانة من حبك أصلا)
مشعل أغلق الهاتف
وتوجه إلى حيث جلست على الأريكة
جلس جوارها وهو يحتضن يدها
لطيفة انتزعت يدها بقسوة
ومشعل يتنهد ويقول بعمق موجع صادق:
اللهم لك الحمد والشكر
ألف شكر وحمد
ما تتخيلين أشلون كنت حاسس
كنت بأموت من مجرد تخيلي الحياة من دونش
حسيت إن حياتي كلها مالها معنى
لطيفة أنت نور حياتي
أنا من غيرش ولا شيء.. والله العظيم لا شيء
لا تقسين علي حبيبتي
كفاية اللي راح علينا
والله العظيم أحبش أنتي وبس
وحتى فكرة الزواج كانت فكرة غبية أنا ألغيتها من زمان من تفكيري
حد ممكن يبعد عن روحه وأنفاسه
أنتي روحي وأنفاسي
لطيفة وقفت وابتعدت عنه وهي تقول ببرود:
والله وصرت تعرف تمثل وتصفصف حكي
وفر على نفسك حكي أنت ماتقصده
ولا راح يأثر فيني
لأن قلبي أنت نحرته
والميت خلاص مات مافيه شيء يرجعه للحياة
لطيفة أنهت جملتها
وتركت مشعل جالسا مصدوما مشبعا بالألم غارقا في وجع سرمدي
وهي خرجت لتفرغ انفعالاتها بعيدا عنه
ولتتصل بمريم وتطمنها
*************************
فارس عاد لبيته أولا وسلم على والدته
وهاهو يتوجه لبيت جدته بعد أن صلى العشاء
دخل بعد الاستئذان
وجد موضي ومشاعل في الصالة السفلية
وجدته مازالت لم تخرج من غرفتها
مشاعل سلمت عليه وركضت لغرفتها خجلا
فزواجها بعد أقل من أسبوعين وبدأت تخجل من مقابلة أكثر الناس
حتى والدها بدأت تتحاشى رؤيته من شدة خجلها
فارس يبتسم وهو يراها تتمتم بأعذار واهية وعيناها في الأرض
ثم تركض للأعلى
يغمز لموضي: مستحية الأخت؟؟
موضي تضحك: أكيييييييد.. هذي علامة الجودة حقت ميشو
فارس باهتمام: أنتي ما تحسين إنها خجولة بزيادة؟؟
موضي بقلق: بصراحة زيادة عن الزيادة
ثم أكملت بخبث: بس لا تخاف ترى العنود مهيب مثلها
فارس ينهرها: موضي عيب عليش ياقليلة الحيا
موضي (بعيارة) : عشتو.. علي يا فويرس..
فارس تنهد: تدرين مالي خلق أعصب عليش.. أنا في مشاعل
واجد شاغلتني.. أشلون بتتعامل مع ناصر إذا أنا إخيها تستحي مني كذا
موضي بقلق: والله يافارس أنا ولطيفة ومعنا مريم نحاول فيها، بس حالتها مستعصية
ياليت يافارس تقول لناصر يصبر عليها.. ومايزعل من سحاها الزايد
فارس بثقة: أنا بأقول له.. بس هو أشلون بيستحمل.. ناصر واحد مزوحي
ومايحب الصكة والنكد.. وأختش على وضعها هذا أم النكد وأبوه
وهما يتحاوران خرجت جدتهما تتهادى على عصاها
الاثنان قفزا وهما يتلقيانها باحترام
فارس يقبل رأسها ويقول بحب عميق ممزوج بالاحترام: هلا بالغالية
جدته بحنان: هلا والله.. والله إني صادقة
فارس أسند جدته حتى أجلسها
ثم جلس إلى جوارها وهو يحتضن كفها
بعد انهاء السلامات المعتادة، جدته سألت بانفعال غاضب: الخريش وينه؟؟
فارس باستغراب: أي خريش؟؟
جدته بغضب على مشعل: اللي سافر ودميانه تقوطر
فارس ضحك: كان يقول إنه بيجيش على طول عقب أمه
جدته بانفعال: ما أبيه يجيني خله يروح يرتاح..
هو حد يسوي سواته الخبل
لو أنه مات وخلا بزارينه يتمان كان سره ذا الشغل وإلا نفعه..
موضي تهمس في أذن فارس:
جدتي مفولة على مشعل من يوم درت إنه راح وهو تعبان
الله يعينه عليها إذا جاء يسلم
**********************
واشنطن دي سي
ذات اليوم بالليل
غدا موعد سفرهم
سيتوقفون في فرنسا ومنها إلى الدوحة
كان من المفترض أن تكون نقطة التوقف المعتادة هي لندن
ولكن مشعل دائما يتلافى التوقف في لندن تلافيا لأي تعقيدات تخصه
وسيكونون في الدوحة مساء بعد الغد إن شاء الله
هيا أنهت ترتيب جميع أغراضها
وكانت تتمنى أن تساعد مشعل في ترتيب أغراضه
أو تقوم هي بترتيبها
لكنه كعادته طيلة الأيام الماضية يتجاهلها تماما
وكأنها غير موجودة
لا يطلب منها أي شيء
ويوجه لها الخطاب بصيغة عامة ودون أن ينظر إليه
كم هو مؤلم إحساسها بتجاهله لها
لا تنكر أنه لم يقلل من احترامها مطلقا
ولكنه يحترمها احترام رسمي موجع
عاجزة عن التفسير والالم
هي الآن متوترة جدا من مقابلة أهلها
كانت تتمنى أن يخفف مشعل عنها
كما كان يفعل قبل غضبه الأخير منها
كان كلما شعر أنها متوترة من قرب لقاءها بأهلها
كان يحكي لها عشرات الحكايات عن كل واحد منهم
ليسحب كل مشاعرها السلبية بطريقة سحرية
ولكنه الآن صامت دائما
ويتركها للهواجس والتوتر والقلق
تطل عليه وهو في غرفته يرتب حقيبته غير منتبه لها
أو ربما غير مهتم!!
(اشتقت لك مشعل..اشتقت لك
ألا تريد أن تسامحني
ألا تكفيك الأيام الماضية
احتاجك مشعل أحتاجك
لا تتركني هكذا معلقة بين الألم والهواجس
أنا لا أعرف هناك أحدا سواك
لك وحدك انتمي
أشعر بعيدا عن دفء مشاعرك كأني غريبة تفتقد دفء وطنها
أنت وطني
فكيف يعيش الإنسان دون وطن؟!!)
تهمس وهي واقفة عند الباب: مشعل تبي مساعدة؟؟
مشعل بهدوء دون أن ينظر إليها: لا شكرا..
(هل تستمتع بإيلامي وإشعاري بالذنب حبيبي؟!)
(هل تستمتعين بتعذيبي بقربك بينما أنتِ أبعد مايكون حبيبتي؟!!)
(أنا آسفة جدا.. ألا تستطيع تفهم خجلي؟!!
ألا تسامحني وتحتضني لتشعرني بالأمان في أحضانك؟!)
(لا تشعري بالشفقة علي
فأنا من آل مشعل
مخلوقٌ غير قابل للتحلل أو الاهتزاز
وأبعد ما أريده منك هو شعور بالشفقة أو حتى الامتنان)
حوار صامت يدور بينهما
هي تنظر له
وهو ينظر لكل شيء عداها
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 01:58 AM
أسى الهجران/ الجزء السادس والأربعون
طائرة مشعل في الجو أقلعت من مطارل شارل ديغول في باريس
وتبقى ساعات قليلة على وصولها للدوحة
اليومين الماضيين مرا قاسيين جدا على البعض
وأكثر هذا البعض كان مشعل بن محمد
آلمه خانق لروحه
قاسٍ على مشاعره المتدفقة الملتهبة
وموجع لكبرياءه الثمين
فلطيفة أصبحت تتجاهله تماما
سابقا كان يعرف حتى وإن كانت تتجاهله إلا أن تحت جلدها لهيبا
وفي عيناها ألق مختلف كلما رأته
ولكن هذا اللهيب انطفى
والألق اختفى
أصبح يشعر أنها ليست أكثر من قالب ثلج
تبادلا الأدوار بجدارة
المتجمد والملتهبة
أصبحا الملتهب والمتجمدة
(أ هكذا كانت تشعر وهي معي
أنا لم أحتمل هذين اليومين
فكيف تحملتني هي ل13 عاما
كيف؟؟
كيف؟؟
أي مخلوق جبار أنتِ؟؟)
هاهو ينظر لها وهي تنام جواره وتعطيه ظهرها
يعلم أنها لم تنم ولكنها تتجاهله كعادتها مؤخرا
يعلم أن الذنب كله ذنبه
وهو من لابد أن يبادر للاصلاح
ولكن هل مازال هناك فرصة للاصلاح؟؟
اقترب منها
ألصق جسده بظهرها
وهو يهمس في أذنها بعمق حنون: لطيفة حبيبتي
لم ترد مطلقا عليه
ولم تتحرك مطلقا
انحنى أكثر على أذنها ويده تسكن على عضدها بحنان
ليهمس بخفوت مُعذِب:
حبيبتي ردي علي
لمتى بتعذبيني يعني؟؟
والله العظيم أحبش
أنتي وبس
كان الرد عليه صمت مطبق بلا حراك
شعر أن هذا كثير عليه.. كثير جدا
لا يستطيع أن يتقدم أكثر من هذا ولا أن يقول أكثر من هذا
فتلك الكرامة اللعينة لا تسمح له بأكثر من هذا في الوقت الحالي
تراجع لمكانه
وهو يعطيها ظهره
وأفكاره المنثالة تقتحمها هواجسه
ومشاعره المصلوبة على مشانق الرغبة والألم والاحتياج
(وش هالحياة اللي عايشينها؟؟
باقي نجيب ثلاجة ونعيش فيها!!
لكن مهوب أنا اللي أخسر!!
مهوب أنا!!)
*********************
مدينة مانشستر شمال غرب لندن
قصر اللورد وليام تشارلستون جد باكينام
كان قصر جد باكينام الانجليزي عبارة عن قلعة عريقة في ضواحي مانشستر
يرجع تاريخها للقرن السابع عشر الميلادي
أجري عليها العديد من التجديدات ولكنها مازالت تحتفظ بطرازها المعماري القديم
ولا يسكن فيها حاليا سوى جدتها فيكتوريا
التي أصرت أن تبقى مع ذكرياتها التي تحمل رائحة وليام..
وتكون الصدفة المريرة والمفارقة المرعبة
أن تعيش فيكتوريا الإيرلندية في مانشستر بالذات
المدينة الانجليزية التي تعرضت لأشهر وأعنف هجمات الجيش الإيرلندي الجمهوري
(مسمى الثوار الايرلنديين الذين كان منهم والد فيكتوريا)
ومن هذه الهجمات مذبحة شهداء مانشستر الشهيرة في القرن التاسع عشر
ومن آخرها الهجوم الشهير جدا سنة 1996
الانفجار الذي هز وسط مانشستر وخلف مئات القتلى
وهاهي فيكتوريا تقيم في مانشستر التي تلعن الايرلنديين صبح مساء
كانت باكينام ترتدي حجابا ثقيلا من الصوف
وجاكيتا واسعا طويلا من الكشمير الثقيل
فالجو كان يثلج بغزارة في الخارج
فيكتوريا ترتدي طقما ثقيلا من التويد الرمادي يمثل الطراز الانجليزي الارستقراطي في اللبس
حتى وإن كانت تكره الانجليز ولكنها أصبحت تمثلهم في تصرفاتها ولبسها
شعرها أصبح أبيض تماما وهي ترفعه في شنيون كلاسيكي هادئ
يناسب هدوء ملامحها الدقيقة المشبعة بالتجاعيد
اقتربت من باكينام التي تجلس على أريكة بالقرب من المدفأة
و جلست جوارها وهي تفك حجاب باكينام بحنان
باكينام أمسكت حجابها وهي تقول بهدوء:
أخشى أن يدخل أحد خدمك وأنا بدون حجاب
فيكتوريا بحنان: لقد نبهت عليهم ألا يدخل علينا أحدا منهم
أريد أن أرى شعرك
باكينام فكت حجابها بنفسها ثم وضعت رأسها على فخذ جدتها
جدتها تمسح على شعرها و تهمس لها بحنان:
لِـمَ لم تغادري مع والديكِ؟؟
باكينام رفعت عيناها الغائمتان لها وابتسمت ابتسامة باهتة:
ألا تريدينني؟؟
فيكتوريا بذكاء: تعرفين أن هذا ليس قصدي
لا تتغابي أو تتذاكي علي
مابكِ؟؟
لطالما كانت علاقة باكينام بجدتيها استثنائية، وارتباطها كبير جدا بهما
ولطالما كان الحوار مفتوحا وذكيا بينها وبين العجوزين الذكيتين
باكينام بذكاء كذكاء جدتها:
لا شيء سوى أن واشنطن كانت قاسية علي
وكادت أن تكسرني أو ربما فعلت
انتفضت فكتوريا: لن تكوني حفيدتي إن تركتي أي شيء يكسرك
باكينام تناولت يد جدتها من فوق رأسها واحتضنتها بالقرب من صدرها:
متعبة كثيرا ماما.. متعبة..
جدتها همست بحنان وذكاء وهي تحتضن يدي باكينام:
أتمنى ألا يكون انجليزيا باردا متوحشا
باكينام جلست وهي تهتف باستغراب: من هو؟؟
فيكتوريا برقة: سبب تعبكِ
ابتسمت باكينام: ولِـمَ تفترضين إن هناك رجلا ما؟؟؟
فيكتوريا بحكمة: لا تستخفي بي ياطفلتي
قد أكون عجوزا ولكني أعرف الحب جيدا
أنا عرفته ثم عرفته في أمك
ويبدو أننا أجيال حُكم عليها بالغرام
أتمنى فقط ألا يكون انجليزيا..
الانجليز كان فيهم رجل رائع واحد كان من نصيبي
أما البقية فهم حثالة شعوب الأرض وأكثرهم وحشية
باكينام ضحكت لأول مرة منذ إصابتها بالانهيار في واشنطن:
عديني ألا تخبري أحدا
فيكتوريا تقرص أذنها: أ لي يُقال هذا الكلام؟؟ هيا أخبريني
باكينام تبتسم: مصري
تضحك الجدة : أنا أحببت المصريين بعد والدك..
والدك رجل رائع ويحب أمك كثيرا
وأخيرا قرر الجيل الثالث العودة لقواعده وعروقه سالما
باكينام بألم: لم يعد ماما لم يعد.. فحكايتي معه انتهت قبل أن تبدأ
وأرجوكِ لا تسأليني عن التفاصيل
فالتذكر مؤلم.. مؤلم كثيرا
جدتها تحتضنها: لا بأس صغيرتي لا بأس.. الحياة تجارب
وربما كان هذا الشاب مجرد محطة قبل الوصول لمحطتك الرئيسية
باكينام تحاول كبت دموعها حتى لا تثير قلق جدتها عليها:
هو كل المحطات ماما كل المحطات
وقبل أن ترد عليها جدتها هتفت باكينام لتغيير الموضوع:
سنذهب لمصر بعد أيام ما رأيكِ أن ترافقينا؟؟
فيكتوريا باستغراب: وماذا أفعل في مصر؟؟
باكينام بحماس: وماذا تفعلين هنا في هذا الثلج والصقيع
الجو الآن في مصر رائع
وأنتي لم تزوري مصر منذ زمن بعيد
فيكتوريا بحنين: زرتها مع وليام قبل وفاته بسنوات
ضحكت باكينام: وبالتأكيد أقمتم في المينا هاوس قرب الاهرامات
جدتها باستغراب: هل أخبرتكِ سابقا؟؟
باكينام تبتسم: لا.. ولكن كل اللوردات الانجليز لابد أن ينزلوا هناك
ويصوروا أيضا وتوضع صورهم في بهو الفندق أو دفتر الزوار.
فيكتوريا تتذكر: مكان رائع بالفعل..
مينا هاوس كان قصرا من قصور الخديوي اسماعيل يطل على الاهرامات مباشرة
أُعد ليكون استراحة له ولأسرته ولضيوفه زائري الأهرامات
وأشهر الزوار كانت أوجيني ملكة فرنسا التي يقال أن الخديوي كان معجبا بها جدا.
اشتراه في أواخر القرن التاسع سير انجليزي يدعى (فريدريك هيد) لأنه أعجب زوجته
ثم اشترته عائلة (لوكيه كينغ) الانجليزية العريقة المعروفة بولعها بالآثار
وكانت هذه العائلة هي من حولته لفندق شديد الفخامة
وفي سبعينيات القرن الماضي اشترته سلسلة فنادق أوبروي العالمية
والفندق تحفة معمارية مذهلة ولكنه معروف للأجانب أكثر من العرب
والزائر له سيرى في انحائه صور عدد كبير من المشاهير الذين أقاموا فيه.
باكينام بحماس وهي تحاول أن تتناسى حزنها: جربي الحياة المصرية الحقيقية
بعيدا عن الفنادق.. سأكون لك دليلا سياحيا بالمجان
بيتنا هناك رائع جدا ويطل على النيل مباشرة
كما أن لنا بيتا آخر في قرية والدي وسط مزارع شاسعة
صدقيني ستستمعين معنا
فيكتوريا بتفكير: لا بأس سأفكر.. ولكن لن أذهب معكم
سألحق بكم بعد أسبوع
فلابد أن أرتب أوضاع القصر والخدم قبل ذهابي..
*************************
منزل عبدالله بن مشعل
بعد صلاة العصر
أم مشعل لها عدة أيام وهي تستعد لاستقبال ابنها مشعل وزوجته
عبدالله منذ علم بزواج مشعل بدأ باستخراج ترخيص بناء قسم خاص له
في طرف أرض البيت الشاسعة.. حتى يعود مشعل ويستقر ويني بيته الخاص على أرضه الخاصة
وبدأ البناء فعلا ولكنه سيستغرق أشهرا
لذا مبدئيا أعاد صبغ وديكور وترتيب غرفة مشعل القديمة
ليقيما فيها فترة إقامتهما القصيرة في الدوحة التي لن تتجاوز شهرا
الترتيب قام بأكثره لطيفة وموضي
فغرفة شاب عازب تختلف بالتأكيد عن غرفة متزوجين
اشتروا الغرفة واختاروا الصبغ والستائر
حتى الحمام غيروه.. وهم يريدان إشعار الزوجان الجديدان أنهما عريسان فعلا
وهاهما الاثنتان في الغرفة
موضي ترمي بنفسها على السرير وهي تهتف بتعب:
يووووه تعبت.. انقطع قلبي من الترتيب
لطيفة بغضب: قومي من السرير لا تكرمشين المفرش
موضي مازالت تتمدد: يعني أنا اللي بأكرمشه
وأخيش الزرافة لا
لطيفة تقرصها: قومي رتبي العطور على التسريحة.. خلي لش فايدة
موضي تدعك مكان القرصة: مشكلة إذا صار فيه حد أكبر منك
تنقرص وتنضرب وأنت متلايط غصبا عنك
لطيفة بتعب: ياكثر هذرتش بس..
اتصلتي على الكل وعزمتيهم على الحفلة بكرة؟؟؟
موضي تبتسم: صار.. ماخليت حد..
بس حرام عليكم البنية توها جاية ماتعرفكم
تسوون حفلة كبيرة وتجمعون أمة لا إلة إلا الله على رأسها
لطيفة ترتب بعض الأغراض في الدواليب وتقول بجدية:
أشلون يعني تبين بنت عمش وعروس أخيش تجي ماحد درى فيها
وخصوصا إنه عرس مشاعل والعنود بعد 10 أيام
يعني لازم نحتفل فيها قبلهم..
إيه اتصلي في العنود وشوفي إذا هي أكدت حجز الكوافيرة لهيا بكرة.
موضي بتأفف مازح: يمه منش.. أنتي ما تهجدين ماشاء الله
تشتغلين على كم جبهة أنتي؟؟!!
**********************
الدوحة
العصر
ناصر وفارس يجلسان في مقهى لونوتر في فيلاجيو
فارس بتأفف: ممكن أعرف ليش داق علي وجايبني
ناصر يرتشف قهوته ويبتسم: زهقان.. وبعدين مرتك اللي جايبتني هنا
لازم تعاني معي.. مايصير أعاني بروحي
قلب فارس انتفض بعنف وهو يعرف أنها معه في نفس المكان
حتى ولو كان مكانا شاسعا فيه المئات غيرهم
ثم هتف بغضب: أنت مخليها في المجمع بروحها؟؟
ناصر ينظر له بنصف نظرة كسولة: غيران الأخ؟؟
فارس بغضب: أنت من جدك وإلا تمزح..
قوم روح لأختك لا بارك الله فيك من رجّال..
ناصر يبتسم وهو ينظر لأظافره بطريقة مصطنعة ليغيظ فارس:
والله مرتك.. غيران عليها روح دورها بروحك
فارس قفز بغضب: مادريت إنك رخمة.. اتصل فيها خلها تطلع الحين
ناصر يمسك يده ويشده وهو يضحك:
اقعد لا ينقطع عرقك بس
أمي معها.. مهيب بنت محمد بن مشعل اللي تهيت طال عمرك
فارس شعر بالحرج وأن ناصر حشره في الزاوية
وناصر يكمل وهو يضحك:
والله مهيب هينة العنود النتفة..جابت رأس الشيخ فارس
فارس ببرود يحاول به تغطية حرجه:
والله الرجّال اللي مايغار على محارمه مهوب رجّال
ناصر مازال يضحك: كثر من ذا الهياط طال عمرك
فارس يقرر أن يرد له الصفعة وهو يقول له بخبث:
دواك اللي بتسويه فيك مشاعل
هذه المرة كان ناصر هو من شعر بالرعشة وهو يهتف بمرح:
آه فديت الطاري
الله يخلص ذا الأيام العشرة على خير
قل لي وش هي ناوية تسوي فيني.. أنا كلي حلالها
فارس بهدوء: أنت ماتعرف شيء اسمه سحا.. عيب عليك
ناصر يضحك: وش عيبه؟؟ مرتي ذي.. خلينا العقد لك
فارس بجدية: ناصر ترا مشاعل خجولة بزيادة
ناصر يبتسم: حلالها خلها تخجل وتتدلع
فارس بنفس الجدية: يعني مستعد تصبر عليها؟؟
ناصر بجدية هذه المرة: يعني أنت ما تعرفني فارس
مشاعل قبل ماتصير مرتي بنت عمي.. لها القدر والحشيمة.. لا تحاتيها
الحوار مستمر بين ناصر وفارس
ولم ينتبها للعيون التي كانت تلتهمهما
بعد دقيقة اقتربتا صاحبتا العيون..
وقبل اقترابهما وصلت رائحة عطريهما القوية
اقتربتا حتى وقفتا عند طاولة ناصر وفارس
وهمست إحداهما: ناصر بن مشعل
ناصر رفع عينيه وهو يرد بعفوية: نعم
ولكنه سرعان ما أشاح بنظره وهو يصدم بمنظرهما
كأنهما ذاهبتان إلى حفل زواج
الوجوه المكشوفة المصبوغة والعباءات الضيقة والشعر البادي
أكملت بميوعة: ممكن توقع لي الشيخ
أنا والله العظيم أجمع كل صورك في كل سباق.. ياي تينن
ثم هتفت الثانية بميوعة أكثر: وخل المزيون اللي معاك يوقع لي أنا
فارس لم يرفع عينيه أصلا وهو على وشك الانفجار
ناصر بثقة وقوة: توكلوا.. الله يستر عليكم
مازالت مصرة: بس توقيع.. اشفيك ناشف جذيه مع معجبينك
فارس بقسوة: أقول توكلي توكلي
همست بغضب بارد: ياي يخرع
ثم انسحبتا ولكن الأخرى قبل أن تنسحب مالت على فارس
لتهمس له من قريب: شلعت قلبي.. وش هالرجولة والجمال اليوسفي..
وناصر انفجر ضاحكا وهو يرى احمرار وجه فارس من الغضب
فارس بغضب: أنت أشلون تستحمل ذا الاشكال
تدري.. أخر مرة أقعد معك وإلا مع راكان في مكان عام
تجيبون للواحد شبهة بذا الاشكال اللي تحذف عليكم..
هذولا وين أهلهم عنهم؟؟؟
الجزء الأخير من الموقف حدث أمام عينين دامعتين كانتا تشاهدان من بعيد
**********************
بعد ذلك بساعتين
طائرة مشعل وهيا تقترب
مشعل يهمس لهيا ببرود: أنا ما أدري وش كنتي تلبسين في الدوحة قبل
لكن الحين اسمش مرتي وأنا لولا خوفي إنه حد يضايقش في أمريكا
أو كان قلت لش تغطين وجهش هناك
لكن في الدوحة أعتقد أنه مافيه داعي انبهش
هيا لم ترد عليه لأنها كانت تغلي من الغضب عليه
(هذا وش مفكرني؟؟)
وبعد أن تمالكت نفسها ردت عليه ببرود مشابه لبروده:
والله يا ولد عمي أعرف السنع قدام تأخذني
ولمعلوماتك أنا كنت أغطي وجهي حتى في لندن عدا الجامعة بس
بس في أمريكا حذروني أغطي وجهي
ومنت باللي تجي الحين تعلمني أشلون أتستر
مشعل بتأفف عميق: أنتي كل شيء عندش معركة لازم تربحين فيها
كان هذا أول حوار حقيقي بينهما منذ أيام
وإذا به يتحول إلى مأساة وحرب باردة مستعرة
هيا أخرجت نقابها وارتدته
وهي تحاول نسيان غضبها من مشعل
فما فيها يكفيها
ألم
توتر
توجس
رعب
حزن
وقلبها ترتفع دقاته
ووجيب هذه الدقات يكاد يمزق أضلاعها
خرجت من الدوحة مع أمها
وعادت لها مع مشعل
وشتان بين الذهاب والعودة
تشعر برعب كاسح من الحياة التي تنتظرها
كيف سيكون استقبال أهلها لها
هل سيحبونها؟؟
هل ستحبهم؟؟
كيف هي أشكالهم؟؟
هل فيهم شبه من والدها مثل مشعل؟؟
كيف سيتعامل معها مشعل هناك أمام أهله؟؟
عشرات التساؤلات التهمت تفكير هيا بمرارة
وقائد الطائرة يعلن عن قرب نزول الطائرة في مطار الدوحة الدولي
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:00 AM
أسى الهجران/ الجزء السابع والأربعون
بيت محمد بن مشعل
غرفة العنود
حينما طلبت لطيفة من موضي أن تتصل بالعنود لتتأكد من حجز خبيرة التجميل
ارتعبت موضي وهي تشم في صوت العنود رائحة بكاء تحاول إخفاءه
لذا قررت أن تتوجه لبيت عمها
رغم انشغالها وأن عندهم عشاء رجال ضخم بمناسبة عودة مشعل ووالاحتفال بزواجه في آن
وهاهي الآن في غرفة العنود التي ما أن رأتها حتى انخرطت في البكاء
وكأنها تحتاج إلى من ينبش قشرتها الرقيقة المتهاوية
موضي بلطف: حبيبتي العنود.. ممكن تقولين لي ليش تبكين؟؟
العنود تشهق: فارس.. فارس..
موضي برعب: وش فيه فارس؟؟
العنود تشهق أكثر: يغازل
ثم ألقت بنفسها على السرير وهي تبكي بشكل أحد..
موضي لم تستطع أن تمنع نفسها من الضحك وهي تربت على ظهر العنود:
قومي قومي يالخبلة
تدرين؟؟.. قولي لي.. إبي عبدالله بن مشعل يغازل أقول لش يمكن
بس فارس مستحيل.. لا تصيرين هبلة
العنود مازالت تبكي: أنا شايفته بعيني يكلمها وباقي تقعد في حضنه..
وحكت العنود الحكاية كاملة كما شاهدتها
موضي تشد العنود وتجلسها وتقول لها بحنان: أكيد أنتي غلطانة
فارس مستحيل يسويها..
ثم غمزت موضي وهي تقول بمرح: وبعدين ليش تصيرين صكة كذا؟؟
خليه يودع العزوبية..
العنود تشهق: حرام عليش موضي.. أحر ماعندي أبرد ماعندش
موضي بعذوبة: عشان ترتاحين الحين بأدق على فارس وأنتي تسمعين
العنود برعب: لا لا لا
لكن موضي لم تستجب لرفضها وهي ترن على فارس
وقتها فارس كان في سيارة مشعل متوجها للمطار لاستقبال مشعل
حتى يعود مشعل مع زوجته في سيارته
ويعود فارس مع ناصر..
فارس التقط هاتفه وهو يبتسم: هلا والله بالشيخة موضي
لا تخافين رايح أودي سيارة أخيش
خلاص راحت علينا جا حبيب القلب
العنود قلبها يرتعش بعنف
ويكاد عرقها يتصبب حرا في برودة ديسمبر
وهي تسمع صوته الخشن العميق عبر (السبيكر) المفتوح
موضي تبتسم: خلك من البربرة.. يقولون صادينك تغازل
فارس بغضب: اقطعي واخسي.. ماعاد إلا فارس بن سعود يخربط
موضي تنظر للعنود وتبتسم وتكمل حوارها مع فارس:
اليوم في لونوتر شايفين البنت باقي تقعد في حضنك
فارس بغضب: تدرين موضي.. مهوب شغلش..
ومهوب أنتي اللي تجين تحاسبيني
وأنتي حسابش معي ياقليلة الحيا
موضي توترت وشعرت أنها ربما تكون أخطأت بالاتصال والعنود تسمع
لذا حاولت أن تسحب التوتر: ولا حتى المدام لها حق تحاسبك وهي شايفتك بنفسها؟؟
فارس بغضب كاسح: العنود اللي قالت لش..
العنود توقف قلبها وهي تسمع كيف تغير صوته من الغضب
وكم بدا لها مرعبا ومخيفا تردد نبرة صوته الغاضبة في الجو
وكأن الهوا سكن حولها خوفا
والجو يصبح خانقا وثقيلا
وموضي شعرت أنها تورطت لذا أجابت بصراحة:
أنا عندها.. وتراها تسمعك.. خل عندك شوي ذوق
فارس بغضب ناري: يعني هي تسمعني..زين العنود اسمعيني
حسابش عندي.. عشان ثاني مرة تدخلين حد بيننا
يعني مافيش صبر كم يوم وتسأليني بنفسش
أو من أولها ماعندش ثقة فيني.. أصلا رصيدش عندي كبير
ما يضر ذا الموضوع زيادة
العنود غضبت من تهديده الوقح لها فصرخت بصوت عالٍ حتى يسمع:
وأنا ماني بعبدة عندك تهددني وأنا عادني في بيت إبي..
على شنو شايف حالك؟؟
موضي أغلقت السبيكر بسرعة وهي تهتف لفارس:
فارس الله يهداك مافيه شيء يستاهل
فارس بغضب: دواش أنتي وياها عندي..
ثم أغلق الهاتف..
وموضي ترجع للعنود الباكية وتحاول تهدئتها وإقناعها
أن فارس يغضب بسرعة ويرضى بسرعة
بينما العنود كانت تشعر أنها مجروحة بعمق منه ومن قسوته
وقبلها من المشهد المهين الذي رأته
مشاعرها الرقيقة كانت مستباحة ومستهاضة حزنا وألما
وغيرة مرة جارحة
*************************
مطار الدوحة الدولي
مشعل وهيا يصلان
هيا متوترة جدا
قلقة
مرتاعة
مشاعرها تنزف توترا وخوفا غير مفهوم
راكان كان قد أخذ أذن لدخول المستقبلين لصالة الاستقبال الرئيسية
صالة الحقائب
ولكنه لم يحضر.. بقي في المجلس لاستقبال الرجال مع والده وعمه
ولأن استقباله لصديق عمره لابد أن يكون استقبالا خاصا
ومن جاء للاستقبال فارس وناصر
ومشعل ليحضر لطيفة.. لأنه لابد أن يكون هناك أحد لاستقبال هيا
وهاهما يصلان
وهيا توترها يتصاعد
وهي تود لو تخفي وجهها في ظهر مشعل توجسا وقلقا
ثلاثة أجساد ضخمة تتوسط البهو
عرفت هيا فورا أن اثنين منهما مشعليان أصيلان
الثالث لا يشابههما إلا في الطول والعرض فقط
تأخرت عن مشعل قليلا وهي تراه يتوجه ناحيتهم وابتسامته تتسع وتشع
شعرت أنها غريبة تماما وهي تتأخر أكثر وتتقزم
وهي ترى استقبالهم الحار له
شعرت بدموعها تقفز إلى محاجرها
وذكرى والدها ووالدتها تقتحمها بعنف
شعرت أنها وحيدة وهي ترى مشعل بعيدا عنها
في أحضان أهله
لم ترَ من قبل أسرايره بهذا الانفتاح
وابتسامته بهذا الصفاء
وكأنه يحلق ويتحرر من سجنها له أخيرا
وهي في أفكارها المرة
شعرت بيد رقيقة تسحبها لتحتضنها
وصاحبة اليدين تهمس بصوت عذب حنون:
الحمدلله على سلامتش.. نورتي الدوحة وبيت هلش
أنا لطيفة بنت عمش وأخت مشعل الكبيرة
غصبا عنها وجدت هيا نفسها تنخرط في بكاء مكتوم
وهي تحتضن لطيفة
شعرت بانفعال عميق وهي ترى أن هناك من تذكرها
وغمرها بمشاعره
في الوقت الذي كانت مشاعرها مستثارة ومتحفزة وعلى شفا الانهيار
وقتها كان مشعل يلتفت لها
شعر بألم عميق لأنه علم أنها تبكي
(أما لهذا البكاء والوجع من نهاية؟!)
الشباب ناصر وفارس أخذا أرقام الحقائب من مشعل
ليحضراها هما
وأعطى فارس مشعلا مفتاح سيارته
خرج مشعل مع مشعل
ولطيفة وهيا
حتى وصلا المواقف للسيارتين المتجاورتين
حينها لطيفة ألقت بنفسها في حضن شقيقها
مشعل احتضنها بقوة وحنان
وهو يقبل رأسها: اشتقت لش لطوف والله العظيم
لطيفة بحنان: وأنا أكثر ياقلب أختك
حوار عذب وعميق وشفاف مليء بالاهتمام كان يدور بينهما
الحوار والأحضان أثارت غيرة شخصين محرومين منها إلى حد الوجع
مشعل بن محمد وهيا
فكلاهما محتاج لحضن نصفه الآخر ويفتقده بوجع
وهو يرى كيف أن نصفه الأخر متدفق مع غيره ومليء بالحب والحنان
الذي هو في أمس الحاجة إليه..
مشعل لشقيقته بحنان: لطيفة تعالي معنا..
لطيفة بذوق: لا حبيبي.. أنت روح أنت ومرتك..
وأنا بأروح مع خويي اللي جيت معه
أنا ما أبور في أبو محمد..
مشعل بهدوء: الله يخلي لش أبو محمد.. ما يستاهل من يبور فيه..
جمل عفوية لكنها في القلوب المثقلة تؤول بعشرات المعاني
مشعل الكبير بهدوء: يالله يأم محمد..
هيا شعرت أن إحساس الغربة يعاودها بعنف..
وهي تركب إلى جوار مشعل
تحاول أن تفتح حوارا ما: سيارة من هذي؟؟
مشعل بهدوء: سيارتي..
هيا بذات الهدوء: حلوة ماشاء الله.. متى اشتريتها؟؟
مشعل بسكون: من كم شهر.. في الصيف هذا اللي فات..
حوار غبي باهت.. ولكنه حوار قد يؤدي لشيء ما
وهاهو يؤدي وهيا تتجاوز حبسها لمشاعرها وتقول بخفوت متوتر:
مشعل أنا خايفة..
مشعل شعر أن قلبه يقفز وهي يسمعها تعبر عن خوفها
كان بوده أن يحتضنها.. يطمئنها.. يبعد عنها وساوس الخوف والقلق
رد عليها بطمأنة: لا تخافين من شيء (كان سيقول وأنتي معي، لكنه أكمل):
صدقيني بتنبسطين وترتاحين... هلي ناس طيبين
وكفاية إنش بتشوفين سميتش.. هي بروحها تكفي عن كل الناس
توترت هيا أكثر لذكر جدتها التي يمزقها شوقها لرؤيتها
سترى والدة سلطان أخيرا
الحلم الذي مات وهو يحلم به!!
(سأراها يا سلطان.. سأراها
أمك.. عبق رائحتك
حلمك السرمدي
وجع غربتك التي عشتها في وطنك
سأراها
وكم يمزقني شوقي لها
وخوفي من رؤيتها!!)
السيارة الآخرى
مشعل ولطيفة
مضت لحظات صمت قبل أن يقطعها مشعل بهدوء وعيناه مثبتتان على الطريق:
وصدق ما تبورين في أبو محمد؟؟؟
واللي تسوينه فيه شتسمينه؟؟
لطيفة بذات هدوءه ويداها مثبتتان في حضنها:
أبو محمد أول من بار..والرد من جنس العطا
مشعل بعمق: لطيفة احنا عشرة عمر
وأظني إنش تعرفين أني ما أقول شيء ما أعنيه
أنا أعتذرت لش.. لمتى وأنتي تصديني كذا؟
لطيفة بألم حاولت تغليفه بالبرود لكنها فشلت:
13 سنة وأنت تعاملني كني طوفة
لحد ما خلاص كانت القشة اللي قصمت ظهر البعير
مشاعر شفقة وكسر خاطر
وعقبه لقيت نفسك تورطت
أنت قلتها وخلاص.. ومايصير تراجع ولازم تثبت أنه هذا قرارك من البداية
أو يمكن عجبتك اللعبة وقلت خلني أكملها
مشاعري مهيب لعبة لك يا مشعل
تبيني أصدق أني قدامك 13 سنة وما مليت عينك
وفجأة صرت تموت علي
لا ومشاعرك ماطلعت الا في نفس الوقت اللي كنت تظن إني مريضة
***********************
منزل عبدالله بن مشعل
الصالة السفلية
مشاعل تمسك بيد جدتها وتحاول أن تجلسها وهي تقول لها بحنان:
يمه فديتش اقعدي
هذا هم على وصول
يمه مايصير توقفين على أرجيلش ذا الوقت كله
الجدة بخليط من التوتر والشوق والحنين:
مافيني صبر يأمش.. مافيني صبر
ليتني رحت مع لطيفة
مشاعل مازالت تقف جوارها كما تفعل منذ أكثر من ساعة
فهي لا يهون عليها أن تجلس أو ترتاح وهي ترى قلق جدتها وتوترها
مشاعل بالذات شديدة الاهتمام بجدتها وهي المسؤولة عن كل شيء يخصها
طعامها وملابسها وأدويتها
ترد عليها بحنان: وين تروحين مع لطيفة
تعب عليش فديتش
ثم أكملت بحماس وهي تسمع صوت سيارة تتوقف في الخارج:
شكلهم جاو يمه..
واقتربت من الشباك لترفع طرف الستارة
وترى بالفعل سيارة شقيقها مشعل تتوقف
أسى الهجران/ الجزء الثامن والأربعون
بيت عبدالله بن مشعل
مشاعل وجدتها تقفان في منتصف صالة البيت الرئيسية
مشعل يدخل
وخلفه خيال متشح بالسواد
الجدة قلبها يصطرع شوقا مضنيا لهذا الخيال
بالتأكيد هي مشتاقة لمشعل
ولكن مشعل رأته منذ أشهر قليلة
لكن هذا الشبح الأسود هو وجع 27 سنة مضت
27 سنة مرت وهي تطوي أحشائها على ألم يمزقها
ألم حزَّ عميقا في أعمق أعماقها
حتى بات غائرا كالوشم
وجع شوقها لابن حُرمت منه
ثم انتزعت منه الحياة في عز شبابه
وماترك خلفه غير هذه الصبية
هي كل مابقي منه
كل مابقي من رائحته
هي ما تبقى من أمل عاشت سنين شيخوختها ترتجيه
أمل دعت ربها طويلا أن يسكن روحها برؤيته
قبل أن يأخذ أمانته إليه
مشعل اقترب أولا
احتضن جدته وقبل رأسها وهو يسلم عليها
ولكنها كانت عاجزة عن الرد
لأول مرة في حياته جدته لا ترحب به عشرات المرات
كان يعلم السبب ولا يلومها
لذا تأخر قليلا ليرجع إلى هيا
هيا التي كان يلفها إعصار مشاعر كاسح
كانت ترتعش بعنف وهي على وشك الانهيار
مشعل أمسك بيد هيا بحنان وهو يشدها
ويقول لها بلطف: تعالي سلمي على سميتش
هيا أزالت نقابها بأصابع مرتعشة
كانت تريد أن ترى جدتها وجهها
رغم أن جدتها كانت تحتفظ ببرقعها على وجهها
اقتربت هيا بخطوات مترددة
وعيناها مثبتتان على عيني جدتها الممتلئتان بدموع تعلقت بأهدابها
شعرت هيا أن روح والدها تحوم حولها
لم تشعر بقوة حضوره يوما كما تشعر اليوم
(هل عدت معي ياوالدي؟؟
هل تراها الآن كما أراها؟؟
هل ترى من حرموك من أحضانها؟!
هل ترى من استنزفك شوقك لأحضانها؟!!
هل ترى وجع أحلامك ويأس سنينك؟!!
هل ترى مابقي من ذكراك في رائحتها؟!!
كم تبدو جدتي عظيمة وشامخة يا أبي
كنخلة باسقة تضرب بجذورها في عمق الأرض؟؟
هل ستتقبلني وتحبني كما كنت أنت تحبني؟!!
هل سأشعر في أحضانها بدفئك وبعضا من عبقك الذي استنزفني شوقي إليه؟!!)
بقيت الاثنتان لبرهة متقابلتان
كل منهما تنظر للأخرى
الجدة لكل تفصيل في وجه هيا
وهيا لعيني جدتها اللتين أحاطت بهما تجاعيد غائرة
تحكي سيرة سلسلة طويلة من الألام
حينها الجدة شدت هيا واحتضنتها بعنف حانٍ
ثم انهارت هيا في أحضان جدتها
وهي تبكي بصوت مسموع
والجدة تسيل دموعها بصمت
وهيا تهتف بجملة واحدة
" مات وهو مايبي شي في الدنيا إلا شوفتش
مات وهو مايبي شيء في الدنيا إلا شوفتش"
الجملة التي أثارت أقصى أوجاع الجدة
ليبدأ صوت نشيج مؤلم يتعالى من روحها المثقلة
حينها صُعق كل من مشعل ومشاعل اللذين كانا أنهيا للتو
سلامهما الحار على بعضهما
فهما مطلقا لم يسمعا بكاء جدتهما قبلا
مشعل اقترب من هيا التي مازالت في أحضان جدتها
وهمس في أذنها بعتب: مافيه داعي تقلبين مواجعها بالكلام
جدتي عمرها مابكت قبل اليوم
هيا رفعت رأسها وابتعدت قليلا وهي تمسك بكف جدتها التي مازالت تنشج
وهي تهمس لها بحنان باكٍ: يمه فديتش.. خلاص لا تخربين علي فرحتي بشوفتش
الجدة بعمق متألم: إذا هو مات وهو يبي يشوفني
أنا أموت في اليوم ألف مرة لأني ماقدرت أشوفه
حينها مشاعل الرقيقة التي كانت تحاول التماسك انهارت في بكاءها الخاص
مشعل بحيرة بين الباكيات الثلاث:
خلاص الله يهداكم أنتو بتسوون مناحة
أذكروا الله
قولوا لا إله إلا الله
ثم توجه لجدته وشدها وأجلسها على الأريكة
وجلس هو إلى جوارها وهيا بجوارها من الناحية الأخرى
حتى تأكد أن الاثنتين سكنتا
حينها توجه لمشاعل التي كانت تجلس على كرسي لوحدها
وتبكي بصمت
جلس على طرف الكرسي واحتضنها بحنان: وأنتي يالدلوعة على طريف
حينها انتبهت هيا إلى حنانه المتدفق مع شقيقته
يبدو كما لو كان سيذوب من أجلها
هاهو يحتضنها مرة تلو الأخرى وهو يحايلها ويمازحها
حتى رأى ابتسامتها.. حينها أشرق وجهه بإبتسامة صافية
(ياترى ممكن يكون معي في يوم كذا؟!!)
حينها مشاعل قفزت وهي تقترب من هيا
وتسلم عليها بحماس وانفعال مغلفان بخجلها وعذوبتها
وهي تعتذر بتهذيب حقيقي.. وتسأل هيا عن أحوالها.. وترحب بها برقة
شعرت هيا أنها تبدو ذكرا فعلا أمام أنثى مثل هذه
كيف تتكلم بخفوت.. وتنتقي عباراتها برقة
ويدل كل مافيها على أنوثة مصفاة
من طريقة تحريكها ليديها.. لتعبيرها بملامحها.. لتحكمها بدرجة صوتها
وهيا مازالت مبهوتة في عذوبة مشاعل ورقة انثيال عباراتها
سمعت صوتا طفوليا رفيعا يأتي من الأعلى:
الزرافة جا ماحد قال لي..
مشعل حين رآها اتسعت ابتسامته
وهو يتلقاها وهي تنزل كالسهم من الأعلى
ليحملها عاليا وهو يحتضنها وضحكاتها تتعالى وهي تقول: وش جبت لي؟؟
ومع جملتها تغمر وجهه بالكثير من القبلات التي تعبر عن اشتياقها الطفولي الشفاف
مشعل يضحك: ماجبت لش شيء.. زعلان عليش..
يقوله وهو ينزلها وهي تحتضن خصره :
أفا.. أبو عبدالله زعلان
نزل رأسك خلني أحبه.. وجيب لي هديتي
لأنه مستحيل تنساها
مشعل مازال يضحك: أبوك يالثقة.. الشناط مع ناصر وفارس
إذا جات
الشنطة الصغيرة كلها لش أنتي ومريوم
ريم تضحك: مالي شغل في مريوم.. كلها حقتي..
وهو في حواره معها
الحوار الذي كان مدار تركيز شخص افتقد بعنف لهذه الأجواء العائلية
دخلت أم مشعل من ناحية المطبخ
وهيا مازالت تراقب
لقاء مشعل بأمه استثنائي تماما
حنان مصفى ولهفة كاسحة وتبجيل غريب
كان مشعل يغمر رأسها ويديها بقبلاته
وهي تتحسسه كأنه تريد أن تتأكد من وجوده أمامها
مشعل يبتسم: والله إني طيب لا نقص مني يد ولا رجل
أم مشعل بحنان مصفى وعيناها تلمعان ببريق الدموع:
أدري أنك طيب
ثم ألتفتت على هيا التي كانت واقفة للسلام عليها:
وخصوصا عقب ما تطمنت إن بنت سلطان معك وتراعيك
شعرت هيا بخجل مؤلم
(أي مراعاة؟ أنا لم أكن أكثر من حمل ثقيل هو من كان يراعيه)
أم مشعل رحبت كثيرا بهيا وهي تسألها عن أحوالها بحنان واهتمام
الأمر الذي أشعرها بالكثير من الخجل والتأثر
حينها دخل اعصار آخر من أعاصير آل مشعل العذبة
قادم من باب الصالة الرئيسي
كانت تصرخ بحماس: خيانة .. خيانة
ميشو يالعلة .. أشلون مشعل وصل وما تبلغيني
حينها مشعل وقف وهو يبتسم ابتسامة شاسعة:
والله المفروض أنتي قاعدة تنتظرين أخيش الكبير
مهوب تلوبين وتبينهم يبلغونش
موضي تقترب وهي تبتسم بسعادة: كنت عند بيت عمي محمد
واحسب إني بارجع قبل توصل.. السموحة فديتك
تستمر اللقاءات الاستثنائية
أمام عيني هيا
كل لقاء له مع أهله رأت أن له خصوصيته واستثنائيته
بدءا من أبناء عمه فلطيفة مرورا بجدته ثم مشاعل فريم ثم والدته والآن موضي
وموضي بالذات كان للقاءه بها عبق خاص
فهناك اختلاف حدث
فموضي طُلقت وهو في الخارج وعادت لبيت أهله
وموضي كانت سعيدة أنه لم يكن موجودا حينها ولم يعلم بما حصل لها
فهي تعلم معزتها عنده.. وأنه لا يرضى عليها حتى أن تخدش
طال احتضانه لها
وهي انفعال عميق يهزها
وإحساسها بوجوده يسكن بعضا من روحها الممزقة التي تخفيها عن الجميع
ثم ألتفتت موضي لهيا وهي تسلم عليها وتحتضنها بحماس
وتغدق عليها الكثير من الترحيب والانفعال والتعليقات المرحة
مشعل جلس معهم لخمس دقائق كان يدور بينهم فيها حوار صاخب
بينما هيا جالسة جوار جدتها صامتة
ومشاعر غريبة مليئة بالانفعال تلفها
بعدها وقف مشعل وهو يقول:
أنا باروح للمجلس مابعد سلمت على أبي وعمي
وماني برايح لهم ببنطلون
ثم ألتفت لمشاعل وهو يسأل:أبي أبدل.. ثيابي جاهزة؟؟
مشاعل قفزت باحترام وهي تقول:
بتلاقي ثوب وغترة مكوية ومبخرة معلقة في غرفة الملابس حقتك
وعلى العموم كل ثيابك البيض والشتوية والغتر مكوية ومبخرة في الدولاب
لو ماعجبك اللي طلعته طلع اللي تبي..
ثم أكملت موضي بذات الاهتمام: وترا كل نعالك وجزمك تكرم
وديناها ولمعناها وتوه السواق جابهم اليوم
مشعل يبتسم وهو يصعد ويقول بحنان لشقيقتيه: الله لا يخليني منكم
هيا شعرت بضيق يكتم على نفسها حين رأت كيف اهتمام شقيقاته به
بينما هي لم تشعره يوما بأدنى اهتمام رغم حرصه الدائم عليها
شعرت حينها بعمق صبره معها
وقلة تهذيبها معه
فشخص مثله تعود على كل هذا الاهتمام والتدليل
كان سيفترض أن زوجته لابد أن تقدم له بعضا من هذا الاهتمام
لكنه لم يطلب منها يوما شيئا
وهي لم تقدم شيئا
سوى الأمور الاعتيادية التي كانت ستفعلها لنفسها من الطبخ والتنظيف والغسيل
بعد صعود مشعل استمر الحوار بين البنات وأمهم والجدة وهيا
التي كانوا يسألونها عن أحوالها باهتمام حقيقي رقيق
موضي بحماس: أشلون مشعل معش؟؟ إذا مقصر عليش بشيء قولي لي أقطع أذانيه
هيا تبتسم: لا والله مايقصر ولا قصر بشيء..
أم مشعل بحنان: هيا يأمش ترا بكرة مسوين لش عشا وبيجون ناس كثير
إذا قاصرش شيء.. موضي وإلا لطيفة يودونش بكرة السوق
هيا ارتبكت: عشا شنو يمه؟؟
أم مشعل بهدوء: يأمش أنتي عارفة إنه عرس عيالنا وبناتنا عقب حوالي 10 أيام
ولازم نحتفل فيش قبلهم.. الناس يبون يتعرفون عليش
شعرت هيا بتوتر كاسح.. كيف ستقابل كل هؤلاء الناس
وهي مازالت لم تتعرف على عائلتها بعد
وحينها رأت ما أثار توترها وانفعالها أكثر وأكثر
وجعل قلبها يصطرع بجنون
ودقاته ترتفع
وترتفع
وترتفع
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:02 AM
أسى الهجران/الجزء التاسع والأربعون
بيت عبدالله بن مشعل
الصالة الرئيسية
كان مشعل ينزل الدرج بسرعة بعد أن استحم سريعا وأبدل ملابسه
شعرت هيا أن قلبها هوى إلى هوة سحيقة
وهي تراه ينزل بطلة تراها لأول مرة
الثوب الأبيض الناصع والغترة الحمراء
رغم أن مشعل ذاته ليس وسيما بالمعنى المتعارف عليه للوسامة
ولكنه بدا لها مبهرا بل فوق الإبهار بمراحل
وثوبه ينساب على عضلات جسده الرياضي الطويل بتناسق مرسوم بدقة
وغترته تحيط وجهه بملامحه السمراء وعارضيه المحددين وكأنه لوحة رُسمت بحرفنة
ويبقى للثوب والغترة حضورهما الجليل في الذاكرة الجمعية المشبعة بتقديس كل ماهو من العادات الأصيلة
أم مشعل كانت أول من تكلم باعتراض: يأمك الله يهداك ليش لابس ثوب أبيض
الجو بارد.. مشاعل مهيب مطلعة لك ثوب شتوي
مشاعل تدافع عن نفسها: والله يمه طلعت له من ثيابه الشتوية الجديدة اللي فارس توه جابها من الخياط
مشعل يبتسم: يمه الله يهداش.. أنا جايكم من صقيع واشنطن كلها ثلج
جو الدوحة الحين جو ربيعي..
موضي تضحك: بس ماعليك من الحكي.. بردنا يوجع..
مشعل اقترب من هيا ومال على أذنها
هيا انتفضت بعنف ورائحة عطر فاخر تشمه لأول مرة
تتناسب فخامته مع طلته الفاخرة تخترقتها حتى النخاع ومشعل يهمس:
بأصلي العشاء وبعدين بأجيب أبي وعمي.. استعدي تسلمين عليهم
شعرت حينها أن أعصابها على وشك الذوبان
فمقابلة عميها بدت لها أكثر من احتمالها
بعد أن استنزفتها مقابلة جدتها حتى النخاع
***********************
مجلس آل مشعل
لقاء حافل بين مشعل ووالده وعمه وراكان
وحتى سلطان وأبناء شقيقته محمد وعبدالله
ولكنه لقاء يتناسب مع طبيعة آل مشعل
مفعم بكبريائهم العميق المغلف لانفعالاتهم الدافئة
الرجال لم يصلوا بعد
سيصلون بعد صلاة العشاء
وهاهو مشعل يجلس في الزاوية مع راكان
كان راكان يستفسر منه بالتفصيل عن سير دراسته
فراكان يعرف عنه كل صغيرة وكبيرة
ومشعل بالمثل عدا موضوع واحد
راكان يبتسم: زين والحياة الزوجية؟؟ وأشرايك فيها؟؟ مرتاح؟؟
مشعل بابتسامة غامضة: الحمدلله.. عقبالك
راكان يبتسم بذات الغموض: لا يا أخيك خلينا العرس لك..
مشعل بهدوء: تعرف رفيقي سعيد.. ماشاء الله خواته واجد
خل نخطب لك عندهم.. أنا أشهد أنهم منسب
وأبيه رجّالن نادر
أنا لولا إني خذت بنت عمي سلطان وإلا كنت ناوي إذا خلصت أخطب عندهم
راكان بهدوء: خلاص خذت بنت سلطان ماتبي عقبها حد..
مشعل يبتسم: وانا أشهد.. هاه وأشرايك نخطب لك عند سعيد؟؟
راكان يبتسم: عشان أنت عرست لازم تسحبني وراك.. يابن الحلال
عرس ما أبي.. كفاية علي حنة أبي وامي ومريم.. تجي فوقهم
خلنا من خرابيط العرس
أشرايك نقنص لنا كم يوم قبل عرس العيال
طيرك من يوم رحت وهو في مركز الطيور ماتبي تخليه يطلق جنحانه شوي
مشعل بحنين: أفا عليك.. تشاورني
خلاص بس أرتب وضعي ذا اليومين ونروح
*********************
بيت عبدالله بن مشعل
لطيفة تصل بعد أن ألبست بناتها وأحضرتهن معها
هيا عرفتها أنها من استقبلتها في المطار
لطيفة ألقت بنقابها وبجلالها على المقعد وهي تنثر شعرها بعفوية على كتفيها
وترحب بهيا بحرارة
هيا شعرت بصدمة وهي ترى لطيفة..
نعم مشعل قال لها أن لطيفة أجمل شقيقاته
ولكنها لم تتخيلها بهذا الجمال المبهر
لا تعتقد أنها سبق لها أن رأت امرأة على الطبيعة بهذا الجمال الموجع
شعرت هيا أنها باهتة تماما ولا يمكن أن تكون أنثى أمام شقيقات مشعل
مشاعل بعذوبتها ورقتها
وموضي بملاحتها وحضورها الآسر
ثم لطيفة بهذا الجمال الذي يذيب القلوب
لطالما كانت هيا مشغولة بالكثير من الأشياء عن الاهتمام بنفسها كفتاة
والدتها ودراستها واثبات ذاتها
حتى بعد زواجها بمشعل لا تذكر أنها تأنقت من أجله ولا حتى مرة واحدة
غصبا عنها شعرت هيا بألم عميق
(اعتاد مشعل على هؤلاء الإناث الحقيقيات اللاتي هن على استعداد دائم لخدمته باستماتة
فماذا لقي مني غير زميل سكن لا يختلف عن أي رجل قد يرافقه
إضافة إلى تحمله لعنادي وعصبيتي وحدة لساني الدائمة)
لطيفة برقة: هيا خلني أعرفش على بناتي
مريم سلمي.. هذي مريم عمرها 10 سنين في الصف الخامس
أكبر منها محمد 12 وأصغر منها عبدالله 7
الحين مع إبيهم..وإن شاء الله عادهم بيجونش يسلمون عليش
وهذي جود.. عمرها 3 سنين أخر العنقود..
هيا كانت تسلم على البنات وأجلست جود على رجليها
وموضي تهتف باستنكار مرح: وش أخر عنقوده ذي؟؟
انتاجش أنتي ومشعل سوى تحسين ثوري لنسل العائلة الكريمة
نبي لنا ثنين أو 3 بعد..
لطيفة غصبا عنها شعرت بألم وهي تتذكر وضعها الغريب مع مشعل
لكنها هتفت بابتسامة: لا خلاص الاثنين والثلاثة تجيبهم لنا هيا ومشعل إن شاء الله
حينها انتقل شعور الألم الممزوج بالخجل لهيا وهي تحتضن جود
و تتذكر وضعها الأغرب مع مشعل الآخر
أكثر من شهران مضيا على زواجهما
ولا تجمعهما أي علاقة طبيعية تشبه علاقة الأزواج ببعضهما
والذنب ذنبها في المقام الأول
فهي من طالبت بغرفة لوحدها
ثم هي من صدته حين عبر لها عن مشاعره
*************************
القاهرة
المعادي
منزل كبير يطل على النيل
حديقة المنزل
الجو بارد وبه زخات خفيفة من المطر
ولكنها تجلس على كرسي في الحديقة
تستمتع بالجو الذي تشعر بالحرمان منه أكثر أيام السنة
صوت يتعالى من الداخل: بت باكينام.. تعالي هينّا
باكينام باحترام وهي ترفع صوتها: جايه يا أنّا جايه..
دخلت باكينام لتجد جدتها تلتفع بلفاع ثقيل وتجلس بالقرب من المدفأة
تحتضنها من الخلف وتطبع قبلة على خدها ثم تجلس بجوارها
ثم تقول بابتسامة: إيه ده يا أنّا؟؟ تكوني فاكرة نفسك في الئطب الجنوبي
(كما هو معروف وتعلمون الجيم القاهرية المعطشة تُنطق مثل القاف
يعني ستنطق القنوبي، لكنها في الكتابة ثقيلة وتبدو غير مستحبة)
جدتها كانت ماتزال تحتفظ ببعض ملامح جمال زائل
ببشرتها البيضاء وتجاعيدها الدقيقة الناعمة وشفتيها المزمومتين الزهريتين
كانت ترتدي حجابا أبيضَ من الحرير
وثوبا فضافا تحته بنطلون مطرز الأطراف على الطريقة التركية العريقة في اللبس
أنّا صفية بتأفف:إيفيت..إيفيت جو تعبان هينّا ..في أزمير كنت ألعب بالتلج
بس برد هيناك جّميل..
باكينام تبتسم وتساير جدتها: أكيد هو في حاجة زي جو أزمير
اللهم احفظ ازمير من كل شر
جدتها تضربها على مؤخرة رأسها: أخلاق سيس بت باكي
سهن يلان (أنتي كذابة)
باكينام تضحك: الله الله ابتدأ الضرب تحت الحزام والرطن بالتركي
خفي عليا يا أنَّا.. أنا مش ئدك
الجدة بتذمر: أنتم بنات يومين دول عاوزين أدب
أنا زمان بعتني بابا آستانة عشان أتعلم هناك (الآستانة =أسطنبول)
كان زمان تعليم غير.. بنات غير.. فيه أدب.. هوانم بجد
باكينام تبتسم وتحتضن ذراع جدتها وتقول بحنان: والله يا أنّا مافيش زيك اتنين
الجدة بنبرة خاصة: وعشان أنا مافيش زيي اتنين.. يخبي عليا بت باكي؟!!
تتنهد باكينام
( ألهذه الدرجة أبدو شفافة وزجاجية الروح
أمام عيني هاتين العجوزين السابرتين؟!!)
لا تريد أن تخبر جدتها التركية بشيء
فإذا كانت جدتها الايرلندية تقبلت مشاعرها
لأنها لا تحمل ضغينة للعرب
فإن صفية التركية ستظل تؤنبها وتقول لها:
أنا حذرتكِ أن تقعي في غرام عربي (سيس)
باكينام تبتسم: وأنا هأخبي إيه على أحلى أنّا؟؟
صفية تلمس صدر باكينام من اليسار وتقول بعمق:
إسالي ده وجاوبي أنّا
***************************
صالة بيت عبدالله بن مشعل
بعد صلاة العشاء
مشعل يصل ومعه والده وعمه ومحمد
يدخل مشعل أولا لينبههم
هيا تقف وهي تشعر بتوتر عميق يلفها
كانت هيا مازالت ترتدي عباءتها المغلقة وتلف شيلتها على رأسها
وحمدت الله أنها لم تخلعهما بعد رغم مطالبة البنات لها أن تاخذ رأحتها
دخل الكهلان العملاقان
وامتلأ المكان فورا بحضورهما الآسر العميق
وقلب هيا يقفز إلى حنجرتها
وهي تشعر أن دقاته تمزق خلاياها تمزيقا
ريقها جاف وعيناها غائمتان
ورائحة عميقة لوالدها تحضر بعنف مع شبه شقيقيه الكبير به
كأنها ترى أمامها والدها في كهولته التي لم يرد له الله عز وجل أن يصلها
الشيء الذي هزها بعنف
لم تتخيل أن لهم هذا الشبه بوالدها
شعرت أنها مستثارة حتى أقصى أقصى روحها
كان محمد أول من تقدم لها وعلى شفتيه ابتسامة دافئة
تمزق قلبها وهي تراها
ذات ابتسامة والدها.. تكاد تقسم أنها ذاتها
ذات الفك القوي الشامخ بابتسامته الهادئة الواثقة
احتضنها بحنان وهو يهمس: نورتي بيتش يا أبيش
الله يرحم سلطان ويجعل مثواه الجنة
سلطان راح بس تراني في مكانه
ثم رفع صوته وهو يقول لمشعل:
ترا هيا مثلها مثل العنود ومريم
لا يطري عليك يوم تضيمها ترا حسابك معي
مشعل يبتسم: ما أحتاج من يوصيني في هيا.. إزهلها
هيا تشعر أنها عاجزة عن احتمال الانفعال
وعمها الآخر يحتضنها وهو يبتسم ويقول: يخسا مشيعل يزعلها
وإلا قطعت رأسه
ضحك مشعل: أفا الدعوة خاربة
الشيبان صفوا مع المدام وخلوني
عبدالله يحتضنها بحنان ويهمس لها:
سلطان كان غلاه عندي غير أخواني كلهم
عشان كذا سميت ولدي الثاني سلطان
وترا غلاش من غلا أبيش اللي ماله حد
هيا تشعر انها بالفعل على وشك الانهيار من عظم الانفعالات التي تكتسحها
لا تحتمل المزيد
ولكنها تذكرت أنه بقي المزيد
المزيد المختلف
عمتها الوحيدة نورة
بقي هي
كان والدها يحبها كثيرا
وكان لها معزة خاصة جدا عنده
فهي شقيقته الوحيدة
ومع تذكرها كانت عمتها نورة تدخل مع الباب الرئيسي
بينما البنات لففن من وراء المنزل ليدخلن مع باب المطبخ الداخلي
نورة كانت أكثرهن انفعالا
فهي احتضنت هيا بعنف وانخرطت في بكاء حاد
عشرات الأفكار كانت تموج في فكرها
شوقها لشقيقها الذي كان هو الأكبر منها مباشرة وارتباطها به كان قويا جدا
إحساسها بالوجع لغياب حمد الذي جعلها تشعر بعظم ألم أمها
حرمانها من الانجاب لسنوات الذي جعلها تشعر بقيمة الابناء
ثم تفكيرها لو أنها تموت وتترك بناتها من سيحس بالآمهن بعدها
فلا شيء يعوض البنت بالذات عن غياب أمها
كانت عشرات المشاعر المتشابكة التي انصبت في شكل حنان طاغٍ
تجاه ابنة شقيقها اليتيمة التي حُرمت من الأسرة ثم من الأب ثم من الأم..
بيت عبدالله بن مشعل الليلة كان مصدرا لتفجر مشاعر كاسحة في عنفها وعنفوانها
بعد أن غادر محمد وعبدالله ومشعل
دخلن بنات نورة
لم تستطع هيا أن تمنع نفسها من الابتسام رغم وجهها المحمر من أثر الدموع
وهي ترى علياء وعالية
كانت الاثنتان تلبسان ذات الطقم والحذاء وربطة الشعر
شعرت أنهما كبيرتان على هذا التطابق الذي قد يناسب طفلتين
مشعل كان قد أخبرها عن التوأم الثلاثي
وأن عالية وعلياء متطابقتان ومعالي مختلفة
لكن رؤيتهن على الطبيعة كانت شيئا مسليا
معالي تقترب وتسلم أولا وهي تضحك وتقول:
ما ألومش تضحكين إذا شفتي المصيبة اللي ربي بلانا فيها
أنا معالي وأقدم لش خواتي الكوبي والبيست
لو في يوم صدفتي وحدة لابسة شيء واحد مختلف غير الثانية تكون أعجوبة العالم الثامنة
وترا مهوب لازم تتعبين نفسش تعرفين من علياء ومين عالية
نادي اسم أي وحدة بترد عليش نفس الرد
بعد دقائق وصلت أم مشعل بن محمد وبناتها وأم فارس
وكان لكل منهن ترحيبها الخاص بهيا التي باتت عاجزة بالفعل عن احتمال كل هذا الكم من المشاعر
انتقلن النساء لمجلس الحريم الداخلي
ومضى الوقت وهيا لم تشعر به
عفويتهن وابتعادهن عن الرسمية واحتواءهن الطبيعي لها
كأنهن يعرفنها طوال عمرها
كانت عمتها نورة بجوارها وهي تحتضنها بين الفينة والأخرى
ومعالي تتحركش بهما بمرح
وأنهوا العشاء منذ وقت
لطيفة برقة: هاه هيا تحبين نروح بكرة السوق.. على الأقل نشتري لش شيء حق العشاء بكرة
هيا بحرج: مافيه داعي..
معالي بمرح: شنو مافيه داعي إلا فيه داعي ونص... وتراني بأروح معكم
نورة باستنكار غاضب: يا سلام وبدون استئذان
ماكن وراش أم ولا وراش مدرسة..وشورش في مخباش..
معالي تقفز وتقبل رأس أمها: النوري فديتش الحركات ذي ما تنفع البنات الحلوين اللي مثلش
تبينهم يقولون إنش دقة قديمة.. وحركات عجايز وصكة
نورة تقرص معالي في ذراعها: إيه عجوز وحركات أول
وروحي انثبري ومافيه روحة بكرة غير للمدرسة ثم الحفلة في الليل وبس
معالي تتصنع الزعل: إلا لازم تكسرون بخاطري وإلا ما تستانسون
العنود كانت غالبا صامتة
فموقفها مع فارس مازال ماثلا بعنف
الكل كان مستغرب صمتها غير المعتاد
الوحيدة اللي كانت تعرف السبب كانت موضي
ولكن الجميع تفهموا أنها ربما تشعر بالخجل ومتوترة من اقتراب موعد زواجها
ومريم كانت فاكهة الجلسة بعذوبتها وحديثها الشيق والعميق
وهيا أحبتها كثيرا
بدت لها تتمتع بشحصية مغناطيسية تجذب وتحتوي محدثها تلقائيا
*********************
الساعة اقتربت من 12 مساء
الكل انسحب لأن غدا مدارس
أولهن كانت لطيفة بأولادها
ثم أم مشعل وبناتها وأم فارس
ثم أخيرا نورة وبناتها
الجدة وأم مشعل أيضا كل واحدة منهما انسحبت لغرفتها لترتاح من تعب اليوم
رغم أن الجدة لم تكن تريد ترك هيا
ولكن هيا طلبت منها أن ترتاح ووعدتها أن تنزل لها الصباح الباكر
تبقى موضي ومشاعل وهيا
هيا تسأل: أنا ماشفت سلطان وينه؟؟
مشاعل بعذوبة: هو رجع من العشاء متأخر
ودخل نام على طول عشان عنده مدرسة بكرة
هيا بحنين: كان نفسي أشوفه
موضي بمرح: ياما جاي لش من الخير
مافيه حد لزقة وأذوة مثل سليطين.. وخصوصا لو حد عطاه وجه
ثم أكملت بحماس:وبعدين أنتي اليوم انتهيتي من التعب ولا خليناش ترتاحين
يالله أمشي لغرفتش نوريش إياها
وترا شناطش طلعناها فوق
مشاعل اعتذرت بخجل أنها تريد الذهاب لغرفتها
والسبب الحقيقي أنها كانت تخجل من الدخول معهم
فهي تعلم أية مصائب اشترتها لطيفة وموضي لهيا وبالتاكيد ستريها لها
صعدت هيا وهي متوترة من رؤية مكانها الجديد
موضي فتحت الباب وقالت لها بابتسامة: قولي باسم الله
وادخلي برجلش اليمين
دخلت هيا
كانت غرفة شاسعة أثثت بذوق رفيع جدا وراقي
في طرفها جلسة أنيقة مع تلفاز كبير مسطح معلق على الحائط
وحمام كبير فخم وغرفة ملابس
و
و
وفقط
توترت هيا
غرفة واحدة فقط
وسرير واحد
توقعت أن تكون على الأقل هناك غرفة جلوس منفصلة
كيف ستنام؟؟
حتى لو قررت أن تنام في الجلسة
الجلسة مقابلة للسرير
كأنها لم تفعل شيئا
موضي تكمل ثرثرتها: إبي يبني لكم قسم خاص كبير
بس مابعد خلص
إن شاء الله إذا جيتوا على الصيف يكون جاهز
هيا توترت بشدة
(الصيف..
وأنا وش لي بالصيف؟!!
أنا في الحين
أنا في شقة مشعل بواشنطن كان لي حتى حمامي الخاص
الحين لازم نستخدم نفس الحمام ونفس الغرفة!!!)
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:04 AM
أسى الهجران/ الجزء الخمسون
غرفة مريم
الساعة 11 ونصف مساء
مريم كانت تقرأ وردها المسائي من القرآن حتى موعد صلاة قيامها
لتنام بعدها
بابها يُطرق.. بهدوء: تفضل مشعل
مشعل يدخل وهو يبتسم: خاطري مرة أفاجئش
مريم بابتسامة صافية: الله يديم فضله علينا
والحمدلله على نعمة السمع والشم والحركة
الله سبحانه خذ حاسة لكنه دعّم الحواس الباقية
ما أكرمه عز شانه هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم
مشعل يطبع قبلة على رأسها وهو يهتف بإيمان: الله يثبتنا على دينه
ثم استطرد: أشلونها بنت عمنا الجديدة؟؟
مريم بعذوبة: ماشاء الله عليها تجنن.. والنفس تنشرح لها
ثم أكملت بنبرة خاصة: بس أكيد منت بجايني عشان تنشد عن بنت عمك
واستطردت بتوتر: لا تكون عادك على سالفة إنك تبي تزوج على لطيفة
مشعل يبتسم: لا حرمت.. ما أبي حد غير أم محمد.. ولا حد يملا عيني غيرها
مريم تبتسم: ياحي ذا الكلام الزين..
طيب خلاص دام السالفة مافيها عرس على لطيفة.. خلاص قول اللي تبي
مشعل بنبرة خاصة: السالفة فيها عرس
بس عرس ناس ثانين
مريم باستفسار: من؟؟
مشعل بحنان: أنتي
*********************
غرفة مشعل بن عبدالله في بيت والده
مازالت موضي تثرثر
وهيا متوترة جدا
موضي تفتح الدواليب: ترا اشترينا لش طقم فوط وأرواب جديد
تلاقينه هنا
أطقم عطور وكريمات وميكب على التسريحة
إن شاء الله يعجبش ذوقنا فيهم
ثم أكملت بخبث: وهنا هديتي الخاصة أنا ولطيفة
ثم فتحت دولاب ضخم في غرفة الملابس كان ممتلئا تماما
بأطقم نوم مختلفة الألوان والأشكال والخامات
ثم أكملت موضي بحماس: جبنا كل شيء ممكن يخطر على بالش
عشان لو ماعجبش شيء يعجبش الثاني
وجه هيا تلون بعشرات الألوان
لم يخطر ببالها يوما هذه الأشياء
وهي تشعر بألم في رأسها من الخجل الذي اكتسحها
(ماذا تبقى أيضا من مفاجأت هذا اليوم؟!)
موضي برقة: خلاص أنا خلصت جولتي التعريفية
وخرقت أذنش
وأكيد أنتي تبين تتسبحين وترتاحين وتتخلصين مني!!
هيا برعب: لا وين بتروحين؟؟ اقعدي..
موضي تضحك: وين أقعد؟؟!! تبين مشعل يجي يلاقيني ويشوتني
خليني أطلع بكرامتي..
موضي خرجت وتركت هيا لهواجسها وانفعالاتها
هيا قررت أن تستحم أولا
الحمام كان ممتلئا بمختلف أنواع الشامبوهات والكريمات والشاور جل وعلب أخرى مختلفة
ورغم أن هيا كانت نظيفة جدا وتستحم أحيانا مرتين في اليوم لو كان الجو حارا
ولكن هذا الهوس بتدليل الذات لم يكن من أولوياتها
شامبو وبلسم ودعك جسدها بالشاور جل بسرعة هو أقصى مايحتمله وقتها المشغول دوما
بعد أن أنهت حمامها وجدت أن هناك طاولة معدة في غرفة الملابس
عليها مبخرة وولاعة جمر وأنواع مختلفة من البخور الفاخر
(ماشاء الله عليهم بنات عمي
مصدقين سالفة عروس ذي
ماخلو شيء ماسووه)
البخور أيضا لم يكن من أولويات هيا
فمن له مزاج لكل هذه الخطوات؟!!
هيا فتحت الدولاب الذي أرتها إياه موضي
وأغلقته فورا بحرج
وهي تسحب حقيبتها وتفتحها وتستخرج إحدى بيجاماتها القديمة
(مستحيل ألبس من ذا الأشياء
شيقول مشعل.. جات الدوحة فسخت الحيا)
بحثت هيا عن سجادة وفعلا وجدت سجادة في الدولاب مع جلال صلاة جديدين
صلت هيا قيامها
وشكرت الله عز وجل بعمق الذي أرجعها إلى أحضان أهلها أخيرا
شكرته وحمدته سبحانه كثيرا وبعمق
ثم جلست تفكر في يومها الطويل
وكم كان طويلا فعلا
عمر كامل اُختصر في ساعات
جدتها وعماها وعمتها وبنات أعمامها وبنات عمتها
كل هذا كان كثيرا
كثيرا جدا عليها
سنوات طويلة مرت وهي وحيدة بل أكثر من وحيدة
لم تعرف رائحة الأسرة ولا تعاضدها
كانت مكتفية بوالدها ووالدتها
ثم بوالدتها فقط
كانت السنوات تمر والوحدة والوحشة تنغرز في روحها أكثر وأكثر
حتى باتت الوحدة هاجسها وخوفها وخصوصا مع مرض والدتها الأخير
وخوفها أن تتركها أمها وحيدة تماما في الحياة
لولا ظهور مشعل في حياتها
وآه يا مشعل وألف آه
مر وقت طويل وهيا تفكر
وقت لم تحسب دقائقه ولحظاته
وهي تعيد شريط حياتها ومامر بها الليلة
مرات ومرات
كانت الساعة حوالي الثانية حينما سمعت صوت الباب يُفتح
ومشعل يدخل
وهي تصيبها حالة غير طبيعية من الارتعاش والتوتر
مشعل دخل و سلم بهدوء وهو يقول: طولنا السهرة شوي أنا وعيال عمي
هيا همست: أشلونهم عيال عمي كلهم؟؟
مشعل يخلع غترته ويلقيها على الأريكة وهو يجلس قريبا منها: كلهم طيبين
نظر لها
ارتعش قلبه بعنف
كان شعرها الطويل الذي يميته ولعا منثورا على كتفيها
وتتساقط أطرافه الطويلة على جانبي فخذيها في جلستها
كان نادرا مايرى شعرها مفتوحا فهي غالبا ترفعه
ولكنها الآن ستنام وهي لا تستطيع النوم وهو مجموع خلف رأسها
سألها بهدوء ليتجاوز التباس مشاعره الذي يستحيل أن يعبرعنه بعد صدها له:
إن شاء الله انبسطتي مع البنات؟؟
هيا ابتسمت بشفافية: ما تتخيل أشلون انبسطت.. كلهم يجنون ماشاء الله عليهم
شعر مشعل أن قلبه يغرد
لأول مرة يراها تبتسم ابتسامة حقيقة.. لأول مرة
كم بدت له عذبة وشفافة
تمنى ألا تزول ابتسامتها.. أن تبقى دائما مبتسمة وسعيدة ومبتهجة
يريدها أن تكون سعيدة
فهي عاشت من الأحزان الكثير
أحزان أثقل بكثير من أن تحتملها فتاة في سنها
يتمنى أن يبعد عنها الأحزان والألم
ليتها فقط أتاحت له فرصة أن يغمرها بمشاعره كما أراد
أن يغمرها بحنانه كما يشعر هو به ناحيتها
مشعل هز رأسه كأنه يبعد الهواجس عنه
ثم نهض ليتوضأ ويصلي قيامه
********************
القاهرة
منزل طه الرشيدي
غرفة باكينام
الساعة الواحدة ليلا
كانت باكينام تسلم من صلاة قيامها
لتسمع صوتا حنونا يقول لها: حرما يا بنتي
باكينام تلتفت لوالدها وتبتسم: جمعا يا بابا
طه بلطف: ماشاء الله بأشوفك بتصلي كتير في الفترة الأخيرة
باكينام بعذوبة: صحبة الخير يابابا لها دور
طه بحنان: ربنا يديم عليكي فضله
ثم أكمل باهتمام: باكي حبيبي فيه حفلة كبيرة معمولة لنواب مجلس الشعب الجُداد
وعاوزك تحضريها معايا
باكينام برفض: لا يابابا اعفيني.. أنت عارف إني أساسا ماكنتش باحب أحضر حفلات
ودلوئتي بعد ماتحجبت كرهتها أكتر..
طه بحنان: وفيها إيه يا بنتي.. مامتك تحجبت وبتحضر معايا
وكتير من بنات الوزراء وستاتهم لابسين حجاب.. فين المشكلة؟؟
باكينام مستمرة في الرفض: مش جوي يابابا.. وكفاية عليك ماما هتكون معاك
طه بمنطقية: أنا عاوز الأوساط السياسية تتعرف عليكي.. عشان لما تتخرجي نلائي لك منصب كويس
باكينام بهدوء: لما أتخرج.. يحلها الحلال..
طه يحاول إقناعها: أنتي عارفة يا بنتي إنه ماديا أنا مش محتاج الشغل ده أصلا
أنا عندي أ**** كتير..وأحوالنا الحمدلله
بس أنا عاوز أأمن على معرفة السلك الدبلوماسي ليكي ويعرفوا إنك بتدرسي سياسة
باكينام برجاء: خلاص يابابا ربنا يخليك.. سيبني براحتي..
***********************
الساعة 2 بعد منتصف الليل
غرفة العنود
العنود مليئة بالهواجس والحزن هذه الليلة
حزن شفاف كشفافيتها يغزو روحها الصافية التي لا تعرف التلون
فارس جرحها اليوم مرتين
أولا موقفه مع الفتاة التي كانت تهمس في أذنه
وثانيا حدته وتهديده لها وهم لم يبق على زواجهما إلا أيام
هي بذاتها متوترة بدون سبب
فكيف وهي تجد لها سببا قويا الآن
لِـمَ هو عاجز عن معاملتها برقتها؟؟؟
لم تسمع صوته إلا مرات معدودة يكون غالبا إما باردا أو غاضبا
تملئها مشاعر دافئة ناحيته
فكيف سيتلاقى دفئها مع بروده؟؟
"عن أي برود تتحدثين يالعنود؟!!
ليتك تعلمين فقط أي نار أشعلتها في جوانح العاشق المتيم!!"
مازالت هواجسها تغالب نعاسها
وهي بين النعاس والهواجس
رن هاتفها
انتفضت بعنف
(من بيتصل علي ذا الحزة؟؟)
تناولت هاتفها
رقم مميز وغير غريب سبق أن مر عليها
سقط قلبها إلى قدميها وهي تتذكر رقم من هذا
لم ترد
الرنين يرتفع مرة أخرى
لم ترد
رنة مسج
"أنا فارس
ردي علي"
(يا ربي.. وش أسوي؟؟
أدري أنك فارس
وش يبي فيني تالي ذا الليل
أكيد يبي يغسل شراعي
مثل ماقال اليوم أنه بيوريني شغلي)
العنود طبعت له مسج
" والله عندي توجيهات من جهات عليا
إني ما أرد على أرقام غريبة"
غصبا عنه ابتسم فارس وهو يتذكر أول مرة سمع صوتها عبر الهاتف
حين طلب منها ألا ترد على أرقام غريبة
طبع مسج وأرسله
" والجهات العليا تقول ردي الحين"
أرسلت له:
"فارس وش تبي فيني؟؟
واللي يخليك اللي فيني يكفيني
لا تزيدها علي"
فارس شعر أن عبارتها المترجية كانت سهما اخترق قلبه بوحشية
فارس غاضب عليها منذ مكالمة موضي
لذا أخذ رقمها من هاتف ناصر دون أن ينتبه
كان يريد أن يفرغ فيها بعضا من غضبه
يأدبها
يحاسبها على أنها شكت فيه
وعلى أنها أدخلت طرفا ثالثا بينهما
أو
أو
يجد سببا ليسمع صوتها
وربما كان هذا هو السبب الوحيد والحقيقي
من بين خزعبلات غضبه المصطنع كلها
فشوقه ينحره لسماع صوتها
وطاقة الصبر عنده نفدت تماما
أرسل لها
" أنا بأتصل الحين
إذا رديتي.. عرفتي أنا وش أبي
وياويلش لو ما رديتي"
ثم أعاد الاتصال بها بكل ثقة
********************
الجبهة الثالثة
غرفة لطيفة
لطيفة عادت حوالي العاشرة والنصف
حممت أطفالها
ونومتهم
ثم تحممت هي وصلت وبدأت في الدراسة
تأخر مشعل ولكنها تتوقع أن يتأخر الليلة للسهر مع شقيقها مشعل وسماع أخباره
وعلى العموم لايهمها تأخر أو لا
وهي ساهرة للدراسة وليس من أجله!!
للدراسة فقط وليس إلا!!
وليس إلا!!
حوالي الثانية وصل مشعل
حين دخل وجدها ماتزال تدرس
سلم.. ردت عليه ببرود
ألقى بنفسه على الأريكة وهو يسألها: غريبة طولتي الليلة؟؟
لطيفة بهدوء: الامتحانات قربت واليوم مادرست
مشعل يقف ويتوجه للحمام ليستحم
لطيفة نهضت وأخرجت ملابسه وعطرتها ووضعتها على الكرسي في غرفة الملابس
فهي من بعد تعبه الأخير عادت للاهتمام بكل شئونه وملابسه
نستطيع أن نتصنع قليلا في مشاعرنا
ولكن عاداتنا اليومية المتغلغلة فينا شيء يتجاوز فذلكات التصنع
مشعل خرج وارتدى ملابسه ثم صلى قيامه
وعاد للطيفة التي مازالت تدرس
ليقف خلفها ويميل قليلا للأمام
غصبا عنها ارتعشت
وهو لم يفته مطلقا هذه الارتعاشة.. ابتسم
ولطيفة تسأله ببرود: فيه شي؟؟ وش تشوف؟؟
مشعل مازال مبتسما: دروسش.. أشوف وش تدرسين؟؟
لم تفتها رائحة الابتسامة في كلامه.. عقبت بحذر لا تعرف سببه:
وش شفت في دروسي؟؟
مشعل يبتسم: ماشفت شيء ..
أنا من بعد صفحة خدش ضيعت الدرب..وعيني سكنت هنا
قالها وهو يلمس خدها بطرف سبابته بخفة
لطيفة توترت وارتعاشها الذي تحاول كتمه يتزايد
(ياربي وش يبي هذا؟؟
ما أحب ذا اللف والدوران.. يوترني
أبيه صريح وحاد
عشان أرد عليه بنفس الصراحة والحدة)
لطيفة وقفت تريد الذهاب
لكنها فوجئت بيد تطبق على معصمها وتشدها: وين بتروحين؟؟
لطيفة حاولت نزع يدها منه
ولكنها لم تفلح فيده مطبقة بقوة على معصمها
ردت عليه ببرود: خل يدي.. أبي أروح أنام..
مشعل بهدوء: تهربين مني؟؟
لطيفة بسخرية: وليش أهرب منك؟؟
مشعل بهدوء مسيطر: اسألي روحش
لطيفة ببرود : سألتها وتقول إنك غلطان.. والحين خلني أروح أنام
مشعل شد يدها التي يمسك بها
رفعها إلى شفتيه.. وطبع في باطن كفها قبلة طويلة عميقة
ثم أفلتها وهمس بعمق: الحين روحي نامي
******************
غرفة مشعل بن عبدالله
بعد أن سلم مشعل من صلاته ألتفت على هيا وجدها ماتزال جالسة على نفس جلستها
سألها: ماتبين تنامين؟؟
هيا بتوتر: لا مافيني نوم..
مشعل بهدوء: لنا تقريبا يومين ما نمنا.. أكيد تعبانة وبكرة وراش مشاوير
لطيفة قالت لي.. قومي نامي
هيا بخجل كاسح والكلمات تقف في بلعومها: وين أنام؟؟
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:06 AM
أسى الهجران /الجزء الحادي والخمسون
غرفة مشعل بن عبدالله
بعد أن سلم مشعل من صلاته التفت على هيا وجدها ماتزال جالسة على نفس جلستها
سألها: ماتبين تنامين؟؟
هيا بتوتر: لا مافيني نوم..
مشعل بهدوء: لنا تقريبا يومين ما نمنا.. أكيد تعبانة وبكرة وراش مشاوير
لطيفة قالت لي.. قومي نامي
هيا بخجل كاسح والكلمات تقف في بلعومها: وين أنام؟؟
مشعل انتبه للتو لسبب حرجها
تنهد: نامي على السرير أنا بأنام على الكنبة
ومافيه داعي تحرجيني بخجل ماله داعي
احنا صار لنا شهرين متزوجين وما أعتقد أني ضايقتش خلالها بشيء
هيا بحرج: خلاص بأقوم أجيب لك غطا
هيا بحثت عن أية أغطية لكنها لم تجد
مشعل بهدوء: ماراح تلاقين
المفارش والبطانيات الزايدة وحتى الجديدة كلها في غرفة تخزين الفرش فوق
أنا بأروح أجيب لي
هيا برجاء: لا مشعل تكفى لا تروح
مشعل باستغراب: ليش؟؟
هيا بخجل مر: وش يقولون لو حد شافك جايب لك فراش؟؟
مشعل بهدوء وهو يريد الخروج: ماعلي من حد..
هيا يخجل أكبر: بس أنا علي..ما أبي حد يحس أن فيه شيء غير طبيعي بيننا
مشعل وهو يتجاوزها ويخرج ويقول بعتب بنبرة خاصة:
زين إنش حاسة إنه شيء غير طبيعي..
ثم أكمل:
ولا تخافين لو حد شافني بأقول نبي لنا غطا زيادة لأنه أنتي تبردين في الليل
هيا كان كل تفكيرها بجملته العاتبة:
(زين إنش حاسة إنه شيء غير طبيعي..)
****************************
غرفة فارس
يتمدد الجسد الضخم على سريره وظهره مسند إلى ظهر السرير
هاتفه بيده يدق بثقة
وقلبه به زلازل وبراكين واعاصير
على الطرف الآخر
العنود متوترة
متوترة جدا.. لم تكن تريد أن ترد عليه
ولكنها لم تكن تريد أن تأزم الوضع بينهما
رن هاتفها انتفض قلبها بعنف
ردت بصوتها الذي ينحره نحرا: هلا
(آه ياقلبي.. أحلى هلا سمعتها في حياتي
مستحيل يكون هذا صوت بشري
هذا معجزة
أسطورة
سحر
خيال
أي شيء مبهر إلا أنه صوت بشري عادي
مستحيل.. مستحيل)
فارس بهدوء: هلا بش
صمت على الطرف الآخر
فارس بنفس هدوءه: ليش ساكتة؟؟
العنود بتوتر تحاول تغليفه بالهدوء: أنت اللي تبيني
(إيه والله أني أبيش وأبيش وابيش
ولأخر قطرة في دمي أبيش)
فارس تنحنح ليقول بثقة: وش اللي سويتيه اليوم؟؟
العنود بعتب: وممكن أنا أسأل نفس السؤال وأقول وش اللي أنت سويته اليوم؟؟
فارس بثقة: أنا ما سويت شيء
العنود بحزن: إذا أنت ما سويت شيء.. أنا ماسويت شيء بعد
فارس بنبرة غضب خفيفة: وإنش تخلين موضي تكلمني.. شتسمينها؟؟
العنود عبراتها بحلقها: وإنك تكلم بنت في مكان عام
لا والبنت توشوشك في أذنك.. شتسميها؟؟
فارس شعر بقلبه يهوي وهو يعرف من تغير صوتها انها تغالب بكائها
لم يعرف كيف يشعر أو يتصرف
أ يتمزق لأنها تبكي؟!!
أو يعاتبها لأنها شكت فيه؟!!
أو يغضب لأنها ضخمت القصة –من وجهة نظره- وأدخلت موضي فيها؟؟
أو
أو
يجن سعادة لأنها تغار عليه؟؟
نعم تغار عليه لدرجة أن تبكي وتتألم لمجرد رؤيته مع أخرى؟!!
( أ تغارين علي يا صغيرتي؟!!
أحقا تغارين؟؟
ما أسعدني هذه الليلة بأحاسيسك!!
هل حقا تحملين لي شعورا ما
بعد أن مزقتي قلبي من فرط المشاعر لكِ؟!)
الطرفان يتبادلان الصمت
العنود مازالت تغالب عبراتها لا تريد أن تبكي وهو يسمع
(يبدو أن لا أهمية لمشاعري عنده
لم يفكر أن يبرر لي... أن يعتذر
أن يكذب حتى ..كما هو مفترض من شاب في موقفه
لمجرد أن يرضيني)
العنود صوتها أصبح أكثر اختناقا كانت أول من قطع الصمت:
خلاص فارس تبي شيء أو أسكر؟؟
فارس شعر أن قلبه يتمزق أشلاء وهو يسمع صوتها المختنق
همس لها بهدوء: العنود اسمعيني
أنا ما أدري أشلون أنتي فسرتي اللي شفتيه
لكن أنا ما أبرر تصرفاتي لأحد
وخصوصا لما أكون أنا ماغلطت نهائي
العنود ماعادت تحتمل قسوته وعجرفته
( أ يصعب عليه لهذه الدرجة أن يطيب خاطري؟؟)
غصبا عنها ارتفع صوت بكائها وهي تشهق وتقول:
أنت ليش قاسي كذا؟؟
ليش؟؟
والا أنا مالي قيمة عندك لدرجة أنك مستخسر فيني أنك تطيب خاطري بكلمتين
يعني مكلف على نفسك تتصل عشان تجرحني وبس
يعني رجولتك الغالية بتنهز لو ****تني بكلمة حتى وإن كانت كذب
ثم أنهت هي الاتصال
لتترك فارس ممزقا
فهو منذ سمع بكائها شعر بطعنات تتوالى على روحه مع كل شهقة من شهقاتها
كل شهقة كانت سهما مراشا يخترق روحه
(أين خزعبلات الانتقام يافارس
إن كنت لم تحتمل حتى سماع بكائها
فكيف لو رأيتها تبكي؟!)
كان فارس يريد أن يتصل بها مرة أخرى
يريد أن يعتذر لها ألف مرة
ويبرر ألف مرة
ويقول أنه يحبها ويعشقها ويذوب من أجلها آلاف آلاف المرات
أن يقول لها: أرجوكِ لا تبكي
بكائكِ ينحرني
ولكن مايريده شيء
ومايقدر عليه ويسمح له كبرياءه به هو شيء آخر تماما
***************************
غرفة مشعل بن عبدالله
مشعل عاد بغطائه
كانت هيا تجلس على السرير
تخجل أن تتمدد أمامه
مشعل خلع ثوبه ووضعه في سلة الغسيل وبقي بفانيلته وسرواله الأبيضين
نبه هاتفه للصلاة
أطفأ الأنوار بقي فقط نور الأباجورة المجاورة للسرير عند هيا
ثم تمدد على الكنبة وهو يتمتم بأذكاره
انتهى وهي مازالت تجلس
همس بهدوء: أشفيش هيا؟؟
هيا لا تعرف ماذا تقول.. صمتت
مشعل يكرر السؤال: فيش شيء؟؟
هيا بخجل: لا.. إذا نمت أنت.. نمت أنا
مشعل يعطيها ظهره وهو يقول هذا أنا نمت.. نامي
هيا تمددت وهي تسحب شعرها لجوارها
نسيت أن تسأله عن توقيت الصلاة
خجلت أن تكلمه.. لم تكن تريد أن تسأله الآن
توقعت وقت تقريبي ونبهت هاتفها
لأنها لم تكن تريده أن يصحو قبلها ويراها نائمة
تركت الضوء جوارها مضاء ونامت بعد لحظات من شدة التعب
**************************
غرفة مشعل ولطيفة
مشعل بهدوء: تهربين مني؟؟
لطيفة بسخرية: وليش أهرب منك؟؟
مشعل بهدوء مسيطر: أسألي روحش
لطيفة ببرود : سألتها وتقول إنك غلطان.. والحين خلني أروح أنام
مشعل شد يدها التي يمسك بها
رفعها إلى شفتيه.. وطبع في باطن كفها قبلة طويلة عميقة
ثم أفلتها وهمس بنبرة خاصة: الحين روحي نامي
لطيفة ارتعشت أعماقها بعنف
كزوجين مضى على زواجهما 13 عاما
ومر بهما مئات اللمسات المشتركة
لما هزتها قبلته هذه؟!!
لما بدت لها مختلفة؟!!
بل ومختلفة جدا
بدت دافئة جدا وعميقة جدا
وموجعة جدا
موجعة لأبعد حد..
لطيفة غادرته
وهو بقي واقفا في مكانه
لطيفة تمددت على سريرها وهي مازالت ترتعش
بعدها بلحظات وصل هو
تمدد جوارها
دون أن يكلمها
ولو أنه فعل
لربما كانت انهارت
كان سيصل لمبتغاه لو أنه انتهز فرصة ضعفها الحالي
قبل أن تتماسك وتعاود تجميد مشاعرها ورص حصونها
التي دكها بقبلته التي تحرق كفها
كفها الذي تحتضنه الآن قريبا من صدرها
ولكن مشعل كان له مخطط آخر
مخطط يطهوه على نار هادئة
كما تفعل لطيفة به تماما
وهي تتسلى بطهي مشاعره وأعصابه ورغباته على نار هادئة
(إذا كانت لا تصدق أن تتدفق مشاعري فجأة كما تقول
لنذقها التدفق التدريجي
شيئا فشيئا)
*******************
قبل صلاة الفجر بقليل
منبه مشعل يرن.. صحا وأطفئه فورا
يركز بصره بهدوء
النور مازال مضاء بجوار هيا
جلس وهو ينظر لها
دقائق مرت وهو ينظر إليها وهي مستغرقة في النوم
كم تبدو قريبة وبعيدة
وكم يؤلمه هذا القرب البعيد
كم هي رائعة وهذا الشعر الموجع يتناثر حولها
كم يتمنى لو يدفن وجهه في طياته
يستنشق عبيره من قريب
يكون مخدته وغطائه
انتزعه صوت منبهها من أفكاره التي ذهبت بعيدا بألم
كان صوته حادا وعاليا
نهض ليطفئه
وهو يمد يده لتناوله
كانت تمد يدها لتمسك بيده بدلا من هاتفها
انتبهت مرعوبة
وقفزت لتجلس بعد أن كفت يدها وهي تشعر بخجل كاسح
مشعل أطفأ جرس هاتفها
ومرت لحظات وهما يتبادلان النظرات
مشعل واقف وهي جالسة
(لماذا كل هذه التعقيدات بيننا؟؟
لماذا؟؟
هأنا واقف أتمزق شوقا لها ورغبة بها
وهي زوجتي
ما هذا الجنون الذي نمارسه؟!)
مشعل تنهد وهو يقول: أنا بأتوضأ وأروح للصلاة
هيا هممت بكلمات غير مفهومة
ومشعل توجه للحمام
**********************
قبل صلاة الفجر
غرفة مريم
مازالت مريم لم تنم
ماحدث البارحة يلتهم تفكيرها
يلوكه ويمضغه ويلفظه في حلقة متصلة من التفكير الذي لا يهدأ
(سعد
غريبة؟؟
واحد مثل سعد وش يبي بوحدة مثلي
ضريرة لا وكبيرة في السن بعد
وهو يقدر يتزوج أحسن بنت
بعده شباب وعنده خير
وش يبي فيني أنا
وش يبي فيني؟؟)
تتذكر حوارها مع مشعل
مشعل بهدوء: مريم سعد بن فيصل كلمني عليش
مريم انتفضت بعنف: كلمك علي أشلون
مشعل ابتسم: أشلون يعني بعد.. خطبش
تدرين أنا وياه ربع
وهو كلمني أول عشان أخذ رأيش
لو أنتي موافقة كلم إبي
رجال في هيبته مايبي يحرج نفسه لو أنتي رافضته
والموضوع كله بيننا ثلاثتنا لين توافقين
مريم وقفت وهي تقول بعصبية: لا طبعا.. لا
مشعل وقف وشد يدها وأجلسها وهو يقول بمنطقية:
مريم طول عمرش أعقل وحدة فينا.. وصمام الأمان لنا كلنا
مهوب تجين عند نفسش وتخونش الحكمة
سعد ما ينرفض..
وإذا تقبلين بشهادتي.. أنا أبصم له بأصابعي العشر وأنا مغمض إنه سعد رجال مافيه مثله ثنين
مريم بحزن: أعرف سعد زين ولأنه رجال كامل والكامل وجه الله
وش يبي بوحدة مثلي..
مشعل بغضب: وأنتي وش قاصرش جمال ووعقل وبنت محمد بن مشعل........
قاطعته مريم كأنها تنزف الكلمات: وعمياء وكبيرة في السن
مشعل بغضب رقيق: مريم ما اسمح لش تقولين كذا على نفسش
مريم بحزن أرق: أنت لا تسمح لي.. بس رفضك للحقيقة مايلغيها
مشعل تنهد: مريم اخذي وقتش وفكري
سعد ملزم عليش فوق ما تتصورين.. ويقول إنه شاريش
ومن ناحية ثانية لا تخلين شيء يخليش توافقين إلا رغبتش أنتي
لأنه بيوتنا كلها لش أنتي الداخلة واحنا الطالعين
وهاهي مريم مازالت تفكر.. مثقلة بالهم وممزقة من التفكير
وبروحها تهب نسمة أمل ما
نسمة باردة في هجير حياتها
************************
هيا بعد أن صلت الفجر
قررت أن تبدل ملابسها وتنزل لرؤية جدتها
وفي ذات الوقت تتلافى رؤية مشعل في غرفتهما
يكفيها ضغط البارحة واليوم
لبست جلالها وأحكمت لفه على وجهها بعد أن أبدلت ملابسها ونزلت
دخلت إلى غرفة جدتها
الباب الذي رأت جدتها تدخل منه البارحة
وبالفعل كانت غرفة جدتها تحمل رائحة عميقة وأصيلة
وتفوح من الغرفة رائحة البخور المعتق
كانت غرفة شاسعة بها سريرين
سرير للجدة
وسرير آخر تستخدمه مشاعل أو أم مشعل وحاليا موضي حين يشعرون أن الجدة قد تكون متعبة
وبطرفها جلسة لطيفة تتسع لسبعة أو ثمانية
كانت جدتها ماتزال تصلي
جلست قريبا منها
حتى أنهت صلاتها
كانت الجدة مكشوفة الوجه
وحين سلمت من صلاتها ورأت هيا
ابتسمت وهي تتناول برقعها لتلبسه
ولكن هيا التي توجهت لها وسلمت واحتضنتها وقبلت كتفها ويدها
ثم أمسكت ببرقعها وهي تقول: لا خليني أشبع من وجهش أول
الجدة بابتسامة وهي تضع طرف جلالها على وجهها:
عيب عليش يا بنت.. خاف يجي عمش الحين وأنا ماعلى وجهي شيء
هيا بمرح: مشعل يقول أني أشبهش.. خليني أشوف
وإلا مشعل حلال يشوف وجهش وأنا لا
وهما تتحاوران حوارا مشبعا بالمرح والحنان دخل عليهم خيال صغير
يقول بمرح: وينها بنت عمي اللي من البارح أدورها ولا صدتها
وينها الخاينة اللي خذت أخي وخانتني؟؟
وقفت هيا بسعادة وشوق لاستقباله
فهي مشتاقة لهذا الفتى الذي كانت تهاتفه تقريبا بشكل يومي
رسمت له صورة في بالها من خلال حوارها معه
ولكن الصورة التي رسمتها كانت مختلفة تماما عن الحقيقة
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:08 AM
أسى الهجران/ الجزء الثاني والخمسون
غرفة الجدة أم محمد
بينما هيا وجدتها تتحاوران حوارا مشبعا بالمرح والحنان دخل عليهم خيال صغير
يقول بمرح: وينها بنت عمي اللي من البارح أدورها ولا صدتها
وينها الخاينة اللي خذت أخي وخانتني؟؟
وقفت هيا بسعادة وشوق لاستقباله
فهي مشتاقة لهذا الفتى الذي كانت تهاتفه تقريبا بشكل يومي
رسمت له صورة في بالها من خلال حوارها معه
ولكن الصورة التي رسمتها كانت مختلفة تماما عن الحقيقة
ضحكت هيا حين رأته وهي تقول له (بعيارة):
ومسوي لروحك شخصية وأثرك شبر القاع ياولد عمي..
سلطان يقترب منها ويسلم دون أي ملامسة ولا حتى مصافحة كما تربى
مع أن هيا كانت تود تقبيله فعلا
وهو يقول بمرح: أخ جيتي لي عالوجيعة..
لم يكن سلطان طويل اللسان سوى طفل حقيقي قصير القامة
ولم تبدو عليه أي بوادر للفوران المبكر التي قد تبدو على من هم في سنه
هو في الثالثة عشرة ويبدو للناظر كما لو كان في التاسعة..
يقترب من جدته التي تحتضنه وتقول له بحنان: ماعليك منهم
مشعل يوم إنه كبرك كان أقصر منك
بتغدي أنت أطول منهم كلهم
سلطان يرقص حاجبيه لهيا: شفتي بكرة بأغدي أطول من رجالش
وأنتي بتحسفين إنش خليتيني عشانه
هيا تضحك: سليطين غن وراي ياليل ما أطولك
سلطان يضحك: خاينة وسراقة بعد..
على الأقل أنا أحسن من رجالش الزرافة
أشلون تفاهمون ما أدري
أكيد أنتي إذا بغيتي تقولين له شي تكتبينه في ورقة وتسوينها طيارة وتطيرينها له
هيا بداخلها تكاد تموت من الضحك لكنها قلبت شفتيها وهي تقول بسخرية:
حبوا لي خشمه ما أطوله
ويلك بس تصير مثل ميشو حبيبي
يقاطع حوارهما المرح صوت يقول بنبرة خاصة: سامع حد يدلعني
هيا كحت من الحرج وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها
وسلطان يقول بمرح: ياحظك يا مشيعل بس
جعل يسقى عقب 20 سنة الاقي لي وحدة تغازلني قدام الناس مايهمها حد
هيا كان بودها أن تخنق سلطان الذي بدأ في مبالغاته:
تعال شوف مرتك وهي تغزل فيك..
تصدق شكيت هي تكلم عن أخي مشعل
وإلا تكون تحسب روحها خذت رئيس أمريكا
مشعل ينظر لهيا نظرة خاصة ويبتسم ابتسامة جانبية
وهو يرى وجهها الذي احمر وبدأ يتصبب عرقا
يسلم على جدته التي لبست برقعها
ويجلس جوارها ويسأل سلطان: ليه وش قالت لك؟؟
سلطان ينعم صوته ويقول بطريقة أنثوية مصطنعة:
مشعل حبيبي فديت روحه مافيه مثله اثنين.. ليت كل الرياجيل مثله
ولا ليش مثله.. ليت كل الرياجيل فدوتن له.. جعل يومي قبل يومه
وه بس فديت طاري مشعل واسم مشعل
هيا بدأت تكح بصوت مسموع وهي لا تعرف من أين أتى هذا الفتى بهذه التخاريف
وسلطان يكمل وهو ينظر لهيا ويرقص حاجبيه دون أن ينتبه مشعل:
فديت طول حبيبي مشعل وفديت رزته..
وشبر القاع راحت عليه
وحبو لي خشمه ما أطوله
والناس الخاينين يستاهلون اللي جاهم
عشان ماعاد يحارشون شبر القاع
مشعل لم يفهم الجزء الأخير من كلامه
ولكن هيا فهمت أنه ينتقم منها لأنه سمته )شبر القاع(
لم تستطع منع نفسها من الابتسام
لهذا الفتى قدرة عجيبة على شرح الخاطر وشق الابتسامة في الوجوه
وقدرة أخرى عجيبة في كسر الحواجز الغبية المرتفعة
حاجز ما انكسر بين هيا ومشعل
كلاهما شعر بهذا بوضوح وارتياح شفاف
هو سمعها تتغزل به حتى وإن كانت لتغيظ سلطان
وهي لم تنكر كلام سلطان وكأنها كانت تتمنى فعلا أن تقوله
الجدة بعذوبة: زين يأمكم أنا أبي أتمدد شوي لين شرقة الشمس
البارحة رقادي مهوب زين..
مشعل باحترام: خلاص يمه نخليش براحتش..
وسلطان بمرح: وأنا بأروح أنخمد شوي قدام تجيني موضي تذهني للمدرسة مثل القضاء المستعجل
هيا بحرج: بأنام عندش يمه
الجدة برفض: لا يأمش روحي مع مشعل
مشعل بهدوء: خليها يمه.. هيا ماشبعت منش..
مشعل خرج.. وهيا تجلس بجوار سرير جدتها التي تمددت
جدتها همست لها بحنان: قومي يأمش انسدحي على السرير الثاني
هيا بحنان ممزوج بالحنين وهي تحتضن كف جدتها: باقعد جنبش لين تنامين
************************
الساعة العاشرة صباحا
هيا تصحو من النوم.. تنظر لسرير جدتها الخالي
تبتسم بحنان وهي تتذكر كيف أنها بقيت بجوار جدتها حتى استغرقت في النوم
وكان لديها استعداد أن تبقى تراقبها لساعات دون ملل
هيا الآن تريد أن تغسل وجهها وأسنانها وتبدل ملابسها
استعدادا للخروج مع لطيفة التي قالت أنها ستخرجان العاشرة والنصف
تريد الذهاب لغرفتها
(هل مشعل هناك أو خرج؟؟)
حين خرجت من غرفتها وجدت جدتها وأم مشعل جالستان
عند قهوة الصباح
قبلت رأسيهما
وكم شعرت بسعادة مختلفة وهي ترى هذا الصباح المختلف
روح مختلفة ترفرف حولها
سكينة وإطمئنان وإنشراح قلب
أم مشعل بحنان: اقعدي تقهوي مشاعل وموضي بينزلون ذا الحين؟؟
هيا بتوقير: بأغسل وأبدل وأجي الحين
صعدت هيا فتحت باب غرفتها بهدوء
كان الضوء خافتا بالداخل
(أي أنه لا يزال نائما)
دخلت بالفعل كان مشعل نائما
وكان نائما على السرير وغطاه متكوم عند قدميه
شعرت هيا بحنان متعاظم ناحيته
كيف استطاع تحملها طوال الأسابيع الماضية
حرمته من أبسط حقوقه المفترضة ولكنه لم يقسُ عليها يوما
صبت عليه كل كراهيتها لأهل والدها وتحملها
شعرت بالضآلة أمامه وهو يتسامى فوق أحقادها وعنادها وتصرفاتها الغريبة
هاهو ينام بسكينة وملامحه الأثيرة مسترخية بشموخ حتى وهو نائم
دموعها تنسكب على خديها بدون أن تشعر
اهتزت أعماقها وهي تحاول نفض أفكارها الملتصقة بتلافيف مخها
توجهت للحمام واغتسلت سريعا
وأبدلت ملابسها
جهزت عباءتها وشيلتها ونقابها كانت تريدها أن تكويها
ستسأل موضي عن ذلك
قبل أن تخرج مرت بمشعل وهي تتأمله مرة أخرى بحنان أكبر وأكبر
اقتربت منه بهدوء
جلست جواره تتأمله من قرب
حزن شفاف يكتسح روحها من أجله
كم كان صبورا ورائعا معها
كان رجلا بكل معنى الكلمة
رجلا نادرا قل نظيره
(على قولت سليطين ليت كل الرياجيل فدوتن لك)
شعرت أن مشاعرها تضغط عليها بعنف
اقتربت أكثر وأكثر
قربت شفتيها من وجهه
لتطبع قبلة خفيفة وخاطفة على عظم وجنته
شعرت أن دقات قلبها تتصاعد كما لو كانت ارتكبت جريمة ما
واحساس متعاظم بالخجل يلفها وهي تنهض لتغادر وتغلق باب الغرفة وراها
وهي تحمد الله أن مشعلا لم يستيقظ
دون أن تنتبه أن هناك عينين انفتحتا ببطء
مع ارتسام ابتسامة نصر وشجن وسعادة على وجه صاحبها
( لو أدري كان جينا الدوحة من زمان)
********************
صالة بيت مشعل بن عبدالله السفلية
الستائر مرفوعة عن الشبابيك الضخمة
ونور الشمس القوي يغمر الصالة الواسعة
نزلت هيا لتجد جدتها وأم مشعل وموضي ومشاعل
سلمت
موضي تفسح لها مكان لتجلس جنبها: تعالي جنبي
شكلش محتاجة حنان.. تعالي يأمش أنا عندي فائض حنان
هيا تضحك: ومن قال لش يافائض الحنان أنتي؟؟
موضي تبتسم: طليت الصبح على جدتي لقيتي نايمة عندها
ومهملة أخيي المسيكين..
قلت أكيد محتاجة شوي حنان أمومي..
رغم إحساس هيا بالحرج إلا أنها ردت على موضي:
يا أختي أخيش زهق مني شهرين مقابل وجهي
قلت خله يرتاح مني
أم مشعل بحنان: الله لا يغير عليكم
هاش يأمش فنجال قهوة
مشاعل قربي القدوع من هيا..
هيا تناولت الفنجان وهمست لموضي: أبي أكوي عباتي
موضي بصوت عالي: ميشو.. قومي فزي اخذي عباية هيا
وعطيها وحدة الشغالات تكويها
هيا بخجل: لا تامرين على مشاعل أنا بأوديها
مشاعل ابتسمت وهي تتناول عباءة هيا من المقعد:
أنتي عروستنا.. لازم ندلعش
هيا تبتسم : أي عروس خلاص عتقنا.. أنتي العروس الحين
مشاعل تغير وجهها.. التغير الذي لاحظته هيا
همست هيا لموضي بعد ذهاب مشاعل: وش فيها؟؟
موضي بقلق: واجد تستحي من طاري العرس
هزتت هيا كتفيها: الله يعين ناصر عليها
(وأنتي ياهيا؟؟
أ ليس مشعل أيضا أعانه الله عليكِ؟؟)
حوار حميم كان يدور بينهن قاطعه صوت واثق عميق:
السلام عليكم
هيا انتفضت بعنف
(لاحول ولاقوة إلا بالله.. واشفيني صرت أخاف منه هنا
في واشنطن كان عادي يدخل وإلا يطلع)
مشعل يصلهن ويقبل رأس كل من جدته ووالدته
موضي حين رأته وقفت
توجهت هي ناحيته وقبلت كتفه وقالت بمرح:
أنا قمت من جنب المدام قبل ماحد يقومني
مشعل جلس بجوار هيا
وهو يقول : صبوا لي فنجال قهوة
هيا قامت لتصب له لأنها كانت أساسا تريد القيام من جواره
لكن موضي حلفت عليها أن تجلس
عادت للجلوس وموضي تتولى مسئولية الصب
الجدة بحنان: يأمك كان رقدت ألين تقرب صلاة الظهر وقمت تصلي
أكيد إنك تعبان
مشعل بنبرة خاصة: أنا كنت راقد بس صحيت على حلم حلو طير النوم من عيني
قالها وهو يلمس خده مكان قبلة هيا بطريقة بدت عفوية
لكن هيا انتبهت لها تماما وهي تشعر بصدمة حرج بالغ
بل شعورها تجاوز حدود الحرج والخجل وهي تدعك أصابع يدها بحدة
لدرجة الشعور بالخزي وكأنها مجرم أمسكوا به بالجرم المشهود
وأنقذها من الحرج دخول لطيفة وهي تمسك بيد جود
وتسلم على الجميع
وأولهم مشعل الذي وقف لاستقبالها
وقتها كانت مشاعل تعود بعباءة هيا
لطيفة بهدوء: هاه هيا نمشي؟؟
هيا التفتت بحرج لمشعل تستأذنه
مشعل بهدوء: ماتبوني أوديكم؟؟
لطيفة برفض: لا فديتك احنا بنلف كم مكان..
ثم ألتفتت لموضي: خلي بالش من جود وتراها مابعد تريقت
لبستها وجبتها على السريع
مشعل همس لهيا من قريب: هيا تعالي
وقام وتوجه لغرفة جدته
هيا توترت بشدة (وش يبي فيني؟؟)
أسى الهجران/ الجزء الثالث والخمسون
مشعل همس لهيا من قريب: هيا تعالي
وقام وتوجه لغرفة جدته
هيا توترت بشدة (وش يبي فيني؟؟)
لكنها تبعته
مشعل أخرج ظرفا من جيبه: خذي
هيا باستفسار: شنو هذا؟؟
مشعل بتلقائية: فلوس
هيا بحرج: مشعل أنت عارف أني عندي فلوس
مشعل بعتب: أنتي لازم تعاندين في كل شيء
عطيتش فلوس.. خذيها بدون ماتراديني
هيا تناولت الظرف ووضعته في حقيبة يدها
وقالت بعذوبة: هذا أنا خذته.. شيء ثاني؟؟
مشعل بخبث:إيه فيه شيء ثاني.. فيه دين لي عندش
هيا باستغراب: دين شنو؟؟
مشعل أحنى قامنى الطويلة قليلا قرب وجهه منه
وهيا ارتعشت بحدة وهي ترى وجهه من هذا القرب
شعيرات عارضه.. أهداب عينيه
اقترب أكثر
وطبع قبلة على وجنتها تماما مكان قبلتها
وقال بعمق: الحين متعادلين..
ثم غادرها
مشعل بعد موقفها في واشنطن معه
قرر أنه لن يبادر حتى لا تصده مرة أخرى
لكن بما أنها بادرت اليوم
فلن يفلت الفرصة.. فهو مرهق من هذا الجفاف العاطفي الذي يغلف حياتهما
لذا قرر أن يطرق الحديد وهو ساخن
وأن يساهم في تقويض الجدار المتعالي بينهما
هيا تتسند على الحائط تشعر أن قدميها عاجزتين عن حملها
وقلبها تتعالى دقاته بعنف
صوت لطيفة يناديها من الخارج: هيا يالله تأخرنا
خرجت وهي تتحاشى النظر للموجودين
وموضي تقول بمرح وهي تطعم جود: هذا كله اجتماع قمة مع أبو العيال
ومداولات عقبه بعده
ومشعل الذي كان يرتشف كوبا في يده يقول لها:
ياشين اللقافة ياناس.. خليش في جود ريقيها
وعقب عطيني إياها الاعبها شوي
فديتها حبيبة خالها.. أبي أكل خدودها المدورة ذي
لطيفة تغادر وهي تضحك وتقول لأمها: يمه بنتي أمانة عندكم
لا تخلين ولدش الفجعان ياكلها
**************************
بعد المغرب
بيت عبدالله بن مشعل
خبيرة التجميل تصل
لطيفة أخذت هيا اليوم لشراء فستان ومستلزماته
ثم مرت بها مركز التجميل
للقيام بعملية عناية شاملة لها
ولم تعودا إلا بعد صلاة العصر
ولم يكن مشعل موجودا ولم تراه هيا مطلقا
ولكنها علمت أنه ذهب مع ابن عمه راكان لإخراج طيره من مركز الصقور
بعد دقائق موضي تتصل بلطيفة
لطيفة باستعجال: موضي الله يهداش وش تبين داقة؟؟
تدرين إني أدرس عيالي
ماعندي وقت يالله ألحق أخلصهم وألبس وأتمكيج
موضي تضحك: لو إنش بدال ذا المحاضرة اللي عطيتيني
خليتني أتكلم كان الحين مخلصة اللي عندي
لطيفة تبتسم: زين خلصي اللي عندش
موضي: بنت عمش
لطيفة: أي وحدة فيهم؟؟
موضي: مرت أخيش
لطيفة باهتمام: وش فيها؟؟
موضي تضحك: شعرها طويل ماشاء الله
لطيفة تضحك: زين ماشاء الله.. متصلة علي عشان تقولين لي
موضي تضحك ثم تقول باهتمام: يالمتنحة ركزي معي الثانوية العامة مع عيالش لحسوا مخش
البنية شعرها طويل طويل ويجنن تبيني أخليها تفكه عند جماعتنا المشفح يطسونها عين..
ماعاد فيه حد شعره ذا الطول.. خايفة عليها
لطيفة بهدوء: حصنيها واقري عليها.. شعرها طويل يعني لازم ينكوي وينفرد
ماينفع ينعمل شنيون أو يرفع
وخلي أمي وجدتي يحصنونها بعد..
لطيفة تبتسم: ليه أنا ما كفي..أصلا الناس يجوني أقرأ عليهم..
وبكرة بتلاقيني أبيع ماي وزيت مقري فيه
لطيفة تريد إنهاء المكالمة: سوي اللي قلته وبس
وتأكدي من ترتيب طاولات البوفية
والمضيفات تراهم على وصول..
وفيه كم طلبية بتوصل الحين بعد..
لا تخلين حد من الخدامات يطلع عليهم إلا فاطمة.. الباقيات غبيات
موضي تبتسم: يازينش وأنتي تأمرين بس..
لطيفة باستعجال: وش أسوي مشاعل والعنود عرايس ومايصير نتأمر عليهم
وخصوصا أنهم مهوب حاضرين
ومعالي مايعتمد عليها
ومافيه غيرش
من زين نفعتش يعني؟؟
وش حدك على المر على قال اللي أمر منه..
موضي تضحك: الله يعيني عليكم
أنا مثل العومة ماكولة ومذمومة
***********************
القاهرة
منزل طه الرشيدي
باكينام تجلس في صالة الاستقبال الرئيسية بعد أن صلت المغرب
وتقرأ لها كتابا
كانت مسغرقة في القراءة حتى وصلتها الخطوات الثقيلة الهادئة
التفتت باحترام وهي تفسح مكانا إلى جوارها:
تعالي أنّا جنبي
صفيه بهدوء: فين صاحباتك اللي كانوا هينا؟؟
باكينام برقة: مشيو يا أنّا.. بئولو عاوزين يروحون سيتي ستارز..
والله مسكت فيهم للعشاء بس هم مارضيوش..
عشان ما تزعليش وتئولي احنا العرب بخلاء
صفية بنبرة خاصة: وانتي مارحتيش معاهم ليه؟؟
باكينام تبتسم: من هنا من المعادي لسيتي ستارز في مدينة نصر وفي الزحمة دي
عاوزين ساعتين رايح ساعتين جاي
وأنا ماليش خلئ
صفية بذات النبرة الخاصة: بت باكي انتي من لما جيتي هينا.. وأنتي ما بيخرجش خالص
باكينام تحتضن ذراع جدتها: انتي عاوزاني أسيب أحلى أنا وأروح فين
صفية مستمرة في الاسئلة المبطنة: شباب يحبوا يخرجوا..
باكينام تبتسم وتقول بنبرة خاصة كجدتها: أنّا.. مبروم على مبروم مايلفش
جيبي اللي عندك م الآخر
ضحكت الجدة ضحكة قصيرة وهي تقرص خد باكينام: عفارم باكينام عفارم
صحيح بنتي أنا ..مخك زي مخ أنّتك
هيجي يخطبك أمتى؟؟
باكينام شرقت بدون شيء وبدأت تكح بعنف..
وجدتها ارتعبت وهي تحرك يديها أمام وجهها:
بت باكينام خدي نفس يخرب بيته خلاص مش عاوزينه يجي
باكينام تبتسم رغم عينيها التي امتلئت بالدموع من الكحة المتواصلة:
إيه حكاية يخطبني دي يا أنّا؟؟
صفية ترقص حاجبيها بخبث: بت باكي أنا عارفاك كويس
فيه واحد معشش هنا وهنا (قالتها وهي تشير على قلب باكينام وراسها)
أنا عاوزة أعرف هو هيجي يخطبك أمتى
ثم أكملت صفية بغضب وكأنها تتذكر شيئا: أوعي بت باكينام تكوني تعملي حكايات غرام وتئولي نتعرف كويس وجواز بعدين
باكينام تضحك: أنتي عملتي حكاية طويلة من مخك الحلو ده
مافيش حاجة من اللي أنتي بتئوليها
صفية بغضب: أنتي هتكدبي عليا بت باكي
أنا مش بت امبارح
باكينام تتنهد: لما يكون عندي حاجة أئولها هائول..
ربنا يخليكي أنّا ما تزعليش مني
**************************
قبل صلاة العشاء
لطيفة انتهت من اللبس وكانت على وشك لبس عباءتها
بعد أن أنهت بناتها أولا وأرسلتهن لبيت والدها
دخل مشعل وهو مستعجل
لم ينظر ناحيتها وهو يدخل الحمام بسرعة ويقول لها:
لطيفة لو سمحتي طلعي لي ثوب وغترة مستعجل
لطيفة فرشت عباءتها على السرير
وأخرجت له ثوب وغترة وعطرتهما كما اعتادت
ثم اقتربت من باب الحمام ورفعت صوتها:
مشعل أنا طلعت ثيابك وباروح.. تبي شيء ثاني؟؟
مع انهائها لجملتها كان مشعل يفتح الباب
وكاد أن يصدم بها
توقف قليلا وهو ينظر لها بتركيز
ولطيفة تنسحب بعفوية لتلبس عباءتها
مشعل بنبرة غضب: لطيفة انتي بتروحين بالثوب هذا؟؟
لطيفة انتبهت لسبب غصبه.. فالفستان كان بحمالتين رفيعتين
ولطيفة أساسا تلبسه مع جاكيت قصير والجاكيت معها
لكنها لم تكن تريده أن يتجعد لذا تركته في علاقته لتلبسه في بيت أهلها
ومع ذلك ردت عليه ببرود مدروس: ليه؟؟ وش فيه ثوبي؟؟
مشعل يتنهد بعمق حتى لا يثور فيها: افسخيه الحين والبسي شيء ثاني
لطيفة تلعب لعبة لا تعلم ماذا تهدف منها: إن شاء الله أغيره
بس أقنعني بأسبابك
مشعل اقترب منها ليمرر أصبعه على كتفها وأسفل عنقها ويقول بنبرة خاصة:
أنا ما أسمح لأحد يشوف شيء مالحد حق بشوفته إلا أنا
لطيفة تراجعت بعنف وهي تقول بخفوت: الفستان معه جاكيت
وأنا أخاف ربي قبل أي شيء
وأعتقد أنك عارف إني ماتعودت ألبس عاري حتى عند الحريم
مشعل ابتسم: ولو حتى شنو مالبستي.. أنتي أحلى منهم كلهم
قال جملته وتناول ثوبه ليبلسه
ولطيفة مصدومة
(هو مدحني وقال لي أني حلوة
أو أنا يتهيأ لي وسمعت أشياء على كيفي؟؟)
مهما كانت المرأة جميلة
يهمها أن تكون جميلة في نظر إنسان واحد
نظره هو..
فما فائدة جمال لا يحرك مشاعره ويدفعه للتعبير والصراخ
وهو لن يرى جمال وجهها حتى يرى جمال روحها أولا..
وحينما رأى هذا الجمال
رأى كل ماعداه من جمال
لطيفة لبست عباءتها ونقابها وكانت على وشك الخروج
مشعل الذي كان يعدل غترته أمام المرآه ناداها: لطيفة
لطيفة عند الباب ردت بعفوية: لبيه
مشعل بابتسامة وعيناه مركزتان في المرآة:
لبيتي في مكة...أبي أقول الأحمر عليش يضوي ضوي
أسى الهجران/ الجزء الرابع والخمسون
بيت عبدالله بن مشعل
الحفلة
النساء توزعن بين حديقة البيت وصالاته الداخلية
الجو هذه الليلة كان لطيفا وبرده محتمل
معالي تقترب من هيا وتهمس : وين كنتي داسة ذا الزين كله
وإلا ذا الشعر ماشاء الله تبارك الله انصرعت لما شفته
سلفيني شوي بدل شعري اللي ماضغته المعزى على قولت أمي هيا
هيا تبتسم وتهمس لها: صدقتش الحين
حاسة إني على قولت صديقتي باكينام مثل عروسة المولد
صبغوني لين قلت بس
اقترب فوج نساء للسلام على هيا
إحداهن وضعت يدها على رأس هيا وقرأت عليها
ثم دعت لها بالتوفيق هي وزوجها وأن يجمعهما الله في خير وعلى خير
وهيا شعرت بحرج شديد من رقة هذه السيدة
حين ذهبن التفتت هيا لمعالي: من هذي؟؟
معالي هزت كتفيها: ما اعرفها
بس لا تستغربين.. الناس فيهم خير..
ثم أكملت بعيارة: تصدقين أنا ما أروح مكان إلا كل شوي توقفني وحدة
تقول خلني أقرأ عليش لأنش فتنة متحركة ينخاف عليش من العين
موضي تقاطعهما وهي تحشر نفسها بين الأثنتين:
إيه كثري من ذا الهياط طال عمرش
يقرون عليش يقولون يالله سكنهم مساكنهم
موضي كانت متألقة من فستان أصفر أنيق
ومعالي كانت مليئة بالحياة في فستان حرير مشجر
وشقيقاتها علياء وعالية كالعادة متطابقتين ولكن في غاية العذوبة في طقم سماوي
بينما الفتنة المذهلة كانت لطيفة في فستانها الأحمر
وهاهي تجلس بجوار صديقتها شيخة التي تقول لها: أنتي ما تخافين الله في مشاعري
لا عاد تلبسين ذا الأحمر تجلطيني
لطيفة تضحك: ليه أنتي عندش مشاعر؟؟
شيخة تضحك: مشكلتش صايدتني.. تدرين ياوخيتي أحاول
يمدحون المشاعر ذا الأيام
ثم همست وهي تلتفت على هيا: ماشاء الله مرت أخيش تجنن
كفاية ذا الشعر ماشاء الله.. ماألومه أخيش ينجلط.. الله يبارك له
لطيفة برقة: عقبال راشد إن شاء الله.. يلاقي اللي تعوضه عن زواجه الأول
غمزت شيخة وهي تلتفت لموضي: راشد مطلوبه عندكم
زوجونا ذا الأصفراني المشعشع
لطيفة تهمس لها: موضي ما تبي تعرس خلاص من غير قصور في راشد
شيخة بهدوء: حرام يا لطيفة موضي عادها صغيرة.. بتدفن روحها يعني؟؟
لطيفة برقة: ما نقدر نجبرها على شيء
وبعدين تو الناس.. توها طالعة من تجربة.. يمكن مع مرور الوقت تفكر
*****************************
غرفة مشاعل
العنود تطل مع شباك مشاعل المطل على الحديقة
وتقول بتحسر: الناس برا مستانسين واحنا محبوسين هنا
مشاعل بهدوء: من جدش تبين الناس يشوفونش وأنتي ماباقي على عرسش إلا كم يوم
العنود (بعيارة): ليه هو عرسي بروحي
ثم أكملت وهي تقفز على السرير بجوار مشاعل:
أخيش الملقوف ماهان عليه يخليش تستانسين أنتي وناصر بروحكم
إلا يدخلنا معكم..
آه ياناس خبرتوا وحدة تتزوج قبل امتحاناتها بأسبوع.. الله يعديها على خير
مشاعل بخجل: عيب العنود استحي..
العنود تضحك: ليه أنا وش قلت.. ياحرم الشيخ ناصر
مشاعل يحمر وجهها: العنود تحشمي..
العنود تقترب من مشاعل وتلتصق بها وتمسك يدها بطريقة تمثيلية وتقول بخبث:
على ذا السحا اللي عندش
لو ناصر قرب منش كذا ومسك يدش كذا
وش بتسوين؟؟
مشاعل قفزت وهي تنتزع يدها من العنود وكأن ناصر هو من أمسكها
وهي تقول بخجل كاسح: العنود والله العظيم بأزعل عليش
العنود غابت في عالم آخر من الضحك: والله العظيم منتي بصاحية
زين يا ميشو دواش عندي..
العنود التقطت هاتفها ورنت على رقم معين ووضعته على السبيكر
طال الرنين حتى جاءها صوت رجولي عميق: هلا والله بعنودة قلبي
مشاعل شعرت أن قلبها توقف وهي تريد لها منفذ تهرب معه وهي تسمع صوت ناصر
العنود بمرح: نصوري حبيبي إذا مشاعل تسمعك الحين وذايبة على روحها من السحا
وش تقول لها؟؟
ناصر بنبرة خاصة: هي تسمعني الحين؟؟
العنود بابتسامة: yes
ناصر بنبرة عميقة مليئة بعبق رجولة خاص:
أقول لها تدللي واستحي على كيفش
بدل اليوم عشرة.. وبدل السنة عشرة
أنتظرش عمري كله.. لا تخافين من شيء وأنتي معي
وخلاص عنودة لا تحرجينها أكثر من كذا
مع السلامة
وأغلق ناصر وعينا العنود تغيم بالدموع من التأثر بمشاعر شقيقها العذبة
(يعني فارس ماهان عليه يقول لي كلمتين مثل هذي
فديتك يا ناصر الله يوفقك
ويسخر مشاعل لك)
وإذا كانت العنود غامت عيناها
فغيرها انهار يبكي بانفعال
مشاعل شعرت أن سماع صوته والكلمات التي حملها صوته العميق
كانت أكثر من احتمالها
أكثر بكثير
***************************
عزبة آل مشعل
الشباب والشياب مجتمعون
وبعد العشاء المبكر الذي كان بعد صلاة العشاء مباشرة
بدأوا بالتحزب كل اثنين يتحدثان سويا
عبدالله ومحمد
راكان ومشعل بن عبدالله
وسعد ومشعل بن محمد
وناصر وفارس
والشباب الصغار في الزاوية يلعبون بيلوت
فيصل ومحمد بن مشعل فريق
وسلطان وفهد فريق
وعبدالله الصغير متفرج
رن هاتف ناصر رأى اسم المتصل
فقام بعيدا عن الرجال حتى أنهى الاتصال وعاد
حينما عاد كانت ترتسم على وجهه ابتسامة مختلفة
فارس يميل عليه ويهمس بمرح: نويصر لا تكون تغازل
مالي بذا القومة ولا ذا الابتسامة اللي تقول اعلان معجون أسنان
ناصر فتح هاتفه على قائمة الاتصالات الواردة
ولف الجهاز ناحية فارس دون أن يتحدث
فما زال تحت نشوة إحاسيسه
"الأهل ع"
الاسم الذي يعرفه فارس جيدا
والذي نقله بالأمس فقط من جهاز ناصر
تنهد فارس بعمق ولكن دون أن تتجاوز تنهيدته روحه المثقلة بالكبرياء
( هل مازالت غاضبة؟
بالتأكيد غاضبة..
هل أرضيتها يا فارس حتى ترضى؟!
أم تعتقد أنها سترضى لوحدها مكافأة لك على لطفك وحنانك معها؟؟
لِـمَ هي رقيقة هكذا؟؟
وهشة هكذا؟؟
كيف ستحتمل لؤمي وفظاظتي وقسوتي؟؟
أعلم أني لئيم وفظ وقاسٍ
بالكاد أحتمل نفسي
فكيف ستتحملني؟؟
آه يا صغيرتي.. آه
تمزق الآهات قلبي.. وأنتِ يوماً تلو الآخر تصبحين هاجسي وجنوني وولعي
وأنا سادر في غيي
هل رأيتِ جنونا مثل هذا؟؟؟
أعرف تماما مشكلتي ولكني عاجز عن حلها
يا لا عرق الكبرياء المجنون المتضخم في عروق رأسي!!)
راكان ومشعل
راكان بهدوء: ها بوعبدالله.. متى نمشي؟؟
مشعل بذات هدوءه: عقب بكرة بعد صلاة العشاء.. وش رأيك
راكان: مثل ما تبي..على سيارتك وإلا سيارتي؟؟
مشعل: سيارتي أحسن..
راكان يتذكر شيئا: إيه ترا مشعل يقول إنه يمكن يروح معنا
مشعل باستغراب: غريبة ماخبرت مشعل يحب سوالف القنص
مخه مافيه غير شغله
راكان يبتسم: حاب يغير
مشعل وسعد
مشعل يبتسم: اركد يارجال والله العظيم إني قلت لها البارحة
أبد طلعت من عندكم من المجلس رحت لها على طول
سعد بلهفة: زين ومتى بتردون علي؟؟
مشعل بابتسامة: عطها وقت تفكر
ثم أكمل باهتمام: البارحة عشا رياجيل وعالم ماقدرت أخذ راحتي وأتكلم معك
تدري سعد أنا عني أشوف أختي مافيه مثلها ثنتين
لكن أنت وش اللي يخليك مصمم عليها؟؟
سعد كأنه يتأمل: مشعل أنا تعبت من الوحدة
لكن في نفس الوقت أنا تعودت على السكينة والهدوء
أبي وحدة تكون شريكة لي بكل معنى الكلمة.. شريكة حياة وفكر
نتحاور بعقل وبعمق وفي نفس الوقت تكون لي مصدر هدوء وسكينة
وذا الشيء حسيت إن بنت محمد تقدر تهديني إياه الله يكملها بعقلها
**********************
عودة للحفل
انتهى العشاء
وأكثر الزائرات غادرن
مريم تجلس في الزاوية..
بالها مشغول بهذه الخطبة المفاجئة التي قلبت حساباتها
بداخلها مترددة على الموافقة تخشى من أسباب سعد في الإصرار عليها
ولكن من ناحية أخرى تفكر
(أليست هذه فرصة أخيرة لأشعر كامرأة مكتملة بالقرب من رجل رائع؟!!)
أحلامها تتسع بوجع
(أنجب طفلا ربما؟؟)
مريم انتفضت وهي تنهر نفسها بقسوة
(أي طفل يامريم ؟!!
أ تريدين انجاب طفل تعذبينه بعجزك عن العناية به وتربيته؟؟)
الأمل يناديها بشفافية مؤلمة
(بس أنا ربيت العنود
وما أعتقد أني فشلت في تربيتها ولا في الاهتمام بها)
( يا الله تعبت
والله العظيم تعبت من التفكير)
(الحلو سرحان في ويش؟؟) كان صوت لطيفة التي جلست جوارها
مريم بهدوء: موضوع شاغلني وأبي أخذ رأيش فيه
بس مهوب هنا ولا الحين
مرينا بكرة لو تقدرين
لطيفة برقة: حاضرين بأجيكم بكرة عقب المغرب
*************************
غرفة مشعل وهيا
الساعة 12 ونصف بعد منتصف الليل
هيا تدخل وترمي نفسها على الأريكة
وموضي تدخل وراءها
هيا بتعب: انهديت والكعب ذبحني
أبي أسبح وأنام
موضي باستنكار مرح: نعم نعم نعم
والله العظيم ماتغيرين شيء وحتى الكعب ما تحطينه لين يوصل مشعل
أبي أصوركم مع بعض
محسوبتش خبيرة تصوير من الطراز الأول وتعديل على الكمبيوتر وحركات ومونتاج..ولا أحسن استوديو
وأنا أطبع الصور بنفسي يعني لا تخافين على صورش
هيا ابتلعت ريقها وهي تتخيل أن مشعل سيراها وهي بهذا الشكل
قالت برجاء: لا موضي تكفين
موضي باستغراب: من جدش أنتي؟؟
هيا بصراحة: مشعل ماعمره شافني كذا
وش يقول عني مصبغة وجهها
لا والفستان عاري شوي
موضي تتصنع الغضب: وين عاري؟؟ اسكتي بس لا تجلطيني
أنتي ورجالش من أي كوكب جايين
وش فايدة ذا الزين واللبس إذا ماشافه هو
هو أصلا الأساس
والله ما تتحركين لين يجي ويشوفش
(من اللي يجي ووش يشوف؟؟)
صوته يصلهم وهو مازال واقفا عند الباب
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:10 AM
أسى الهجران/ الجزء الخامس والخمسون
غرفة مشعل وهيا
مشعل مازال واقفا عند الباب وهو يقول:
من اللي يجي وش يشوف؟؟
هيا تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها!!
أن تختفي!!
أن تصبح غير مرئية!!
تحدث معجزة ما تنقذها من شعور الحرج الجارح الذي غشاها مع سماعها لصوته!!
موضي تهتف بمرح:
أنت اللي تجي عشان تشوف المدام
وأصوركم سوا
أنا بأروح أجيب كاميرتي
مهوب أجي ألاقيكم سكرتم الباب من دوني
موضي خرجت
ومشعل دخل
وهيا تراجعت للخلف وعيناها تنغرزان في الأرض
دقات قلبها تتعالى وتتعالى حتى أصبحت أنفاسها تخرج وتدخل بصعوبة
وخجل مر يكتسحها
ووجيب مشاعر مختلطة شديدة الكثافة والضغط يتخللها
هو تقدم أكثر
شعر أن يدا هائلة القوة اعتصرت قلبه بعنف
يكاد يحس بألم فعلي في خلايا قلبه المعصور
قلبه عاجز عن الاحتمال
مشاعره مُستنزفة
وهو متعب.. متعب
مـــــتـــــعــــــــب
هي كانت تعجبه ببساطتها وبدون أي زينة بملامحها الناعمة
فكيف وهو يراها بهذا التألق الأنثوي المختلف
ساحرة
خيالية
موجعة
فتنة متجسدة
هو يراها هكذا بعين المحب!!
كانت هيا تقف أمامه تذوب ارتباكا ولكنها تحاول الوقوف بثقة
كانت ترتدي ثوبا من الحرير التركوازي والدانتيل الذهبي
يد بدون كم واليد الاخرى كاملة الطول إلى منتصف كفها من الدانتيل الذهبي الملتصق بذراعها
مع (هاي نك) من الدانتيل أيضا
والفستان ضيق ليتسع عند أسفل الوركين في قصة راقية
جبينها ومقدمة شعرها ملفوفان بعصبة من الدانتيل الذهبي ينحدر طرفاها على كتفها
وشعرها السرمدي مسترسل كالحرير
أمواج ليل هادر تعانق سماء من الذهب والتركواز
وفرد شعرها زاده طولا ولمعانا ونعومة
وفتنة أكثر انغرازا في قلب هذا المتيم المسحور!!
لم يتكلم
ولم تتكلم
كل الكلمات لا معنى لها
فمعركة شفافة من المشاعر الجياشة كانت تدور رحاها بينهما
و(لا صوت يعلو على صوت المعركة) كما قيل
فكيف إذا كانت معركة عميقة حادة لذيذة وموجعة
كالمعركة التي تدور بسلاح النظرات والإيماءات وحديث النفس بين مشعل وهيا
(أميرتي
ارفعي وجهكِ قليلا
اجعلي الشمس تشرق
واجعلي روحي تشرق
واجعلي حياتنا تشرق
أما لهذا الخجل والتباعد من آخر؟!!
تعبت يا أميرتي تعبت
مرهق أنا.. ألا تشعرين بوجع روحي المستشري
وقد اُستنزفت ولعا وشوقا واحتياجا وحبا؟!!
اسمحي لي أن أحتويكِ.. أغمركِ بهذه النار المشتعلة في جوفي
لا تكوني كالمهرة النافرة
لا أريد ترويضكِ
ولكن أريدكِ أنتِ أن تروضي مشاعركِ)
(آه.. أيها السامق حتى طاولت هامتك السحاب
أعجز عن رفع عيني إليك
نورك محرق وأكثر إشعاعا من احتمالي
أروع من كل أحلامي أنت
أعذب من كل أمنياتي أنت
تساميت فوق صغائري
لتكون أنت وحدك فوق السمو الإنساني
لتكون الرجل الأعظم والمعادلة التي لا تكرر
وحدك رهان الاستثنائية
وحدك كسرت أقفال هذا القلب المغلق على سنوات طويلة من الحقد والكراهية
ساحر أنت.. ساحر
حولت كل مشاعري.. أعدت صياغتها من جديد
لتجعلني أخرى
أخرى مشبعة بمشاعر جامحة هي لك وحدك
أنت فقط ولا سواك )
موضي عادت بكاميرتها
ظلت واقفة للحظات وهي تراقب مشعل المبحلق
وهيا المطأطة
وهي تكاد تنفجر ضحكا من غرابة الاثنين
موضي (بعيارة): نحن هنا يا بو الهول أنت ويا نفرتيتي
مشعل ألتفت لها بهدوء وابتسم: زين وأنتي هنا.. نسوي لش استقبال رسمي؟؟
موضي تضحك: لا خلصوني أبي أصوركم..
يالله أصلي قيامي وانخمد.. ميتة تعب..
موضي تقمصت الدور وهي تلصقهما ببعضهما
ارتعشت هيا وابتلعت ريقها بصعوبة
وهي تشعر بحفيف كم مشعل على ذراعها العاري
حلقها جاف ومشاعرها مضطربة
موضي (بعيارة) : ماراح أطول عليكم
صورتين وانتوا واقفين وثنتين وأنتم قاعدين وبس
مافيه داعي للخساير.. الحبر حق الصور وورق طباعة الصور غالي
خسارة فيكم أنتو وتعابيركم المحزنة
أجلستهما على الأريكة.. حاولت هيا أن تبتعد قليلا
ولكن موضي نهرتها: خالتي قماشة حدش
خليش جنب عمي قحطه
وابتسمي وإلا والله لأحرق صوركم
دقات قلب هيا تتعالى بعنف مرعب وعقلها يتوقف جراء قربها الملاصق من مشعل
الذي كان يشعر بتسلية غامرة وهو يراقب انفعالات وجهها
مشعل مال عليها وهو يهمس لها: ابتسمي على الأقل عشان خاطر موضي
هيا ابتسمت ابتسامة صغيرة
وموضي هتفت بابتهاج مرح فيه كم هائل من الخبث:
الحمدلله ابتسامة وأخيرا..
يا أخي كان من زمان وشوشتها وقلت لها : أحبش يا حبيبتي.. عشان تبتسم
الظاهر كلامك الحلو هو البتري اللي يشغل ابتسامة المدام
وخلاص أنا خلصت وتصبحون على خير
قالتها موضي وهي تنسحب فعلا وتغلق الباب خلفها
مرت دقائق والاثنان صامتان
مشاعر أعمق وأكبر من كل تعبير تمر بينهما
كل برودهما المصطنع السابق يشوى على صفيح ساخن
وكل الجمود وخزعبلات الكبرياء والخجل أصبحت غاية في الهشاشة
وتنذر بانهيار تام قريب أمام روحين مثقلتين بالوجع والهجران
تتوقان للتمازج والاندماج وأن تسكن كل منهما إلى الأخرى
كما هي فطرة البشرية دون أي حواجز غبية
هيا وقفت بتردد وخجل
شعرت بأصابع دافئة تلامس أطراف أناملها
كان ينظر للأرض
همس بنبرته الدافئة العميقة مغلفة بعبق رجولي خاص:
لو قلت اقعدي
بتهربين مني نفس ماسويتي في واشنطن
هيا برقة وخجل: بأهرب ..بس لمكان ثاني
مكان من زمان نفسي أهرب له وألجأ لأحضانه
بس يا ترى بيستقبلني أو لا ؟؟
قالتها وهي تعاود الجلوس جواره
وتشدد احتضانها ليده التي تمسك بيدها
***********************
فارس بغرفته
عاجز عن النوم
عاجز عن التفكير
مثقل بالألم وبالكثير الكثير من العشق الموجع الموغل في العمق
هاتفه بيده
يريد أن يتصل بها
يريد أن يتأكد أن الصوت الباكي الذي نحره ببكائه بالأمس
عاد اليوم للتغريد الذي ينعش روحه بهمساته
تردد للحظات ولكن ليس هو من يطيل التردد في قراراته
اتصل بها عدة مرات ولكنها لم ترد
أرسل لها رسالة قصيرة
" العنود ردي"
وصله الرد بعد ثواني.. كما لو أنه كان جاهزا لديها
" آسفة
ما بيننا كلام
اعتذر لي أول
ما أبيك تعتذر بلسانك أدري صعب على كرامتك الغالية
اعتذر لي بمسج وعقب بأرد عليك"
فارس اشتعل من الغضب
كيف تجرؤ؟؟ كيف تجرؤ أن تطالبه بالاعتذار بينما هو لم يخطئ
لو كان أخطأ ربما كان فكر ..ربما فكر أن يكتب لها رسالة اعتذار
فحبه لها أصبح أكبر من أي شيء وأعمق من كل شيء
ولكنه لم يخطئ.. لم يخطئ
ويستحيل أن يعتذر بينما هو لم يخطئ بشيء
فهو لم يكلم الفتيات ولم يلقِ لهن بالا أصلا
والحقيقة أن ما ضايقه هو مطالبتها له بالاعتذار بهذه الطريقة المباشرة
شعر أنها تريد تصغيره وإهانته
(ليش اتصلت عليها
أنا اللي غلطان
أكيد عرفت قدرها وغلاها
وتبي تفرض أوامرها علي
زين العنود زين
توج ماعرفتي فارس
ومهوب فارس اللي يقاد ويمشي عليه شور حد)
وصلها الرد بعد دقيقة
" أنا ما غلطت عشان أعتذر
واللي زعل بدون ماحد يزعله
يرضى بدون ما حد يرضيه"
**********************
لطيفة عادت لبيتها حدود الساعة 12
كانت جود قد نامت
لذا ذهبت بها لغرفتها وأبدلت ملابسها وهي نائمة
وأبدلت لمريم ووضعتها في سريرها
كانت تتوقع أن أبنائها لم يعودوا بعد.. فهم مع والدهم في العزبة
وغدا الجمعة لذا توقعت أن يطيلوا السهر قليلا
لكنها قررت المرور بغرفتهما أولا لتخرج لهم بيجاماتهما
فوجئت أنهما في سريريهما نائمان
توترت
(هل يعني هذا أن مشعل هنا؟؟)
نظرت للمرآة في غرفة أولادها
توترت أكثر
لأول مرة يقول أنها جميلة
هل يراها جميلة حقا؟؟
أم كان يجاملها؟؟
أخرجت أحمر شفاهها من حقيبتها وفرشاة شعرها
عدلت زينتها قليلا
لِـمَ؟؟
لا تعرف السبب
كانت مازالت ترتدي عباءتها
نثرت شعرها على عباءتها ومشطته
ثم توجهت لغرفتها وفتحت الباب بهدوء وتوجس
*************************
عزبة آل مشعل
الكل عادوا لبيوتهم.. تبقى ناصر وراكان فقط
ناصر يصب لراكان كوبا من الكرك ويناوله له
ويصب لنفسه كوبا آخر ويعود ليجلس بجوار راكان
يرتشف بضع رشفات من كوبه.. ينزله أمامه ثم يهمس لراكان بنبرة خاصة:
بنت عمك عقب أسبوعين ثلاثة بتخلص عدتها
راكان يرتشف بدوره بضع رشفات ثم يضع كوبه ويهمس بهدوء: وإذا؟؟
ناصر باستغراب: وإذا؟؟ لا تقول لي إنك مفكر تفرط فيها للمرة الثانية
راكان بعمق: أنا فرطت فيها وخلاص
موضي قضية وانتهت.. ما ينفع ينعاد فيها الحكي
ناصر باهتمام: راكان.. موضي من الحين فيه ناس قاعدين يتكلمون عليها
تكفى تحرك.. لا تضيعها من منك
#أنفاس قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:13 AM
أسى الهجران/ الجزء السادس والخمسون
عزبة آل مشعل
الحوار بين ناصر وراكان
ناصر باهتمام: راكان.. موضي من الحين فيه ناس قاعدين يتكلمون عليها
تكفى تحرك.. لا تضيعها من منك
تيار ما سرى في العضلة الشمالية من قفصه الصدري
لكنه أنكر هذا التيار وكذبه لأن هذه العضلة ماتت منذ زمن
ومن المستحيل أن ينبض شيء ميت
لذا رد على ناصر بهدوء: الله يوفقها
ناصر بنبرة غضب: راكان لا تجنني.. وش الله يوفقها ذي
الله يوفقها معك..
عاجبك حالك ذا.. عمرك الحين 30 وما تبي تعرس
راكان بهدوء عميق: ناصر خلاص.. ألف مرة قلت لك هذا مات
(قالها وهو يشير لقلبه) ماعاد ينفع موضي ولا غيرها
خل موضي تشوف نصيبها
كفاية ما توفقت مع حمد (ناصر لا يعلم بضرب حمد لها)
خلها تأخذ واحد يعرف قيمتها عدل
ناصر بنبرة غامضة: قول نفس الكلام اللي قلته يوم خذت حمد
"واحد يعرف قيمتها"
موضي ماحد بيعرف قيمتها غيرك
ما أدري متى تصحى من الغيبوبة اللي أنت فيها
إذا لقيت إنه فاتك كل فرصة للسعادة في الدنيا
راكان يسند ظهرة للخلف وتفكيره يذهب للبعيد:
خلاص يا ناصر السعادة الله إن شاء يكتبها لنا في الآخرة
لأنه سعادة الدنيا مهيب من نصيبي
********************
غرفة مشاعل
يثقلها التفكير ويمزقها الأسى
بدا لها ناصر الليلة رائعا ومذهلا ومتفهما في كلامه
(ولكن مايدريني قد تكون هذه مجرد واجهة منمقة يخفي خلفها حقيقته
ما الذي ينتظرني معه؟؟
ماذا؟؟
أشعر بخجل كاسح من مجرد التفكير برجل لا أعرفه
يغلق علينا باب وتكون له حقوق علي في أعمق خصوصياتي الروحية والجسدية
ثم ماذا؟؟
أعلم أني سأتجاوز الخجل يوما.. ولكن بعد تجاوزه مالذي ينتظرني؟؟
هل أذوب فيه هياما مثل لطيفة ويكون رده على حبي له برودا وتجاهلا مثل مشعل؟؟
أو هل يضربني مثل حمد وأضطر أن أصبر عليه مثل موضي حفاظا على الروابط الأسرية؟؟
هل ستذوي روحي ويُنتهك جسدي في كل الأحوال؟؟
ما الذي ينتظرني؟؟
ماذا تخبئ لي الحياة مع ناصر؟؟
ماذا تخفي لي؟؟!!)
***************************
غرفة موضي
تبدل ملابسها
تخلع الأصفر المنعش وكأنها تخلع قناع البهجة الذي تتسربل به أمام الناس
لينهار هذا القناع حالما تخلو إلى نفسها
تنظر في المرآة
علامة واضحة على كتفها من ناحية الصدر تأبى الانزياح
وشم ماكن كوشم الألم والجرح والمرارة في روحها
تقترب من المرآة أكثر.. تلمس الأثر بأطراف أصابعها
أثر عقال حمد الغائر في كتفها.. تتحسسه
ترتعش بعنف
تشعر بألم ما.. ألم غريب غير مفهوم
ليس ألما جسديا
فهذا الأثر ماعاد يثير ألما جسدا.. يثير ألما أعمق بكثير
يذكرها بكل الذي تحاول نسيانه فلا تستطيع
حياتها البائسة مع حمد
وهي تتحول لمخلوق هلامي بلا كرامة
كرامتها التي بعثرها حمد يمينا ويسارا وهو يمتهن جسدها وإنسانيتها
وهي صامتة خرساء حفاظا على مشاعر أهلها
فبماذا خرجت بعد تفضيل الجميع على نفسها؟؟
تشويه في جسدها
وتشويه أبشع في روحها
(لا ويبوني أتزوج مرة ثانية
وش عندي أقدمه للزوج رقم 2
بقايا امرأة؟؟!!!)
**********************
غرفة لطيفة
لطيفة تقف أمام الباب تشعر بتوجس غير مفهوم
لِـمَ هي خائفة من مقابلته؟؟
استجمعت شجاعتها
ودخلت
ويالا صدمتها!!
كان نائما
شعرت بخيبة أمل حادة غير مفهومة
لأول مرة تحدث.. أن ينام هو قبلها
نظرت لناحية السرير
وابتسمت
(تلاعبني يا مشعل؟!!)
عرفت أنه ليس نائما
فهو كان نائما على جنبه اليسار
وهي تعرف أن مشعل يستحيل أن ينام على جنبه الأيسر
إنها عشرة 13 عاما
تعرفه وتعرف عاداته أكثر منه حتى
هو لا ينام إلا على جنبه اليمين ووجهه للقبلة
ابتسمت أكثر
(العب.. ليش لا؟؟
ماني معبرتك
خلك على نومتك)
************************
بيت سعد بن فيصل
غرفة سعد تحديدا
عاد منذ وقت ليجد أبا صبري غاضبا
فهو نسي أخباره إنهم سيتعشى وأولاده خارجا
أبو صبري يعمل عند سعد منذ وفاة زوجة سعد..
وسعد يعده هو صاحب البيت وهم ضيوفه
تعرف على أبي صبري قبل سنوات في دورة عسكرية في القاهرة
وأبو صبري وقتها كان طباخ الثكنة..
بعد سنوات كُسرت قدمه وأحيل للتقاعد فأرسل لسعد يطلب منه أن يبحث له عن عمل
وكان ذلك قبل وفاة زوجة سعد بقليل وانشغاله بمرضها
بعد وفاتها بشهر شعر بحاجته لمن يساعده
أولاده كانوا عند شقيقته وضحى.. ورغم أنها كانت تصر على العناية بهم
ولكن سعد كان رافضا فكرة إبعاد أولاده عنه أو أن يربيهم أحد سواه
حينها تذكر أبا صبري
ومن حينها وأبو صبري هو الفرد الرابع في أسرتهم ومتولي شؤونهم
أبوصبري بغضبه الطريف: والأكل ده أعمل فيه إيه؟؟ أديه لقطاوة الفريج؟؟
سعد يبتسم: ياحلوها قطاوة الفريج من ثمك..
أبي أدري أنت من وين تجيب ذا المصطلحات.. إذا احنا ما نقولها؟؟
أبو صبري بتأفف: آه ياواد يا سعد خدني في دوكه..
عشان ما أزعلش إنك ما ئلت ليش أنك هتتعشى برا أنته والمفاعيص عيالك..
سعد يتجاوزه ليصعد لغرفته: السموحة يابو صبري.. أخر مرة
والعشا حرام لا تكبه.. عطه حد
أبو صبري يعود للمطبخ وهو غاضب: خلاص مالكش دعوة.. أنا هتصرف
وهأوكلهو لك أنته وجوز الئرود بكرة على الغداء
عشان تاني مرة تئولي ئبل ما تسيبوني ئاعد ده كلو أتناكم
سعد كان على أول الدرج انفجر ضاحكا: أما (أتناكم) ذي منك فلة
بس تكفى دخيلك فكنا في عشاك اللي تبغي تغدينا منه
عطه حد الليلة وبكرة لا تطبخ أنا عازمك أنت والعيال نتغدى برا
أبو صبري يبتسم: كده خوش كلام ياواد ياسعد
وهاهو سعد في غرفته الشاسعة وحيدا تلتهمه أفكاره
ينظر إلى المكان الخالي جواره
قبل حوالي عامين كان فهد ينام معه أحيانا
لكن فهد الآن أصبح يرى نفسه كبيرا
يريد الاستقلال بغرفته
وأصبح أكثر التصاقا بفيصل
وهكذا هي سنة الحياة
الصغير يكبر ويريد الاستقلال
والمكان الخالي بجوار سعد أصبح خاليا دائما
(يا ترى ممكن توافق علي؟؟
ياترى بيجي اللي بيونس وحدتي؟؟
يا ترى ممكن ألاقي حد يقصر علي ذا الليالي الطويلة اللي ماعاد انقضت من طولها؟؟)
(ولو ماوافقت ياسعد؟؟)
انتفض بعنف
(ليش ما توافق؟؟
ليه أنا سيء لدرجة أنها ترفضني)
مطلقا لم يكن سعد ينظر لعماها أنه عيب فيها
أو يرى نفسه أفضل منها
أو يرى في نفسه فرصة لا ترفض لمن هي مثلها
بل كان يراها شيئا باهرا يتجاوز أمنياته
لذا كان في غاية الخوف أن ترفضه
كان يتصبر على أمل موجع أنها ستوافق
فمريم منذ لقائه القصير معها
وهي تمكنت من روحه بشكل غريب عاجز هو عن تفسيره
وكأن روحها المحلقة اقتنصت روحه الهائمة
**********************
غرفة ناصر
صلى قيامه
وتمدد على سريره
ينظر لغرفته التي كانت مستقره لسنوات
بعد أيام سيغادرها
شعور حنين غريب يجتاحه
فهو أنجز بناء قسم خاص له ملاصق لبيتهم
هو شخصيا كان يريد البدء ببناء منزله مباشرة
فأرضه موجودة.. والخير وافر ولله الحمد
ولكن مريم كانت من أصرت عليه أن يبدأ ببناء قسم جوارهم
ثم يبني بيته بالاتفاق بينه وبين مشاعل
والحقيقة التي يعلمها تماما والتي لم تشدد عليها مريم وإن كانت تشير لها من وقت لآخر
أن مشاعل خجولة جدا
لذا تريدها أن تبقى قريبة منهم
لا تريدها أن تشعر برعب وجودها معه في بيت منعزل لوحدهما منذ البداية
(الله يعيني على ذا الخجل
اللي الكل يحذرني منه
أنا من يوم شفتها وأنا أعد الأيام والليالي اللي بتصير فيها خلاص حلالي
بس ماعليه اللي صبرني ذا الشهور كلها
يصبرني لين تتعود علي)
أسى الهجران/ الجزء السابع والخمسون
اليوم التالي
غرفة مشعل وهيا
هيا صحت منذ بعض الوقت
مشعل مازال نائما
أبدلت ملابسها
ولأول مرة تفكر أن تضع بعض الزينة بنفسها
أحمر شفاة هادئ اللون وبعض الكحل والماسكرا
بدأت تشعر بالجوع
يوجد الكثير من العصير والحلويات في ثلاجة الغرفة
لكنها تود شرب شيء ساخن.. تتوق لفنجان قهوة
وفي ذات الوقت لا تريد ترك مشعل خلفها نائما
" سبحان من يغير ولا يتغير"
اقتربت من مشعل النائم
جلست جواره
همست في أذنه من قرب: مشعل الآذان الأول للجمعة قرب يأذن
ماشبعت نوم؟؟.. من عقب مارجعت من صلاة الفجر وأنت نايم
مشعل يهمس وعيناه مغلقتان: مشعل وحاف بعد.. ماني بقايم
هيا همست برقة: قوم حبيبي..
مازالت عيناه مغلقتان: خلصنا من مشعل بس ماخلصنا من حاف
هيا تبتسم: صدق طماع..
تميل عليه وتقبله وتهمس بحنان: خلصنا قوم.. أنا ميتة جوع
مشعل يجلس ويبتسم: ليه أنا طردتش تاكلين
هيا بعذوبة: تبيني أطلع وأخليك وراي نايم
مشعل يتنهد ويقرص خدها: شكلها أمي دعت لي البارحة من قلب
فديت أمي ياناس.. ليتها دعت لي من زمان
هيا بخجل: تحشم
مشعل يبتسم: عدال على تحشم ذي.. أكون قايل كفر
نظر لها ثم همس: فكي شعرش.. لا عاد ترفعينه وأنتي عندي
كفاية شهرين حارمتني منه يالمجرمة
هيا رفعت يدها للمشابك في شعرها وأطلقت أساره: مع أني بالمه الحين
بس حاضرة تدلل..
مشعل أدخل يديه في طوفان شعرها أحتضنه بين كفيه وهو يستنشق عبيره بعمق
ثم همس: ياويلش يجيش جنون النسوان وتفكرين تقصينه.. بأقص رقبتش
ابتسمت هيا : وتهدد بعد؟؟
وقف وهو يقول بابتسامة: يحق لي
ثم وقف أمام المرآة يمشط شعره
ثم قال كمن تذكر شيئا: إيه ترى بكرة عقب صلاة العشاء إن شاء الله
بأروح أنا وعيال عمي للقنص
هيا انتفضت بعنف ثم توجهت له: تكفى مشعل مالنا يومين من يوم جينا
تبي تروح وتخليني
مشعل ألتفت لها واحتضن وجهها بين كفيه وقال بابتسامة:
لو أنتي م****تني من يوم كنا في واشنطن ماكان رحت
بس الحين خلاص اتفقت مع الشباب ما أقدر أخلف.. تبيني أطلع صغير قدام الرياجيل
هيا باستجداء: تكفى مشعل عشان خاطري
مشعل تنهد: أنتي تكفين هيا..والله خاطرش كبير..بس خلاص الموضوع منتهي.. 5 أيام بس ونرجع
شهقت هيا: يالظالم 5 أيام عندك شوي
همست هيا بشفافية: تذكر يوم زعلت ورحت لبيت سعيد
ضحك مشعل وهو يلمس أرنبة أنفها: لا تغيرين الحقائق أنتي اللي زعلتي
هيا ابتسمت وخيالها يسرح: أنا اللي زعلت وأنا اللي مخي صغير
بس تدري والله العظيم ماقدرت أنام وانت منت في الشقة
تعودت على وجودك جنبي.. أشلون الحين
والله ما أقدر حرام عليك
مشعل احتضنها بقوة كأنها يريد زرعها بين أضلاعه، همس في أذنها:
تسلي مع البنات وانبسطي لين أرجع
وكلها كم يوم وتلاقيني ناط عندش
***********************
صالة بيت عبدالله بن مشعل
هيا نزلت أولا لأنها كانت جاهزة
مشعل بقي ليستحم ويلبس استعداد للذهاب لصلاة الجمعة
هيا نزلت بدراعة واسعة وجلال استعدادا لمقابلة سلطان لو صدفته
كان الكل مجتمعون عدا عمها عبدالله وسلطان اللذين ذهبا مبكرين للمسجد
سلمت هيا وجلست بجوار جدتها وهي تحتضن ذراعها وتقبل كتفها
الجدة بحنان: كيف أصبحتي يأمش؟؟
كانت من موضي من ردت (بعيارة): أنا أصبحت بخير يمه
وجهي مورد.. والابتسامة شاقة.. شكلي يمه طول الليل أحلم أحلام تونس
الجدة باستغراب: شكلش؟؟ ليه مني بدارية أنتي تحلمتي وإلا لا
موضي تضحك: وش يدريني يمه.. أقول شكلي وإن بعض الظن أثم
هيا بدأت تكح كعادتها حين تشعر بالحرج..
والحوار مستمر بين الجدة وموضي.. الجدة: وبعدين يالملقوفة أنا ما سألتش
أنا أسال هيا
موضي كأنها تفاجأت: أثرش تبين تسألين هيا... توتوتو مادريت يمه حسبتش تسأليني
هيا جاوبي أمي هيا كيف أصبحتي؟؟
هيا تنظر لموضي وهي تشير لها إشارات تهديد وتجاوب جدتها:
طيبة يمه يسرش الحال
أم مشعل بحنان: دوم يامش.. مشعل وينه؟؟
هيا باحترام: بينزل الحين يمه..
مشاعل كانت في عالم آخر بعيدا عن كل الحوار الدائر
تبقت أيام فقط
أيام فقط لتنقلب حياتها رأسا على عقب
مليئة بالرعب والتوتر
لا أحد يشعر بها.. لا أحد يفهمها
تشعر أنها تدور في فلك كوني مهجور لا سكان فيه سوى خوفها
الذي أصبح يحيط بروحها إحاطة السوار بالمعصم
*************************
العصر
القاهرة
غرفة باكينام
باكينام تطبع بحثا على جهاز الحاسوب استعدادا للعودة للجامعة فيما بعد
وتسلي نفسها
شعرها الأشقر الذهبي المحمر الذي ورثته من فيكتوريا مرفوع بشكل فوضوي
وتتناثر خصله العنيدة على وجهها الثلجي
دخلت عليها والدتها وهي تحمل كيسا طويلا من الجلد
يحمل اسم مصممة مصرية معروفة في ملابس المحجبات وأكياس أخرى
وضعت الأكياس على السرير
وباكينام وقفت لتقبل أمها: أين ذهبتي منذ الصباح الباكر؟؟
أفقت من النوم لم أجدك؟؟
والدتها تخلع حجابها وترميه على السرير
ليظهر تحته شعرها الأشقر القصير المائل بشقاره للون الرمادي
وهي تتناول الاكياس وتقول بحماس:
تعالي لأريكِ؟؟
باكينام تنهض وتبتسم: ماهذا كله؟؟
سوزان باهتمام: لكِ
باكينام باستغراب: لي؟؟
سوزان: لتحضري معنا الحفل الذي يقيمه طاهر عزت غدا
إنها المرة الأولى التي تحضرين حفلا بهذا الحجم
رئيس مجلس الوزراء ذاته سيكون موجودا
لذا لابد أن تظهري بشكل أنيق وراقٍ جدا
باكينام بغضب: ومن قال أني سأحضر؟؟
سوزان بغضب مشابه: لا تعانديني يافتاة
منال زوجة طاهر عزت اتصلت بي البارحة وشددت على حضوركِ شخصيا وبالاسم
هل تريدين إحراجي وإحراج والدك؟؟
أنتِ تعلمين أن مصانع عزت الغذائية ومصانعه للقطن
هي التي تشتري جميع محاصيل أ**** والدك الزراعية وعلاقتنا بهم متينة
لا تحرجينا معهم..
باكينام تتنهد: علاقتكم أنتم بهم متينة ولكن أنا لا أعرفهم
أرجوكِ ماما لا تجبريني
وخصوصا أن جدتي فيكتوريا ستصل غدا عند الظهر
أريد البقاء معها
سوزان تتنهد وتحاول أن تتكلم بعقلانية:
حبيبتي.. أمي ستصل عند الظهر ابقي معها حتى المساء
واذهبي معنا بسيارتك.. ربع ساعة فقط تلقين التحية عليهم
ثم عودي.. أرجوكِ حبيبي
باكينام برجاء: لكن ماما
أمها برجاء مشابه: باكي أرجوكِ.. من أجل ماما
باكينام باستسلام: حسنا ماما.. لا بأس كما تشاءين
***********************
بعد صلاة العصر
الدوحة
بيت عبدالله بن مشعل
بعد أن خرج مشعل لصلاة العصر
هيا نزلت لجدتها
وهاهي عندها
تستمتع بحديثها
وما فاجأ الجدة أن هيا تعرف كثيرا من الحكايات والأشعار القديمة
مما جعل للحديث متعة أكبر
فهيا كانت تذكرها ببعض الأشياء التي سقطت من ذاكرتها بحكم الزمن
وكأن الاثنتين تحكيان حكاية واحدة انقطع طرفاها وهما تعيدان وصلها
هيا الكبيرة حكتها لسلطان وهي مازالت شابة
وهاهي ابنة سلطان تعيد الحكايات لها بعد أن خارت بها سنوات عمرها
وكلاهما تكتشف لجمال الحكاية بعدا آخر
بعدا مليئا بالشجن والحنين والوجع
قاسمه المشترك كان سلطان الذي كان حاضرا بعنف
رغم أن الاثنتين تتجنبان ذكره حتى لا تنكئان الجروح الرطبة المطمورة بغلاف هش
مشعل دخل عليهما
سلم
الاثنتان ردتا السلام
كلا بطريقتها وكلا لها نظرتها المختلفة
هيا الجدة بحنان مصفى
وهيا الحفيدة بشغف مصفى
مشعل همس لهيا من قرب: حبيبتي تعالي.. إبي وعمي يبونش في مجلس الحريم
هيا همست بدورها: فيه شيء؟؟
مشعل يمسك بيدها ويشدها ليوقفها: أنتي الحين تعالي وبتعرفين
يبونش في شيء مهم هم بيقولونه لش
************************
ذات اليوم في الليل
غرفة لطيفة
كانت لطيفة تدرس كعادتها بعد أن نومت أطفالها
الامتحانات اقتربت وهي تشعر بتوتر كبير
تريد أن تحصل على مجموع كبير
تريد أن ترد اعتبار ذاتها أمام نفسها قبل أي أحد
ومن ناحية أخرى زواج أشقائها وأبناء عمها بعد أيام
وهي من رتبت كل شيء والضغط النفسي عليها كبير من كل ناحية
الكل يطالبها بالانجاز
ومشعل لوحده حكاية عويصة
بل مشعل هو كل الحكايات
لا تنكر أنها شعرت بجرح عميق حين عبر عن مشاعره تحت ضغط إحساسه بالذنب ربما
لا تنكر أن مشاعرها ظلت لعدة أيام مطمورة تحت جليد مصنوع
ولكن تحت جليد الأيام سنوات متطاولة من الاشتعال
وأبسط منطق سيقول أن سنوات من الاشتعال ستنسف بالتاكيد وفي ثواني أيام الجليد
هكذا حكم الطبيعة.. ومن يستطيع الوقوف أمام قوة الطبيعة؟!!
ولكنها في ذات الوقت
تخشى أن تعاود سكب مشاعرها تجاه مشعل
فيعود لمقابلة اشتعالها ببروده
حينها لن تحتمل
لن تحتمل مطلقا
ستنهار نهائيا
وهي غارقة في أفكارها
دخل مشعل
سلم
ردت السلام وهي سارحة
مشعل بعمق: الحلو سرحان في شيء غيري؟؟
(وهل هناك شيء سواك
يلتهم التفكير ويشغل العقل والفؤاد؟؟)
لكن لطيفة ردت عليه بهدوء: أفكر في امتحاناتي.. قربت
مشعل شعر بخيبة أمل لم تظهر في نبرة صوته الهادئة: أهه الله يوفقش
ثم قال كمن تذكر شيئا رغم أن هذا الشيء في باله منذ دخل
لكنه كان ينتظر ردة فعلها: إيه لطيفة ولا عليش أمر
بكرة رتبي لي شنطة صغيرة وجهزي السليب باق حقي
بأروح مع مشعل وراكان القنص
انتظر منها ردا
لم ترد.. تنهد ثم نهض ليتوضأ ويصلي قيامه
بينما لطيفة كانت مازالت في مرحلة عدم التوازن
ومحاولة الاستيعاب
(مشعل وقنص؟؟)
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:18 AM
أسى الهجران/ الجزء السابع والخمسون
غرفة لطيفة ومشعل
لطيفة كانت مازالت عاجزة عن استيعاب فكرة ذهاب مشعل للقنص
(أي جنون يصطرع في رأس هذا الرجل
عاد من ألمانيا منذ أيام
وهاهو يريد الطيران للقنص
لم يكن يوما من هواة القنص
ماهذا الولع المفاجئ؟؟)
مشعل أنهى صلاته
ولطيفة مازالت سارحة تفكر
مشعل أطل عليها وهو يقول بهدوء: تصبحين على خير بأنام
لطيفة همست بهدوء فيه رنة جزع:
مشعل وش طاري عليك روحة القنص؟؟
مشعل ابتسم بانتصار وهو يجلس على الأريكة المقابلة لمكتبها
ويقول بهدوء مدروس..مدروس تماما: راكان ومشعل بيروحون قلت بأخاويهم
لطيفة تتنهد وهي تحاول أن تتحكم في انفعالاتها التي تكاد أن تهزمها:
بس أنت ما تحب سوالف القنص ذي؟؟
مشعل بخبث: نجرب ليش لا؟؟ لكل شيء مرة أولى
يمكن يعجبني الحال وتلاقيني كل يوم رايح القنص
(مهوب كفاية علي شغلك
تطلع لي سالفة القنص بعد؟؟!!)
لطيفة بدأت تتوتر فعلا ولكنها مازالت تتحكم بدرجة صوتها الهادئة:
زين وعرس العيال عقب كم يوم؟؟
تبون تروحون كلكم وتخلون المعاريس والشيبان يبلتشون
مشعل بهدوءه الخبيث: أولا العرس باقي عليه حوالي 8 أيام
وكل شيء مرتب والحجوزات انتهت والبطاقات وزعت
واحنا 5 أيام وبنرجع.. يعني بنرجع على وقت ترتيب مكان الحفل
ولين هاذاك الوقت ماعندنا شيء نسويه
لطيفة توترت لا تستطيع الاخفاء أكثر من هذا
فهي لا تريده أن يسافر
يكفيها كل هذا الضغط الذي تعانيه
وجوده جوارها يطمئن روحها
لن تحتمل غيابه مع كل هذا الضغط
لكنها مازالت تكابر: بس مشعل حتى ولو.. مايصير كلكم تسافرون
مشعل بخبث: خلاص بأخلي راكان يقعد
وبأروح أنا ومشعل دامش لذا الدرجة خايفة على الشباب المعاريس يتعبون عمارهم
(أيها الخبيث
لن ترتاح حتى تنبشني)
لطيفة بهدوء: بس يا مشعل.....
مشعل قاطعها وهو ينظر لها بشكل مباشر ويقول بنبرة خاصة:
بدل ذا الحجج كلها قولي السبب بصراحة
وأنا أوعدش أقعد وألغي فكرة الروحة كلها
لطيفة تبتلع ريقها: أي سبب؟؟
مشعل يبتسم: إنش أنتي تبيني أقعد
لطيفة بغضب مكتوم: تدري إنك مغرور
مشعل وقف وهو يقول بابتسامة شاسعة: يحق لي
اللي عنده لطيفة إذا ماصار مغرور ماعنده سالفة إذا ما اغتر بذا الجوهرة
(أيها اللئيم
لا تفعل هذا بي)
لطيفة تنظر للكتاب في يدها: زين.. يعني بتروح أو لا؟؟
مشعل يتوجه لسريره.. ابتسم وهو يعطيها ظهره: بأروح
والله انتظرت حد يقول لي اقعد عشان خاطري
بس ماحد عبرني
الظاهر روحتي وقعدتي سوا
مشعل تمدد على سريره
بعدما ألقى الكرة في ملعبها
يلفه توتره وترقبه وشوقه
(لا تخذليني لطيفة
لا تفعلي ذلك بي!!)
لطيفة مازالت تجلس على مكتبها
ممزقة.. مليئة بالحيرة
وأهم مايشغل بالها
ألا يذهب
لا تريده أن يذهب
تريده جوارها
حتى لو كان غاضبا وهي غاضبة
وبينهما جبال من جليد بليد غبي
المهم أنه قريب منها
لطيفة نهضت عن مكتبها
وتمددت جواره
ورائحة عطرها الأثير تخترق كل خلاياه
صامتان كلاهما
مرت دقائق من الصمت
والجو مشحون بينهما
مشحون لأقصى حد
لطيفة كانت تعطيه ظهرها
وهو ينظر إلى ظهرها ويكاد يعد النجمات الذهبية التي تتلألأ على ظهر قميص بيجامتها السوداء
ينظر وهو يتمنى أن يرى عينيها وانفعالات وجهها
همست بصوت مخنوق وهي مازالت تعطيه ظهرها:
مشعل لا تروح.. عشان خاطري
مشعل بعمق رجولي آسر: التفتي علي
وقوليها لي
لطيفة لفت بجسدها ووجهها ناحيته
صمتت
وهي تنظر له نظرتها التي باتت تذيب مفاصله مؤخرا
مشعل نظر لها بحنين
مد يده
مسح خدها بطرف أصبعه
كان يمسح دمعة فرت من عينها
همس لها بخفوت: لطيفة تعالي
قالها وهو يفتح ذراعه لها
لطيفة اقتربت.. وضعت رأسها على صدره
ماعادت تحتمل كل هذا
ماعادت تحتمل
انخرطت في بكاء مر
وهي تدفن وجهها بين عضلات صدره
فهي مستنزفة من كل ناحية
وتحتاج إليه بكل وجع الدنيا
اشتاقت له شوقا يكفي أن يوزع على كل العالم ويفيض
وتعبت من التمثيل.. ومن هذه الحياة
فهي عاشقة حتى الثمالة
عاشقة حد الجنون
عاشقة حتى النخاع
هذا الرجل يتغلغل في كل خلاياها
تشربت به مسامات جسدها
وتخلل نبضات روحها
تعبت من صده.. وهي بصده كأنه تمزق روحها إلى شظايا
تريد أن تنتهي من كل هذه الألاعيب
تتوق للعودة لأحضانه
وكم اشتاقت للاستكانة بين أضلاعه!!
مشعل شعر أن قلبه انتزع من مكانه
وهي تشهق على صدره
احتضنها بشدة بيد
وبالأخرى رفع وجهها وغمره بقبلاته الحانية المشتاقة
وهو يقول بابتسامة شفافة وعبق رجولي:
لا أبو القنص ولا أبو أمه
ماني برايح مكان
والله ما أروح مكان
قاعد عندش يا قلبي
*****************
غرفة مريم
مريم تتمدد على سريرها
بعد أن صلت قيامها وأنهت وردها المسائي
تريد أن تنام لكن النوم يبدو حلما بعيد المنام
تتذكر كلام لطيفة لها اليوم
"مريم لا تكونين مثل اللي طول عمره يوزع الخير على الناس
ويوم جا دوره عشان يأخذ
قال ما أبي.. الخير وش يبي بي
سعد رجال فيه خير
وألف منهي تمناه
ولا تقولين زين وش يبي فيني وألف يتمنونه على قولتش
الله أرسله لش
والله كتبه من نصيبش
لا تشغلين بالش بالتفكير اللي ماوراه فود
ليه وشهو عشانه؟؟
وافقي وبس
وأسبابه اسمعيها منه بعدين
ومهما كانت أسبابه
فرجال مثل سعد أسبابه أكيد مامنها خوف
لأنه رجال يخاف ربه
وبعدين أنا متأكدة إنش صليتي استخارة كم مرة
قلبش وش يقول؟؟؟"
وهي غارقة في أفكارها وفيما قاله لها قلبها
سمعت صوت الباب يُفتح
خطوات مترددة
ورائحة عطر عذب رقيق تغشى المكان
تبتسم مريم وهي تزيح مكانا جوارها
" تعالي عنودتي
بتنامين؟؟ وإلا مجرد زيارة؟؟"
العنود بعذوبة: بأنام.. ممكن؟؟
مريم بحنان: أكيد ممكن
العنود تتمدد بجوار مريم ونعومتها ورائحتها العذبة العميقة تغمر ماحولها بسحر خاص بها..
سحر هو خليط من أنوثة طاغية وبراءة عذبة
مريم بحنان أمومي مصفى: ياحظه اللي بتنامين في حضنه عقب أسبوع
أمه وضحى بنت فيصل شكلها كانت تدعي له ليل ونهار
العنود تبتسم بحزن: مهوب كنتي تقولين داعية عليه..
مريم بعتب: أمزح يا قلبي.. حد يلاقي عنود الصيد وتكون أمه داعيه عليه
العنود تحتضن كف مريم بالقرب من صدرها: خايفة يا مريم من فارس
فارس قاسي واجد..
مريم بحنان وهي تحتضن العنود ابنتها الصغيرة قبل أن تكون شقيقتها:
مهما كان قاسي مستحيل يقسى عليش
أنتي مخلوق مستفز للعواطف
الواحد غصبا عنه لازم يحبش
العنود بحزن: هذا عشانش أنتي تحبيني.. بس فارس......
مريم تقاطعها وهي تقول بحزم حنون:
العنود اسمعيني.. الرجّال مهما كان قاسي
المره تقدر تحتويه بحنانها
وتجبره يقابلها بحنان مشابه
وأنا ما أوصيش في فارس
لا تقصرين في حقه... فارس صدق رجّال حار وعصبي
بس بعد هو فعلا رجّال بمعنى الكلمة
فلا تقصرين في حقه.. وإن شاء الله إنش أنتي اللي بتكسبينه
العنود بتوتر: أنا ماني مقصرة في حقه بس..
مريم بحنان: لا بس ولا شيء
أنتي أرضي ضميرش وربش من ناحيته ولا تخافين من شيء
********************
غرفة هيا ومشعل
مشعل يتمدد على سريره وظهره مسند لظهر السرير
وينظر بوله لهيا التي تمشط شعرها أمام المرآة
وكأن ضربات المشط تمر عبر روحه
هيا أنهت تمشيط شعرها
ثم توجهت له
مشعل أشار على فخذه
وهيا تمددت ووضعت رأسها على فخذه
ومشعل يمرر أصابعه خلال خصلات شعرها بحنان
هيا باستجداء: لازم روحة القنص ذي؟؟
مشعل يبتسم: أنتي ما تيأسين؟؟ خلصنا حبيبتي
هيا بعبوس: خلصنا.. خلصنا
ثم قالت كمن تذكر شيئا وهي تنهض وتستوي جالسة
وهي تقول بخجل: ظنك عماني ماخذين على خاطرهم مني؟؟
مشعل يجذبها ويريح رأسها على صدره
وهي تشدد احتضانها لخصره
ويقول لها بحنان: بعد أنتي الله يهداش الكلام اللي قلتيه ماينقال
هيا تبتسم وتهمس ووجهها مدفون في صدره: أنتو يا آل مشعل غريبين
يعني أنا ماقلت شيء يزعل
مشعل يطبع قبلاته على شعرها ويهمس:
من حيث هو يزعل إلا يزعل ويزعل.. لا تقولين ماقلت شيء يزعل
هيا تتذكر ماحدث اليوم بعد صلاة العصر
حين ناداها مشعل لمقابلة عميها
وجدت الاثنين يجلسان متجاورين
بديا لها مذهلين
لهما ألق غريب وحضور كاسح
وعبق وجودهما في المكان عميق وحنون وشامخ ومفعم بالكبرياء
قبلت رأسيهما
ثم جلست بجوار مشعل
بعد السلامات المعتادة
كان محمد أول من تكلم
قال لها بحنان: أدري عادش تعبانة وتوه البارحة عشاش عند عبدالله
وبكرة مشعل رايح القنص
فعشاش بعد بكرة عند أمش أم مشعل وخواتش مريم والعنود
هيا باعتراض: بس يبه...
محمد يقاطعها بحزم: خلاص يا أبيش لا تراديني
هيا باحترام: خلاص يبه تم
عبدالله فتح الموضوع الرئيسي وهو يقول بهدوء:
أكيد يا أبيش أنتي تدرين إن جدش
توفى قبل أبيش الله يبيح منهم كلهم
هيا انتفضت بعنف
وذكرى وفاة والدها تحضر
ابتلعت ريقها وصمتت
ومحمد يكمل وهو يبتسم: مهوب المفروض تسألين عن ورثش؟؟
هيا انتفضت وهي تقول باحترام: أبي خلا لي حلال واجد
الله يبيح منه كان كل شيء مسجلة باسمي قبل يموت
أ**** وفلوس في البنك.. وزيادة عن كذا وش أبي
عبدالله بهدوء: جعلش في زود
بس سلطان أبي خلا له ورث مهوب شوي
وهذا حقش واحنا الحين نبي نسلمه لش
هيا بهدوء: إذا بتكلمون في حق.. فأنا لي نصه بس
والنص الثاني لكم.. لأنه البنت ما تحجر الورث عن عمانها
محمد وعبدالله وقفا كلاهما بغضب
والاثنان يحاولان كتم غضبهما
وهيا انتفضت بعنف من وقفتهما المفاجئة
وردة فعلهما المتشابهة
محمد بغضب وهو يستعد للخروج: مشعل فهم مرتك
إنه مهوب حن اللي ينقال لنا ذا الكلام
محمد خرج وعبدالله خرج خلفه
هيا التفتت على مشعل وهي مستغربة:
اشفيهم زعلوا مشعل؟؟ أنا ماقلت شيء يزعل
مشعل تنهد وهو يقول لها بعتب:
إلا قلتي شيء يزعل بس ما تنلامين لأنش مابعد تعرفين إبي وعمي
هيا.. أبي وعمي لو بيموتون من الجوع ماحطوا عينهم على ورثش
أشلون وهم عندهم خير ربي ولله الحمد
هيا بعناد: بس أنا بعد عندي خير.. وأنا ماتكلمت إلا في حق
مشعل بحزم: هيا خلاص.. الموضوع منتهي
ولا عاد تفتحينه مرة ثانية
أنا بأخلص لش اجراءات الورث وأحوله كله باسمش قبل نرجع أمريكا
أسى الهجران/ الجزء الثامن والخمسون
اليوم التالي
نهار السبت
فارس في سيارته ويخرج من بوابة بيته للخارج
وهو خارج رأى سيارة ناصر تخرج من بيت عمه المجاور
اتصل بناصر: وقف خلني أعطيك البطاقات اللي طلبتها
مهوب تقول باقي اثنين ماعطيتهم بطاقات
ناصر بهدوء: خلاص أوكيه
تصادفت السيارتان في الخارج بشكل متعاكس
كان هناك من تجلس بجاور ناصر
ورغم أنه لا يظهر منهما شيء إطلاقا
فطرف الشيلة مسدل على فتحي العينين
وأكمام العباءة مضفاة على كفيها
ولكنه لم يحتج من يخبره من هي
فقلبه أخبره من تكون
وروحه التي غادرته منذ زمن لتحلق حولها أخبرته من تكون
كل منهما أشاح حتى لا ينظر للآخر وحتى يُشعر الآخر بذلك
ولكن كل منهما استرق من النظرات الكثير
هو من تحت نظارته الشمسية
وهي من تحت شيلتها التي تغطي عينيها
(أخ.. الله يعدي ذا الأيام بسرعة على خير
وتقعدين جنبي أنا)
(إيه ما ألومهم البنات يغازلونه
الأخ كاشح ومتعدل كنه رايح عرس)
فارس بنبرة عدم اهتمام مصطنعة وهو يناول ناصر البطاقات:
وين رايح؟؟
ناصر بتلقائية: الأهل عندهم موعد عند دكتور الأسنان
فارس غصبا عنه اشتعل: دكتور وإلا دكتورة؟؟
ناصر بخبث: والله مهوب شغلك..
فارس من بين أسنانه وهو يقول بحزمه الطبيعي:
ناصر أنا سألت سؤال محدد تجاوبني جواب محدد
سألتك دكتور وإلا دكتورة؟؟
العنود دقات قلبها بدأت بالتصاعد
(يعني مهوب أنا بروحي اللي أغار)
ناصر بذات الخبث: دكتور.. وش عندك؟؟
فارس بحزم: رجعها.. مافيه روحة
ناصر يضحك: ماني متفرغ لك وإلا كان طولتها عليك شوي
تأخرنا على الدكتورة
سامعني.. الـــــدكــتــورة.. تاء تأنيث في الأخر
فارس يشتعل من الغضب من ناصر الذي بالغ في إحراجه أمام العنود
أغلق نافذته وتحرك دون أن يرد على ناصر
العنود كانت تبتسم.. شعرت أنها انتقمت منه انتقاما لطيفا ممتعا
لكنها همست لناصر بخجل: حرام عليك احرجته
ناصر يلتفت لها وهو ينظر لها بنصف عين: عشتو.. الأخت شايلة همه؟؟
*******************
بعد صلاة الظهر
بيت مشعل بن محمد
لطيفة في المطبخ الداخلي
تصنع حلوى سريعة من أجل الغداء
مشعل عاد من الصلاة هو وأبناؤه
محمد وعبدالله صعدا لشقيقتيهما
ومشعل أطل في غرفته ولم يجد لطيفة
عرف أنها لابد في المطبخ
نزل لها
وجدها منهمكة في عملها
همس بهدوء: السلام عليكم
لطيفة التفتت له وابتسمت: وعليكم السلام
وهي تحاول إزاحة خصلة بظهر كفها
لأن يديها متسختين بصف البسكويت المبلل بالحليب في الصينية
مشعل اقترب منها وأزاح الخصلة خلف أذنها
وهمس لها: شتسوين؟؟
لطيفة برقة: حلا
مشعل بابتسامة: كفاية حلاش
لطيفة ضحكت: لا بصراحة تطورك مذهل
مشعل بعمق: أدري قصرت واجد في حقش
في كل شيء كنت مقصر .. حتى في الحكي مقصر.. و....
لطيفة تقاطعه: لا تقول شيء حبيبي
المهم ما تخلي شيء يخرب بيننا
لأني عقبها ماني بمسامحتك لو مهما صار
مشعل احتضنها من الخلف وهو يهمس في أذنها:
أنا والله ما أستاهلش
سامحيني حبيبتي
ابتسمت لطيفة: كفاية تقول حبيبتي عشان أنسى كل شيء
**********************
المساء
مساء السبت
المساء الثوري
الذي يحمل وسيحمل الكثير من الأحداث
الدوحة
بعد صلاة المغرب
غرفة موضي
كانت موضي مازالت تصلي
دخلت عليها والدتها
جلست أم مشعل على السرير تنتظر انتهاء موضي من الصلاة
موضي سلمت
ابتسمت وهي تقول لأمها: أم مشعل مشرفتنا بالزيارة
كان دعتيني فديتش وأنا جيتش لين مكانش
أم مشعل بنبرة غامضة: أبيش في موضوع ما أبي حد يسمعه
موضي استغربت وتوترت: وش فيه يمه؟؟ مهوب عوايدش
أم مشعل بحزم لم تعتده منها موضي: اسمعيني موضي
أنا دارية إن الزفت ولد أخي في مصر يعالج
جابر قال لي.. ولولا غلا جابر اللي ماله حد عندي
وإلا كان دعيت على ولده اللي حرق قلبي باللي أنا شفته فيش
أنتي كنتي أكثر وحدة في بناتي جاها خطّاب لكن حن بديناه على خلق الله..
لكنه بدل مايصون الجوهرة اللي عطيناه إياها
داسها بدون ما يحشم إني عمته وإن عبدالله خاله
موضي توترت وتوترت بشدة.. لم تتخيل أن أمها تحمل هذه المشاعر العنيفة المتشابكة ناحية موضوعها
فهي كانت صامتة غالبا.. لا أحد يعلم بالذي يدور في عقلها
مستعدة لتقديم الحنان للكل وبلا حدود.. ولكنها مغلقة غير قابلة للتفسير
تماما مثل مشاعل التي كانت أكثرهن شبها بها حنانا وغموضا وشكلا
موضي بتوتر: خلاص يمه موضوع حمد انتهى.. وش تبين فيه؟؟
أم مشعل بذات الحزم: اسمعيني موضي عدل.. أنتي قربتي تخلصين عدتش..
وأنتي عارفة إنه فيه كم رجال لمحوا أنهم يبونش عقب العدة
وكلهم رياجيل فيهم خير... استخيري ربش.. وشوفي من اللي أنتي تبين منهم عشان نرد الباقيين إذا خطبوا.. لأنه تدرين إن خطبة المسلم على المسلم ما تجوز
موضي برعب حقيقي: يمه تكفين أنا ما أبي أعرس خلاص..
أنتي عارفة إني قاعدة أخلص اجراءاتي وباستلم شغلي قريب.. ما أبي عرس خلاص
أم مشعل بحزمها الغريب: تبين حميّد الكلب يرجع من العلاج ويعينش قاعدة
لا والله واللي رفع سبع سماوات بليا عمد
مايرجع إلا وأنتي في رأس رجال أخير منه ومن لحيته
موضي لم تحتمل
بدأت بالبكاء.. رغم أنها لا تحب أن يراها أحد وهي تبكي
انكبت على يد والدتها تقبلها.. وهي تتضرع بمرارة: يمه تكفين ما أبي أعرس..
أم مشعل لا تحتمل دموعها ولكنها مصرة على أفكارها الغريبة
فقلبها محترق على موضي
وهي تعلم يقينا أن موضي مهما أخفت جروحها فإن هذه الجروح لا تتوقف عن النزيف
وتعتقد أن علاج جروح موضي سيكون في رجل ينسيها حمد..ومافعله بها..
رجل يعيد ثقتها بالرجال.. وأنه كما كان هناك حمد المتوحش.. سيكون هناك رجل حنون قادر أن يحتويها
فهي لا تريد أن يعود حمد من مصر.. وتنكأ عودته جروح ابنتها
همست باستجداء و داخلها يذوي وهي تحتضن موضي:
برضاي عليش ياموضي
برضاي عليش ما ترديني
*********************
القاهرة
بعد المغرب
باكينام اليوم سعيدة جدا
فهي تجلس بين جدتيها الأثيرتين
وتقوم بدور الترجمة بين الاثنتين
والعجوزان تتجادلان طويلا وتتفقان حينا وتتعارضان أحيانا
وباكينام مستمعة جدا بهما ومعهما
لم تشعر بالسعادة منذ زمن
مـــــنــــــــذ .............
نفضت الفكرة من رأسها
وهي تعود للاستغراق مع جدتيها ومتعتها معهما
وهي تعدهما بجدول تأخذهما فيه لكل أرجاء القاهرة بل ومصر كلها
فهي تريد أن تذهب بهما للاقصر وأسوان وشرم الشيخ والاسكندرية
خلال الشهر الذي تبقى فيه في مصر
ورغم أن فيكتوريا قررت أنها ستبقى لأسبوع فقط
باكينام بحماس: لا لا ماما أسبوع لا يكفي مطلقا
ستبقين معنا حتى أعود لواشنطن وأنتي تعودين مع ماما وبابا لبريطانيا
فيكتوريا بتردد: لكن صغيرتي..
باكينام باستجداء: أرجوكِ فيكي
فيكتوريا بحنان: حسنا لابأس.. أنتِ بالذات لا أستطيع أن أرفض لكِ طلبا
صفية تقاطع الحديث: بتئول لك إيه أنتك الخواجايه؟؟
باكينام تبتسم وهي تحتضن صفيه من كتفها: بتئول أنتك التركية دي زي فلئة الئمر
صفية تبتسم: والله كلها زوء الوليه دي.. مع أني عارفة إن دي تأليفة من جناب حزرتكم
سوزان تدخل عليهم قادمة من المطبخ بعد أن أوصتهم بإعداد العشاء للعجوزين
وهي تهتف لباكينام بالعربية: باكي ماما.. مش يئوم يلبس؟؟ مافيش وئت هبيبي
باكينام بتأفف: من فين طلع لي الحفل الزفت ده... والله مش عاوزه أروح
سوزان التي كانت تصعد: أسمعكِ يافتاة.. اشتمي بكل اللغات التي تعرفينها
لأنكِ ستذهبين في كل الأحوال
***********************
الدوحة
بعد صلاة العشاء
غرفة مشعل وهيا
مشعل يربط حقيبة النوم الخاصة به جيدا ثم يضعها بجوار حقيبته
هيا تقف صامتة
مشعل يقترب منها ويهمس وهو يرفع وجهها: على الأقل ودعيني بابتسامة
هيا بحزن: أبتسم غصبا عني يعني؟؟
مشعل تضايق فعلا: هيا حبيبتي أنتي كذا تخليني أروح وأنا متضايق
هيا أشاحت وهي تعطيه جنبها: خلاص لا تروح
مشعل تنهد: طالعيني
مازالت تشيح..
مشعل بحنان: حبيبتي طالعيني
نظرت له.. كانت تحاول أن تخفي دموعها العنيدة
مشعل شدها واحتضنها بحنان: حبيبتي أنا رجال أحب القنص
كل ما أجي أروح بتسوين لي كذا يعني؟؟
لا تصيرين نكدية باقلبي
هيا بحزن: عشان هذي أول مرة
أنا آسفة حبيبي
تروح وترجع بالسلامة
مشعل يبتسم وهو يبعدها قليلا عنه وينظر لوجهها:
إيه كذا عفيه عليش
طبع قبلة عميقة على جبينها
ثم مال ليحمل حقيبته وهمس لها: خلي بالش من نفسش
وأي شيء تبينه دقي علي معي تلفوني ومعي خط ثريا بأرسل لش رقمه الحين
************************
القاهرة
حدود الساعة العاشرة مساء
فندق الفورسيزونز على الناحية الغربية من النيل
حيث يُقام حفل عشاء طاهر عزت الذي أقامه على شرف أعضاء مجلس الشعب الجدد
طاهر عزت من كبار رجال الأعمال المصريين
ورغم علاقته الوثيقة بالسياسيين إلا أنه هو نفسه رفض خوض غمار السياسة
رغم أنه عرض عليه عدة حقائب وزارية رفضها
كما رفض ترشيحاته لخوض غمار انتخابات مجلس الشعب
فهو مكتفٍ بضغط أعماله وليس مستعدا لخوض مشاكل السياسة
الليلة نخبة المجتمع المخملي المصري تحضر
500 مدعو فقط من السلك الدبلوماسي وأطياف السياسة وحتى المعارضة ورجال الأعمال الكبار
باكينام كانت تتبع سيارة والدها لأنها كانت تريد إلقاء التحية بسرعة
والعودة هروبا لأحضان جدتيها
تضايقت كثيرا من الأجراءات الأمنية المشددة
ولولا أنها دخلت ولا تستطيع التراجع أو كانت تحججت بالإجراءات الأمنية وعادت
لأول مرة تكره بهذه الطريقة الذهاب لمكان
وصلت وهاهي تمشي خلف والدها ووالدتها
كانت باكينام متألقة تماما
في بنطلون واسع من الحرير الأسود الثقيل
فوقه قميص حرير أخضر واسع بقصة مبتكرة ينحدر من أعلى ركبة أحد الرجلين ليصل لمنتصف ساق الرجل الثانية
وحجاب هو خليط حريري من اللونين
واللون يبرز بشفافية إخضرار عينيها وصفاء بشرتها الثلجية
رأت وجوها لم ترها في غير وسائل الأعلام والصحف
ووالدها يبتعد عنهما لينخرط في الحديث معهم
كانت باكينام تشعر بغثيان حقيقي من الجو العام وتريد أن تنهي مهزلة الاستعراض هذه لتعود لبيتها
همست في أذن والدتها: ماما فين الست منال دي عاوزة أسلم عليها وأمشي؟؟ (قالتها بالعربية)
والدتها ترد بعربيتها المكسرة: ماما باكي شويه سبر
ومع إنهاء سوزان لجملتها كانت السيدة منال تصل
وكان منظرها مفاجئا لبيكنام تماما
فهي توقعت بحكم مكانة زوجها وغناه أن تكون سيدة متحررة في لباسها
وخصوصا أن والدتها أخبرتها أنها درست سنوات دراستها كلها في بريطانيا
ولكنها تفاجأت أنها ترتدي عباءة خليجية سوداء مطرزة بتطريز خفيف على الأكمام والشيلة
وبدا منظرها لطيفا محتشما جدا.. وهي بدت مهذبة وحنونة لأبعد حد
رحبت منال ببكينام كثيرا بل وبطريقة بدت لبكينام مبالغا فيها
(هي لا تعرفني
فلمَ هذا الترحيب كله؟؟)
منال باهتمام: أنتي بتدرسي ماستر في جورج تاون.. صح؟؟
باكينام بأدب وهي تريد أن تنتهي لتذهب: آه صحيح
منال برقة: ابني كمان في جورج تاون بس دكتوراة علم اجتماع ئرب يخلص خلاص
هو أستاز جامعة هنا في جامعة القاهرة
هو كان درس البكلوريا الدولية والليسانس والماستر في بريطانيا بس بعدها حب يغير
هو تفكيره غريب شوية
تعرفي حبيبتي باكينام هو اللي أصر أنك لازم تنعزمي.. أكيد بتعرفوا بعضيكم في الجامعة
منال قالت الجملة الأخيرة بنبرة خاصة توحي أن مابينهما يتجاوز مجرد التعارف
وهي تنظر لبكينام نظرة استحسان تقييمية
بينما باكينام كانت تستمع لها وهي تدعي الاهتمام من باب الذوق رغم أنها غير مهتمة إطلاقا
(وأنا أعمل إيه بابنها الدلوعة زفت الطين؟؟!!)
حنى وصلت منال للجملة الأخيرة
حينها تحفزت مشاعر وذهن باكينام بعنف
وخصوصا حين مر بهم أحد مساعدي طاهر عزت ونادته منال وهي تقول:
فتحي لو سمحت انده يوسف ئول له مامتك عاوزاك حالا
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:20 AM
أسى الهجران/ الجزء الستون
القاهرة /فندق الفورسيزونز
منال توجه الحديث لأحد مساعدي زوجها:
فتحي لو سمحت انده يوسف ئول له مامتك عاوزاك حالا
باكينام شعرت أن قلبها نزل إلى أخمص قدميها
لم تكن بحاجة لترى يوسف هذا لتعرف من هو
رغم صعوبة التخيل وتباعد طرفيه
من نادل لابن واحد من أغنى أغنياء مصر
ولكن واحداً زائد واحد يساوي اثنين
يوسف؟؟.. ومعها بذات الجامعة؟؟.. ويعرفها؟؟
ناتج جمع الاحتمالات: لا أحد غيره
رغم استحالة التصور الذي جعلها تشعر بألم في أسفل معدتها
وألم أشد في رأسها الذي شعرت فيه بصداع حاد ناتج عن إرتفاع ضغطها فعليا
وألم أشد وأشد في عروق قلبها التي تكاد تنفجر من ضغط الدم المتدفق بكثافة لشرايينه
لا تتخيل أن تراه
بل يستحيل أن تراه
كانت تريد الهرب قبل يصل
(لِمَ الآن؟؟ ولِـمَ هنا؟؟)
باكينام بأدب وهي تتحكم تماما بطبقة صوتها حتى لا تشي بالبركان الذي ثارت حممه في داخلها:
خلاص اسمحوا لي أستأزن
ستي لسه واصلة من لندن ولازم أرجع ليها
منال أمسكت بيدها: تروحي فين.. ده يوسف جننا عشانك
وهو عامل لك سربرايز الليلة تروحي إزاي
"تروح فين؟؟"
الصوت العميق الساحر الذي ألهب خيالها وأحلامها وقلّب كل مواجعها وأقسى آلامها
الصوت ذاته
ذاتــــه
منال بحنان: أهلا ياحبيبي.. تعالى.. باكينام عاوزة تروح.. خد بالك منها
أنا وسوزي هنشوف العواجيز اللي زينا
لم تكن سوزان تريد ترك ابنتها مع هذا الشاب الذي بدا لها بحضوره الكاسح خطرا كاسحا
ولكن منال همست لها عدة همسات جعلت سوزان تبتسم وتنسحب معها
باكينام لم تنتبه لانسحاب أمها ومنال
لم تنتبه لشيء ولا لأحد
المئات حولهما
ولكن كل هذه الحشود تحولت لسراب.. لخيالات
أمام حقيقة راسخة واحدة
يـوســف
يــــــــوســـــف
بدا لها أكثر وسامة.. أكثر إيلاما في طقم رسمي أسود أبرز عرض كتفيه
مختلف.. مختلف جدا
هل بسبب عبق الغنى والنفوذ الذي يحيط به؟
لا.. لا
إنها نظرته المختلفة
نظرة عتب وحزن....... وقسوة
صامتان
تمور بهما وحولهما عشرات الانفعالات
باكينام كانت أول من تكلم وهي تقول بثقة
وكل عروقها المجنونة تحضر وتصطرع التركي والإيرلندي والانجليزي والمصري
وهي تحاول التركيز مع كل الآلام التي اجتاحتها مع رؤيته:
أتمنى إنك مش جايبني هنا عشان تهزئني
يوسف ببرود: أنا مش رخيص للدرجة دي عشان أعملها
مع إنها فكرة حلوة
أرد الإهانة بإهانة
بس أنا ما أنزلش نفسي للمستوى التافه ده
لأني مش تافه وفاضي زيك
أنا جايبك لسبب.. بس أهم أهم بكتير
باكينام تحاول السيطرة على أعصابها:
خلاص خليك في مستواك ومع الناس اللي من مستواك
أنا أستازن لأني مش مستعدة أئعد وأسمع اهانات
وأسبابك ما تهمنيش.. خليها لك
يوسف بذات البرود وبثقة مرعبة: أسبابي هتهمك
وهتهمك أوي كمان
باكينام بأدب إجباري يفرضه عليها وضع والدها وطبيعة الحفل الذي هما فيه:
يوسف احنا مافيش حاجة بيننا نتكلم فيها
الكلام كلو خلص في واشنطن
يوسف مازال يتكلم بثقة مخيفة:
أولا ما تنادنيش يوسف حاف
سانيا: الكلام لسه هيبتدي.. في واشنطن أنتي تكلمتي
دلوئتي دوري أنا أتكلم وأنتي تتخرسي
باكينام بغضب مكتوم وعروق كرامتها تتصادم في رأسها:
عاوزني أقول لك إيه؟؟؟.. يوسف باشا مثلا
وأنته اتكلم براحتك مع نفسك
ماعنديش استعداد أسمع مجانين
سلم ع الست مامتك
يوسف ببرود وثقة قاتلين: أوعي تتحركي
أما تئولي إيه؟؟ فمخك راح للبشوات
لأنه وحدة فاضية مثلك مايملاش فضاوتها غير الألقاب الكبيرة
أنا عاوزك تئولي: يوسف حبيبي
عشان الليلة هنعلن خطوبتنا ياحبيبتي
قال الكلمة الأخيرة (حبيبتي) وهو يضغط على كل حرف بطريقة مقصودة
وبسخرية لاذعة
**************************
الطريق البري الواصل بين سلوى والأحساء
راكان ومشعل تجاوزا المراكز الحدوية للتو
طيراهما (لطّام) صقر مشعل و (كسّاب) صقر راكان على المقعد الحلفي
وكان راكان هو من يقود
والاثنان يتبادلان الحديث
مشعل لراكان: وش فيه أبو محمد غير رأيه من الروحة معنا؟؟
راكان يبتسم وهو يخلع غترته ويضعها جواره ويمسح على شعره القصير الناعم:
على قولتك مخه مافيه غير شغله
يقول جا له شغل طارئ
أسأله شنو ذا الشغل الطارئ
يقول لي: شغل مالك خص فيه
مشعل يضحك: لا يكون أخيك يبي يعرس على أختي
ترا بأقطع أذانيك أنت وياه
راكان يضحك: زين قطع أذانيه هو.. أنا وش ذنبي؟؟
مشعل بمرح: أخيه.. لازم نعاقبك معه..
راكان بمرح مشابه: لا لا تخاف على أم محمد
مسيطرة على الوضع تمام
مشعل صار له كم شهر وهو من الساعة 10 أو 11 محضر في البيت
صاير بيتوتي يغثي
مشعل بابتسامة: إيه طسهم عين يالبندق
راكان بمرح: والله بطسك أنت اللي نص ساعة قاعد أنتظرك على باب بيتكم لين طلعت علي..
ذا كله مهوب هاين عليك فراق بنت سلطان
يا أخي كان قلت لي من أولها وهوننا
مشعل بشفافية مرحة: مشكلتك كاشفني
ثم أكمل باهتمام: هاه أشرايك نمسي الليلة في الحسا؟؟ وعقب صلاة الفجر نغبش
راكان بهدوء مبتسم: شورك وهداية الله
**************************
موضي في غرفتها
لم تخرج منها منذ صلاة المغرب
بعد الفاجعة التي فجعتها بها والدتها
لا تريد أن ترى أحدا
فهي ليست في مزاج لمقابلة أحد أو الحديث مع أحد
أو إرتداء أقنعة المرح المتعبة
طرقات خفيفة على الباب
ثم دخل الطارق
هيا بتردد: موضي وش فيش؟؟
حتى عشا ما تعشيتي
كانت موضي تتمدد على سريرها.. ردت بتعب:
تعبانة شوي هيا
هيا اقتربت منها وجلست جوارها:
تبين أجيب لش شيء؟؟
موضي بذات النبرة المتعبة: لا فديتش.. أنا كلت حبيتين بنادول بأنام شوي وبأصير أحسن
هيا تقف وتقول بحنان: خلاص بأخليش ترتاحين
موضي تلتفت لها وتقول بأسف: أنا آسفة هيا
أدري مشعل مسافر وأكيد إنش ضايقة
بس اسمحي لي الليلة بس.. أنا فعلا تعبانة
هيا التفتت لموضي لتقول لها بعمق:
موضي لا تحملين نفسش فوق طاقتش
وأنتي منتي بمطالبة تكونين السوبرومن اللي تطيب خاطر كل الناس
وهي خاطرها مسكور
متضايقة وحزينة.. عبري عن اللي في خاطرش
ولا تهتمين لأحد غير نفسش
أنا بأنزل لجدتي وبأنام عندها
بس أنتي انتبهي لنفسش وطيبي خاطرش
لأنه مافيه شيء في الدنيا يستاهل نحزن عليه
خذي ذا الكلام من وحدة شافت الحزن ألوان وألوان
**************************
مجلس آل مشعل
سعد ومشعل في الزاوية يدور بينهما حديث خاص
سعد بلهفة: هاه مشعل ردت عليك بنت محمد؟؟
مشعل يبتسم: أنت منت بشايف إنك قدك كبير على ذا الطفاقة؟؟
سعد يبتسم: وأنت منت بشايف إنك قدك كبير على ذا الملاغة؟؟
مشعل بمرح: عاد لا تخلي الملاغة تحضر.. وأقول ماعندي خبر لين الأسبوع الجاي وإلا اللي عقبه
سعد بابتسامة: مشعل خلصني.. ماتسوى علي ذا الخطبة وترتوني.. والليل ماعاد أمسيته
مشعل همس لسعد وهو يضحك: زين قوم الحق على أبي قدام يروح يمسي
كون كنك تبي تأجل الخطبة لوقت ثاني؟؟؟
سعد وقف بحزم: وش أأجل؟؟ الحين أكلمه.. ماصدقت تبلون ريقي
************************
شقة من الشقق الفندقية المفروشة على أول الأحساء
لا يستطيعان النزول في فندق
لأن الفندق لن يقبل بإدخال طيريهما معهما
مشعل يستحم
وراكان كان يصلي قيامه
سمع هاتف مشعل المحمول يرن عدة مرات
حين سلم.. سمعه يرن مرة أخرى
التقطه
المتصل: نبض قلبي
راكان قرر أن يرد
أولا رأى أنها فرصة أن يسلم على ابنة عمه زوجة مشعل
يبارك لها زواجهما ويرحب بعودتها
وثانيا هي اتصلت عدة مرات خشي أن يكون هناك طارئ
رد بصوته الواثق العميق: حيا الله بنت سلطان
صوت أنثوي عذب مرتبك ومتعب وغير غريب: حياك الله بس أنا بنت عبدالله
راكان باستغراب: موضي؟؟
موضي بصوتها المستنزف إرهاقا والواضح به أثار البكاء:
إيه طال عمرك.. وين مشعل؟؟
راكان لا يحتاج كثير ذكاء ليعلم أنها كانت تبكي
صوتها الباكي هزه بعنف.. فمهما كان هذه إحدى بنات مشعل
وليس لكونها موضي بالذات أي دخل في اهتمامه
سألها بهدوء قلق: موضي.. فيه شيء؟؟ حد صاير عليه شيء؟؟
موضي باستنكار: لا والله العظيم كلنا طيبين بس كنت أبي مشعل في موضوع
راكان بثقة: مشعل قريب.. إذا أنا اقدر أسوي شيء تراني حاضر
موضي صمتت
وفكرة مجنونة مجنونة
مــجــنــونــة تخطر ببالها..
طال صمتها الذي أثار قلق راكان أكثر: موضي إذا تبين شيء أنا حاضر
موضي تنهدت بعمق ثم قالت بخجل هامس: راكان أنا بسألك سؤال
وبناء على ردك على ذا السؤال بيكون الطلب اللي بطلبه
راكان استغرب: سؤال ثم طلب؟؟.. تفضلي
موضي بهدوء متردد: مرت رفيقك محمد الله يرحمه عادها على ذمتك وإلا طلقتها؟؟؟
راكان صُعق.. بهت.. صُدم صدمة عمره
من أين تعرف.. وكيف؟؟
يستحيل أن يكون ناصر أخبر أحدا..
حتى لو كان ناصر من أخبر، مع أن هذا مستحيل،فلابد أن تكون عرفت بالطلاق أيضا
ولكن بما أنها لم تعرف بالطلاق فمعرفتها بالموضوع قديمة
راكان كان مصدوما بكل معنى الكلمة.. رغم أن راكان بشخصيته الموغلة في الثقة لا يهزه شيء..
كما أن كبرياءه لا يسمح له أن يستجوبها: كيف عرفت ومن أين
فهي عرفت وانتهى.. ويبدو أنه لا أحد سواها يعرف أو كان تفاجأ بمعرفة أهله للموضوع أيضا
لذا أجابها بهدوء واثق: طلقتها من سنة تقريبا
موضي تنهدت وهي تقول بارتباك: زين أنت مستعد تعيد اللي سويته مع مرت محمد
تتزوج وحدة زواج صوري كخدمة إنسانية لذا الوحدة؟؟
راكان مستغرب بشدة.. يبدو أنها تعرف الكثير عن زواجه وظروفه
(وموضي بالذات؟!!)
راكان بهدوء: موضي مافهمت أنتي وش تقصدين؟؟
موضي ابتلعت ريقها الجاف المنغرز بألم في حنجرتها كأشواك حادة
والكلمات تخرج متعسرة مذبوحة مفككة .. كلمات تشبه موضي في ألمها:
راكان تقدر تزوجني أنا؟؟
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:22 AM
أسى الهجران/ الجزء الستون
الحوار الهاتفي مستمر بين راكان وموضي
راكان بهدوء: موضي مافهمت أنتي وش تقصدين؟؟
موضي ابتلعت ريقها الجاف المنغرز بألم في حنجرتها كأشواك حادة
والكلمات تخرج متعسرة مذبوحة مفككة.. كلمات تشبه موضي في آلمها:
راكان تقدر تزوجني أنا؟؟
راكان شعر كما لو قنبلة ما انفجرت في منتصف رأسه.. شعر بصداع مؤلم حقيقي
هل سمع موضي تعرض عليه أن يتزوجها أو كان يتخيل؟؟؟
راكان بصدمة حقيقية: أنتي يا موضي؟؟
موضي كانت أشبه بحطام مدمر..
ليست أشبه.. بل كانت فعلا حطاما متناثرا
لا تعرف كيف تجرأت أن تفعل هذا
أو كيف خرجت الكلمات من بين شفتيها
ولكن الفكرة خطرت ببالها فجأة وشعرت أن راكان قد يكون حلها الوحيد
كان أخر ماخطر ببالها أن يرد راكان على هاتف مشعل
وكأن قدرته سبحانه ترسم لها هذا المسار
أن تتصل وهي في محطمة تماما تبحث عن بعض السلوى عند شقيقها
فيكون راكان هو من يرد
وتقفز الفكرة لذهنها فورا ودون تخطيط
ردت عليه موضي بحزن وخجل : راكان أدري إن واحد مثلك مستحيل يفكر بوحدة مثلي
راكان شعر أن تقليل ابنة عمه من نفسها أمامه يخترق بقسوة روحه المشبعة رجولة:
لا موضي أرجوش لا تقولين كذا
موضي بذات الحزن والخجل: راكان خلني أكمل كلامي..
وأنت عقب لك مطلق الحرية توافق أو ترفض
راكان صمت
وموضي أكملت نزف روحها: راكان أنا أدري إنك تدري إن حمد كان يضربني
ويهيني من يوم خذني
راكان شعر أن جوفه يشتعل نارا محرقة وغضبا كاسحا وهو يتذكر الموضوع وعلى لسانها وبهذه النبرة النازفة ألما
وموضي تكمل بصراحة جارحة مؤلمة:
حمد ياراكان حطمني.. أقولها لك بكل صراحة.. ضربني وهانني فوق كل شيء ممكن تتخيله
أنا وحدة ما عاد أنفع لرجال لا جسديا ولا روحيا.. وأمي حالفة علي إني لازم أتزوج إذا خلصت عدتي
إذا أنت عندك استعداد تزوجني فأنا أوعدك أني أقوم بكل شيء يخصك على أكمل وجه
مكانك ثيابك عزايمك كرايمك.. لكن أكثر من كذا ماعندي استعداد أقدم
ومتى ما بغيت أنت تتزوج أنا مستعدة أخطب لك اللي تبي متى مابغيت
ومثلك ماحد يرده حتى لو عنده مره
وما أبي منك إلا أنك تحترمني وتخليني أشتغل
أنت سبق لك جربت الزواج الصوري في السر
ياترى ممكن تجربه الحين في العلن عشان بنت عمك وتسترها ؟؟
لأني لو انجبرت وخذت رجّال ثاني صدقني بانفضح عنده لو شاف رفضي له
وأنت خذ وقتك وفكر.. ولو رفضت صدقني ما ألومك لأنه حقك
ولكن ما فاجأها تماما كان رد راكان المباشر الواثق: مافيه داعي أفكر
لأني موافق
موضي بخجل: لا راكان أرجوك لا تحسسني بالذنب إني ضغطت عليك
فكر وشوف لو ذا الشيء يناسبك أو لا
راكان بثقة: خلاص موضي اعتبري الموضوع منتهي
بس أنا عندي طلب
موضي بلعت ريقها: أي طلب؟؟
راكان بهدوء: أنتي قلتي إنه أنتي مستعدة تقومين بكل شيء يخصني على أكمل وجه
وفيه شيء بعد لازم تحطينه في اعتبارش
موضي بحذر: اللي هو؟؟
راكان بهدوء: في منصبي في الشغل المجاملات لها دور كبير
وأنتي بنفسش بتشوفين زوجات زملائي كلهم بيجونش وبيجيبون لش هدايا غالية
فأنتي مضطرة تردين بالمثل.. وهو فعلا شيء متعب..
أي واحد فيهم زوجته تولد
أو وولده أو بنته يتزوجون لازم تروحين تباركين وتودين هدية
أنا قبل كنت عزابي فكنت معفي من المجاملات.. لكن إذا تزوجت لازم زوجتي تجامل زوجاتهم
مستعدة لذا المجاملات الكثيرة؟؟
موضي بحزن: إذا أنت مستعد تتزوجني.. فليش ما أكون مستعدة أرد جزء بسيط من جميلك
الشيء الثاني إذا ماعندك مانع خلها ملكة بس عشان أمي ترتاح
والزواج نفسه أجله قد ماتقدر
موضي أنهت أتصالها
والاثنان يغرقان في تفكيرهما الخاص
كلاهما يلفه ألم عميق.. عميق..
عـــمــــيـــــق
موضي مجروحة بعمق
نعم وافق أن سيتزوجها ولكن كيف تستطيع رفع عينيها له وهي من عرضت نفسها عليه
(الله يسامحش يمه
كله منش
خليتني أمام خيارين أحلاهما مر
وأحلى المرين أني أعرض على راكان يتزوجني
على الأقل راكان عارفة إنه بيستر على أي تقصير بيطلع مني
لكن أي رجّال ثاني لا)
كانت تشعر بألم عميق شديد الحزوز في روحها
(ألا يكفيني إحساسي بالمهانة حتى أكمله بعرض نفسي على رجل لم أخطر بباله يوما؟؟!!
رجل هو فوق الكمال
ويستحق من توازيه اكتمالا
وأتمنى أن يجدها يوما ليكمل معها حياته فعليا
فراكان رجل مختلف
رجل متخم بالشهامة والنخوة
أعرف هذا من سنوات
سره الذي كتمته لسنوات
وسأكتمه حتى أخر يوم بعمري
سره الذي جعله يكبر في عيني ألف مرة
وزاد احترامه في ذاتي الاف المرات
وهذا هو ما أريده رجل أحترمه ويحترمني
لا أريد شيئا غير الاحترام
استنزفني عيشي مع رجل أنا أحتقره وهو يهينني)
راكان كان في طوفان مشاعر مختلف
(موضي تعرض نفسها علي
ليه ليه؟؟ وعقب أيش جايه؟؟
موضي أنا ماعندي شيء أعطيه لش
أنتي تستحقين رجّال أحسن مني
أنا واحد ماعاد عندي مشاعر
أجدب قلبي وتصحرت روحي
أنا ماعاد أنفع أي مره.. أشلون موضي؟؟ موضي بالذات؟؟)
راكان كان بوده أن يرفض طلبها
بل تمنى رفض طلبها
ولكن رجولته أبت عليه أن يرفض امرأة تستنجد به
وهكذا فعلت موضي؟؟
فروحها المليئة بالثقوب لا تريد لأي رجل أن يراها
هو وحده يستطيع ستر عيوبها وتغطية ثقوبها حتى لا يراها سواه
راكان ماعرف قرب امرأة يوما
وماعاد يريد قرب إحداهن
مستغرق في عوالمه الخاصة التي استنفذته واستنفذت وقته
حتى ماعاد لديه وقت للتفكير في شيء
عمله المعقد الحساس
بطولات الرماية
مسابقات الشطرنج
فكيف يستطيع الآن استقبال هذا الهجوم الأنثوي المرفوض على حياته؟؟؟
(هيه هيه يا أخ أنت)
يد تهزه.. وصوت ضاحك
راكان بعدم انتباه: نعم مشعل
مشعل بمرح: تدري إني طلعت من الحمام
وصليت قيامي
وصار لي نص ساعة أدور تلفوني
وأنت ولا حاسس بشيء
لا ومتلوي على تلفوني بعد
وش سرحان فيه ذا كله.. وهات تلفوني..
مشعل يناوله تلفونه ويقول بعمق واثق:
مشعل ظنك موضي توافق علي إذا خلصت عدتها؟؟
*****************************
فارق توقيت زمني هو ساعة أبكر
هو التوقيت الشتوي في مصر
الساعة 11 مساء في القاهرة
وعودة للجبهة الأخرى
على ضفة أخرى
حفل طاهر عزت
الحوار الناري المغطى الدائر بين باكينام ويوسف
باكينام بغضب مكتوم وهي تصر على أسنانها
وعيناها الخضروان تشعان بإخضرار عميق مرعب وفتّان: خطوبة إيه يا مجنون أنته؟؟
يوسف بنبرة مستفزة: خطوبتنا يائلبي
باكينام بصوت خافت وهي مازالت تسيطر على أعصابها:
أنا مش مستعدة أئعد وأسمع الجنان ده
أنت لو أخر راجل في العالم مستحيل أتجوزك
يوسف بثقة بردت دماءها: لو مشيتي هتندمي سدئيني
باكينام باستفسار غاضب: أنا عاوز أعرف أنت جايب السئة دي منين
يوسف بذات الثقة: بصي ناحية باباكي وماماتك دلوئتي
هتلائيهم بيبصوا ناحيتنا وبيبتسموا
وفعلا استرقت باكينام النظرات لتجد والدها ووالدتها يقفان مع طاهر عزت ونظراتهم عليها
وابتسامة مشرقة تنير وجه كل واحد منهما
باكينام برعب: أنتو ئلتوا إيه لماما وبابا؟؟
يوسف يبتسم ببرود: الحئيئة يا ئلبي..الحئيئة وبس
إنو احنا عارفين بعضينا في واشنطن
متفئين على الجواز بس أنتي ماحبيتيش تئولي لأهلك حاجة لحد ما أنا أتكلم رسمي
زي ما بنات الزوات اللي زي حضرتك بيعملوا
ماما ماكنتش عارفة التفاصيل كلها بس بابا عارف وهو اللي ئال لمامتك وباباكي
باكينام بغضب مر وهي ترتجف من غضبها
ولكن مازالت تتكلم بصوت خافت.. فهذه سنوات متطاولة من التربية الرفيعة:
أنت أكيد مجنون.. أنا هاروح لبابا وأئول إنك كداب
وإنك أنته اللي كنت بتطاردني في واشنطن.. وزي ما كدبت أنا هأكدب
يوسف بابتسامته التي باتت تكرهها بعد أن كانت تراها أحد أجمل الأشياء في الدنيا:
اعملي كده وشوفي اللي هيجرالك
باكينام بثقة: أنت مش ماسك لي زله عشان تهددني..
وأنا عمري ماعملتش غلط عشان أخاف منه
يوسف بثقة: باكي أنتي في واشنطن شفتي وشي السمح المتواضع الطيب
وماعجبكيش
ماتجبرينيش أوريكي وش الواد المتبغدد اللي بفلوسه ممكن يعمل كل حاجة
باكينام بثقة مثل ثقته: أعلى مافي خيلك اركبه
يوسف بابتسامة: من أوطى خيلي مش أعلاها أني هأروح لباباكي دلوئتي
وأئول له إنه احنا تجوزنا في واشنطن جواز عرفي
وممكن أديه تفاصيل حميمة أوي منها مسلا مسلا
الشامة الكبيرة اللي في أخر ظهرك
وطبعا نسخة من عقد زواجنا العرفي
فتخيلي أعلى خيلي هيبئى إيه
باكينام تريد أن تبكي.. تريد فعلا أن تبكي
لم تتخيل أن فارس أحلامها المليء بالرجولة والسحر
يتحول أمامها لوحش مريع مرعب
مستعد لنسفها للانتقام منها
وإجبارها عليه
(والشامة دي عرف عنها إزاي؟؟)
باكينام تتنهد لكنها يستحيل أن تظهر انفعالها:
يوسف أنت بتعمل كل ده ليه
ألف وحدة تتمناك.. أنا مش عاوزاك سيبني في حالي
يوسف ينظر لها بتحدي: ولا أنا عاوزك.. بس أنتي عاوزة تأديب
وأنا عاوز أعمل خدمة لأهلك وأربيكي من جديد
باكينام بتحدي مشابه: أنا متربية ئبل ما أشوفك
وسدئني لو عملت اللي في رأسك.. مافيش حد هيندم غيرك
فور إنهاءها لجملتها كان والدها يقف بجوارها وهو يهمس لها:
ليه ما ئلتي ليش ئبل كده يا باكي؟؟
باكينام صمتت
يوسف كان من استلم زمام الحديث بثقة:
أنا اللي ئلت لها ياعمي.. ماتئولش لحد ،لحد ما أتكلم رسمي..
أو حضرتك شايفني ما أستاهلش باكي؟؟
طه بابتسامة مهذبة: لا والله يا ابني..
يوسف بثقة: الحفلة دي فرصة ما تتعوضش نعلن فيها خطوبتنا
كبرات مصر كلهم موجودين
طه التفت لباكينام وقال بحنان: الرأي رأي باكي
يوسف التفت لباكينام وهو يشعر بتوتر عميق في داخله
قد يكون أقنعها بترهات الغضب والكراهية
ولكنه يستحيل أن يسمح لها أن تطل على روحه التي تغلغلت هي في كل خلاياها منذ أشهر
منذ اليوم الأول الذي رأها فيه في واشنطن
قبلا لم يهتم يوما بالنساء مع انشغاله بدراسته وأبحاثه
حتى جاءت هي.. وكأنه كان ينتظرها طوال حياته
قيدت مشاعره وشدتها ناحيتها بقوة
وبعد ما حدث في واشنطن حاول تناسيها وإقناع نفسه أن إحساسه ناحيتها ليس سوى مجرد إعجاب
لكنه اكتشف أنه يخدع نفسه.. فهذه الأنثى اختلطت بأنفاسه
والليلة
من بداية الحفل وعيناه على المدخل ينتظر وصولها
ومنذ رأها وهي تدخل خلف والدتها ووالدها
وهو يشعر أن روحه نُسفت
بدت له أجمل وأعذب من كل أحلامه
نعم هو مجروح حتى أخر أعماقه منها ولكنه يريدها.. يريدها بجنون
كان يصبر نفسه وهو يسترق النظرات لها
حتى نادته والدته
وجاءت عيناه في عينيها ..الموج الأخضر الساحر
شعر أن قلبه يذوب.. وكل إيماءة منه طعنه في روحه
وهاهو ينتظر ردها وكأن حياته تتعلق على كلمة منها
يستحيل أن ينفذ شيئا من تهدايداته لها
فهو يستحيل أن يضرها بشيء
ولكن مهمته كانت تتركز على إقناعها بقدرته على فعل ذلك
باكينام بمرارة وعيناها في الأرض : موافئة يابابا
#أنفاس_قطر#
محمد بن حلبيد
05-08-2009, 02:24 AM
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه على القصص
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:25 AM
أسى الهجران/ الجزء الثاني والستون
القاهرة
حفل طاهر عزت
باكينام أعلنت موافقتها كأنها تعلن حكم إعدامها
كانت مثل المغيبة
لم يخطر لها لافي أحلامها ولافي كوابيسها
أنها تعود لمقابلة جو ويكون عكس ماعرفته وتخطب له
وكل هذا خلال نصف ساعة كأنها مشاهد مجزوءة من فيلم سيء الإخراج
لا تنكر أنها تحب يوسف بل هي مغرمة به
فهو الرجل الوحيد الذي استطاع تسلق أسوارها
وغرس رايات انتصاره على صفحة قلبها
ولكنها ترفض الزواج به
فزواج بهذه الطريقة وبكل هذه التعقيدات التي بينهما
هو زواج فاشل منذ بدايته
ومعركة خاسرة قبل أن ترفع أسلحتها
لم تعرف كيف تتصرف
فقررت أن تساير يوسف حتى تنتهي من هذه المهزلة أمام أعين مئات البشر
حتى تختلي بروحها وتصفي تفكيرها
كان يوسف الوقح مستعدا لكل شيء
والده أعلن الخطبة
وهاهو يمسك بيدها ليلبسها دبلة ألماسية ثمينة يتمدد اسمه في ثناياها
كانت أناملها باردة متصلبة
تشعر أنها في عالم آخر
كأنها نائمة ووتحلم بكابوس مريع لا تستطيع التدخل لتغيير مساراته
وصداعها يتزايد
همس يوسف لها ببرود: ممكن تلبسيني دبلتي لو سمحتي
شكلنا بئى بايخ أوي
باكينام تبتسم أمام الناس و تهمس له: انته اللي جبته لنفسك
لكنها وجدت نفسها مجبرة على على إلباسه دبلته الفضية في بنصر يده اليمنى
وفرق شاسع بين أناملها الثلجية الشفافة الباردة التي تسكن الآن في يده السمراء الدافئة
كالفرق تماما بين مشاعر كل منهما
فكرة مجنونة تخطر ببال يوسف.. فهو لم يحتمل ضغط مشاعره وملمس يدها في يده.. وحتى هذه اللمسة لا تجوز له شرعا
بينما هو يتمزق لهفة لاحتضان كفيها وغمرها بقبلاته
حتى وإن كانت هي رافضة..لا يهمه رفضها
لذا همس لها وكأنه يتحدث في موضوع اعتيادي:
شيخ الأزهر موجود هنا.. إيه رايك نخليه يكتب كتابنا بالمرة؟؟
باكينام برعب صرف: أنته أكيد مجنون..
(كنت أقول أن الخطبة فسخها هين
ولكن هذا يريد تقييدي بعقد قران)
يوسف لم يمهلها.. فهو رأى فعلا أنها تبدو كالتائهة
وهي فعلا كانت تشعر بصداع أليم واضطراب شديد في عوطفها وتفكيرها
لذا قرر أن ينتهز فرصة عدم التوزان الذي تشعر به ويربطها به
يوسف توجه لطه.. وباكينام يزداد قوة صداعها ورؤيتها أصبحت غائمة
مازالت غير مستوعبة وعشرات التهاني تنهال عليها
والدها اقترب منها سألها بقلق: باكي حبيبي مش شايفة إنكم مستعجلين على كتب الكتاب
خلوها خطوبة بالأول تتعرفوا على بعض كويس
يوسف الذي كان يتحرك كالعنكبوت هو من أجاب:
احنا خلاص اتعرفنا على بعضينا في واشنطن وعاوزين يكون بيننا رابط شرعي
عشان نتعرف على بعض أكتر ونئدر نخرج مع بعضينا بدون احراج
ثم مال وهمس على أذن باكينام بخبث: أو يمكن فيه رابط شرعي خلاص
باكينام انتفضت بعنف وهي تقول كأنها تسحب الكلمات من حنجرتها سحبا:
زي ماتشوف يابابا
طاهر تقدم وهو يضع يده على كتف طه ويقول بنبرة رجل الأعمال الذي يحسب لكل شيء حسابه:
هتكون فرصة ما تتعوضش شيخ الأزهر يكتب كتابهم دلوئتي
والشهود يكونوا الدكتور نظيف والدكتور سرور رئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس الشعب
مادام كلهم موجودين... ويمكن مستحيل يجتمعوا تاني
***********************
الأحساء
حوار مشعل وراكان
مشعل كان مصدوما: أنت ياراكان تبي موضي؟؟
راكان بشبح ابتسامة: ليه ما أترس عينك؟؟
مشعل بابتسامة حقيقية: إلا تترسها وتبطها بعد.. بس ماخطر ببالي
ثم أكمل بعمق: أنا توقعت إنك تخطبها قبل حمد
لكن بعدها.. السنين مرت وأنت ماتزوجت
ورافض فكرة الزواج
توقعت إنك خلاص ماعاد تبي تتزوج
راكان بهدوء: كل شيء في وقته حلو
مشعل يشعر بسعادة حقيقية صديقه وتوأم روحه يتزوج شقيقته الأقرب لروحه:
أنا موافق بس بشرط.. تزوجون قبل أرجع واشنطن
ارتبك راكان داخليا.. موضي نفسها تريد التأجيل قدر ما تستطيع
وهو غير مستعد بعد نفسيا..
ومع ذلك أجاب بهدوء: يمكن موضي ماترضى
مشعل يبتسم: خل كل شيء علي..
***********************
القاهرة
انتهى حفل طاهر عزت
ومعه عقد قران باكينام ويوسف
والربع ساعة المقررة أصبحت عدة ساعات
باكينام على وشك الانهيار
مازالت عاجزة عن التصديق
ما كل هذا؟!!
كانت ستحضر لربع ساعة مجاملة لوالديها تلقي التحية وتعود لجدتيها
فإذا الربع ساعة تتحول لكابوس من أسوأ كوابيس حياتها
وينتهي الكابوس بزواجها من يوسف
تبقى عدد محدود من الضيوف
باكينام تهمس لوالدتها بالانجليزية: ماما أنا ذاهبة
سوزان بحنان: انتظري 5 دقائق فقط وسنذهب كلنا
يوسف كعادته الرديئة التي برزت مؤخرا كان من تدخل: اسمحي لي سيدتي أنا سأوصلها
سوزان تبتسم: لا تستأذني فهي أصبحت زوجتك
انتفضت باكينام بعنف
زوجته.. زوجته.. زوجته
(أنا أصبحت زوجته
أي كابوس مرعب هذا؟!
متى سأصحو من هذا الكابوس
وأجد أني كنت أحلم حلما طويلا مريعا)
يوسف يمسك بيد باكينام ودفء يده يقنعها أنها لا تحلم: يالله حبيبي عشان أوصلك
باكينام تود أن تنتزع يدها من يده وأن تصفعه وتعضه
وتخلع حذائها وتحدث بكعبه ثقوب عميقة في رأسه العنيد المجنون
لم تشعر في حياتها كلها بالقهر كما تشعر الآن
هذا اليوسف الخبيث أجبرها على تنفيذ كل مايريد وقادها كما تُقاد الشاه للمسلخ
لا تحتمل وجوده ولا حتى دقيقة إضافية همست له:
يوسف اعتئني عشان ربنا..أنا مش طايئاك سيبني امشي
يوسف يهمس: وأنا كمان ياحبيبتي مش طايئك.. امشي أوصلك
باكينام بتعب: عربيتي معايا مش محتاجة حد يوصلني
يوسف بهدوء: هاتي مفاتيح عربيتك.. هاخلي فتحي يسوئها ورانا
وبعدين هأرجعه
باكينام مرهقة حقا: يوسف أنته ما بتهمدش..
حرام عليك بائول لك مش طايئاك.. يارب أموت عشان أرتاح
مزق يوسف دعائها على نفسها بالموت (لهذه الدرجة تكرهني!!!)
لم يرد عليها
تناول كفها وهو يعتصرها في كفه وخرج بها خارج القاعة وهو يجرها حتى وصل سيارته: اركبي
باكينام ركبت
ماعاد بها أدنى طاقة للصراخ.. مستنزفة تماما من هذه الليلة المارثونية
وهاهي في سيارته الفخمة تجوب بهما شوارع القاهرة التي لا تهدأ حتى في وقت متأخر كهذا
مسافة طويلة تفصل بين فندق الفورسينز وبيتها في المعادي
لم يسألها عن مكان بيتها فهو يحفظه
ووقف أمامه عدة مرات الأيام الماضية عله يلمحها
ولكنها لم تكن تخرج مطلقا
أكثر من عشر دقائق من الصمت مرت
كلاهما غارق في تفكيره الخاص
يداه على مقود السيارة
ويداها ترتاحان على فخذيها
مد يده لكفها الأقرب له
تناوله
باكينام ارتعشت بعنف
هناك أمسك يدها أمام الناس ومن أجل المظاهر
فماذا يريد الآن؟؟
رفع يدها إلى شفتيه وطبع على ظاهرها قبلة عميقة
باكينام انتزعت يدها وهي تحتضنها وترتعش:
ما اعتقدش أنه من لوازم تربيتي الحركات اللي مالهاش داعي دي
لم يرد عليها
مسكون بالنشوة
(إذا كان لملمس كفها هذا التأثير على روحي
فكيف بملمس خدها أو شفتيها؟!!)
تسربل الجو بينهما بالصمت لدقائق أخرى
همس بصوت عميق: تحبي نوئف شوية في كورنيش المعادي قبل ماأرجعك البيت؟؟
باكينام انفجرت
انفجرت تماما
كل كبت الساعات الماضية -الذي يوزاي سنوات- تدفق كحمم بركانية:
أنته تكون فاكر نفسك خطيبي وإلا جوزي بجد
نمشي عالكورنيش ونئزئز لب ووكل واحد يتغزل في التاني
اصحا يادلوعة ماما
أنا بأكرهك باكرهك.. ومهزلة الجواز دي زي ماورطتني فيها
تخلصني منها..
أنا عمري ماشفتش واحد حقير وندل زيك
أنا بأكرهك باكرهك ولاخر يوم في عمري هأكرهك
يوسف همس وابتسامة ملولة تتلاعب على شفتيه: خلصتي شتيمة؟؟
باكينام بغضب: لا ما خلصتش ومش هأخلص لحد ما تطلئني
يوسف ببرود: يبئى أجليها ليوم تاني لأنو خلاص أدي بيتكم
وأنا ماليش خلئ أسمعك
باكينام بغضب كاسح: لا هتسمعني وغصبا عنك هتسمعني
مش كل حاجة على كيفك
يوسف بحزم: باكي انزلي.. ئبل ما أنزلك سحب من العربية
باكينام تشتعل.. نزلت وهي تغلق الباب بعنف
ثم لفت من ناحيته لتقول له بهمس غاضب:
أتمنى يكون عندك شوية كرامة
وماتورنيش وشك تاني وتبعت لي ورئة الطلاء
خلاص أنته عملت اللي أنت عاوزه
ورديت لي الألم وزيادة..وزليتني وهنتني
وكده خالصين.. وده أخر كلام بيننا
كانت باكينام تتكلم بكل جدية
وكان رد يوسف عليها أن حرك سيارته وتركها تصرخ في الشارع
أمام باب بيتها
(كم هي غبية
غبية ولذيذة
"ئال خالصين ئال؟؟"
"إحنا لسه هنبتدي؟!"
مغرورة وسخيفة وتافهة
ولكنها تثير جنوني
لم تفعل بي امرأة هذا مطلقا
لطالما كانت المرأة مخلوقا فاقدا للأهلية في عرفي
حتى عرفتها
قلبت موازيني
قلبتها تماما!!)
*********************
قبل الفجر
الكثير من القلوب عاجزة عن النوم هذه الليلة
مريم جاءها والدها
وأخبرها بخطبة سعد لها
وطلب منها أن تفكر وتأخذ وقتها في التفكير
بعد أن أشاد في سعد كثيرا وزكاه كما يفرض عليه الحق
ولكنه في داخله كان يشعر بحزن عميق شفاف
بالكاد احتمل فكرة ذهاب العنود لبيت آخر
فكيف بمريم شمعة بيتهم؟!!
وهاهي مريم تفكر.. للمرة الثانية تفكر
أو ربما المرة الألف!!!
هيا عاجزة عن النوم
لم تستطع البقاء في غرفتها مع رائحة مشعل العميقة التي تغمر المكان
لذا قررت أن تستغل أيام غياب مشعل بالنوم عند جدتها
منها أن تتلهى عن غيابه
ومن ناحية أخرى تستمتع بقرب جدتها وأحاديثها
وهاهي مازالت ساهرة
وهي تنظر بحنان متعاظم لجدتها المستغرقة في النوم
وتدعو الله بعمق أن يحفظ مشعل ويعيده لها سالما
تشعر أن مشعلا هو كل ما تبقى لها في الحياة
نعم هي سعيدة بعودتها لأهلها واحتضانهم لها
ولكنها تشعر أنها لا تنتمي لأي شيء إلا لمشعل
لــمشــعـــل فقط
مشعل كان نائما وقتها
استعداد لنهوضه المبكر لصلاة الفجر وإكمال رحلتهما
لكن رفيق سفره جافاه النوم
راكان مستنزف من التفكير
لم يخطر له مطلقا أنه قد يتزوج موضي وبعد كل هذا الوقت
الأمر كما لو أنك كنت عطشانا طوال عمرك
ستموت من أجل قطرة ماء
وحينما أصابك الجفاف وأصبحت على شفير الهاوية
وماعادت كل مياه العالم لتنقذ روحك الذاوية
أحضروا الماء أمامك وأجبروك على ازدراده
ورغم أن الماء يبقى نعمة لا مثيل لها ولكنها نعمة ماعادت لتنفعك بشيء
ولا تستثير رغبتك فيها
وهذا هو حاله تماما مع موضي
هاهو يُجبر على ازدرادها
ورغم أنه يراها نعمة حقيقية ولكنها نعمة هو في غنى تام عنها وماعاد راغبا بها!!!
موضي ساهرة دامعة.. روحها تبكي قبل عينيها
محطمة ممزقة مشتتة ومُهانة
تكره نفسها
وتكره الظروف التي دفعتها لعرض نفسها على راكان بهذه الطريقة المزرية
راكان ذاته وحتى قبل أن تتزوج حمد لم تفكر به يوما كزوج
ولم تحمل له أي مشاعر خاصة
رغم أن المنطق الرومانسي قد يفترض شيئا من هذا
فراكان بشخصيته الواثقة الناجحة ومزاياه العديدة كان يبدو لها شيئا أشبه بأسطورة
ولا أحد يتزوج الأساطير
وخصوصا أنها عرفت بزواجه بعد زواجه بأشهر فقط
كانت حينها في الثامنة عشرة
السن الذي قد تبدأ الفتاة فيه بالتفكير في شخص قد يكون هو نصفها الآخر
معرفة موضي بزواج راكان وأسبابه وظروفه عززت صورته الأسطورية في خيالها
وأبعدته عن إطار تفكيرها الرومانسي
وفعليا هي لم تفكر مطلقا بأي رجل محدد
فهي كانت متفوقة في الدراسة
وفي الجامعة كان تخصصها الصعب يستنزف تفكيرها
وبعد تخرجها بأشهر تزوجت حمد
وطوال هذه السنوات كلها ظلت تحتفظ بسر راكان في أعمق بئر في روحها
شعرت أن احتفاظها بسره هو أقل شيء قد يقدم لمن هو في عظمة راكان وشهامته ونخوته
وهاهي خطوط حياتها تتقاطع مع خطوط حياته
رغم أنها رافضة لهذا التقاطع ورافضة لاقتراب أي رجل من حدودها الممتهنة المدمرة
تريد أن تحتفظ بما بقي من روحها الذاوية لنفسها
وتريد أن تعيش مابقي من حياتها لنفسها
وتريد أن تحتفظ بجسدها لنفسها
ولكنها مجبرة على تقديم التنازلات من أجلها.. من أجل المخلوقة الأعز والأغلى
كما اعتادت أن تتنازل طوال عمرها من أجل غيرها
في هذا التنازل ستخسر أشياء كثيرة
ولكنها على الأقل واثقة أنها مع راكان ستحتفظ بما تبقى من كرامة روحها وجسدها
باكينام
بعد أن تركها يوسف تصرخ في الشارع
دخلت إلى البيت وهي تتسحب لم تكن تريد أن ترى جدتيها في هذا الوقت بالذات
وهي مستثارة وتشعر برغبة حادة في البكاء والاختلاء بنفسها
دخلت غرفتها وأغلقت الباب على نفسها بالمفتاح
فهي تعلم أن والدتها ووالدها على وصول
وبالتأكيد سيمران بها لتهنئتها على حظها العظيم الذي بعث لها بهذا المغرور المعتوه أستاذ الجامعة المجنون ابن الذوات
وأخر شيء تريده هو أن يهنئها أحد
يعزونها ربما!!
لِـمَ عاد لحياتها بهذه الطريقة وبهذه الصورة المبالغ في تراجديتيها؟؟
كان يعرف مكانها طوال الوقت ويعرف من هي
لماذا لم يطلب مقابلتها كما قد يفعل كل الناس الطبيعين
يصفون مابينهما
ثم يطلبها للزواج
كانت حينها ستكون أسعد مخلوقات الله
ولكنها الآن وبما فعله هذه الليلة تشعر أنها المخلوق الأكثر تعاسة على وجه الأرض
فهي كانت تراه شيئا عظيما ومشاعرها نحوه كانت استثنائية تماما
ولكنه بما فعله الليلة كسر شيئا ثمينا في روحها
سلبها حقا مقدسا
حق اتخاذ القرار
فهو من اتخذ كل القرارات ونحاها جانبا
وكم كان هذا قاسيا على من هي مثلها
معتادة على الاستقلال واتخاذ قراراتها بنفسها
شعرت أنه بالغ في إهانتها والعبث بها والحط من شأنها
(يبدو أن أنّا صفية كانت محقة
عربي همجي.. يراني بضاعة تُشترى
أين كان عقلي حين نحيت قناعاتي وسمحت لقلبي أن يتعلق به
حتى بعد أن عرفت أنه مصري
ولكن لم تنتهِ اللعبة بعد يا يوسف
وأنت لم تعرفني بعد
فأنا سليلة عناد أصيل)
يوسف في شقته الخاصة في منطقة الزمالك
فهو استقل بسكنه منذ سنوات
فحياة والديه المليئة بالمجاملات والكثير من العزائم والضيوف
لم تكن تناسب رتم حياته الهادئ
فهو اعتاد على القراءة والبحث
لذا منذ بدأ بالعمل كأستاذ علم اجتماع في جامعة القاهرة
استقل بسكنه بحجة أنه يريد أن يكون قريبا من مكان عمله
وخصوصا أن قصر والده الجديد بناه في منطقة السادس من أكتوبر البعيدة قليلا عن قلب القاهرة
رغم أنه بات يفكر أن يعود للسكن معهما مجددا بعد تخرجه المقرر بعد عدة أشهر
فشقيقته الصغرى ستتزوج بعد أشهر
ولا يستطيع ترك والديه وحيدين في بيت ضخم ليس معهما سوى الخدم
وخصوصا أنه هو ذاته سيتزوج
تتسع ابتسامته وهو يتذكر هذا الأمر
من يصدق؟؟
هو ذاته مازال عاجزا عن التصديق
ينظر ليده اليسرى.. يدير دبلته عدة مرات
فهذه الدبلة لم تستقر في يمناه إلا أقل من ساعة لتنتقل بعدها ليسراه
في أقصر فترة خطوبة في التاريخ
يشعر بخدر لذيذ وهو يتذكر ملمس يديها
لا يصدق أن مخططه نجح
وضع كل الاحتمالات في ذهنه حتى يحكم سيطرته على الوضع
فهو عرف ابنة من تكون منذ أيام واشنطن
فهو يعرف والدها جيدا ورأه عدة مرات في بريطانيا في السفارة.. وفي القاهرة عند والده
شعر بتسلية غامرة وهو يراها تظنه مكسيكيا
وهذا الظن جعلها تتحدث أمامه بالعربية
تتحدث مع صديقتها في أشياء خاصة دون حرج لأنها تظنه لا يفهمها
بل وتتغزل به أحيانا
يبتسم وهو يتذكر
وحقيقة :كان يريد إخبارها بالحقيقة
ولكنه كان يريد إخبارها خارج إطار المقهى
لتراه بحقيقته وتتعرف عليه
ولكنها كانت ترفض مقابلته
وهي تضع بينهما حدودا رسمها غرورها وتكبرها
كان يكره فيها هذا الغرور.. كما كره الغرور طوال حياته
لذا يريد أن يكسر فيها هذا الغرور
تتسع ابتسامته وهو يتذكر أحداث هذه الليلة
التي سارت بشكل أفضل مما خطط له
فمخططه كان يشمل الخطبة فقط
فجاءت فكرة عقد القرآن كمكافاة حقيقية له
وسارت بشكل رائع ولا حتى أجمل أحلامه
أما لِـمَ فعل كل هذا؟؟ لِـمَ لم يطلبها للزواج بشكل طبيعي؟؟
لسبب وحيد
أنه يجهل مشاعرها
لذا خشي أن ترفضه.. وقرر أن يضعها أمام المدفع
حتى لا تجد لها منفذا للهروب من براثنه
وفعلا لم تجد لها منفذاً
************************
اليوم التالي
القاهرة بعد صلاة الظهر
باكينام صلت الظهر ومازالت في غرفتها تغلق عليها الباب
فهي متأكدة أن جدتيها عرفتا بخبر عقد قرانها
وهي غير مستعدة لمواجهتهما
ولمواجهة أنّا صفية بالذات
تكره أن تسمع تقريع جدتها لها
والأسوا من التقريع أنها كانت محقة
(فهأنا أتزوج من عربي متخلف مهما درس وتعلم يبقى متخلفا
يريد إعادتي لعصور العبودية والجواري
بل أعادني وهو يجبرني عليه
كأني جارية له
أنا باكينام الرشيدي
التي لم يُفرض علي يوما شيئا حتى والدي نفسه لم يجبرني يوما على شيء
يأتي هذا اليوسف الحقير ليفعل بي مايشاء
أتمنى أن يكون راجع تفكيره اليوم وقرر أن يطلقني)
باكينام بعد فترة قررت أن تنزل
فهي ليست ضعيفة لتهرب من المواجهة
وهي لابد ستواجه جدتيها
فلماذا تأجل هذه المواجهة؟!!
وخصوصا أنها وعدت الاثنتين أن تأخذهما للأهرامات
ثم يتغدين سويا في المينا هاوس لتتذكر جدتها فيكتوريا ذكرياتها مع جدها وليام
ارتدت ملابسها
ونزلت وحجابها في يدها
فداخل المنزل لا يوجد خدم رجال
سمعت أصواتا وهي تنزل الدرج
تنهدت وتسلحت بقوتها
ورسمت ابتسامة على وجهها وهي تقول:
نهاركم نادي
لتتفاجأ بمن وقف لاستقبالها غامرا المكان بحضوره المختلف
وفي عينيه تلمع نظرة مختلفة
#أنفاس_قطر#
.
.
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:29 AM
أسى الهجران/ الجزء الثالث والستون
القاهرة
بيت طه الرشيدي
كان يوسف يجلس مع الجدتين
واستطاع بكل براعة السيطرة على انتباههما والفوز بإعجابهما
كل ما احتاجه مجرد بضع شحنات من الإشادة بالإيرلنديين والأتراك
وبوبي ساندز (ثائر إيرلندي شهير) من ناحية والسلطان عبدالحميد من ناحية أخرى..
وثقافته الشاسعة أتاحت له أن يتحدث مع كل واحدة منهما في خصائص تاريخ شعبها
بالتأكيد لاحظ بذكائه أن فيكتوريا أكثر تقبلا له
لذا زاد جرعة تمجيد الأتراك وأيام حكم العثمانيين ليستولي على إعجاب العجوز الأخرى
ومضى له مايوازي الساعة وهو مع العجوزين
فهو صلى الظهر في المسجد المجاور لبيتهم
ثم قدم مباشرة
لم يجد طه وسوزان
وعرضت عليه فيكتوريا أن تنادي باكينام لكنه رفض
وقال إنه اليوم قادم للتعرف على أروع سيدتين في العالم
جدتا باكينام اللتان حدثته كثيرا عنهما
(بالتأكيد هو لم يقصر مطلقا خلال الساعة الماضية في إقناع العجوزين
بعمق علاقته بباكينام)
وهو في حديثه معهما أقتحمهم صوت مرح:
صباحكم نادي
وقف يوسف من باب الذوق للترحيب بها
ليصدم بإحدى أجمل صدمات حياته
شلال ذهبي متموج ينحدر إلى أسفل كتفيها بقليل
بالتأكيد هو توقع أن من لها هذه البشرة البيضاء والعيون الموغلة إخضرارا
أن شعرها لابد سيكون فاتحا
ولكن اكتمال الصورة على الطبيعة كان موجعا لقلب عاشق مثله
وهذا اللون المشع كسلاسل ذهبية كان مبهرا لعينيه
باكينام ارتبكت بعنف
تناولت حجابها وارتدته على رأسها كيفما اتفق
لتبقى خصلها تتناثر من الأمام والخلف
صفية كانت أول من تحدث: تعالي بت باكينام
واد يوسف من زمان هينا.. تعالئ اقعد جنبه
(يا ســــــلام
أدي اللي كان نائصني
إزا أنّا شكلها ****ة عليه أوي
يبقئ فيكي هتبوس في إيديه دلوئتي)
باكينام اقتربت.. قبلت جدتيها
ثم توجهت للجلوس بجوار فيكي الأبعد مكانا عن يوسف
لكن صفية نهرتها بحزم: بت باكي تعالي سلمي على جوزك واقعد جنبه
أنتي مش سامعاني أول مرة؟؟
باكينام قامت لتنفيذ أوامر صفية..فهي تعرفها جيدا..
وهي لا مانع لديها من زجر باكينام أمام الناس كطفلة صغيرة إذا لم تنفذ أوامرها..
كعادة الأتراك الأجلاف الذين قد يبدون في كثير من الأحيان جاهلين في أصول اللياقة
وأخر ما تريده باكينام أن يتشمت فيها هذا اليوسف
اقتربت منه.. مالت عليه
بالكاد ألصقت خدها بخده
إقناعا لجدتها أنها سلمت عليه
ولكن هذه الحركة كانت كافية لصعق يوسف وشد أوتار قلبه المشدودة أصلا
أولا رائحة عطرها الخفيف الناعم
ثم ملمس خدها الزبدي على خده الحشن
وهي تهمس بصوت مسموع واحترام مصطنع: إزيك يوسف؟؟
ثم تجلس جواره
يوسف ذائب وخده يشتعل ولكنه رد بهدوء: كويس.. انتي ازيك؟؟
مالت على أذنه: زفت ولله الحمد على كل حال.. والفضل طبعا ليكم
كان رد يوسف عليها أن سحب حجابها من فوق رأسها أمام جدتيها وهو يقول بصوت عالي:
مش حرام عليها يا أنّا حرماني أني أشوف شعرها وأنا جوزها
صفية بابتسامة: إيفيت واد يوسف إيفيت
وأعاد من باب اللياقة نفس الجملة لفيكتوريا بالانجليزية التي كان ردها عليه هزة رأس مهذبة
بينما باكينام كانت تشتعل منه ومن جرأته
همست له من قرب: يوسف اديني حجابي
يوسف همس لها: لا
العجوزان حينما رأيا أنهما بدأ بالتهامس قررا الخروج
ولم ينتبه الزوجان اللدودان لمغادرتهما
حرب متبادلة من النظرات دارت رحاها بين الطرفين
باكينام همست بغيظ: ممكن أعرف أنت جاي ليه؟؟ ومن أمتى وحضرتك مشرفنا بالزيارة؟؟
يوسف ابتسم ابتسامة شاسعة:
أولا أنا جاي أزور مراتي..
سانيا أنا بئى لي ساعة هنا.. ستاتك التركية والإيرلندية زي العسل
وأنا كنت بأئول أنتي طعمه كده لديه
دا أنتو عندكم مركز طعامة عالمي
قالها وهو يمد يده ليقرص خدها.. باكينام انتبهت أن جدتيها غادرتا
لذا أشاحت بوجهها قبل أن يلمسه ونهضت
وهي تقول بحدة: ما تلمسينيش
يوسف ابتسم بسخرية: ماعنديش جرب.. أكيد أنتي عندك جرب وخايفة عليا
باكينام بغيظ: يخرب بيت سئالتك.. دمك بيلطش
ثم أكملت ببرود: وأمتى هتطلئني؟؟
يوسف يضحك باصطناع مقصود: حلوة النكتة دي
باكينام بجدية: أنا بأتكلم جد
يوسف يبتسم ببرود: شكلها هتبئى نكتة بايخة
والنكت البايخة الأحسن أنو الواحد يخليها لنفسه
باكينام تقف: لحد ما تفكر بموضوع الطلاء ما تشرفنيش بالزيارة
ودلوئتي اتفضل من غير مطرود
لأني خارجة أنا وأنَّا وفيكي
يوسف يقف: وأنا خارج معاكم لأني خلاص اتفئت معاهم إني أكون دليلهم السياحي
وحدة خواجايه زيك إيه هيعرفها في مصر زيي
أخر ماتريده باكينام أن يتدخل هذا البارد بينها وبين جدتيها المقربتين من روحها
وأن يكسبهما لصفه
أي سحر خبيث مارسه على جدتيها العنيدتين الحذرتين الفطنتين حتى يكسبهما؟!!
فلطالما حذرتاها الاثنتان من سرعة الوثوق بالناس
فكيف يثقان هما به سريعا
هل كونه أصبح زوجها جعلهما ترتاحان له
فابنتهما لن ترضى إلا بمن هو أهل للثقة
هل هكذا فكرتا؟؟!!
لكن هي لا تريده معها ولا قريبا منها
فهي باتت تشعر أن حضوره يلغي حضورها
ولشد ماتكره هذا الاحساس!!
وفعلا كان يوسف هو من ذهب بالثلاث إلى الأهرامات
ثم للغداء
والجدتان مبهورتان بحديثه وسعة إطلاعه
وهو يرواح ببراعة وسرعة في حديثه بين العربية والانجليزية
وباكينام شعرت بالحرج من إصراره على الدفع في كل شيء
بل تجرأ على نهرها حين حاولت الدفع
وهو يهمس لها بغضب: أوعي تعيديها.. أنتي مع راجل مش مع حيطه
انتهت رحلتهما قبل المغرب بقليل
وعاد بهما يوسف لبيت الرشيدي
الجدتان نزلتا
باكينام كانت تريد النزول
ولكن يوسف أمسك ذراعها وهو يقول: استني شويه
عاوز أكلمك
باكينام بغضب بعد نزول جدتيها: أنا مش ئلت لك ما تلمسينيش
يوسف ببرود: أنتي كلك بتاعتي.. ومافيش حد يتحاسب على لمس أملاكه
باكينام ببرود مشابه: سيبنا من كلام المجانين ده.. عاوز إيه؟؟
يوسف بثقة: أنا هأرجع الساعة 10 عشان نخرج نتعشى سوا
كان رد باكينام عليه أن نزلت وأغلقت الباب خلفها
ثم همست وهي تبتعد: أعتقد أنو ردي وصلك
****************************
بعد مرور أربعة أيام
ليلة عودة مشعل وراكان من القنص التي تقرر اختصار يوم منها لهطول أمطار الخير
تبقى ثلاثة أيام فقط على حفل زفاف أبناء آل مشعل وبناتهم
عدة أحداث حدثت خلال الأيام الماضية
أبرزها أن مريم وافقت أخيرا على سعد
سعد كان يريد عقد القرآن فورا
ولكن مريم رفضت أن يعقد قرانها وراكان غائب
الوضع الأكثر تأزما هو جبهة القاهرة بين باكينام ويوسف
باكينام أصبحت أعصابها مشدودة دائما
فهو أصبح يتدخل في حياتها كثيرا
الشيء الذي هي لا تحتمله أبدا
ربما لو كانت متقبلة وجوده وموافقة على هذا الزواج
كان من الممكن أن تحاول تقبل تدخلاته
التي هي بوجهة النظر الطبيعية طبيعية جدا
فهو زوجها ومن حقه أن يستفسر أين ذهبت
بل وأن يطالبها أن تستأذنه قبل خروجها
وأن يفرض وجوده عليها
أصبحت تستغرب كيف أنها مر عليها وقت كانت معجبة فيه بهذا الطاغية المتحكم المملل بل ومغرمة به
أصبحت أمنيتها في الحياة أن تجد لها وسيلة للتخلص منه
وغشاوة متينة باتت تغطي عينيها وتحاصر مشاعرها التي ماعادت تفهمها
هل هي تحبه؟؟ أم تكرهه؟؟
لا تدري.. لا تدري
لا تدري..
ما تعرفه أنها لا تريده..
لا تريده
لا تـــريــــــــده
يوسف نفذ مايريد
أصبحت باكينام له
وبدأ في مخططه لترويضها
فهذه الفتاة القوية الشخصية التي ما اعتادت أن تستأذن
أو أن تشارك أحدا في اتخاذ قرارتها تحتاج إلى من يعيد تقويمها
وهاهو يتسلى لأبعد حد بمحاولات التقويم هذه
يستمتع بنوبات غضبها وجنونها اللذيذة
يكاد يجن ولعا حين يرى عينيها تشعان بنار خضراء مثيرة
تأسره هذه الفتاة وتثيره وتصيبه بالجنون
بات يستغل كل وقت فراغه في مرافقتها هي وجدتيها
يعلم أن جدتيها هما من تستمتعان بوجوده
أما هي فتود قذفه لأبعد مجرة
تفكير جديد بدأ يستولي على يوسف
التعجيل بالزواج
فهو ماعاد يحتمل مطلقا ضغط قربها على مشاعره
يريد أن يعودا معا إلى واشنطن زوجين فعليين
يعلم أن إقناع أهلها ليس بمشكلة
ولكن هي المشكلة
كل المـــــشــــكــــلـــة!!
هيا قضت الأيام الأربعة الماضية بين بيتها وبيت عمها محمد
توطدت علاقتها ببنات عميها
وأكثر وقتها تقضيه مع جدتها في أحاديث طويلة ممتعة
بدت تتعرف على عادات جدتها وأدويتها وتستلم هي وموضي المهمة شيئا فشيئا من مشاعل
مشاعل التي كانت قلقة جدا على جدتها
لذا حرصت أن تكتب كل شيء يخص جدتها في ورقة
ونسختها وأعطت نسخة لهيا وأخرى لموضي
وتركت نسخا على مكتبها في غرفتها
كانت مشاعل خلال الفترة الأخيرة لا تهدأ
لا تبدو كعروس عرسها بعد أيام
بل أم مسافرة تريد التأكد أن كل شيء سيكون على مايرام خلفها
والحقيقة أنها كانت تحاول أن تنسى أنها عروس
وتتناسى ما ينتظرها
قضت الأيام الماضية في إعادة ترتيب البيت كاملا
قلبت جميع أطقم البيت ونظفتها
أعادت تنظيف كل غرف البيت وترتيب الملابس
وخصوصا غرفتا سلطان وريم وملابسهما
المطابخ أخرجت كل مافيها ونظفتها من جديد
أشغال شاقة تماما
فلا يأتي الليل إلا وهي منهارة من التعب وتريد الإلقاء بجسدها المتعب على السرير للنوم عاجزة حتى عن مجرد التفكير الذي هي تهرب منه
كان كل من أم مشعل ولطيفة وموضي وهيا يطاردنها طوال اليوم
وهن يحاولن إجلاسها ولكنها كانت ترفض
وتقول أنها تتسلى في العمل عن التوتر الذي يصيب أي عروس
ولكن لطيفة على كل حال لم تكن تتركها مطلقا تهرب من مخططاتها لها وللعنود
فلم تسمح لها أن تفوت موعدا واحدا مع طبيبة البشرة أو جلسات العناية وخبيرة التجميل
فإذا كانت هذه المجنونة لا تعرف مصلحتها فلن تتركها لجنونها
وفي ذات الوقت لطيفة وموضي كانتا تحاولان دفع شحنات إيجابية في عروق مشاعل من ناحية ناصر
يحاولان أن يكسرا حدة خجلها ويجعلانها أكثر تقبلا للزواج
ولكن حالة مشاعل كانت مستعصية على الحل
خجل وخوف متراكم يحتاج لقنبلة ما لنسفه
لأن محاولة التفكيك التدريجي التي كانت شقيقتاها ومعهما مريم يمارسنه عليها طيلة الأشهر الماضية لم يؤدِ لفائدة
لطيفة هي المخلوق الأسعد
لأول مرة تكون بهذه السعادة
تدفق مشاعر مشعل ناحيتها أكثر من مرضي لمشاعرها وأنوثتها
ومشعل على الجبهة الأخرى كان أكثر سعادة بهذا الصفاء بينهما أخيرا
راكان ومشعل استمتعا في رحلة القنص كثيرا مع طيريهما (لطّام) و(كسّاب)
بالتأكيد مشعل لاحظ أن راكان مهموم
حاول أن يجره للحديث ولكن راكان كان مصرا أنه بخير
مشعل لم يلح عليه.. فهو يعرف راكان ككف يده
ولطالما كان مغلقا على أسراره
وإذا لم يرد أن يتحدث فيستحيل أن يجبره شيء أو أحد على البوح
مشعل قضى الأيام الماضية في غزل لذيذ عبر الهاتف مع زوجته..
فهو كان يقضي كثيرا من الوقت كل ليلة قبل أن ينام
يهاتفها... يخبرها بكل شيء فعله وهي بالمثل
وهما يكتشفان مجاهل جديدة وعميقة من مشاعرهما
بينما راكان غارق في أفكاره
وفيما ينتظره في الدوحة بعد أيام قليلة حين تنهي موضي عدتها
ويجد نفسه مجبرا على تنفيذ وعدها له
يشعر أنه في دوامة حقيقية كان في غنى عنها
لِـمَ كُتب عليه أن تكون كل زواجاته بهذه الطريقة الموجعة؟!!
أن يفقد حقه في الاختيار الطبيعي وأن يعيش مشاعره كما يحس هو بها
حين كان يريد موضي بجنون ومتشبع بحبها اُجبر أن يتزوج سواها وأن يتركها تذهب لسواه
وحين فقط الرغبة في كل النساء وعلى رأسهن موضي يُجبر على الزواج منها..
كم هي معقدة هذه الحياة!!!
كم هي معقدة؟!!
موضي تجاوزت صدمتها بما حدث
وأعادت لبس أقنعة مرحها ببراعة
فأهلها يحتاجونها هذه الفترة كثيرا
فزواج أشقائها وابناء عمها اقترب
وهناك الكثير لتجهيزه
موضي تقضي الكثير من الوقت مع هيا
خرجا كثيرا للتسوق
وفي عشاء بيت عمها محمد كادت هيا تموت ضحكا
وموضي تعرفها على كل الموجودات بطريقة مرحة
وهاهي موضي تقضي نهارها في مرح وصخب
ولكن ما أن يأتي الليل حتى تحضر الهواجس والألم
لذا قررت أن تنام مع هيا في غرفة جدتها
تتسامران
وكل منهما تُنسي الأخرى الغائبين في رحلة القنص
**************************
يوم الثلاثاء مساء
بيت فارس بن سعود
أم فارس كانت ترتب جناح فارس الجديد
زواجه اقترب وهي تفرغ توترها في أي شيء
جأتها الخادمة وأخبرتها أن شقيقها سعد ينتظرها بالأسفل
نزلت له
وقف حين رأها تنزل قبل رأسها ثم جلس
قال لها باحترام حنون: عادش زعلانة؟؟
أم فارس بعتب: يعني كن رضاي وإلا زعلي يهمك
ماكني بأختك الكبيرة اللي مالك غيرها
سعد بهدوء: يا أم فارس جعلني الأول
أول ماكلمت محمد جيت وقلت لش على طول قبل حتى ما يردون علي
وش اللي مزعلش علي جعلني فدا خشمك؟؟
أم فارس بذات نبرة العتب: كان المفروض تشورني قبل الخطبة
قد لي سنين أحن على راسك أبي أخطب لك
ثم تروح تخطب من وراي
سعد وقف وجلس جوارها وهو يحتضنها من كتفها ويقبل رأسها مرة أخرى:
خلاص مالش إلا الرضا
أنا محقوق لش.. وش اللي يرضيش؟؟
أم فارس بخفوت: لا فات الفوت ما ينفع الصوت
سعد بتأثر: أفا.. ليه تقولين كذا ياوضحى؟؟
أم فارس بحزن شفاف: من غير قصور في بنت محمد
بس أنا كنت أبي لك الأحسن
(وبنت محمد هي الأحسن)
صوت واثق قوي يقاطعهما
سعد يبتسم: إيه يا سنايد خالك.. تعال عاوني على أمك
أم فارس بنبرة متعبة: لا تساعدون علي عشانكم بتصيرون عدايل الولد وخاله
مريم من غير قصور فيها وأنا أشهد أنه مافيه مثلها
لكن سعد ألف من هي تمناه أصغر وأزين وصحيحة بصر
فارس اقترب وقبل ورأس خاله وجلس وهو يقول
بنبرة هي خليط من الاحترام البالغ والحنان المصفى والقوة المتأصلة نبرة خاصة به لأمه:
يمه مريم مايعيبها إنها ماتشوف
والعمى عمى البصيرة مهوب عمى البصر
سعد بابتسامة: صح لسانك
أم فارس بهدوء: خلاص ياسعد المهم أنك مقتنع وراغبها
أنت اللي بتعاشرها مهوب غيرك
ثم أردفت باستفسار: زين ومتى الملكة؟؟
سعد بهدوء: ننتظر راكان بيجي الليلة.. يمكن أتملك قدام عرس فارس
والعرس عقب شهرين ..ثلاثة ..في الصيف.. اللي تشوفينه أنتي والعرب
***********************
القاهرة
بعد صلاة العشاء
طه الرشيدي في مكتبه ويوسف عنده
وباكينام خرجت مع جدتيها لزيارة خان الخليلي والحسين ولن تعودا حتى وقت متأخر
استغربت أن يوسف لم يقفز ليصر على مرافقتهن كعادته
لم تعلم أن يوسف هذه الليلة قرر المحاربة على جبهة أخرى
طه بهدوء: أنا عاوز أعرف يا ابني أنته متسربع على إيه؟؟
يوسف بهدوء أعمق فيه خبث شاسع: خليك منطقي ياعمي وفكر بمنطقية
أنا وباكينام هنرجع واشنطن بعد 3 أسابيع.. شهر بالكثير لو مددنا شوية
واحنا الاتنين موجودين في نفس المكان ومتجوزين
لكن محكوم علينا إنه كل واحد في مكان
ثم صمت يوسف بطريقة مدروسة
والفكرة وصلت كاملة لطه الرشيدي وأرعبته
منطق الطبيعة يقول النار بجانب البترول حريق لابد منه
طه الرشيدي بهدوء واثق: خلاص نعمل الفرح يوم سفركم بالزبط
احجز الأوتيل والتزاكر في نفس اليوم
يوسف تجاوز العقبة الأولى بقيت العقبة الأكبر (باكينام)
يوسف بهدوء: بس أنا خايف باكي ما توافئش
طه بهدوء مشابه: يعني وافئت على خطوبة وكتب كتاب بالسرعة دي
مش هتوافئ على الفرح؟؟
خلاص سيب الموضوع عليا
أنت إبدا في الحجوزات وسيب باكي عليا
ابتسم يوسف إبتسامة انتصار وهو يعيد ظهره للخلف
ونظره يسرح للبعيد
*************************
الساعة 10 مساء
مشعل وراكان يصلان
الاثنان ذهبا للمجلس أولا
سلما على والديهما والشباب المتواجدين
وأنزلا طيريهما في المقلط الداخلي
ثم توجه كل منهما لبيته
وهاهو راكان يصل
سلم على والدته في الأسفل
ثم صعد لمريم أولا
طرقات خفيفة على الباب، مريم بابتهاج عميق شفاف: ادخل راكان
راكان وجد مريم والعنود سويا: ماشاء الله العرايس كلهم مجتمعين
يحتضن الاثنتان والعنود تقول بمرح: شفت أختك ماهان عليها أنا بروحي عروس
تبي تنافسني
راكان يبتسم: يحق لها
ثم أكمل بمرح هادئ: وتراني واجهت سعد في المجلس
كنه شايفني نازل من السماء... أقول وش فيه الأخ مشتاق لي كذا
أثركم رابطين الملكة فيني
مريم صمتت بخجل
وراكان يكمل: تراني قلت له لو يبي الملكة بكرة براحته
فهو ماصدق شاور إبي والملكة بكرة إن شاء الله عقب صلاة العصر
ومشعل أيضا توجه لبيتهم سلم على والدته وجدته ومشاعل اللاتي كن في الأسفل
سأل عن موضي قالوا له أنها مع هيا بالأعلى وقد تكون بغرفتها
مر بغرفة موضي
طرق الباب
استقبلته موضي بفرح غامر
بعد السلامات هتفت له بمرح: لا عاد تعودها
مرتك سيلت الدوحة من دموعها
غير مسموح لك بتاتا .حلوة بتاتا صح.. المهم غير مسموح لك بتاتا
بروحات القنص ذي.. خلصنا... خل القنص للبزارين
أنت دكتور.. دكتور ويقنص.. متى صارت ذي؟؟
مشعل بخبث: يعني أنتي عقب منتي مخلية راكان يقنص؟؟
موضي كحت بحرج وهي تقول: وش دخلي في راكان؟؟
(على أساس أنها لا تعرف بموضوع الخطبة التي هي بدأتها)
مشعل بهدوء: راكان يسأل أنتي بتوافقين عليه إذا خلصتي عدتش بعد كم يوم؟؟
موضي صمتت
مشعل يبتسم: أدري إن راكان ما ينرد
عشان كذا أنا أبيكم تزوجون قبل أرجع واشنطن
موضي برعب حقيقي: لا مشعل تكفى
ماعليه.. الملكة تصير قبل رجعتك لواشنطن
والعرس خليه بعدين.. أنا ماني بمستعدة نفسيا له
أرجوك مشعل تكفى
مشعل يحتضنها بحنان: خلاص خلاص
بدون تكفى ذي.. تدرين عظامي ما تشلني على وحدة منكم
بعد تكفى ذي ما استحملها
اللي تبينه يا نبض قلبي
***************************
غرفة مشعل وهيا
هيا منذ علمت بوصول مشعل وهي مرتبكة
لا تعرف لماذا؟؟
سعيدة مشتاقة ومتوترة
استلمتها موضي بتعليقاتها طويلا
وهاهي الآن تعود لغرفتها التي هجرتها طيلة الأيام الماضية
لا تستطيع الجلوس أو الاستقرار في مكان
كأنها تقف على صفيح ساخن في انتظارها لمشعل
والدقائق تمر كأنها ساعات لا تنقضي
كانت قد اشترت الكثير من الملابس خلال الايام الماضية
غصبا عنها وفرضا من موضي التي تتمتع فعلا بذوق رفيع في الملابس
وهاهي تختار شيئا جديدا لتلبسه
تريد أن يحس مشعل بالاختلاف
فهي قصرت كثيرا في حقه
وحق له أن تعوضه
قررت أن ترتدي تنورة قصيرة
مع توب يُعلق في العنق
وشعرها الذي يعشقه يسترسل أمواج ليل على ظهرها
ويصل حتى أطراف تنورتها
وهاهو الباب يفتح
ومشعل يدخل
وقف للحظات ينظر لها بشوق وحنين وحنان جارفين... وإعجاب
إعجاب موجع
(أميرتي
أربعة أيام مضت على روحي المثقلة شوقا
كأربعة قرون
الآن أعلم يقينا لِمَ لم أتزوج قبلا؟؟
كنت أنتظركِ
وطوال عمري كنت أفعل
صلبت نفسي على أبواب الوجع والانتظار
انتظارا لشيء مجهول استوطن روحي
كان أنتِ!!!
يا أميرة روحي وارتشافات عروقي
اقتربي مني
أروي هذا الصدر الضامئ والعروق اليابسة
التي أجدبت شوقا لعينيكِ ودفء أنفاسكِ)
همس بابتسامة: ياحي ذا الشوف
4 أيام ماشفت غير راكان ولطّام وكسّاب
انقرفت من الثلاثة
هيا كانت تقف انفعالها يهزها وعيناها ضارعتان لكل تفصيل في وجهه الأثير الذي استنزفها شوقها له
( أحقا أتيت؟!!
وها أنت تقف أمامي
ليتك تعلم كيف مضت كل دقيقة بعيدا عنك
وكأن روحي تصفد في الأغلال
وكل دقيقة تمضي تضيق أغلالي علي
آه يا مشعل
عشت حياتي كلها خائفة جزعة تقتلني الوحشة
ويسمم روحي خوف الوحدة
أدعيت القوة.. وانا أرى في كل زاوية شبحا يستعد للانقضاض علي
حتى أتيت أنت
كالسحر مسحت خوفي
بجوارك لا أخشى شيئا.. في أحضانك عرفت معنى الأمان الذي ماعرفته يوما
لا تتركني يوما
عِدني ألا تتركني مهما حدث!!!)
رمت بنفسها على صدره وهي تقول بتأثر عميق:
خلاص ماعاد فيه روحة مكان
إلا رجلي على رجلك
مشعل احتضنها بشدة وهو يهمس في أذنها بعمق:
اشتقت لش ياقلبي
والله العظيم اشتقت لش فوق ما تخيلين
هيا تدفن رأسها في صدره أكثر وبدأت دموعها تسيل:
أوعدني إنك ما تخليني يوم.. أوعدني
مشعل يحتضنها أكثر: حبيبتي الله يهداش أنا وين رحت.. كلها يومين ورجعت
هيا تشهق: أنت فاهم قصدي.. ما أقصد سفرة يومين وترجع
أقصد ما تسمح لشيء يبعدك عني
مشعل أنا عقب ما لقيتك ما لي حياة من غيرك
مشعل يرفع وجهها المبلل بالدموع ويمسحه بكفيه
ويطبع قبلاته على عينيها
وهو يقول لها برجولة عميقة: أوعدش عمري ما أخليش
ولاعمرش تحاتين شيء وأنتي معي
#أنفاس_قطر#
.
.
تتشرف عائلة آل مشعل
بدعوة متابعات "أسى الهجرن"
لحضور حفل زفاف نجليها
ناصر و فارس
على كريمتيها
مشاعل و العنود
في الجزء الرابع والستين من "أسى الهجران"
الذي سينزل غدا صباحا إن شاء الله
وبحضوركن تكتمل لنا الأفراح والسرور والحبور
الداعي
أسرة آل مشعل
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:31 AM
أسى الهجران/ الجزء الرابع والستون
مضت الأيام سريعة على البعض
وبطيئة على البعض الأخر
أصبحنا في يوم الجمعة
يوم الزواج
ملكة مريم تمت على خير قبل يومين.. وأصبحت رسميا حرم سعد بن فيصل
باكينام لم تعرف بعد أن موعد زواجها تقرر
ووالدها جاءته سفرة مفاجئة للأمم المتحدة في نيويورك
لذا لم يخبرها بعد.. ووالدتها غير قادرة على مواجهتها وحيدة
لذا تنتظر عودة طه ليكون هو من يخبرها
راكان ألمح لعمه أنه يريد موضي إذا أنهت عدتها
وأنه يريد الملكة فورا ولكن الزواج نفسه ليس قريبا
بعد أن أنقذه مشعل بإخباره أن موضي لا تريد الزواج قريبا
عبدالله بقدر استغرابه بقدر سعادته
لم يخطر بباله أن راكان الذي ترك موضي تتزوج غيره وهي بنت
يعود ليتزوجها بعد أن أصبحت مطلقة
أم مشعل ارتاحت نفسيا وبعمق.. وراكان في رأيها خير من يعوض موضي
فهي تراه رجلا حقيقيا وأفضل من حمد بألف مرة
العرسان الأربعة تختلف مشاعرهم بين اللهفة والشوق والخوف والترقب
***********************
بعد صلاة الجمعة
سعد ومشعل خارجان من الصلاة سويا
وكل واحد منهما معه ابناه
توجها لمجلس آل مشعل
فالغداء عندهم
ما أن جلسا حتى أخرج سعد من جيبه وصل إيداع وإعطاه لمشعل
مشعل نظر للوصل وهمس بهدوء: واجد يا سعد
ماهان تبارك.. وحن نشتري رجّال
سعد يبتسم: وبنت محمد مهيب أقل من غيرها
قدرها عندي عالي ومهوب بالفلوس
ثم تلفت حوله وهو يرى الكثير من الرجال ولكنه لا يرى شباب آل مشعل:
وين الشباب اليوم؟؟
ابتسم مشعل وهو يضع في جيبه وصل مهر مريم الذي تم إيداعه أمس في حسابها ليعطيه لمريم ويقول:
خبرك حركات الشباب كل واحد منهم في جناحه في الفندق
خلوني اليوم أنا والشيبان
سعد يضحك: قال خلوني أنا والشيبان.. يعني إنك أنت شباب
يا اخي أنت بروحك شيبة قاضي
مشعل يبتسم: **** بشيباتي وخلينا الشباب لك يا العريس الجديد
**********************
بيت جابر بن حمد
حدود الساعة الواحدة ظهرا
معالي تدخل كالأعصار لغرفة شقيقتيها وتصرخ بصوت عالي:
هيه كوبي وبيست
ترا الكوافيرة كلمتني تقول ربع ساعة وواصلة
خلصوني
عالية كانت تلف جسدها بروب الحمام ومازالت منشفتها على شعرها:
أنا تسبحت خلاص، وعلياء في الحمام شوي وتخلص
معالي بتأفف: أنتو الوحدة منكم إذا شافت الحمام كنها شايفة أمها عقب غربة
ماعاد تخلصت
ما ألوم جلدكم صوفر من كثر السبوح
عالية تفك منشفتها وتبدأ بتمشيط شعرها وهي تبتسم:
شيء من حلالش يالكويحة
أصلا مهوب ذابحش إلا ذا اللون اللي بعيد عن شواربش
وحلوة صوفر ذي.. مصطلحات أمي هيا ماخليتي منها شيء
معالي تقفز وتشد شعر عالية للاسفل: قال اللون قال
لون مرضان اللهم ياكافي.. الموضة الحين السمار طال عمرش
علياء خرجت من الحمام بروبها ومنشفتها المطابقة لروب ومنشفة لعالية
لتشتبك معهم فورا في الحوار:
أنتي منتي بعاتقتنا من معلقة مدح السمار اليومية ذي؟؟
معالي تضحك: وش أسوي
باقعد أمدح روحي لين أعرس
ادعو لي كود عجوز عمياء ماتشوف الليلة تخطبني لولدها ردي الحظ
(إخسي واقطعي يابنت جابر
أنا كم مرة قايلة لش لاعاد أسمع طاري العرس عندش ياقليلة الحيا)
معالي تتصنع الإرتباك والخجل: أوبس مامي
أنتي ماتدخلين إلا في الوقت الغلط
نورة تقترب وتقرص إذن معالي: أنتي متى بتعرفين السنع؟؟
توش أم 17 وفي المدرسة وبتفلجين على العرس
معالي تدعك أذنها وتضحك ثم تحتضن أمها: أضمن مستقبلي ماماتي
بناتش البيضان ذولا ماينخاف عليهم
بس أنا اللي شكلي بأعنس فوق رأسش أنتي وجويبر
نورة مهما ادعت الغضب في داخلها لكنها لا تقدر على معالي
عادت لتقرص أذنها وهي تقول بابتسامة:
أجل حطي في بالش و اللي مايحلف به زور
إنه مافيه عرس لين تخلصون كلكم جامعة
وياويلكم كلكم لو ماجبتوا نسبة السنة الجاية تدخلكم الجامعة
معالي تضحك: زين فرضا فرضا مامي ماجبت نسبة
أمها تضحك وترد عليها بخبث شفاف: عادي خلش تعيدين السنة لين تجيبين نسبة
والعرس يتأجل مهوب طاير
معالي تضحك: لا خلاص أوعدش من أول مرة أجيب نسبة
هذي فيها عرس عرس
كل سنة تاخير بتأخير زواجي الميمون
نورة تبتسم: خلصوني أنتو هذرتكم
المره على وصول
وأنا أبي أروح الصالة بدري
أبيكم كلكم عقب صلاة المغرب خالصين
***********************
جبهتا العروستين
العروسان وشقيقاتهما وأمهاتهما في القاعة من بعد صلاة الظهر
تقرر أن العروسين لن تجلسا أمام الضيفات
وإنما ستكونان في الغرف الداخلية من القاعة
ومن تريد السلام عليهن تستطيع الدخول لهن
بالنسبة لمشاعل هي من رفضت
لأنها تخجل من المشي أمام كل هذه الأعين
وبالنسبة للعنود مريم هي من رفضت
والعنود وافقتها دون نقاش
ورفض مريم كان من الوجهة الدينية لأن عرض العروس ليس من الدين في شيء
ومن ناحية أخرى مريم تخشى كثيرا على أختها من العين
فهي تعرف أن أختها جميلة وسمعت ذلك كثيرا وللعروس أي عروس في تلك الليلة ألق مختلف
فكيف من هي في جمال ابنتها وشقيقتها الصغرى؟!!
أما هيا فقد قررت البقاء مع جدتها حتى تحضرها وتأتي معها
لذا البنات حجزن لها كوافيرة تأتيها في البيت
وبعد صلاة المغرب مباشرة تحضر جدتها وتأتي بها للقاعة
غرفة مشاعل في القاعة
مشاعل توترها قفز للذروة
وهاهي تكثر من قراءة آيات القرآن الكريم لتطمن قلبها الجازع
بدقاته التي تصاعدت بشكل مرعب
موضي لا تفارقها مطلقا وتقرأ عليها بدورها
موضي الواقفة تهمس لمشاعل الجالسة استعداد لعمل شعرها
وهي تضع يدها على كتفها:
حبيبتي اذكري الله ترا السالفة سهالات
وناصر والله العظيم يجنن ومافيه مثله
لا تخربين على نفسش أحلى ليلة في عمرش
بذا الخوف اللي ماله داعي
مشاعل تمسك بيد موضي وتنقلها لقلبها الذي تتقافز دقاته بجنون وهي تقول بصوت مختنق:
خايفة يا موضي خايفة.. غصبا عني.. أحاول أهدأ بس ماني بقادرة
خايفة
موضي تحتضن مشاعل بحنان وهي تهمس بداخلها:
يا الله يا كريم أنزل السكينة على قلبها
واشرح صدرها لناصر
العنود وضعها أفضل بكثير
وضع عروس اعتيادية بتوترها وخوفها
حتى موقفها الأخير مع فارس حاولت تناسيه
وهي تقرر أن تبدأ صفحة جديدة في كل شيء
مريم جوارها
قرأت وتقرأ الكثير من القرآن
لطيفة لا تهدأ تتنقل بين ترتيب الصالة
ووصول الطلبيات
وغرفتي العروسين
أحضرت ابنتيها معها
وأبنائها مع والدهما
تتذكر شيئا.. تلتقط هاتفها وتتصل:
هلا حبيبي تغديتو؟؟
مشعل كان في البيت ليرتاح قليلا ليذهب هو أبنائه لمكان حفل الزواج بعد صلاة العصر
يبتسم وهو يعدل المخدة تحت رأسه: تغدينا
لطيفة باهتمام واستعجال: وحمودي وعبودي تغدوا زين؟؟
مشعل مازال يبتسم: صاروا رياجيل لو ما تغدوا إذا جاعوا بيأكلون
لطيفة باستجداء: حرام عليك مشعل هذولاء الواحد لو ماقعد فوق رووسهم ماياكلون..
مشعل يضحك: والله العظيم تغدوا.. شيء ثاني؟؟
لطيفة باستعجالها وهي تتأكد من ترتيب أحد الطاولات:
إيه ملابس العيال طلعتها لهم.. معلقة على الدولاب من برا
تأكد إنهم بيلبسون الثياب اللي أنا طلعتها مهوب شيء غيرها
مشعل برقة: حاضر عمتي... شيء ثاني؟؟
لطيفة تبتسم: وش عندك على شيء ثاني.. لا.. مع السلامة
مشعل بابتسامة: زين أنا عندي شيء ثاني
لطيفة باستفسار: ويش؟؟
مشعل بعمق: أحبش.. ولا تتأخرين الليلة ياقلبي
أبي أشوف غزالتي شكلها أشلون
ترا على 12 بأجي أجيبش
*************************
بعد المغرب
اقترب الموعد.. اقترب كثيرا
الشباب أصبحوا كلهم متواجدين في مكان الحفل
مشعل وراكان مع فارس وناصر منذ الصباح
ووصلوا هم وإياهم بعد أن صلوا المغرب
عمالقة آل مشعل كلهم يجتمعون
فارس وناصر في الصدر مذهلان متألقان مفعمان برجولة خاصة
وأناقة مبهرة في بشتيهما السوداوين
حضورهما مختلف وألقهما كاسح
عن يمينهم ويسارهم محمد وعبدالله
وبالجوار جابر أبو حمد وسعد ابن عمهم ومشعل ومشعل وراكان
مشعل بن محمد يميل على أذن راكان ومشعل بن عبدالله وهو يقول بابتسامة:
أما الشيبان اليوم يبون يكسرون على المعاريس وهو ينافسونهم بذا البشوت السود تقول معاريس
مشعل بن عبدالله بمرح: والله المفروض لبسنا بشوت وصفينا جنبهم
خصوصا أنا مسكين مالبست بشت.. كان لازم أجرب روحي في البشت
الحوار المرح مستمر بين المشعلين
الحوار الذي تباعد عنه راكان وهو يفكر بنفسه
هل يأتي يوما ويجد نفسه مقيدا بمظاهر كهذه بشت ومعازيم
والأهم
الأهـــــــــــم
مقيدا بموضي!!!
حسن صديق ناصر يصل
يسلم على الجميع حتى يصل ناصر ليسلم عليه سلاما خاصا حماسيا
على طريقة الفرسان
ناصر بامتنان: والله ما أنسى لك جيتك
حسن بمرح: ما أبيك ما تنساها.. أبيك تردها لي عقب ما أرجع من الأردن
كل ليلة تسهر معي يا العريس
ناصر يضحك: مهوب كنك مسختها وهذا طلب تعجيزي
حسن بمودة: والله كان ودي أقعد بس أنت عارف إنه السباق بكرة
أنا راجع من الأردن عشان عرسك والحين طالع المطار
ناصر بمودة أكبر: تكفى سلم لي على شباب الفريق كلهم
وترا ما نبي نشوف وجيهكم إلا بمركز من المراكز الثلاثة الأولى
لو ما جبتوه اقعدوا هناك أحسن
حسن يضحك ويسلم مرة ثانية: الله كريم.. ويالله دعواتك لنا
فارس جالس بهدوءه المعتاد راسما ابتسامته الثقيلة
يمزقه التوتر انتظارا لرؤية قصة غرامه اللا متناهي
ناصر يميل عليه: هيه يالمعرس.. وش علومك؟؟
فارس بهدوء: وش علومه؟؟ شوفة عينك
ناصر يبتسم: ترا أختي شوفتها تسر القلب.. مافيه داعي تجيك حالة اكتئاب
فارس يبتسم ويرد عليه بخبث: وأختي شوفتها تسر القلب
وأظنك شفت على الطبيعة
ناصر (بعيارة): يا لبا الطاري.. من عقب ذيك الشوفة ماعاد أمسيت الليل
فارس يبتسم: ياكثر هياطك بس
************************
قاعة الحريم
اكتمل عقد الحاضرات
وأميرات آل مشعل جميعهن غاية في التآلق
فالليلة يزففن أربعة من أبنائهن
مناسبة خاصة تستلزم ألقا وأناقة خاصين
وهاهن يطفن بين الضيفات في القاعة يرحبن بهن
وأحيانا يعدن للاطمئنان على وضع العروسين
العروسان كل واحدة منهما في غرفتها المقررة لها
مع كوشة ناعمة تتناسب مع طلة كل منهما
وبالفعل كانت طلة كل واحدة تتناسب مع شخصيتها
مشاعل شعرها الحريري القصير رُفع كاملا في شينيون كلاسيكي
طرحتها دانتيل خفيف وُضعت على رأسها بطريقة الشيلة الكلاسيكية
الفستان كان بسيطا وراقيا جدا خليط من الساتان الحريري والدانتيل المتداخلين بدون أي شك أو تطريز
العنود لم ترتدِ طرحة أساسا
وشعرها المدرج الذي يصل لمنتصف ظهرها ينسدل في خصلات لولبية تختلف أطوالها
وتتوزع فيه زهرات بيضاء صغيرة
ذات الزهرات تتوزع على الفستان الفخم المبهر في نفاصيله
مضى الوقت واقترب وقت حضور العريسين
الغرف التي فيها العروسان لها مداخل على خارج القاعة لا تمر على الحضور
فتقرر أن ناصر يحضر أولا ليأخذ مشاعل
ثم يليه فارس ليأخذ العنود
مشعل اتصل بشقيقته موضي وأخبرها أنه سيحضر الآن مع ناصر لأخذ مشاعل
موضي لبست عباءتها ونقابها واقتربت من مشاعل وأخبرتها أن ناصر سيحضر
مشاعل بدأت ترتعش بشكل عنيف واضح
موضي اقتربت واحتضنتها وهي تقرأ عليها وهي تقول لها:
تكفين مشاعل لا تفضحينا في ناصر
والله ناصر مافيه مثله
أنتي هدي أعصابش بس
مشعل جاي معه.. وأنتي عارفة مشعل بيمتغث لو شافش كذا
مشعل الكلمة السحرية لشقيقاته
حاولت مشاعل التماسك من أجل مشعل
ومن أجل مشعل فقط
المتواجدات في الانتظار موضي ولطيفة وأمهات مشعل وأم حمد
ومريم أحضرتها سائقتها وأجلستها على كرسي قريب من الباب حتى تسلم على ناصر ثم تعيدها للعنود
أم مشعل بن عبدالله غاية في التوتر وحزن شفاف يغزو روحها
وهي تراقب لمعة الدموع في عيني ابنتها وارتجاف يديها
كانت تكثر من الدعاء لها
ودقات قلبها تتعالى وكأنها تتضامن مع دقات قلب ابنتها
التي يكاد قلبها يتوقف من قوة تصارع العروق وتعالي النبضات
ناصر دخل
قبل أن يرى شيئا عرف مريم عند المدخل تجلس بعباءتها وغطاها
وقف عندها وهو يحتضنها ويقبل رأسها ومريم تهمس له بحنان:
مبروك ياقلبي.. جمع الله بينكما في خير
ثم نزلت له أمهات مشعل وقبل رأس كل واحدة منهما
وهو يشعر بشوق كاسح لإنهاء هذه السلامات حتى يراها
حينها استطاع أن يرفع عينيه أن ينظر لملاكه الذي طال اشتياقه له
بدت له أكثر عذوبة ورقة من أن تكون حقيقة
كانت أشبه ما تكون بحلم شفاف
نسمة عابرة
شيء خيالي يستعصي على خيال البشر الإحاطة به
(آه ياقلبي
وش ذا العذوبة كلها
أحسها بتذوب من رقتها)
مشعل كان يمشي جواره وهو يلقي التحية على مريم وأم مشعل
صعدا سويا
موضي أوقفت مشاعل ونزلت
مشاعل شعرت أنه سيغمى عليها وهي ترى الجسد الفارع الطول يطل عليها من علو
وعيناها المنخفضتان تركزان في طرف البشت الأسود
شعرت به قريبا جدا
فرائحة عطره الرجولي الفاخر اخترقتها تماما
توترت بشدة (أ يعقل أنه يشم عطري الآن؟!)
وبالفعل كان ناصر منذ اقترب منها وهو يشم رائحة عطرها المسكر
الذي اكتسب من عذوبتها سحرا خاصا
اقترب أكثر ليطبع على جبينها الناعم قبلته الدافئة
ومشاعل شعرت أنها تكاد تذوب وتنتهي لم تتوقع شيئا من هذا ولا أنه اقترب لهذه الدرجة لأنها لم ترفع عينيها إطلاقا
ناصر بعد أن قبل جبينها وقف جوارها ليتيح لمشعل السلام عليها
مشعل قبل رأس شقيقته وهو يهمس لها بحنان:
مبروك يالغالية.. ما أوصيش في ناصر
ثم ألتفت لناصر وهو يقول بعمق: وما أوصيك في مشاعل
ناصر بعمق مشابه: في عيوني
ثم أمسك بيدها ليجلسها ويجلس جوارها ملاصقا لها على المقعد الطويل
يدها باردة وصغيرة وناعمة وترتعش.. ترتعش بشدة
مشاعل تدعو ربها بعمق أن يفلت يدها التي تسكن الآن في يده الكبيرة
وأن يبتعد قليلا فملاصقة جسده لها بهذه الطريقة أوقفت عقلها عن التفكير من شدة الخجل
ولكن ناصر لم يحقق أيا من أمانيها فلا هو ابتعد.. ولا هو أفلت يدها التي يمسكها الآن بحنان وبقوة
وهو يتأمل بإعجاب شفاف خطوط الحناء الناعمة فيها
(أخاف يدها الهشة تنكسر في يدي
بس بعد ماني بفاكها
وش هالسحر اللي فيش؟!!
وقفتي تفكيري وأشعلتي مشاعري)
(أرجوك.. حرام عليك
بيغمى علي
فكني
بعد عني شوي
والله العظيم بيغمى علي وقلبي بيوقف)
بعد دقائق ..مشعل همس لناصر: يالله نمشي
ناصر شعر بارتعاشة يدها أكثر في يده
مال عليها وهمس لها من قرب: ليش ترتعشين كذا؟؟
مشاعل لا تخافين من شيء
مشعل أشار لشقيقتيه لإحضار عباءة مشاعل
لطيفة كانت تلبسها
في الوقت الذي همست له موضي: بأروح معها
مشعل همس لموضي: مافيه داعي
أنا بأوصلهم للأوتيل
وبعدين أنتي رايحة اليوم الصبح ورتبتي أغراضها هناك
لا تحاتينها
خرجا سويا وركبا السيارة
مشعل يقود بهما
وناصر جلس معها في الخلف
مشاعل وضعت يديها متشابكتين في حضنها
حتى لا تسمح له بإمساكها
ناصر تفهم خجلها
وتركها براحتها
والسيارة تخرج من الصالة باتجاه الفندق
**********************
الثنائي الآخر
فارس والعنود
بعد أن خرج ناصر اتصل مشعل براكان ليحضر فارس
لطيفة ومريم وأم فارس وأمهات مشعل وأم حمد هم من يتواجد مع العنود الآن
مريم اقتربت من العنود
حصنتها مطولا بالأذكار والأدعية
ثم نزلت.. حاولت العنود التمسك بها ودقات قلبها تتزايد
همست لها مريم بمرح شفاف: لا تصيرين جبانة
فارس مايعض..
وصل فارس مع راكان
سلم على والدته أولا
وسلم على كل الموجودات وهو يتلافى النظر إلى من يلتهمه شوقه لها
شعر لأول مرة في حياته بضغط توتر هائل
معشوقته أمامه
من مزقت قلبه هياما أمامه
من أهانته أمامه
من شكت فيه أمامه
كل المتناقضات وسعير المترادفات أمامه
سلم على والدته وأمهات مشعل وشقيقته لطيفة وأطال وهو يسلم عليهم
وراكان يهمس له بمرح: يا أخي أنت مستغرب من هلك وعجايزك توك شايفهم اليوم
وشرايك نطلع القاعة ونخليك تلف على عجايز الجماعة كلهم تسلم عليهم عجوز عجوز
خلّصنا
مرتك واقفة تنتظرك
وبالفعل كانت العنود واقفة من قبل دخوله
أوقفتها لطيفة.. ونزلت.. وتركتها وحدها لتستحوذ على البهاء الأبدي
رفع فارس عينيه إليها وهو يتقدم بثقة ناحيتها
مــوجـعـة
مــوجـــــعـــة
مـــــــــــوجـــــــعـــــة
لم يجد وصفا أفضل للشعور الذي اجتاحه غير الوجع
كانت إطلالتها موجعة
وجمالها موجعا
وتأثيرها سلبا وإيجابا على روحه موجعا
وقف للحظات أمامها ضائعا في بحر ملامحها
(أ يعقل أنها أصبحت لي
وأخيرا لي
أ أستطيع مد يدي لشفتيها وألمسهما؟!
معانقة أهداب عينيها؟!
مصافحة زهر خديها؟!
أريد أن أتاكد أنها أمامي وكل هذا الحسن والجمال والروعة لي أنا
أنا وحدي)
راكان اقترب من شقيقته الصغيرة احتضنها بحنان:
مبروك عنودتي ألف مبروك
العنود همست بصوت خافت: الله يبارك فيك
بالكاد سمعها راكان
ولكن همساتها وصلت للقلب المتيم
لاول مرة يسمع صوتها الذي عذبه من هذا القرب
وكم بدا له صوتها مع صورتها عذابا لا يحتمل
العنود لم تستطع رفع عينيها خجلا
ولكنها شعرت أن فارس أطال في وقفته أمامها
راكان همس له: اقعد يا ابن الحلال
فارس وقف جوارها وكان على وشك أن يجلس
دون أن يمسك بيدها أو يجلسها
لطيفة اقتربت من ناحيته وهمست:
فارس الله يهداك أمسك يدها وقعدها
فارس لم يفكر أن يقبل رأسها كالعادة الشائعة
رغم أن شقيقاته أخبرنه بذلك سابقا
شعر أن اقترابه من حدود وجهها شيء خاص به هو وإياها
لا يريد لأحد أن يشهده
شيء خاص جدا.. لهما وحدهما
وإذا كان يشعر أن إمساك يدها فوق احتماله
فكيف بتقبيلها؟؟
ولكن مسك كفها أهون الأمرين
لذا تناول يدها
وليته ما فعل
فهو شعر كما لو أن ماسا كهربائيا صاعقا ضرب يده
مع إحساسه بسكون أناملها الناعمة الدافئة المرتعشة بين أنامله
ولكن أي من انفعالاته لم يظهر على وجهه وهو يجلسها ثم يفلت يدها
والدته كانت شديدة التأثر
وهي تدمع من الفرح
وتكثر من الدعوات له
كان ينظر للأمام بثقته الطبيعية
لكن داخله كان يهتز بعنف
وهو غير قادر على التركيز في أي شيء
كيف يركز وأقطاب التشتيت في العالم كله تجلس جواره؟!!
العنود كانت دقات قلبها تتصاعد بعنف
تعلم أنه لم يبدُ رومانسيا
ولكن لأنها تعرفه فهي لم تتوقع أبدا أن يكون رومانسيا
وتحمد الله أنه لم يكن كذلك
فارتباكها يكفيها
وهي تتفهم جيدا ثقله ورزانته وتشكر الله عليهما
بعد دقائق
راكان همس له: يالله قوم نمشي
فارس وقف وهذه المرة لم ينسَ أن يمد يده لها ويوقفها
هذه المرة كانت يدها أكثر ارتعاشا وفي أعماق روحه أكثر تأثيرا
(خائفة حبيبتي؟!
ليتني أستطيع اخفائكِ في صدري
حمل كل مخاوفكِ عنكِ
ولكن ماذا أفعل حين أكون أنا سبب خوفكِ؟!
ليتني أستطيع احتضان هذه اليد الصغيرة المرتعشة الغالية
غمرها بقبلاتي وزرعها بين أضلاعي
حتى أبعد عنكِ كل خوف)
لطيفة ألبستها عباءتها وساعدتها حتى أوصلتها للسيارة لضخافة فستانها ثم عادت
لتنطلق السيارة بهم
**********************
كل ثنائي وصل لفندقه
وكل شقيق أوصل أخته
أطمئن عليها
ثم تركها مع الرجل الذي يُفترض أن تكمل معه بقية حياتها
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:32 AM
أسى الهجران/الجزء الخامس والستون
الدوحة
فندق الانتركونتنتال
جناح ناصر ومشاعل
وصلا منذ دقائق
اطمئن مشعل عليهما ثم غادرهما
مازالت مشاعل غير مستوعبة كيف وصلت هنا دون أن تنهار
ومازالت تقف وعيناها في الأرض
وقلبها يكاد يتمزق من ضغط دقاته
تشعر بوجل وخوف وخجل غير طبيعي
تتمنى أن تنشق الأرض تبتلعها
وأن يتوقف هذا الموجود معها عن مراقبتها بهذه الصورة المتفحصة
مازالت حتى الآن لم تر ناصر.. فهي لم ترفع عينيها له مطلقا
انتزعها من أفكارها
صوت عميق هامس قريب:
تدرين إنش أحلى من كل أحلامي..مبروك ياقلبي
(متى صرت قلبك يا النصاب؟)
أكمل همسه: حبيبتي.. توضي خلينا نصلي ركعتين
(وحبيبتي بعد؟! وش عنده ذا)
تريد أن تتكلم ولكنها عاجزة.. فكل الكلمات تحجرت في بلعومها
ولكنها تحتاج فعلا أن تصلي وتصلي طويلا أيضا
لتطمئن الصلاة روحها الجازعة
تركته وتوجهت للدولاب.. تعلم أن موضي أعدت لها كل شيء
تناولت روبها ومنشفتها وبيجامتها
فشقيقاتها كن يعلمن أنها يستحيل أن تلبس قميصا في ليلتها الأولى
لذا أعدت لها موضي بيجامة حريرية بيضاء مطرزة
علقتها مشاعل في الحمام وهي تحشر نفسها وثوبها في الحمام
طوال حركتها في الغرفة
وناصر يراقبها باستمتاع وهو ينظر لها بإعجاب عميق
يشعر أن حرارته ترتفع وكل ما تفعله يبدو رقيقا وعذبا ومثيرا
وخطرا.. خطرا جدا.. وخصوصا أنها تتحرك بتلقائية متوترة بدت أكثر خطرا
(الله يعيني على خجلها بس!!)
مشاعل أطالت في الحمام وهو لم يسمع صوت الماء يُفتح
كان يريد أن يصلي قيامه
لكنه يريد قبلا أن يصليا سويا ركعتين ليبارك الله لهما في حياتهما معا
ناصر طرق عليها الباب
وهو يهمس لها برقة: مشاعل حبيبتي تأخرتي نبي نصلي
مشاعل كانت تبكي في الداخل
فهي مرتبكة وتكاد تذوب خوفا وخجلا
وهذا الثوب اللعين لم تعرف كيف تخلعه فهو لم ينفتح لها
تكررت الطرقات على الباب
أخيرا استطاعت أن تهمس له: شوي لو سمحت
كان وجهها قد أصبح خريطة ألوان من تمازج دموعها وزينتها
أخذت مناديل مسح الزينة التي تركتها لها موضي في الحمام
ومسحت وجهها كاملا بعناية
وختاما وجدت نفسها مضطرة لطلب مساعدته
فهي تريد أن تصلي
ولولا الصلاة لكانت بقيت في الحمام حتى الصباح
فتحت الباب
قفز ناصر الذي كان جالسا على الأريكة فور سماعه لفتح الباب
مشاعل بخجل مر ودموعها مازالت تسيل:
ممكن تساعدني لو سمحت
************************
الدوحة
فندق الريتز
جناح فارس والعنود
راكان أوصل فارس والعنود لجناحهما
ثم انسحب
مازال الاثنان واقفان
يلفهما توتر عميق
في حالة ناصر ومشاعل
نجد مشاعر عريس طبيعي عند ناصر
وخجل غير طبيعي عند مشاعل
في حالة فارس والعنود
نجد مشاعر عروس طبيعية عند العنود
ومشاعر عشق متجاوز للحدود لكنها مغلفة بكبرياء غير طبيعي عند فارس
العنود خلعت عباءتها كمحاولة لتبديد توترها
وهاهي مازالت تقف بخجل وعباءتها بيدها
وعيناها في الأرض
فارس ينظر لها
ومضى وقت طويل وهو ينظر لها
ويشعر أنه لو ظل ينظر إليها طوال عمره فلن يشبع أو يرتوي أو يمل
يتأملها من قمة رأسها إلى أخمص قدميها
(يا آلهي.. يا ألهي
أي مخلوقة أنتي؟؟
أي روعة أنتِ؟؟
أي معجزة أنتِ؟؟
ماذا فعلتِ وتفعلين بي
كفى
كفى
ارحمي قلبي الذي تطعنينه بأهداب عينيك الذائبتين خجلا
وتعصرينه بين ملتقى شفتيكِ المرتعشتين توترا)
العنود تعبت وهي تنتظر منه رد فعل بينما هو واقف كتمثال حجري
وخجلها يمنعها من الحركة
(هذا شفيه كذا
يبي يحرجني يعني
يضطرني أنا أتكلم أول
لمتى وحنا واقفين
أنا أبي أصلي)
العنود همست بخفوت معذب: أبي أصلي.. ممكن؟
انتفض فارس بعنف ولكن انتفاضته لم تظهر مطلقا على محياه
فلطالما اعتاد على التحكم في انفعالاته
فارس بهدوء وثقة: بنصلي كلنا الحين ركعتين
وعقب صلي
************************
جناح ناصر ومشاعل
ناصر اقترب منها بدت له كطفلة خائفة مذعورة بوجهها المحمر الصافي الخالي من المساحيق
ودموعها التي تسيل بغزارة
شعر بحنان غامر ناحيتها
سألها بحنان: وش فيش؟؟
مشاعل بخجل عميق من بين دموعها المنهمرة بصمت:
ماعرفت افتح الفستان.. ممكن تساعدني
ناصر ابتسم
(والله ربي يحبني)
أجابها بابتسامة: لفي
مشاعل أعطته ظهرها
ناصر بدأ يفتح السحاب ببطء شديد وكأنه يريد إطالة المهمة قدر يستطيع
وهو يفتح كان يمرر أصبعه بطريقة مقصودة على سلسلة ظهرها
مشاعل كادت تجن وهي تشعر أن إعصارا صاعقا ضرب سلسلة ظهرها
همست بخجل واختناق: ناصر بسرعة لو سمحت
ناصر يبتسم: خلاص خلصت
مشاعل لم تصدق أنه انتهى
قفزت للحمام وهي تبكي بشكل أشد
وتناشد الله في أعماقها
(يا ربي الطف فيني ياربي الطف فيني
شكله مهوب عاتقني الليلة
وش ذا الوقاحة اللي عنده
ياربي ارحمني
ارحمني
يارب الطف فيني .. الطف فيني
ليتني قعدت في الحمام ولا قلت له يساعدني)
********************
جناح فارس والعنود
العنود دخلت الحمام لتستحم وتستعد للصلاة
ووجدت أن لطيفة كانت قد أعدت لها كل شيء في الحمام وفي دواليب الجناح بتنظيم شديد
بينما فارس خرج خارج الجناح
شعر أنه بالفعل عاجز عن احتمال ضغط وجودها بهذا القرب
العنود خرجت لم تجده
ارتدت ثوب الصلاة فوق قميصها
انتظرته
تأخر
بدأت تصلي قيامها
دخل وهي تصلي
انتظرها حتى انتهت ثم همس لها بهدوء دون أن ينظر ناحيتها: يالله نصلي
صليا سويا
حين انتهوا من صلاة الركعتين
فارس بدأ يصلي قيامه
والعنود انسحبت وخلعت ثوب الصلاة
وعادت للحمام للتأكد من شكلها
نشفت شعرها جيدا
ثم فردته
لم تعرف هل تترك وجهها خاليا من المساحيق
أو تضع شيئا خفيفا
لكنها قررت ختاما أن تتركه بدون مساحيق
فوجهها اكتفى اليوم من أطنان المساحيق
تعطرت بكثافة وعطرت شعرها
ثم نظرت لشكلها النهائي في المرآة
وأن شكلها يبدو فعلا أنيقا ومحتشما
في رداء نوم أبيض ملكي عليه روبه السميك المطرز بفخامة
يتناثر عليه شعرها المدرج المسدل بعذوبة على كتفيها
حين خرجت
كان فارس يجلس على الأريكة وقد أرتدى بيجامة سوداء
شعرت العنود بالخجل بالكثير من الخجل
(هل أبدو بشعة أمامه؟!)
ففارس بدا لها وسيما حد الوجع
ومذهلا في بيجامته التي انسابت على عضلات جسده البارزة من تحتها بتناسق رائع
بدأ خجلها يتحول لتوتر
(عشان كذا ما عبرني
أكيد ماشاف فيني شيء يعجبه)
لم يرَ شيء يعجبه؟؟
عن ماذا تتحدثين؟؟
هذا الشاب متيم حتى أقصى عروقه وخلاياه
لو كنتي بشعة حتى، فهو يراكِ المخلوق الأروع في كل الكون؟!!
فكيف وأنتي تقفين أمامه بحسنكِ الموجع؟!!
ظلت واقفة
وفارس يتأملها بعمق
يتأمل وجهها الصافي العذب المشبع أنوثة كاسحة وبراءة عذبة
لباسها الذي أصفى عليها مزيدا من الأنوثة والبراءة معا
كل مافيها موجع.. موجع
ويحز في روحه حتى أقصى أعماقه
طالت وقفة العنود.. وانتبه فارس
وأخيرا تكلم وهو يقول بهدوء: ليش واقفة؟؟
اقعدي
(تعّب روحه صراحة
أخيرا تذكرني)
جلست العنود بعيدا عنه ومقابلا له
حرب من النظرات استعرت بينهما
العنود تنظر له بخجل نظرات متوترة منقطعة تتراوح بينه وبين حضنها حيث كفيها المتشابكتين
وفارس ينظر لها بشكل مباشر وعيناه تلتهمها التهاما وتلتهم كل تفاصيلها
(أوف اشفيه يطالعني كذا
لا يكون فيني شيء غلط)
العنود توقفت تماما عن رفع عينيها ونظراتها تثبت على يديها وتطريزات روبها
(لا تصدين
تكفين ارفعي عينش ولدي صوبي
لاتصد هناك ياعمري دقيقه .......... العمر محسوب بحساب الدقايق
في بحر عينك تبينت الحقيقه........... كل موجه تنقل لعيني حقايق
الهوى دلتني عيونك طريقه ...........ثم سوت وسط قلبي لك طرايق
إلتفت يمي ترى عمري دقيقة..........ليتني احيا في سما عينك دقايق
لا تصدين
حتى نظرة عينش تبين تحرميني منها
حرام عليش اللي سويتيه وتسوينه فيني)
********************
غرفة ناصر ومشاعل
بعد حوالي نصف ساعة خرجت مشاعل من الحمام
بعد أن نشفت شعرها بالمجفف
ولبست بيجامتها
بدت لناصر أشبه بدمية حقيقية
أشبه ما تكون بلعبة قد يكسرها أقل شيء
شعر برغبة عارمة أن يحتضنها.. يستنشق عطر هذا الشعر الطفولي الناعم
لكنه تنهد وهو يقول لنفسه
(كل شيء في وقته حلو)
همس لها: يالله نصلي
مشاعل رفعت عينيها له لأول مرة
بدا لها وسيما ومهابا حتى في نحافته التي لم تخفِ عضلاته
النحافة التي ميزته عن عرض أجساد آل مشعل
أنزلت عينيها بسرعة وهي تقول: بس أجيب سجادتي
أحضرت سجادتها ووقفت خلفه وصليا معا ركعتين
ثم صلى كل منهما قيامه
ناصر أنهى صلاته قبلها
وهي أطالت كثيرا في الصلاة
ناصر كان يبتسم وهو يجلس للكرسي الأقرب لها
انتهز الفرصة أنها سلمت بين ركعتين فهمس بمرح شفاف عميق:
ترى أكثر القيام 8 ركعات ..والشفع والوتر صاروا 11
شكلش صليتي 30 أو 40 ركعة
وترى عادي.. صلي 70، 80 قاعد انتظرش للصبح ماوراي شي ترا
لا جمعة شباب ولا تدريب ولا شغل
أنتي وبس
مشاعل بخجل: بأوتر بس
صلت مشاعل ركعتها المتبقية
ثم قامت لتعيد سجادتها للدولاب
لا تعرف لماذا تعيدها كان من الممكن أن تتركها على الكرسي
ولكنها تريد أن تبتعد عن مدى وجوده
أطالت وهي تقف أمام الدولاب المفتوح وأفكارها تسرح
لم ينتزعها من أفكارها سوى أنفاس دافئة تلفح عنقها
وناصر يميل عليها ويهمس بالقرب من أذنها: مطولة؟؟
************************
جناح فارس والعنود
الجلسة طالت كثيرا
العنود زاد خجلها كثيرا وهي تراه يراقبها بهذه الطريقة
وفارس العاشق لم يكن أصلا في وعيه فهو كان يحلق في عوالمه الخاصة
فهو مازال غير مستوعب أن معشوقته تجلس أمامه
بدون حواجز
وأنها أصبحت له يتمتع بالنظر إليها كيف يشاء
ويستمتع بهمساتها كيف شاء
تذكر أنه لم يسمع صوتها تقريبا منذ وصلا
وكم هو مشتاق لانسكابه في أذنه
همس بطريقته الواثقة الاعتيادية: العنود تعالي اجلسي جنبي
العنود لم تتحرك
(صدق ماعنده ذوق
يامرني أجي عنده)
فارس طلب ذلك بعفوية لأنه هو من يجلس على الأريكة
بينما هي تجلس على كرسي منفرد
فارس بذات الهدوء: العنود تعودي من أولها إني ما أعيد الطلب مرتين
إذا طلبت منش شيء تنفذينه من أول مرة
قلت لش تعالي جنبي
تقومين تجين جنبي
وهذي بتكون أخر مرة أكرر طلب مرتين
العنود شعرت بضيق عميق
أسلوبه مستفز وقاس وخالٍ تماما من الذوق
ولكنها وجدت نفسها مجبرة للقيام والجلوس جواره
فنصائح مريم الكثيرة ترن في رأسها
وعصيانه عصيان لربها
العنود جلست على الطرف الآخر من الأريكة وهي تترك مسافة فاصلة بينهما
ولكن قربها كان كافيا لتخترقه رائحتها العذبة
لم يكن عطرها فقط
بل رائحتها هي.. اختلاط عطرها برائحتها الطبيعية كان ناتجه فتاكا على مشاعره
مازال يتجلد.. فتنكيس الرايات السريع ليس من شيم كبرياءه
وخصوصا أنه يحاول جاهدا أن يستعيد إهانتها الوقحة لها حتى يقسو عليها قليلا
فيجد أن هذه الاهانة تتضاءل ذكراها أمام ذكرى أعظم وأجمل
هي العنود ذاتها
ولكن كبرياءه .. كبرياءه أين يفرمنه؟؟؟
سألها بهدوء: ناصر قال لي إنش أنتي رفضتي نسافر.. ليش؟؟
العنود تتذكر أنها قالت لناصر السبب.. أيعقل أنه لم يقله لفارس
وفارس كان يعلم السبب
لكنه يريد فتح حوار ما
العنود بخفوت وعذوبة: امتحاناتي بعد أسبوع وماعندي وقت
أن يسمعها توجه الحوار له مباشرة بصوتها الساحر وطريقتها الآسرة في الكلام
كان إحساسا فوق كل خيال روعة وآلما ومتعة
سألها بهدوء: كم ساعة مسجلة؟؟
العنود بذات النبرة الخافتة: 16
فارس : مهوب واجد عليش؟؟
العنود ترفع عينها.. وتكمل بخجل: لا بالعكس أصلا كنت أبي 18 بس ماحصلت
إن شاء الله الفصل الجاي أسجل 18 ساعة
فارس بهدوء: أكثر من 14 لا تسجلين.. أنتي الحين مرة متزوجة
لبيتش حق
العنود صمتت لا تريد أن تثير معركة منذ ليلتهما الأولى همست برقة: يصير خير
فارس ماعاد يحتمل
(ماكل هذه العذوبة!!
تبدو الكلمات كما لو كانت تختلط بالعسل والسكر
وهي تتدفق من بين شفتيها)
يريد أن يلمس وجهها فقط
يريد أن يلمس تفاصيل ملامحها
يلمس شفتيها النديتين النابضتين بالهمس المعذب
هل هما فعلا حقيقة أم خيال؟؟
هذه المرة لم يأمرها أن تقترب
بل هو من اقترب منها
العنود توترت وهي تتراجع أكثر للطرف الذي حجزها
وهو يقترب أكثر
حتى أصبح شديد القرب منها
همس لها بحنان تلقائي: ارفعي وجهش
وطالعيني
نبرة الحنان اللذيذة غير المعتادة في صوته أجبرتها على التنفيذ بدون وعي
مد سبابته لوجهها
انتفضت بعنف
وهو يمرر سبابته على حاجبها
خدها
شفتيها
ذقنها
عنقها
ثم يضع كفه على خدها بحنان ووله مصفى
وهو يقرب وجهه أكثر منها
العنود رأت كيف تلمع عيناه ويزفر أنفاسه بعمق
والجو يُشحن بشرارات كهربائية بينهما
همست بخجل شفاف وهي تحاول الابتعاد: تكفى فارس خلني لين أتعود عليك
رغم صعوبة الابتعاد على فارس بعد أن أصبح على هذا القرب منها
ورائحتها التي أسكرته تماما وهي تخترق أقصى حويصلاته الهوائية
لكنه ليس من يفرض نفسه
أو يتعامل بهمجية مع نصفه الآخر
فعلاقته بها يريدها أن تكون برضاها وتجاوبها
ابتعد وهو يتنحنح وكأن هذه النحنحنة صادرة من أعمق أعماقه:
بس إن شاء الله مرحلة التعود ذي ما تطول
صمتت العنود بخجل
استمر الصمت وفارس يعود لتأملها بوله
(أي سحرٌ تتسربلين به؟!
أي روعة يضمها جنبيكِ؟!
متى ترحمين قلبي المتيم؟؟
أو متى أرحم نفسي من جنوني المتكبر
آه يا صغيرتي
وألف آه)
بقيا على جلستهما المشحونة بالمشاعر العصية على التفسير
حتى أذن الفجر
وصليا فرضهما
حين أنهيا الصلاة قال فارس بطريقته الواثقة المعتادة في الكلام:
زين نبي ننام وإلا ذي بعد تبي لها تعود
(صدق ماعنده أسلوب!!)
لكنها ردت بخجل: نام.. تصبح على خير
فارس يتنهد وهو يعرف أنه لم يكن لطيفا رغم أنه يتمنى لو يذوب لها لطفا
ويقول بهدوء: العنود مافيه داعي لسوالف الأفلام وواحد منا ينام على الكنبة والثاني على السرير
تعالي نامي جنبي.. تراني مخلوق متحضر لو عندش شك في هذا..وأعرف أتحكم بنفسي
العنود نهضت معه
لم ترد أن تبدو قليلة التهذيب معه
فهي ثتق به وبكلامه
ومادام قال لها شيئا فلن يخلف بكلامه لها
تمدد فارس على طرف
وتمددت هي الآخر دون أن تخلع روبها
فارس يتنهد بعمق
(لو أنها بس تسولف لي
ما أبي شيء ثاني
صوتها بيصبرني
بس الحين شوف وحر جوف)
*************************
جناح ناصر ومشاعل
مشاعل أطالت وهي تقف أمام الدولاب المفتوح وأفكارها تسرح
لم ينتزعها من أفكارها سوى أنفاس دافئة تلفح عنقها
وناصر يميل عليها ويهمس بالقرب من أذنها: مطولة؟؟
شعرت مشاعل أنه سيغمى عليها
صمتت
ناصر فسر صمتها وأنها لم تتحرك أنه نوع من التجاوب معه
وتوقع أنهم بالغوا في تصوير خجلها له
لذا تجرأ أكثر وهو يقترب من ظهرها ويضع يديه على عضديها
ويطبع قبلة على شعرها
وناصر بالفعل كان لديه استعداد للتوقف فورا لو أنها طلبت منه ذلك
فهو وعدها أن يصبر عليها
وليس هو من يخلف وعدا
ولكنها لم تطلب
بل تصرفت
وهي تنخرط في بكاء هستيري
ابتعد ناصر عنها وهو يقول بتأثر: مشاعل أنا آسف
خلاص ماني مقرب منش والله العظيم
لا تخافين حبيبتي
لكنها لم تستمع له وهي تركض للحمام وتغلق على نفسها فيه
ناصر قرر تركها حتى تهدأ
مضت أكثر من ساعة وهي لم تخرج
طرق عليها الباب
لم ترد عليها
همس لها بحنان: مشاعل حبيبتي والله العظيم آسف
خلاص والله ما أعيدها ولا أقرب منش إلا برضاش
هذا أنا حلفت
اطلعي مايصير.. بتقضين الليل في الحمام؟؟
لكنها لم ترد عليه
ناصر أصبحت حالته مزرية من القلق والندم
عاد لها بعد نصف ساعة
وهو يقول بنبرة فيها بعض حدة: لو مارديتي علي بأكسر الباب
مشاعل بصوت باكي ضعيف: تكفى ناصر خلني
(لا حول ولاقوة إلا بالله
وش ذا البلشة
بأخليها شوي)
وبقيت مشاعل في الحمام
وناصر بين باب الحمام يحايلها ويطمئنها ويحلف لها ألا يقترب منها
وبين الأريكة التي يجلس عليها
حتى أذن الفجر
حينها بدأ ناصر يغضب فعلا
وتتحول مشاعره من الشفقة عليها للغضب منها
(هذي وش شايفتني؟؟
تحسبني بأغتصبها ذا الخبلة مسكرة على روحها 5 ساعات)
اقترب من الباب وهو يهمس بغضب مكتوم:
مشاعل اطلعي أبي أتوضأ وأصلي
مشاعل بخوف: ماني بفاتحة
أكيد تبي تضربني الحين
ناصر بغضب شفاف: يابنت الحلال
أنا ماأستاهل منش اللي انتي تسوينه فيني
حلفت لش ألف مرة ما أسوي لش شيء
يعني بأكذب على ربي عشانش
اتقي الله
مايصير اللي تسوينه
اقعدي وين ما تبين.. في الغرفة.. في الصالة
لو تبين أخلي لش الجناح كله خليته
بس اطلعي
مشاعل بذات الخوف: قلت لك ماني بفاتحة
ناصر خرج من الجناح وتوضأ في حمامات البهو الرئيسي (اللوبي) وصلى الفجر
ثم عاد لها يعتقد أنها قد تكون فكرت في كلامه وخرجت
لكنه وجدها مازالت تغلق عى نفسها
عاد لها يحايلها بدون فائدة
حتى أشرقت الشمس وناصر منهك ويريد النوم
اقترب من الباب وهو يقال برجاء عميق:
مشاعل الله يهداش الشمس شرقت
والله العظيم أنا ما أستاهل منش كذا
أنا شاريش ومحترمش وعازش
تسوين فيني كذاّّ
مشاعل بخوف صميمي: ماني بفاتحة لين يجي أخي مشعل
أبي مشعل
طلبها لمشعل ذبح ناصر
ذبحه تماما
يفترض أن يكون هو من يحميها
فكيف تريد أن تحتمي بغيره ومنه
ناصر بغضب مر: أنتي صاحية؟؟
تبين تفضحين روحش
وش يقولون الناس وانتي مقضية ليلة عرسش في الحمام
مستحيل اتصل في مشعل
خلش في الحمام لين تشبعين
ثم أردف بمرارة:
وترا النفس طابت منش
هذا مهوب سحا يا بنت عمي
هذا عياف
ومن عافنا عفناه لو كان غالي
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:36 AM
أسى الهجران/ الجزء السادس والستون
بيت عبدالله بن مشعل
الصالة السفلية
الساعة التاسعة والنصف صباحا
موضي تجلس في الأسفل
جدتها تتمدد في غرفتها
وأمها في المطبخ
والجو يعبق به روح تأثر عميقة لغياب مشاعل
موضي تعرف أن الاثنتين مفتقدتان لمشاعل بوجع مستشري
لذا جدتها ادعت التعب وتمددت
وأمها تتلهى في المطبخ عن التفكير
بعد دقائق نزلت هيا
سلمت وسألت عن الجميع
موضي بابتسامة: غريبة وش فيش مصبحة بدري عقب سهرة البارحة
هيا تبتسم: مصبحة مثلش هذا أولا
ثانيا مشعل جاه اتصال مهم على قولته وطلع
وأنا عقب ماطلع ماقدرت أنام
موضي تبتسم: عيني يا عيني على أهل الغرام
هيا ترد بخبث: نشوفش عقب كم يوم أنتي والشيخ راكان
رغم الضيق الذي سببه الموضوع لموضي إلا أنها ضحكت:
حووو.. رويترز ما يدس شيء عليش
هيا تبتسم: خله يدس علي عشان أقص رقبته
ثم أردفت باهتمام: إلا شبر القاع وينه؟؟ اليوم ماعنده مدرسة وينه
موضي بضيق حقيقي لأنها هي ذاتها متضايقة من اشتياقها لأختها
همست بصوت منخفض:
سلطان متضايق ومكتئب
هيا بقلق: من جدش أنتي... سليطين متضايق ومكتئب؟؟
موضي بحزن: مشتاق لمشاعل وما يبي يقول.. وكاتم في نفسه
هيا بشفافية: لحق يشتاق.. توها عرسها البارحة
موضي بتأثر: مشاعل أكثر حد فينا ريم وسلطان متعلقين فيه
ريم عادي عبرت عن مشاعرها وهذي هي تنحط فوق
وأنا ماني بشايلة همها
لأني أدري إنها بتبكي وتفضي اللي في رأسها وترتاح
بس سلطان وذا العرق الأمحق اللي في رياجيل آل مشعل
كاتم في روحه.. شكله يكسر الخاطر جد
ودي إنه يبكي عشان يرتاح
هيا بتأثر: وينه ؟؟
موضي: في الصالة الداخلية يلعب بلاي ستيشن وهو في صوب واللعبة في صوب
هيا نهضت وهي تحكم لف جلالها على وجهها وتدخل على سلطان في الصالة الداخلية المفتوحة على الصالة الرئيسية
هيا بمرح مصطنع: هلا والله بشيخهم.. هلا بالشيخ سلطان بن عبدالله
سلطان رد بهدوء وعينه مثبتة على شاشة التلفاز: حياش الله
هيا بذات المرح: أفا وش ذا الحفوة الباردة يا ولد عمي
كنها طردة.. أبي ألعب معك.. ممكن؟؟
سلطان بعفوية: مشاعل كانت تلعب معي
أجاب بالشيء الذي يشغل باله
هيا تبتسم: وأنا أعرف ألعب بعد
سلطان صمت
هيا جلست قريبا منه وهي تتمنى لو كان بإمكانها احتضان هذا السلطان الغالي
(كم من الكبرياء الكريه في عروقكم
حتى الاطفال لم ترحموهم منه)
هيا بعمق: سلطان ترا مهوب معنى إن مشاعل تزوجت
إنها خلاص صارت بعيدة عنك
البيت جنب البيت
بتلاقيها كل شوي ناطة لنا
ثم أكملت بمرح: أو أنت كل شوي نط عندها
خلاص بنات عمك وحدة تزوجت ووحدة تملكت
ماعاد ينخاف عليهم يفتتنون فيك
مازال صامتا
هيا تتمزق بالفعل من أجله..
فهي خير من يشتم رائحة الحزن العميق
وتعلم أن قلب هذا الفتى مشبع بحزن شفاف
صمت متوتر حزين يشبع الأجواء
أخيرا تكلم
همس بخفوت موجع: البيت ماكن فيه حد
حاس كنه قبر من غيرها
جملته مزقت قلب هيا تماما.. تعرف هذا الإحساس .. تعرفه تماما
هي من صمتت الآن وهي تحاول مغالبة دمعات تتوق للانهمار
لم تعرف ماذا تقول له
صمتت
حزين هو..حزين بالفعل.. ويبدو أنها فاشلة في المواساة!!!
أكمل بذات الهمس الحزين فهو محتاج للبوح:
كانت تعرف لي بدون ما أتكلم
وإذا حضنتني شميت فيها ريحة أمي
كل يوم كانت تعصب علي: إذا مادرست..إذا ماكلت.. إذا تأخرت...
وانا أحب أشوفها وهي معصبة..لأنها ماتعرف تعصب...
عمري ماقلت لها آسف..أبي أقول لها آسف..
عمري ماقلت لها إني أحبها...أبي أقول لها إني أحبها
اني أحبها واجد واجد.. وإن بيتنا ماله حلا من غيرها
ماعاد يحتمل المزيد.. أكتفى من البوح
ويريد أن يبكي.. ويستحيل أن يسمح لأحد برؤيته
وقف وترك هيا التي تمزقت حزنا من أجله
تركها وصعد لغرفته
*************************
جبهة حزن فراق أخرى
صالة بيت محمد بن مشعل
أم مشعل تجلس مع مريم أمام قهوتهما التي لم تمس
والجو ثقيل ثقيل حولهما
أم مشعل بلهفة مكسورة: مريم يأمش دقي على العنود نتطمن عليها
مريم بهدوء: يمه تو الناس.. وهذولاء معاريس مايصير نزعجهم
أم مشعل صمتت
بعد دقائق صمت
همست أم مشعل بحزن: الله يعيني إذا رحتي أنتي بعد
مريم تمزقت من جملة والدتها الموغلة في الحزن
ثم همست بتأثر: يمه هذولاء مشاعل وموضي بيجون عندش
أم مشعل بتأثر: شكلي بأقول لراكان يستعجل في العرس
أبي لي وحدة تكون معي داخل البيت
بأستخف لو أقعد في البيت بروحي
مريم مدت يدها تتحسس حتى وصلت يد والدتها احتضنتها وقبلتها:
أنا يمه قاعدة عندش لين عقب عرس راكان.. لا تستعجلينهم
موضي توها بتخلص عدة
مايصير تغصبونها على طول عرس
***************************
قبل ذلك بحوالي ساعة
حدود الساعة 9 إلا ربع صباحا
جناح ناصر ومشاعل
ناصر لم ينم إلا حدود الساعة السابعة
ليلة زواجه كانت الليلة الأسوأ في حياته
وهاهو هاتفه يرتفع بالرنين ويصحيه من نومه الذي يحتاجه بشدة
التقط الهاتف يريد أن يضعه على الصامت ولكنه رأى أن المتصل هو رئيس فريقهم
استغرب وذهنه يتحفز.. فالفريق كاملا يتواجد في الأردن حاليا
والوقت مبكر للاتصال قالساعة عندهم الآن الثامنة إلا الربع
والفريق كلهم ورئيسه اتصلوا به البارحة وهنأووه
فما سبب الاتصال يا ترى؟؟!!
التقط الهاتف وهو يرد باحترام: هلا والله
الطرف الآخر بحرج: هلا بك يابو محمد آسفين على الأزعاج
ناصر بذوق: لا إزعاج ولا شي حياك الله أي وقت
رئيس الفريق بحرج أكبر: والله ياناصر ما أدري وش أقول لك مالي وجه
ناصر يقف ومشاعره تتحفز: عسى ماشر؟؟
رئيس الفريق بإرتباك عميق: أدري أنه عرسك البارحة وأنك كنت بتسافر الليلة
بس حن محتاجينك
ناصر باستغراب: محتاجيني؟!!
رئيس الفريق: البارحة حسن عقب ماحضر عرسك وهو طالع المطار زلق وانكسرت يده وماقدر يجي.. وأكيد مايقدر يشارك
فاحنا نبيك تجي تشارك مكانه في السباق الليلة
وبكرة على الليل ترجع
تدري ناصر أنت وحسن أحسن فرسان في الفريق
أنت أساسا ماكنت مشارك وهذا حسن انكسر.. يعني ماعاد لنا أمل بأي من المراكز الأولى كذا
أدري مالي وجه أطلب منك كذا وأنت عريس
بس اعتبرها خدمة أخيرة لفريق بلدك.. وهذا تمثيل وطني
وأنت كنت تبي تعتزل السباقات.. خل السباق ذا سباقك الأخير
ناصر كان يستمع لرئيس الفريق وعشرات الأفكار تصطخب في ذهنه
زواجه...
رفض مشاعل له..
حاجة فريقه له الذين هم أصدقاء عمر وليسوا مجرد فريق رياضي..
رد على رئيس الفريق بثقة: خلاص أنا مستعد
رئيس الفريق بسعادة: كنت عارف إنك منت بخاذلني
خلاص الطيارة بعد 3 ساعات
بيجيك مندوب لين مكانك يأخذ شنطتك وجوازك وبيخلص كل شيء
أنت بس تعال قبل الإقلاع بنص ساعة
مشعل باهتمام: والجليلة؟؟
رئيس الفريق: وش دخلها الجليلة؟؟
ناصر باستغراب: أشلون أسابق بدون فرسي؟!!
رئيس الفريق بهدوء واهتمام: ناصر أنت عارف إنه إجراءات شحن الجليلة بتأخذ وقت
عدا إنها تبي لها وقت لين تتعود على لجو.. والجو هنا ذا الأيام بارد جدا وصقيع
ناصر باستفسار: زين والحل؟؟
رئيس الفريق: تركب ثيندر.. ثيندر صار له هنا أكثر من أسبوعين وهو كل يوم يتدرب وتعود على الجو
ناصر بهدوء: بس ثيندر حصان عنيف.. وما يتقبل حد إلا حسن
رئيس الفريق: وأنت جوكي محترف.. والسيطرة على ثيندر موب صعبة عليك
ناصر بثقة: خلاص تم... شنطتي وجوازي أصلا جاهزين لسفري الليلة
خل المندوب يجيني الحين في الأنتر
عشان أسوي شيك آوت.. وأروح أسلم على هلي
ناصر أنهى اتصاله
وتفكيره مشغول بمن قضت ليلها في الحمام
ولكنه لا يريد رؤيتها
يشعر أن رؤيتها جارحة له وبعمق
جارحة لكرامته ولرجولته وقرابتها له
اتصل بمشعل بن عبدالله وطلب منه الحضور فورا
بعد نصف ساعة كان مشعل يصل هو والمندوب سويا في ذات الوقت
ناصر أعطى المندوب حقيبته وجواز سفره ومشعل في غاية الاستغراب
كانوا مازالوا في الممر
بعد ذهاب المندوب.. ناصر همس لمشعل القلق من اتصاله: تعال
مشعل دخل وهو يشعر بالحرج
ناصر قال لمشعل بهدوء: اجلس مشعل
مشعل جلس وعيناه تجوبان بالجناح بحثا عن شقيقته
ناصر بذات الهدوء: مشعل باسالك سؤال وجاوبني بصراحة
مشعل بقلق: وش ذا المقدمة.. إسال.. أظني إنك عارفني
ناصر بهدوء عميق: مشعل أنتو غاصبين مشاعل علي؟؟
مشعل قفز وهو يقول بحدة: من يقوله؟؟ مهوب بناتنا اللي يغصبون
ناصر: اقعد مشعل
مشعل جلس وناصر يكمل كلامه: اللي باقوله لك أبيه بيننا
لأنه ما أدري وش أقول لك.. ماينقال
مشعل تصاعد قلقه وعشرات الأفكار المجنونة تعصف به
وناصر يكمل: مشاعل من البارحة مسكرة على روحها في الحمام
مشعل قفز: وشو؟؟
كان يريد التوجه للحمام.. لكن ناصر أشار له لا
ناصر أخبر مشعل بإضطراره للسفر للاشتراك في سباق التحمل الصحراوي في الأردن
ثم قال له: أنا أبيك تأخذ مشاعل.. شوف وشهي تبي.. وش اللي يريحها؟؟
وأنا بأسويه لها إذا رجعت
مشعل بتأثر عميق: أنتظر لازم أخليها تطلع وتعتذر لك..
ناثر برجاء: لا تكفى مشعل.. ماعليه أدري إنها أختك
بس أنا متضايق منها وما أبي أشوفها الحين
خلني أروح الحين... وإذا رجعت من سفري تفاهمنا
مشعل احتضنه وهو يقول له بأخوية عميقة:
تروح وترجع بالسلامة.. وترجع لنا بالكأس
والسموحة يا أخيك امسحها في لحيتي
مشاعل والله إنها ذهب بس هي تستحي بزيادة
ناصر حمل حقيبته وخرج يريد الذهاب لأهله للسلام عليهم وإخبارهم
ثم للتوجه للمطار
مشعل تنهد وهو يتوجه للحمام
الوضع حساس
ويحتاج لمعالجة متوزانة
طرق الباب عليها
لم ترد
أعاد الطرق
لم ترد
همس بقلق: مشاعل افتحي الباب
فُتح الباب فورا.. لتظهر من خلفه مشاعل بوجهها المتورم من كثرة البكاء
رمت بنفسها على صدره وهي تنتحب
مشعل احتضنها بحنان وهي يربت على ظهرها ويهمس:
ليه سويتي كذا مشاعل الله يهداش
ناصر ضايقش بشيء؟؟
مشاعل بين شهقاتها: ماضايقني بس أنا ما أبيه
أنا ماني بوجه عرس يا مشعل
وما استحمل حد يقرب مني
والله استحي.. استحي
مشعل ارتاح قليلا بعدما تاكد أن القضية لا تتجاوز خجل مشاعل المعتاد
وإن كان خجلها هذه المرة تجاوز الحد
مشعل جذبها وأجلسها على ألاريكة وجلس جوارها واحتضنها
وتركها تبكي حتى ارتاحت تماما وصمتت
ثم همس لها: مشاعل اسمعيني
اللي سويتيه عيب في حقش وحق ناصر وحقنا
أنتي ماحد جبرش على ناصر
أنتي خذتيه برضاش
ولو كنتي فهمتيه بالهداوة إنش ما تبينه يقرب منش
ماراح يجبرش على شيء
لو أنتي حتى مسكرة على روحش في الغرفة كان عادي
بس تسكرين على روحش طول الليل في الحمام
كنش تقولين له قعدة الحمام ولا مقابلك
تراها قوية عليه.. قوية يا أخيش
وناصر مايستاهل تجرحينه بذا الشكل
عمري ماشفت ناصر زعلان كذا
ناصر أوسع خاطر فينا ومايضيقه إلا شي كايد
والله مايستاهل منش كذا ياقلبي
وهذا هو سافر وهو زعلان عليش
مشاعل برعب: سافر.. وين؟؟ وليه؟؟
مشعل أخبرها بسفر ناصر
توترت وشعرت غصبا عنها بإحساس كاسح بالذنب
مشعل أكمل لها: اسمعيني
أنتي قومي الحين تسبحي
وأبيش تعدلين وتلبسين مثل أي عروس
وبأوديش لبيت ناصر
مشاعل بجزع: لا مشعل تكفى.. أبي أرجع لبيتنا
مشعل بحنان: مايصير ياقلب أخيش
تبين الناس ياكلون وجيهنا
وبعدين ناصر اللي أنتي مستحية منه مسافر
عشان خاطري لو لي خاطر عندش
مشاعل ابتسمت أخيرا وهي تقول بحزن:
عشانك أقط روحي في النار
خلاص يابو عبدالله عطني نص ساعة أتسبح وأصلي وأجهز على السريع وألم أغ****
*************************
بيت محمد بن مشعل
مشاعل وصلت بيت عمها
مشعل أوصاها أن يبقى الموضوع بينهما فقط
وأن تحاول التأقلم مع محيطها الجديد قبل عودة ناصر
وأكد لها أنها غير مجبرة على إكمال حياتها مع ناصر إذا كانت رافضة له
ولكنها يجب أن تمنحه فرصة أولا فمن هو مثل ناصر يستحق عشرات الفرص
فلا تستكثر عليه أن تعطيه فرصة وحيدة
وثانيا أن تتمهل قليلا قبل اتخاذ أي قرار
كلام مشعل طمئن روحها القلقة المرتاعة
وهاهي مستعدة مبدئيا للمحاولة
نزلت لبيت عمها بخطوات مترددة
مريم وأم مشعل استقبلاها بابهتاج كبير
قبل قليل مر بهم وناصر وأخبرهما باضطراره للسفر
لكنه لم يقل شيئا عن مشاعل
لذا سعدا كثيرا برؤيتها
أم مشعل أخذتها لقسمها
وأغراض مشاعل رتبتها لطيفة هناك قبل عدة أيام
دخلت وهي مرتبكة وتتنهد بعمق
تركتها أم مشعل لترتاح وانسحبت
غرفتان كل منهما بحمام
وصالة شاسعة ملحقة أيضا بحمام
ومطبخ متوسط الحجم
شعرت بحضور كاسح لناصر في كل مكان
فالصالة كان يتوزع بها بطريقة منسقة الكثير من الكؤوس
والكثير من الصور لناصر مع فريقه ومع الجليلة
أما ما أرعبها تماما فقميص أبيض مثبت داخل إطار كبير كأطار الصور
كان ممزقا وعليه بقع دم وطين وكُتب تحته
دورة الألعاب الأسيوية الخامسة عشرة /الدوحة/ 2006
ومعه ميداليته البرونزية التي حصل عليها في تلك الدورة
انتفض قلب مشاعل وهي تشعر بضيق يكتم على روحها
(الله يهداك ناصر.. هذا قميص حد يحتفظ به)
تتذكر جيدا هذه الدورة
فاز بسباق التحمل الفردي في تلك الدورة الفارس راشد بن محمد راشد آل مكتوم على فرسه (ماجيك غلين)
وبسباقات الفرق فاز الفريق الإماراتي بالذهبية
والقطري بالبرونزية
وكانت الأجواء أيامها مطيرة
والسباق كان يتكون من 120 كيلو على خمس مراحل وانطلق من منطقة سيلين البحرية
اجتاز ناصر 3 مراحل وفي المرحلة الرابعة زلقت الجليلة وتعرضت للاصابة
وسقط ناصر وأصيب إصابة بالغة في كتفه
لا تعلم لم تتذكر كل هذا
ولكنها دعت بعمق أن يحفظه الله في هذا السباق
وهي تحاول أن تبعد شعور الضيق غير المفهوم الذي اجتاحها مع رؤيتها للقميص الممزق الملطخ بالدم
*******************
جناح فارس والعنود
حدود الساعة 11 صباحا
فارس صحا من النوم أولا
كان نور الشمس القوي يغمر الغرفة تماما
التفت جواره حيث تنام هي بسكينة
كان وجهها ناحيته
(هل أرى شمسا أخرى تشرق جواري
صباحكِ سكر يا طعم السكر
صباحكِ إشراق يا شمسي
كم يبدو هذا الصباح مختلفا
إنه الصباح الأجمل في حياتي
لأنه ابتدأ برؤية محياكِ
أرجوكِ كوني صباحي ومسائي وكل أوقاتي
هائم أنا ياصغيرتي.. هائم.. هائم
أحبكِ
أحبكِ
أحبكِ
ليتني أستطيع الصراخ بها لأسمع العالم ..كل العالم)
"اسمعها إياها يافارس أولا"
كان فارس ينظر لها بوله عميق
كم بدت له صغيرة وناعمة وفاتنة
ورؤيتها تمزق الروح بلذة موجعة
مضت عدة دقائق وهو يراقبها بتمعن واستمتاع
ودقات قلبه تتصاعد بوجيب مزعج
رأى جفنيها يضطربان كأنها على وشك فتحهما
فأغلق هو عينيه
لا يريدها أن تعلم أنه كان يراقبها كالأبله
العنود فتحت عينيها
تلفتت حولها بخجل وهي ترى المكان الجديد عليها
ضمت أطراف روبها على جسدها رغم أنه لم ينفتح
ثم التفتت للنائم جوارها
وحان دور تبادل أدوار المراقبة
وإن كان هو تأملها بحب
فهاهي تتأمله بإعجاب.. في تضاد عارضه الشديد السواد مع بياض بشرته
"والضد يظهر حسنه الضد"
العنود أسندت رأسها لكفها وهي تنظر ناحيته
تمنت لو تستطيع أن تفعل كما فعل هو بالأمس
أن تتحسس وجهه الفاره الوسامة.. المبهر في تفاصيله الرجولية
بل شعرت برغبة عارمة أن تتحسس مكانين بالذات
مكاني القطع المثيرين في حاجبه وفي شفته
(بيحس فيني لو سويتها؟!!
موضي تقول نومه ثقيل)
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:37 AM
أسى الهجران/ الجزء السابع والستون
جناح فارس والعنود
العنود تتشجع وتمد يدها لتلمس وجه فارس الذي كانت تظنه نائما
لمست أولا القطع في طرف حاجبه اليمين بطرف سبابتها
كان غائرا نوعا ما
ولكنه منحه طله رجولية موجعة بعمق
فارس شعر بثوران مشاعر كاسح منذ أحس بملمس أصبعها الناعم على وجهه
لكنه قرر أن يستمر في تمثيل النوم
حتى لا يحرجها.. وحتى يرى ما تود فعله
انتقالها التالي مباشرة كان للطرف الأيسر من شفته السفلية
حيث القطع الثاني
حينها
ثار غضبه فعلا
فأكثر شيء يكرهه في حياته
والشيء الذي لم يستطع تجاوزه أبدا
أن يكون اهتمام الآخرين هو بشكله
هي لم تلمس وجهه تعبيرا عن مشاعر كما فعل
ولكنها تريد أن تتأكد من مواصفات شكلية لذا اقتصرت على لمس موقعين محددين فقط
وهذا الشيء أثار غضبه لأبعد حد
فتح عينيه وهو يصرخ بها: شتسوين؟؟
العنود انتفضت وهي تتراجع للخلف وتهمس بوجل: آسفة .. آسفة
فارس صرخ فيها: إياني وإياش تعيدينها
العنود صمتت وهي تبتلع عبراتها ومرارتها وإحراجها
فارس قصد بجملته والذي يجب إلا تعيده أن يكون اهتمامها هو بشكله
بينما العنود فهمت أن الذي يجب إلا تعيده هو الاقتراب منه أو لمسه
وهذا الأمر جرحها
جرحها بعمق
كما لو أنه هو فقط من يحق له لمسها في الوقت الذي يشاء
بينما هي لا يحق لها ذلك.. وكأن علاقتهما يجب أن تكون من طرف واحد
يكون هو المرسل وتكون هي المستقبلة
المستقبلة لكل شيء لمساته.. قسوته.. حدته.. كلامه الجارح
أ يريدها أن تتحول لمخلوق بلا مشاعر مهمته فقط أن يكون حاوية لاستقبال جنونه؟!!!
*************************
قبل صلاة الظهر بقليل
مشعل يعود للبيت ليتوضأ ويذهب للصلاة
وجد هيا تجلس على جهازها المحمول
سلم وهو يميل عليها ليقبلها ويسألها بحنان: شتسوين؟؟
هيا تحتضن وجهه بكفها وتهمس: أشوف إيميلي صار لي كم يوم ماشفته
ثم أردفت: وين رحت من صبح؟؟
ابتسم مشعل وهو يبتعد ليخلع ثوبه ليدخل الحمام:
شغل تحريات وإلا غيرة نسوان وإلا مجرد فضول؟؟
هيا تبتسم: اللي هو
مشعل وهو على باب الحمام: رحت أجيب مشاعل
استدعوا ناصر يشارك بسباق ضروري في الأردن
مشعل دخل الحمام وهيا مستغربة
(يروح يشارك في سباق صباحية عرسه!!!!)
هيا تقلب بريدها الإلكتروني.. تجد رسالة مهمة.. تقرأها باهتمام
حين خرج مشعل تقول له باهتمام:
حبيبي البعثات طالبيني يقولون فيه أوراق ناقصة يبونها
مشعل بهدوء: خلاص حبيبتي الأسبوع الجاي بأروح لهم وأشوف وش يبون
هيا بهدوء: عادي حبيبي أنا باروح
مشعل باستنكار غاضب لطيف: لا يا قلبي هذاك أول
الحين عندش رجّال يتعب لش
وأنتي اقعدي مرتاحة
***************************
الدوحة
طريق المطار
راكان يقود بناصر المتوجه للمطار
راكان بهدوء: ناصر الله يهداك ماقدرت تعتذر من السباق
عرسك البارحة وش تبي الناس يقولون
ناصر بغموض: مهوب قايلين شيء.. السباق لازم أشارك فيه
لو مالقوا فارس يكمل الفريق بتلغى مشاركة فريق قطر بالكامل
راكان باستفسار شفاف: ومرتك؟؟
ناصر بذات الغموض: تنتظرني لين أرجع
هي مقدرة ظرفي وسامحة لي بنفسها
(أصلا هي ما تبي إلا الفكة مني
يا الله يا مشاعل
ليه كل ذا؟!
تقضين الليل كله في الحمام قرفانة مني
وش سويت عشان استحق منش ذا الجفا والكراهية؟!)
راكان يسأله: السباق متى؟؟
ناصر بهدوء: الليلة الساعة 8
راكان بقلق: بذا السرعة أنت مالحقت تتدرب مع الحصان اللي بتركبه
وخصوصا أنك أول مرة تركبه
ناصر بتطمين: عادي.. ثندر يعرفني عدل
راكان: ومتى بترجع؟؟
ناصر: السباق بيخلص بكرة على الظهر
بأرجع بكرة في الليل إن شاء الله
راكان بهدوء: خلاص بكرة الليل بأنتظرك في المطار
ناصر برجاء أخوي: زين راكان تكفى لازم تزورون حسن
حسن في المستشفى يده منكسرة
راكان بنبرة رجولية: أفا عليك بدون ما تقول.. هذا واجب
ناصر يتذكرشيئا: راكان هاك التذاكر وحجز الأوتيل.. أبيك تروح للسفريات تلغيها
راكان باستغراب: وليه ألغيها؟؟ باجله يومين ثلاثة..
ناصر بسكون: أنا ما أدري متى بنقدر نروح.. ألغ الحجز..
وإذا جينا بنسافر مرة ثانية.. سويت حجز ثاني إن شاء الله..
ثم ابتسم ناصر ابتسامة باهتة: أو أخذ الحجز لك أنت وموضي على خير
راكان بهدوء غامض: أنا وموضي إذا رحنا.. رحنا مكان ماحد راح له قبلنا
ناصر بتفكير وهو يتذكر حواره مع راكان عن موضي قبل فترة وجيزة:
إلا تعال قل لي يا أبو قلب ميت.. وش غير رأيك ونططك تبيها؟؟
وإلا عشان شفت خلاص إنها بتخلص العدة.. صحصح القلب الميت
راكان بذات الهدوء الغامض: على قولتك
************************
بعد صلاة الظهر
جناح فارس والعنود
فارس ذهب للصلاة ولم يعد بعد
العنود صلت وهاتفت أمها وشقيقتها
وهاهي أمام المرآة تتأنق
لا تريده أن يظن أنها تأنقت من أجله بعد صراخه اليوم عليها
ولكنها فعليا تفعل
جزء من أجل نفسها وإحساسها أنها عروس لابد أن تتأنق
من ناحية أخرى تتمنى أن تذهب لأهلها ..وإذا وافق تريد أن تكون جاهزة
ومن ناحية ثالثة: لِـمَ لا؟؟ فليراها جميلة ومتأنقة
وهاهي متألقة بل ومتألقة جدا
وهي ترتدي تنورة حرير طويلة مشجرة ضيقة وتتسع من أعلى الركبتين
مع كعب عالي وتوب (هاي نك) أسود سادة ملتصق بكم طويل
مع عدد من السلاسل الفضية النحيفة المختلفة الأطوال
وشعرها رفعته بشكل عشوائي وثبتت بعض خصلها الأمامية بمشابك فضية
ووضعت القليل من الزينة بشكل محترف
كانت تضع لمساتها الأخيرة على أحمر شفاهها حين دخل
اهتزت يدها
وكادت تلون ذقنها مع شفتيها
سلّم
ردت السلام بهدوء
جلس قريب منها
وهاهي انتهت وتريد القيام
ولكنها عاجزة عن القيام وهي تعلم أنه يراقبها بتفحص
(نفسي بس أفهمه
ليش يطالعني كذا؟؟
ليش غامض كذا؟!)
(ولِـمَ أنتِ جميلة هكذا؟!
وتتسلقين الروح بهذه الطريقة
لتنغرسي في أعمق أعماقها
لِـمَ يبدو كل شيء بجواركِ باهتا وكأنكِ احتكرتِ كل ألق العالم؟
ولماذا يؤلمني النظر إليك إلى هذا الحد؟!
لم أعلم مطلقا أن مجرد النظر قد يمزق الروح حتى عرفتكِ
ها أنتِ تجلسين كملكة متباعدة
تحكم ولا تعلم كم هو جائر حكمها
وكم هي ظالمة
وأنا أحد رعاياكِ ينتظر منك أن تنظري له بعين الرأفة والرحمة
انظري إلى
انظري إلي)
العنود مازالت تجلس في مكانها
وهو في مكانه
قرر أخيرا النهوض
اقترب منها
ينظر لوجهها في المرآة يعرف أنها ارتبكت من اقترابه
أنزلت عينيها وهو يقترب أكثر
وضع يديه على كتفيها
ارتعشت
همس لها: خايفة وإلا بردانة؟؟
العنود بخجل: لا هذي ولا هذي
فارس بعمق: زين ليش ترتعشين؟؟
العنود لم تجبه لكنها سألته بذكاء، بخجل ممزوج بالحزن:
وأنت ليش تعطي لنفسك حق حرمتني منه؟؟
فارس باستفسار: أي حق؟؟
العنود بذات النبرة الحجولة الحزينة: ليش حاط يدك على كتوفي؟؟
ليش تلمسني وأنت اليوم مصرخ علي عشان لمست وجهك
فارس صمت وهو يبتعد عنها ويعود للجلوس مكانه
ممزق هذا الشاب بين ضغط مشاعره العنيف
وعجزه عن التعبير عنه
واحتواء هذه الصبية التي فتنته حتى الثمالة
تنهدت العنود
(أبو الهول شكله ممكن يصير مشاعر وهذا ولا عمره بيحس)
وقفت العنود وهي تقول له بأدب رقيق: فارس ممكن أروح أشوف أهلي؟؟
فارس بهدوء واثق: خلاص العصر باسوي شيك آوت ونرجع للبيت
وأنا قلت لراكان يفتح خلاص الباب اللي بيننا وبين بيت عمي
روحي وتعالي على كيفش
***********************
الأردن
مدينة البتراء الأثرية التي أصبحت مؤخرا أحد عجائب الدنيا السبع
حيث سينطلق سباق التحمل الذي سيكون 120 كيلومترا على أربع مراحل
30 كيلو بين كل مرحلة ومرحلة
ينطلق من البتراء ليعود لها
الساعة السابعة مساء
تبقى ساعة على السباق
وهاهو ناصر يتفحص ثيندر بدقة فارس محترف
وهو يلبس جاكيتا ثقيلا فوق لبس الفرسان المعتاد
فالجو كان شديد البرودة
ولكنه مع بدء السباق لابد أن يخلع الجاكيت
كان المدرب يقف مع ناصر ويجاوب على أسئلته السريعة المحترفة بلغتهما المشتركة
ناصر: أشلون وزنه؟؟
المدرب: ممتاز
ناصر: وأكله؟؟
المدرب: المعتاد
ناصر باهتمام: ونبضات قلبه؟؟
المدرب: ماتعدت 58
ناصر بارتياح: ممتاز.. والتشغيل؟؟
المدرب: كالعادة.. وكان تمام
ناصر: والتفحيم؟؟
المدرب: 10، 30، 60، والأسبوع اللي فات 90
ناصر بذات نبرة الارتياح: ممتاز.. ممتاز جدا...وحوافره؟؟
المدرب: شحمناها خلاص
في سباقات التحمل.. قوة التحمل هي قوة تحمل الجواد لا الفارس
لذا في كل مرحلة تقاس نبضات قلب الجواد ويجب ألا تتجاوز 64 نبضة
وإلا أُخرج من السباق إلا في مراحل معينة وحسب نتائج المراحل السابقة
وقبل السباق لابد من تشحيم حوافره بزيت محترق حتى تحتمل حوافره الركض طوال هذه المسافة
وجواد سباقات التحمل يجب أن يكون وزنه متوسطا
أي لا يكون هزيلا ولا سمينا
ويجب أن يتم فحصه بدقة وأن يتناول طعاما صحيا ممتلئا بالأملاح التي تعوضه عن ما يفقده في السباقات الطويلة
وتدريبات سباق التحمل طويلة جدا وتستغرق أشهرا
أولها ما يسمى التشغيل وهو عادة 2 كيلومتر متنوعة ركض وحواجز وغيرها
ثم تليها التفحيم وهي إزدياد مسافات الركض قبل السباق المقرر
ناصر يربت على عنق ثيندر: ثيندر لا تخذلني أنا وحسن
نبي نرجع للدوحة بمركز متقدم
لكن ثيندر تراجع بعنقه وهو يصهل
ناصر عاد واحتضن عنقه وهو يقول: أدري إنك مشتاق لحسن
وكلها يومين ويرجعونك للدوحة وتشوف حسن
ثيندر اطمئن قليلا وكأن اسم حسن يطمئنه
************************
بيت محمد بن مشعل
بعد صلاة العشاء
عشاء نسائي أسري بمناسبة اجتماع العرائس
العروسان كانتا متألقتين ورائعتين
كل واحدة منهما بطريقتها الخاصة
وكل واحدة منهما كان لها أسبابها للتأنق
التي ليس من ضمنها إحساسها بالسعادة
مشاعل جعلت الزينة قناعا يغطي إحساسها بالحزن العميق
وإحساس آخر أعمق بدأ يكتم على روحها
القلق على ناصر
ولا تعرف لِـمَ هي قلقة هكذا!!
(لو كنت عارفة أنه بيسافر
كان سمّحت خاطره عشان مايروح وهو زعلان علي
ياويلي من عقوبة ربي.. ليه سويت كذا؟؟
لو كنت فهمته بالكلام إني خجولة واستحي
أكيد ما كان جبرني على شيء)
العنود أكثر تألقا لأنها ليست حزينة كمشاعل
ولكنها بالتأكيد ليست سعيدة
فهذا الفارس يبدو لها عصيا على الفهم
لا تعرف ماذا يريد أو كيف تتعامل معه
جاف جدا في التعامل
والأكثر غرابة هو كيف ينظر إليها
تشعر بحرج فعلي من نظراته المتفحصة غير المفهومة
التي تشعرها بقشعريرة باردة
العروسان كانتا تجلسان متجاورتين
كل منهما سارحة في أفكارها
فوجئتا بمن يفرقهما ويجلس بينهما:
البقية في حياتكم..ويجعلها آخر الآحزان
عسى ماشر ليش محزنين؟؟
صدق ماعندكم سالفة...لو أنا اللي ماخذه عيال خالي
فويرس المزيون الموت الحمر..وإلا نويصر فارس آل مشعل
كان ابتسامتي شاقة من هنا لين ماله مدى..بس صدق يدي الحلق للي بلا ودان
غصبا عنهما ارتسمت ابتسامة على شفتي كل منهما
ومعالي تهتف بمرح: وأخيرا ابتسامة.. أحمدك يارب
يالله مع أني قطعت ركبكم تقبيص البارحة بس أبي أقبص بعد مرة
بس بدون ما تشوفني عمتكم المعقدة تغسل شراعي
ولكن عمتهما كانت في وادٍ آخر
فنورة كانت على غير عادتها بها حزن ظاهر تحاول إخفاءه وهي تجلس في زاوية بعيدة لوحدها
هيا قامت وجلست جوارها: يمه وش فيش فديتش؟؟
نورة احتضنت كفها وردت بحنان: مافيني شيء يأمش؟؟
هيا بتفهم: يمه أنتي متضايقة عشان موضي خلاص بتخلص عدتها وتاخذ راكان؟؟
نورة بحزن: يمكن يكون سبب.. بس مهوب هو الأساس
هيا بحنان: قولي لي جعلني الأولة
نورة بحنان: إلا أنا الأولة جعل عمرش أنتي ومشعل طويل
ثم أكملت بحزن عميق وبهمس لا يسمعه سوى هيا فهي محتاجة للبوح:
موضي وراكان عيالي
وغلاهم كبير والله الشاهد
صحيح ما أقدر إني ما أحزن.. لكن موضي تستاهل اللي يعوضها في سوايا حمد فيها
الناس يشوفوني ساكتة.. يحسبون ما أدري بشيء
أنا دارية إن موضي صبرت على حمد واجد.. وغيرها مايصبر عليه حتى شهر وهي صبرت سنين
كل ماشفت أهلها يسألون عنها إذا تاخرت عليهم
دريت إنه مسوي فيها شوي
أروح لها ألاقيها تدسس وجهها مني عشان ما أشوف فعايله الشينة فيها
وياكثر مالاغيته وربي شاهد
وياكثر مازعلت عليه
لكنه كان يبكي عندي مثل بزر.. كان يموت فيها وروحه معلقة فيها
ويترجاني ما أقول لأحد شيء عشان مايجبرونه يطلقها
أدري إني غلطت.. بس هو كان يوعدني إن كل مرة هي أخر مرة
والأم ما تكذب عيالها ودايم كنت متاملة ينصلح حاله
لين طلقها.. حتى جابر دس علي السبب
بس أنا ماني بغبية.. وش طيحة الدرج اللي جات مع طلاقهم وسفره
الله يواجر موضي على صبرها
خلها تأخذ راكان يغسل كبدها من حمد وسواياه فيها
هيا كانت مصدومة تماما من سيل الأسرار الذي سكبته عمتها المكلومة أمامها
(معقولة هذا كله كان يضربها؟!
وش ذا الحيوان المتوحش؟!
يا قلبي يا موضي
يا كثر صبرش!!)
عمتها بهمس مؤلم: الحين أنا أحاتي حمد أحاتيه واجد
قلبي ماكلني عليه
ما كان يكلمني إلا مرة كل أسبوعين.. والحين صار له ثلاثة أسابيع ما كلم
والتلفون اللي هو يكلم منه بناتي طلعوه من الكاشف وندق عليه بدون فايدة
وش ذا الدورة اللي حتى جوال ماعنده؟؟
هيا بحنان: يمه عطيني الرقم... صديقتي مصرية وأبوها رجال واصل
بأخليها تطلع الرقم من وين طالع؟؟؟
**************************
بيت فارس بن سعود
جناح فارس الذي أعاد تجديده بالكامل
الساعة 11 ونصف مساء
العنود عادت مع أم فارس للبيت.. عبر الباب الواصل
صعدت لغرفتها
كانت تظن أن فارس لم يعد بعد..
خلعت عباءتها وعلقتها
(أنتي أشلون تلبسين كذا قدام الناس؟؟)
صوت غاضب اقتحم هدوءها
العنود بخجل وارتباك وهي تنظر لنفسها:
ليه وش فيه؟؟
كانت العنود ترتدي بنطلونا بنيا واسعا بقصة مستقيمة
مع بلوزة شيفون مشجرة باللونين الذهبي والبني مزمومة عند الخصر والكمين
وتحتها بروتيل باللون البني
مع حزام عبارة عن سلاسل ذهبية تنزل على الردفين بشكل مائل
فارس يقترب منها ويهمس بغضب مكتوم:
إلا وش اللي مهوب فيه
شفاف وبنطلون بعد
العنود ابتلعت ريقها وهي ترى وجهه الوسيم الغاضب من هذا القرب:
مافيه حد غريب بس هلي
ووالله لبسي مافيه شيء.. عادي
لا هو عاري ولا ضيق
فارس يتنهد ويقول بحزم: اسمعيني العنود
لبس مثل هذا ما تلبسينه عند ناس
لا هلش ولا غيرهم
وبنطلون نهائي ما تلبسين
العنود باستفسار ناعم بريء خبيث: ولا حتى عندك؟؟
صمت فارس
كيف أصبحت تحاصره ثم تنقض بشكل خاطف شفاف
(تمهلي يا صغيرة
تمهلي)
فارس لم يرد عليها وهو يعود أدراجه ليجلس في الصالة الملحقة بغرفتهما
العنود هزت كتفيها وهي تفهم رده من صمته
(يعني مايهون عليه يبرد خاطري بكلمة)
العنود تجاوزته لتذهب لغرفة النوم
ثم للحمام استحمت وصلت قيامها
وهو مازال معتصما بجلسته في الخارج
كانت العنود لبست ثوب الصلاة فوق روبها
الآن تريد أن تلبس
وقفت أمام دولابها
لم تعرف ماذا تختار
في الختام استقرت على ارتداء بيجامة ناعمة
فهذا الفارس العصي التفسير لاشيء يعجبه
لذا قررت أن ترتدي ما ترتاح له هي
بيجامة زهرية حريرية بتطريزات فضية ناعمة
بعدها أصابتها حيرة جديدة
تبقى في الغرفة أو تخرج لتجلس معه
ولكن حيرتها لم تطل
لأن صوت فارس ناداها من الخارج: العنود إذا خلصتي تعالي
فارس الذي كان يترقب حركاتها بدقة.. وكان يعلم أنها صلت وارتدت ملابسها
خرجت له بخطوات مترددة
ألقها يسبقها
وإحساسه العميق بها يغلف خطواتها التي تخطوها
(لِـمَ أنا معقد هكذا؟؟
وعاجز عن التعبير عن مشاعري بهذه الصورة)
وقفت
همس لها بهدوء: تعالي إجلسي
وهو يشير للمكان الخالي جواره
اقتربت بتردد وجلست
لم يعرف ماذا يقول..
( كل الكلمات باهتة بحضرتها
أ أقول لها أنتِ جميلة وهي فوق الجمال؟!!
أ أقول لها رائعة وهي فوق الروعة؟!!
أ أقول لها أحبها وما بقلبي لها هو شيء فوق الحب وأبجديات الغرام؟!
أ أقول لها اطلقي إساري وأنا أريد أن أبقى سجينها عمري كله؟!!
أ أقول لها لا تنظري لي لأن نظرة عينيك تذيبني؟!!
وفي ذات الوقت أ أقول لا تحرميني نعمة النظر إلى عينيكِ فعينيكِ مرسى روحي الهائمة؟!!
أي جنون يكتنفك يا فارس؟؟ أي جنون؟؟)
العنود بخجل: فيه شيء مضايقك؟؟
فارس باستغراب: لا
العنود بخجل أكبر وخداها يتوردان: أنا مضايقتك؟؟
انتفض قلبه بعنف وسؤالها الخجول يلسع قلبه وخداها المتوردان ينحرانه
لكنه رد بهدوء: لا.. ليش تقولين كذا؟؟
العنود تفرك أناملها وعيناها في حضنها.. تهمس بخجل رقيق:
من البارحة وأنت تطالعني وتسرح.. قلت يمكن شوفتي تذكرك بشيء يضايقك
فارس مد يده لذقنها
ارتعش فكها
وشعر هو بارتعاشتها وهو يرفع وجهها لأعلى
وعيناه تغرق في بحر عينيها
همس لها بعمق: ليه أنتي حلوة كذا؟؟
العنود بارتباك: نعم؟؟
لم يرد عليها لكنه اقترب منها أكثر
وهو يدخل كفه في شعرها من الخلف
ويقرب وجهها منه
حتى أصبح يتنفس أنفاسها العذبة من قرب
شفتاها ترتعشان
وهو عيناه تطوف بتفاصيلها
يقترب أكثر
رنين هاتف يقطع اللحظة الأخيرة
والعنود تنتفض وترجع للوراء
وفارس يسب ويلعن في داخله
(الله يأخذه من اللي بيتصل الساعة وحدة في الليل)
ألتقط الهاتف
شعر بالقلق وهو يرى اسم راكان يلمع على الشاشة
لو كان ناصر المتصل.. لما قلق.. فناصر اعتاد على مقالبه
لكن راكان لن يتصل في هذا الوقت إلا لأمر جلل
نهض وابتعد خطوتين..ورد بقلق: هلا
دون أن يقول الاسم حتى لا يقلق العنود
رد بقلق أكبر: الحين جايك جايك
العنود برعب: وش فيه فارس؟؟
فارس ربت على خدها وهو يقول بتطمين: مافيه شيء
الشغل طالبيني نص ساعة وبأرجع
لو بغيتي تنامين نامي
العنود بقلق: وش أنام؟؟ بأنتظرك لين ترجع
**************************
مجلس آل مشعل
حدود الساعة الواحدة بعد منتصف الليل
ذات الاتصال الذي تلقاه فارس
تلقاه كلا المشعلين
وهاهم الثلاثة يقفون أمام راكان
وأنفاسهم تصعد وتهبط
كان مشعل بن محمد أول من تكلم: راكان وش اللي صاير؟؟
ثلاثتهم يعلمون أن جمع راكان لهم بهذه الطريقة وفي هذا الوقت
ليس إلا لأمر كبير
أو مصيبة بمعنى أصح
راكان ابتلع ريقه وداخله يذوي وينهار بكل معنى الكلمة
ولكنه يتمسك ببقايا قوته التي تكاد تخونه.. فالألم بداخله أكبر من كل احتمال:
رئيس فريق ناصر توه كلمني من الأردن
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:39 AM
أسى الهجران/الجزء الثامن والستون
مجلس آل مشعل
حدود الساعة الواحدة بعد منتصف الليل
ذات الاتصال الذي تلقاه فارس
تلقاه كلا المشعلين
وهاهم الثلاثة يقفون أمام راكان
وأنفاسهم تصعد وتهبط
كان مشعل بن محمد أول من تكلم: راكان وش اللي صاير؟؟
ثلاثتهم يعلمون أن جمع راكان لهم بهذه الطريقة وفي هذا الوقت
ليس إلا لأمر كبير
أو مصيبة بمعنى أصح
راكان ابتلع ريقه وداخله يذوي وينهار بكل معنى الكلمة
ولكنه يتمسك ببقايا قوته التي تكاد تخونه.. فالألم بداخله أكبر من كل احتمال:
رئيس فريق ناصر توه كلمني من الأردن
مشعل بن محمد جلس.. يشعر أن قدميه تميدان تحته
لا يريد أن يسمع شيئا.. لا يريد أن يسمع
(ناصر..
لا يا ناصر.. لا)
كان هو أول من حمل ناصر بعد ولادته
حمله قبل أن تحمله أمه
كان هو ابن العشر سنوات من أخذه من يد الممرضة طبع قبلته على جبينه
ثم أعطاه لأمه
لم ينسَ يوما أن ذراعيه كانتا أول ذراعين احتضنتا ناصر
ابنا قبل أن يكون أخا
يريد أن يصم أذنيه.. لا يريد أن يسمع خبرا عن ناصر قد يمزق روحه
فارس شعر بيد هائلة تعتصر قلبه وهو يمسك بكتفي راكان ويهزه بعنف :
ناصر وش فيه؟؟
راكان بهدوء ساكن أشبه بسكون الموت: لحد الحين مايدرون
مشعل بن عبدالله باختناق: راكان الله يهداك قل لنا الرجّال وش قال لك عن ناصر
راكان جلس يشعر أنه عاجز عن الكلام.. عاجز عن التعبير.. عاجز عن الألم:
يقول إن ناصر تجاوز المرحلة الأولى في السباق
بس على نهاية المرحلة الثانية الحصان وصل بدون ناصر
*************************
قسم ناصر
مشاعل عادت من وقت من بيت عمها
استحمت وصلت
لكنها عاجزة عن النوم
قلق كاسح يلتهم روحها ويفتفتها
تشعر بضيق غير طبيعي
تشعر أنها عاجزة عن التنفس.. لا تستطيع سحب أنفاسها وزفرها إلا بجهد
تفتح نوافذ غرفتها
يدخل هواء شديد البرودة.. برودة يناير الصقيعية
يبدو كما لو أن كل نسمات الدنيا لا تكفيها
وكأن الأكسجين سُحب من كل العالم وتركوها تختنق
تضع يدها على قلبها وتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم
تدور في الغرفة دون أن تستطيع التوقف
ترى نفسها في مرآة الدولاب الضخمة
تقف لتأمل نفسها
تهمس:
(قال أني أحلى من كل أحلامه
ليش أنا ما أقدر أشوف قدامي إلا الكوابيس؟!!)
******************
مجلس آل مشعل
الاجتماع المآساوي
راكان جلس يشعر أنه عاجز عن الكلام.. عاجز عن التعبير.. عاجز عن الألم:
يقول إن ناصر تجاوز المرحلة الأولى في السباق
بس على نهاية المرحلة الثانية الحصان وصل بدون ناصر
حينها قفز مشعل بن محمد وهو يقول بألم صارخ عميق:
أشلون الحصان وصل بدون ناصر؟؟ أشلون؟؟
وناصر وينه؟؟ وش صار عليه؟؟
راكان يحاول أن يكون أكثر الثلاثة تماسكا.. والثلاثة يمطرونه بأسئلتهم الغاضبة المشبعة قلقا وحزنا:
رئيس فريقه يقول إن المنطقة اللي ناصر انفقد فيها دائرة قطرها 30 كيلو
وعلى الفجر بالكثير بيلاقونه وخصوصا أنه وزير داخليتنا صار عنده خبر
واتصل بوزير الداخلية الأردني وطوافات الجيش الأردني بدت بمسح المنطقة
يعني كلها كم ساعة إن شاء الله ويلاقونه.. بس فيه شيء أخطر..
ولازم أحطكم في الصورة
صمت راكان لحظات مؤلمة أشبه بشفرات حادة تمزق جسده وروحه:
يسار الحصان من ناحية الرِكاب غرقان الدم
ثم تنهد وهو يزفر حسرته وينظر للوجوه الثلاثة المرتاعة المفجوعة من الخبر:
الظاهر إن ناصر طاح ورجله اليسار متعلقة في الركاب.. والحصان سحبه لمسافة قبل يطيح
فارس بفجيعة: أشلون أشلون.. ناصر طول عمره فارس
راكان بحزن موجع: الحصان مهوب حصانه.. ومابعد يدرون شالي صار
أنا طلبت من مندوب السفريات في الديوان يحاولون يدورون لي حجز مستعجل.. وبأطلع لعمّان الفجر
وعشان كذا دعيتكم أبي أحط عندكم خبر قبل أروح..
(وأنا معك)
الجملة ذاتها صدرت من الثلاثة المستمعين بوجع في ذات الوقت
وجع مشترك وقلق مشترك
وكلاهما لا امتداد لهما ولا نهاية
راكان بهدوء مر: مايصير نروح كلنا..خلاص يروح معي واحد منكم
واثنين يقعدون في الدوحة
الثلاثة بدأوا في الجدال من منهم سيذهب
ولم يستطع أحدا منهم مجاراة إصرار فارس وتصميمه:
شوفوا أنا ماعلي منكم ..اثنين يروحون.. اثنين يقعدون.. بكيفكم
لأني رايح رايح... مستحيل أقدر أقعد وأنا ما أدري ناصر وش فيه
***********************
بعد نصف ساعة
غرفة لطيفة
لطيفة منذ خروج مشعل بعد الاتصال المفاجئ
وهي تدور في الغرفة قلقا وارتياعا حتى عاد
لطيفة بقلق مر: مشعل عسى ماشر؟؟
مشعل ألقى بنفسه على الأريكة وهو يرمي غترته جواره ويقول بحزن عميق:
لطيفة تكفين لا تسأليني عن شيء
لطيفة جلست جواره وهي تقول بقلق أكبر:
مشعل أنت اللي تكفى.. عمري ما شفتك كذا
إلا .. إلا...
صمتت بمرارة وهي تكمل في داخلها
(عقب وفاة جدي)
مشعل لم يرد عليها وهو يدفن رأسه في صدرها ويهمس بألم حاد:
الله لا يجيب إلا كل خير
الله لا يفجعنا
يا الله لا تفجعنا
لا تفجعنا
************************
غرفة مشعل وهيا
ذات الاستقبال القلق من هيا
ذات الوجع المستشري في وجه وقلب مشعل
هيا بقلق: حبيبي شاللي صار؟؟
مشعل يلف غترته على وجهه (يتلطم) ويتمدد على سريره
آخذا بمقولة عجائزنا الأثيرة :" إذا كثرت همومك يا عبدي فانسدح"
وهو يهمس لهيا بمرارة: الله يستر من اللي بيصير
*******************
غرفة فارس والعنود
فارس دخل وهو مستعجل
العنود قفزت وهي تقول برعب: فارس وش فيه؟؟
فارس باستعجال: مافيه شيء حبيبتي
قال (حبيبتي) بعفوية
لم ينتبه لها
ولكنها انتبهت لها تماما وكلمة حبيبتي تخترق روحها كسهم ناري
كانت تقف مصدومة مبهوتة
حتى رأته يمد قامته الطويلة وينزل حقيبة صغيرة من أعلى الدولاب
حينها انتفضت: وش تسوي؟؟
وضع الحقيبة على السرير.. فتحها.. وبدأ يضع فيها بعض الملابس بسرعة
العنود برعب: بتسافر؟؟
فارس باستعجال: جات لي سفرة مفاجئة من الشغل ولازم أسافر
العنود بتأثر كبير: وش سفرته؟؟ من جدك؟؟
فارس أكمل وضع ثيابه في الحقيبة.. وأغلقها
ثم ألتفت لها وهو يقول بهدوء واثق: خلي بالج من نفسش ومن أمي
وأنا ماني بمبطي عليكم
شغلة يومين وراجع
العنود شعرت بإهانة مرة:
لذا الدرجة فارس.. شغلك أهم مني
تسافر ثاني يوم لعرسنا
فارس نظر لها بعمق
لم يرد عليها
وهو يفتح أحد الأدراج ويستخرج جواز سفره ويضعه في جيبه
ويحمل حقيبته ويغادر
***********************
غرفة مريم
بعد صلاة الفجر
لم يعلموا بعد بسفر راكان الذي لم يخبر أحدا به
صلت وجلست تقرأ وردها
كانت قد نهضت من نومها قبل الفجر بكثير
أنهضها من نومها هواجيس ضيق غير طبيعي
استعاذت بالله من الشيطان الرجيم
وحاولت العودة للنوم لكنها لم تستطع
فالهواجس تزداد.. هواجس لا تستطيع توجيهها لجهة محددة
ولكنها تزداد وتتكاثف وهي تخنق روحها بالقلق
(يا الله سترك
ليه قلبي ناغزني كذا
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)
ثم وضعت يدها على قلبها الذي بدأ يؤلمها بالفعل وهي تهتف بعمق:
أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر
أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر
أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر
*************************
مطار الدوحة الدولي
بعد صلاة الفجر
الطائرة تقلع براكان وفارس الصامتين
لأن قلقهما أكبر من كل كلام.. أي فائدة للكلام؟!
بل أي كلام يُقال وهما لم يعرفا بعد ماهو وضع ناصر
ناصر الأخ
السند
الروح الشفافة
الرجولة العميقة
القلب الذي لم عرف التلون أو الحقد
عريس جديد مازال لم يتهنأ بزواجه
شاب متدفق الشباب مازالت كل الحياة أمامه
ابن لأم ولأبين اثنين ينتظرونه.. وشقيق لأختين تعشقانه
وأخ لأربعة شباب ماعرفوا اكتمال البهجة من غيره
حطت الطائرة في مطار الملكة علياء الدولي في عمّان مع شروق الشمس
وفور نزول راكان وفارس وفتحهما لتلفوناتهما المغلقة
انهالت عشرات الرسائل من مشعل ومشعل المستنزفين قلقا
يطلبان منهما اطمئنانهما فور وصولهما
بعد انهائهما لإجرائاتهما وخروجهما للخارج
صدمهما برودة الجو اللاسعة غير الطبيعية
وتواجد زخات خفيفة من الثلج
بالتأكيد لم يهمهما مطلقا إحساسهما بالبرد ولكن ماكان يشغل بالهما ويثقل أرواحهما ويمزقهما
هو التفكير بمن قضى ليله كله مرميا في مكان ما مصابا ينزف في هذا الجو الجليدي
أشارا لسيارة أجرة وطلبا منه التوجه للسفارة القطرية
واتصل راكان برئيس فريق ناصر ليطمئن
راكان يصرخ بانفعال: أشلون مالقوه للحين
أنت قايل لي قبل الفجر إن شاء بيلاقونه
خلاص خلاص أنا جايكم الحين
فارس بغضب مشابه: ما لقوه؟؟
راكان بمراره: لا
ثم توجه للسائق بالكلام: ممكن تاخذنا للبتراء لو سمحت..
خلاص غيرنا رأينا مانبي السفارة
سائق التكسي بتهذيب مهني: آسف يا أخوان
أنا بقدرش أطلع برات عمان
لكن ممكن أخدكم لمكان تاخدوا منه سيارة للبترا
راكان كأنه يحادث نفسه: توكل على الله
**************************
الدوحة
الساعة 8 صباحا
لطيفة تعود لغرفتها بعد أن ذهب أولادها لمدارسهم
ولامتحاناتهم
لتطمئن على مشعل الذي تعلم أن وراءه مصيبة
فهو لم ينم مطلقا منذ البارحة
ذهب لصلاة الفجر وعاد.. ولم يذهب لشركته
ولا يتكلم إلا في أضيق الحدود
يحتضن هاتفه الذي يتصل منه كل خمس دقائق وليس على لسانه سوى كلمة واحدة:
ليتني رحت معهم
لطيفة أعصابها شبه منهارة
تعلم أن هناك مصيبة ما وأن أحد ما حصل له أمر مرعب
لكنها لا تجرؤ على السؤال
الذي تخاف حتى الموت من جوابه
**********************
الساعة الثامنة والنصف صباحا
مشاعل تتلقى اتصالا من مشعل الذي لم ينم أيضا مطلقا
شعر مشعل أن من واجبه أن يبلغ أخته مبدئيا
حتى لا تُصدم بحدوث أي شيء
أو قبل أن يبلغها غيره ويفجعها بطريقة مفاجئة
اتصل بها.. كانت هي أيضا تعاني أرقا مريعا
نامت على أثره نوما متقطعا مليئا بالكوابيس
وقامت مرعوبة على صوت هاتفها
وطلب مشعل أثار قلقها لأبعد حد
قامت ولبست وصلت ركعتي الضحى وهاهي تنتظره
وهاهو يطرق باب بيتها عليها
مشاعل فتحت بقلق: عسى ماشر يا مشعل؟؟
مشعل بابتسامة باهتة لا معنى لها: الواحد مايصير يسير على أخته يتقهوى معها الصبح
مشاعل نظرت لوجهه الذي يبدو عليه الارهاق والألم
ليس وجه من جاء للتسامر والقهوة ولكنها ابتلعت ريقها وهي تقول:
دقايق والقهوة جاهزة
مشعل أوقفها وأمسك بيدها: اقعدي مشاعل أبي أقول لك شيء
مشاعل شعرت أن دقات قلبها تصم أذنيها.. وعروق رأسها بدأت تألمها من شدة النبض وهي تهمس بألم: ناصر وش فيه يا مشعل؟؟
مشعل باستغراب وألم: وش دراش إني أبي أكلمش عن ناصر؟؟
مشاعل بألم أكبر: من يوم سافر وقلبي ناغزني عليه
مشعل بذات النبرة المستغربة المتألمة: غريبة إحساسش فيه وأنتي رافضته!!
مشاعل بألم: أرجوك مشعل لا تذر ملح على جروحي أنا ماني بناقصة
مشعل يتنهد: اسمعيني مشاعل.. إن شاء الله إنه ناصر مافيه شيء
مشاعل بدأت أعصابها تخونها: مشعل أنت جايني ذا الحزة ووجهك باين عليه إن النوم ماطب عينك.. عشان تقول لي إنه مافيه شيء؟؟
أرجوك مشعل بلاه ذا التعذيب البطيء.. كنك تقطعني بسكين مصدية
مشعل تنهد بعمق أكبر: يمكن إنه متعور عوار بسيط
مشاعل قفزت وهي تقول برعب: متعور؟؟
ثم أكملت وهي تحاول التجلد ودموعها بدأت تسيل بصمت وهي تقول بمرارة:
كله مني.. كله مني.. أنا عارفة إنه السالفة كايدة
كله مني.. ومن وجهي النحس عليه
ليته ماخذني.. ليته ماخذني
مشعل شدها وأجلسها وهو يقول لها بحنان:
الله يهداش مشاعل
قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا
وناصر لو صار له شيء مكتوب له من قبل يولد
مشاعل ماعادت تحتمل انهارت على الأرض جوار مشعل انكبت على فخذه تخفي وجهها فيه و تنتحب:
بس الله سبحانه يسبب الأسباب.. وأنا السبب
أنا السبب
**********************
القاهرة
الساعة 10 صباحا
باكينام تصحو من نومها.. تتذكر مكالمة هيا المتأخرة البارحة وطلبها منه
تلتقط هاتفها وتتصل برقم: صباح الخير أنكل أحمد
................
كويسين.. أنته أزيك؟؟
................
بابا في نيويورك وهيرجع بكرة بالليل إن شاء الله
................
ممكن أطلب من حضرتك خدمة
................
فيه نمرة أرضي.. هاديها لك.. عاوزة أعرف النمرة دي من فين بالزبط
................
نص ساعة وتطلع لي صاحب النمرة... متشكرة أوي يا أنكل
خذ النمرة ..............
....................
مستنياك
باكينام نهضت واستحمت ولبست ملابسها لتخرج مع جدتيها كما اعتدن كل يوم..
وهي تدعو أن يكون يوسف مصابا بأنفولونزا حادة أو أن ينشغل بشيء يمنعه من مرافقتهن..
مع إنتهاءها.. كان هاتفها يرن..
التقطته: أهلا انكل
..................
مصحة نفسية ؟؟؟ (باستغراب)
..................
نمرة تتصل بس ما تستئبلش؟؟ (استغراب أكبر)
.....................
طيب ممكن تديني اسم المصحة؟؟
......................
متشكرة أوي يا أنكل.. مش عارفة أشكرك إزاي..
باكينام أغلقت الاتصال لتتصل بهيا
وقتها هيا كانت تعاني قلقا مرعبا من خروج مشعل المبكر
دون أن يخبرها إلى أين سيذهب مع حالته الغريبة المتوترة منذ البارحة
ردت بصوت متعب: أهلا باكي..
باكينام بمرح: مالك يا بنت..
هيا بنبرة متعبة: مافيه شيء تعبانة شوية
باكينام بهدوء: يبئى خلاص مش هاطول عليكي
النمرة اللي اديتيها لي امبارح.. نمرة مصحة نفسية اسمها......
هيا باستغراب كبير: مصحة؟؟؟
لكنها فكرت للحظات.. مؤكد أن ضربه لموضي لم يكن طبيعيبا
ربما كان مريضا.. وكان ذهابة لمصر للعلاج
لم تعرف كيف تتصرف لا تريد إبلاغ عمتها أنه يعالج
ولكنها تريد أن تطمئنها عليه
هتفت لباكي: باكي حبيبتي ممكن تروحين هناك وتسألين عن واحد قطري
اسمه حمد جابر... وتطمنيني عنه..
هذا ولد عمتي... وعمتي كثير قلقانه عليه..
رغم إحساس باكينام بالحرج وخصوصا مع وضعها المفروض عليها غصبا عنها كسيدة متزوجة
ويوسف يطالبها بتقرير مبطن مهذب عن كل تحركاتها
لكنها أجابت: ومالو...هاروح أول ما لائي فرصة..
وأكملت في نفسها (وخلي يوسف يتفلئ)
*************************
البتراء الأردنية
الساعة العاشرة صباحا
راكان وفارس يصلان إلى فندق الموفنبيك حيث ينزل الفريق القطري
الذي رفض بكامل أفراده إكمال السباق
أو التحرك حتى يجدوا ناصر
كان الفريق بكامله يجلس في اللوبي يعانون قلقا مرا ينتظرون أي خبر
ومع دخول راكان وفارس كان الفريق كاملا يركض للخارج
رئيس الفريق الذي يعرف راكان وفارس جيدا
أمسك بيد راكان بدون سلام وهو يسحبه معهم للخارج ركضا:
يالله...لقوا ناصر.. بنروح الحين مع هيلكوبتر للجيش بتتبع الطوافة الطبية
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:44 AM
أسى الهجران/ الجزء التاسع والستون
على متن طائرة مروحية تابعة للجيش الأردني
تطير بالقرب من مدينة البتراء الأثرية
الساعة 11 صباحا
تطير المروحية في الجو.. تحمل قلوبا مرتاعة ينهشها القلق المسعور بوحشية
تتضخم مساحات القلق وتتضاعف لتلتهم ما بقي من الصبر والتجلد
ذلك الأثير الغالي المتخم برائحتهم وعبقهم.. فارسهم الثمين الموغل بهاءً ورجولةً
على أي حال هو؟؟
كيف قضى ليلته في هذا البرد القارص الجليدي؟!
ما مدى سوء إصابته؟!
هل هي قابلة للعلاج؟!!
مئات الأسئلة الموجعة دارت في أذهان أتعبها السهر والسهد والقلق
أسئلة تنتهك الروح بشراستها وهي تمزق كل الأغلفة لتغوص في العمق
راكان بقلق: زين ليش تأخروا ذا كله مالقوه؟؟
رئيس الفريق بتأثر: يظهر إنه سحب نفسه داخل غار من البرد
عشان كذا الطوافات ماقدرت تشوفه
اللي لقوه الطواقم البرية التابعة للصاعقة لأنهم تتبعوا الأثر على الأرض
فارس بقلق مر: زين أشلون وضعه؟؟
رئيس الفريق بحزن فيه إحساس متعاظم بالندم:
يقولون لقوه واعي.. بس الظاهر عنده إصابة خطيرة
ألم حاد اجتاح روحي فارس وراكان كطوفان مرارة هادر.. ودعوات عميقة تتصاعد في قلب كل منهما أن يكون الأمر بسيطا
أو على أسوأ الاحوال قابل للعلاج.. حتى وإن طالت فترة المعالجة هذه..
لم تستغرق الرحلة عشر دقائق ولكنها بدت عشر سنوات لكل منهما
حرقة وألما ولهفة وقلقا
نزلت الحوامتين العسكرية والطبية معا
والعشرات ينزلون من كل طوافة في مكان صحراوي جبلي كان يتجمهر به الكثير من لابسي لباس الصاعقة الأردنية
الذين لم يحركوه من مكانه خوفا من أي مضاعفات صحية..انتظارا لحضور المساعدة الطبية
راكان وفارس بجسديهما الفارعين استطاعا اختراق الحشود المتجمهرة
حتى وصلا إلى ناصر
كان كل منهما يمني نفسه أن مابه شيئا بسيطا يستطيع ناصر بصلابته وقوة بنيته تجاوزه
ولكن رؤيتهما لوضع ناصر حطمت هذه الآمال بقسوة سادية
وبعثت قشعريرة متوحشة في خلايا كل منهما
كانت ملابسه ممزقة وبه إصابات مختلفة في نواحي جسده
ولكن كل هذا لا يهم.. لا يهم أمام إصابة ساقه اليسار
تمزق اللحم تماما والعظم محطم ومفتت من عدة نواحي ومابقي من الجلد حولها مزرق تماما
كان ناصر يفتح عينا ويغلق الأخرى.. والألم لا يمكن احتماله
لكنه حين رأى راكان وفارس بوجيهما المرتاعين المأساويين
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يقول: عريس جديد وخاطب جديد وش جابهم..
الله يهداكم مافيني شيء.. جايين عانين من الدوحة
الشباب يكفون ويوفون
فارس وراكان لم يستطيعا التكلم بشيء والكلمات تصبح باهتة وتافهة وحقيرة
وأي مواساة أو تشجيع يتسربلان بالضآلة أمام عظم الموقف
ابتعدا مجبرين بصدمتهما الهائلة في وجعها وألمها
والمسعفون يبعدونهما ليبدأوا بإعداد ناصر لنقله
***********************
عمّان/ الأردن
مدينة الحسين الطبية
الساعة 3 عصرا
ناصر في غرفة العمليات
فارس وراكان وفريق ناصر بجميع أفراده كلهم ينتظرون في الخارج
خرج الطبيب وهو يسأل إن كان يوجد أحد من أقاربه
قفز راكان وفارس بقلق
وتوجه الطبيب لهما وهو يقول بهدوء: اتبعوني
الطبيب أخذهما لمكتب قريب ودخل وأغلق الباب وطلب منهما الجلوس
توتر راكان وفارس تصاعد للذروة
الطبيب أنزل كمامه وهو يقول بنبرة مهنية تماما:
أنا حابب أحطكم بالصورة
المصاب خليتو وراي صاحي و أعطى موافقته النهائية
راكان بهدوء متوتر: موافقته على ويش؟؟
الدكتور بهدوء: بتر الساق Transtibial
منذ أن دخل راكان وفارس لمكتب الدكتور وهما يعلمان أن وراءه خبرا مفجعا
ولكن ليس هذا الخبر.. ليس هذا!!!
لـــيــــس هــــــــذا!!!!
لـــــــــــيـــــــس هـــــــــــــــذا؟؟!!!!
كان الاثنان كما لو كانا يقفان بصدريهما العاريين في مواجهة إعصار قادم
يعلمان أن الإعصار قد يقذفهما بعيدا
قد يحملهما ويلقيهما أرضا بكل قسوة
ولكنه لم يخطر ببالهما أن يكون الإعصار محملا بشهبا نارية تخترقهما بكل وحشية
وخبر البتر ينزل على رأسيهما ليخترق الجلد والعظم ثم يذيب اللحم
فارس قفز وهو يقول بحدة وغضب موجعين: مستحيل مستحيل
راكان أشار بيده لفارس أجلس وهو يقول للدكتور وهو يبتلع ريقه وألمه ووجعه وصدمته: مافيه حل ثاني؟؟
الدكتور بنبرة هادئة منطقية: هذا الحل الوحيد وللعلم المصاب وراي هادئ تماما ومتقبل العملية
ولعلمكم أنتو مكان البتر الآن مثالي تماما لأنه في منتصف الساق وأقرب للكاحل
لو تُرك قد تتصاعد الغرغرينا أكثر .. ومادام البتر لم يصل للركبة فالبتر بسيط
أعرف أنو صعب عليكم تقبل الأمر وأنا أقول كلمة بسيط
لأنو ثقافتنا القاصرة ووعينا المحدود تصور أنو فاقد أحد الأطراف بمثابة المعاق
وخصوصا إنو الأخ ناصر بطل سباقات خيل.. لكن أنا أأكد لكم وبمهنية كاملة
وأنا أصلا تخصصي الدقيق في الأطراف الصناعية
أنه ناصر بعد أسبوع واحد من تعوده على الساق الصناعية يستطيع العودة لركوب الخيل بنفس المهارة إن شاء الله... وخصوصا أنه أيمن وليس أيسر
بل يستطيع إن أراد أنو يغير لرياضة أصعب كالسباحة أو حتى تسلق الجبال
ومستحيل حدا لو شافه يمشي أو حتى يركض يعرف إنو عنده ساق صناعية
فارس وراكان صامتان.. فهناك ألم مر متوحش يتصاعد في أرواحهما.. ولكنها روح آل مشعل المقاتلة..
يعلمان تماما أن ناصر يستطيع تجاوز كل هذا ..وإذا كان هو يستطيع فليحاولا هما رغم صعوبة المحاولة..
الدكتور يستكمل حديثه: الأطراف الصناعية الآن تعيش ثورة تطور حقيقية
فالأطراف تصنع من الجبس البلاستيكي المعالج بالألياف البلورية، خفيف جدا ومرن وقادر على التحمل
واحنا هلا بناخذ قياس ساق الأخ ناصر وبنبعثها بالإيميل لأفضل معمل لصنع الأطراف الصناعية اللي بيصنع الأطراف للاعبين الرياضيين
وخلال ثلاثة أيام بتكون واصلة.. وبعد التئام الجراحة يقدر يبدأ يستخدمها
وفيه تعليمات محددة بدي قولها لكم في وقتها
ثم ابتسم الدكتور وهو ينظر لوجهي راكان وفارس المرتاعة:
يا أخوان أكيد أنكم بتعرفوا خالد حسن السباح المصري المعروف
هذا حالته نفس حالة ناصر بتر في الساق اليسرى... بساقه الصناعية عمل إنجاز عالمي ولا قدر عليه حتى أصح الأصحاء
عبر بحر المانش الواصل بين فرنسا وبريطانيا 52 كيلو سباحة في 12 ساعة... تخيلوا معي هذا الانجاز المعجز...
وما بعرف لو كنتو بتعرفو إيمي مولي.. هذي بطلة جري أمريكية.. سيقانها الاثنتين صناعية..
لا وكانت تشتغل عارضة أزياء كمان.. تخيلوا.. بطلة جري وعارضة أزياء برجلين صناعية..
ريان مارتن كان من أفضل لاعبي التنس في العالم وهو بأطراف صناعية..
هادي مجرد نماذج.. ولو بدي أحكي أكتر بأتعب... أنا شايف أنو الاخ ناصر ماشاء الله عليه كثير متقبل..
عنده إيمان وعزم وتصميم.. فلازم أنتو كمان تساعدوه.. هاه شو بتقولو؟؟
فارس صمت وهو يخفض عينيه للأسفل.. فمازال غير قادر على التخيل
عاجز عن تخيل رؤية ناصر بعد العملية بدون ساقه
أي ألم هذا؟!!
أي ألم؟؟
أ يعقل أن هناك ألم كهذا؟!!
راكان بحزم: دام ناصر موافق... توكل على الله
وناصر رجّال طول عمره... وعمر المرجلة ماكانت في يد وإلا رجل
مرجلة الرجّال في رأسه... وأنا أشهد إن أبو محمد رجّال
************************
بعد صلاة العصر
مجلس آل مشعل
مشعل ومشعل أصبح عندهما خبر بما حدث لناصر
وبأن ساقه ستبتر
وأصبحت المهمة الصعبة إبلاغ والديهما
والمهمة الأكثر صعوبة في إبلاغ أم ناصر وشقيقاته وزوجته
كان مشعل بن محمد من اضطلع بالمهمة العسيرة ولكنه قرر أن يقوم بتمهيد مبدئي وألا يخبرهما بخبر البتر بشكل صادم
تنهد بعمق ثم قال: يبه.. يبه عبدالله
عندي شي بأقوله لكم
محمد ألتفت له بهدوء: عسى ماشر؟؟
مشعل بهدوء رغم ألمه العميق: ناصر انصاب في السباق اللي في الأردن
وإن شاء الله إنها بسيطة
عبدالله برعب: وشو؟؟
محمد بذات الهدوء: أشلون بسيطة؟؟ كسر وإلا جروح وإلا أشلون؟؟
مشعل ابتلع ريقه ليقول بذات هدوء الده وطريقته في الكلام: إذا جاء إن شاء الله شفت بروحك
محمد وقف بحدة وهو يقول بغضب: إذا جا؟؟ والله إن وراك علم يا مشيعل
قم روح احجز لي الحين للأردن أول طيارة بتطلع.. أبي أروح الليلة
مشعل بألم: يبه الله يهداك.. أنا أصلا بأروح مافيه داعي تروح... راكان وفارس هناك من فجر
وبأروح أنا ومشعل
عبدالله كان من رد بغضب مضاعف: يعني راكان وفارس هناك من فجر.. وتبي تقول لنا إنها بسيطة
احجز لي مع أبيك الليلة
مشعل بن عبدالله كان من رد على والده وهو يقول بعمق: يبه
مايصير كلنا نروح.. ونخلي البيوت فاضية
عبدالله بغضب: انطق أنت وسميك.. وأنا ومحمد بنروح
بتحجزون لنا.. وإلا أنا بأروح أحجز لنا بروحي ذا الحين
مشعل ومشعل وجدا أنهما الخاسران في هذا الجدال
وأنهما مضطران للبقاء رغم النار التي تستعر في جوف كل منهما
ووجدا أنهما مضطران للانتقال للمرحلة الثانية الأصعب
مشعل بن محمد يبلغ والدته وشقيقتيه
ومشعل بن عبدالله يبلغ مشاعل
مشعل بن محمد باحترام: خلاص ولا يهمكم باروح أحجز لكم
بس خلني أروح لأمي أول وعقب بأطلع السفريات
وتوجها كلاهما لداخل بيت محمد بن مشعل
مشعل بن محمد لداخل البيت
ومشعل بن عبدالله لقسم أخته
**************************
بيت محمد بن مشعل
الصالة الرئيسية
مشعل اتصل بالعنود وطلب منها الحضور
فليس لديه استعداد لتقبل صدماتهن متفرقة
وهاهن الثلاث ينتظرنه وهن قلقات متوجسات من طلبه لهن بهذه الطريقة
العنود تهمس لمريم: مشعل ماقال لش وش يبي؟؟
مريم بذات الهمس: لا والله.. يا الله سترك أنا قلبي ناغزني من البارحة
أمي أشلونها؟؟
العنود تهمس: وجهها معتفس.. يالله سترك
وهما في حوارهما دخل مشعل يحاول التجلد.. أكثر من يهمه والدته
عاجز عن صدمها.. يتمنى لو كان بإمكانه حمل الحزن.. كل الحزن عن قلبها
هو قادر على تحمل الحزن.. ولكن هي أم.. قلبها قلب أم
وآه من قلب الأم!! وألف آه !!
مشعل سلّم ثم جلس جوار أمه .. احتضن يدها وقبلها طويلا
ثم أبقاها بين يديه وهمس بإيمان عميق: يمه.. صح المؤمن مبتلى؟؟
أم مشعل منذ طلب مشعل أن يراها وهي وبناتها وهي تشعر بتوجس مريع
والآن بعد جملته المموهة بدأ رأسها يدور ويدور وقلبها بدأ تمزق حقيقي يحرث خلاياه طولا وعرضا
نزفت كلماتها الموجعة:
من هو منهم؟؟
راكان وإلا ناصر؟؟؟
ثم صمتت للحظة وهمست بألم أكبر: حي يرجى وإلاَّ ميت يبكى؟؟
مشعل باستنكار رقيق: إلا إن شاء الله حي.. حي.. والثنين جايينا قريب ومافيهم إلا العافية
بس ناصر فيه عوار.. بسيطن إن شاء الله
أم مشعل بألم متوحش ودموعها بدأت تسيل بصمت لتغرق برقعها: وجهك ما يقول بسيط يأمك
الحمدلله على كل حال.. لا سلم لي رأسه ما أبغي شيء...
ما أبغي إلا شوفت وجهه
مشعل بهدوء حذر: وإن شاء الله إنش بتشوفين وجهه
وأي شيء ثاني هو ابتلاء من رب العالمين.. والمؤمن الصابر عند الله خير
العنود ومريم كانتا مفجوعتان تماما.. فهما كانتا متأكدتان أن ما بناصر أمرا جللا
وإلا ما كان مشعل جمعهن بهذه الطريقة.. والعنود تنقل لمريم أن وجهه يبدو عليه الكثير من الألم والأسى
ولكنهما صمتتا.. بما أن والدتهما تقبلت مبدئيا الخبر وتصبرت
فهما لا تريدان فجعها بالاستفسارات من مشعل أمامها
مشعل وقف.. حين وصل للباب نادى العنود
العنود باحترام مغلف بالحزن: لبيه فديتك
مشعل بهدوء: العنود دام فارس عند ناصر.. أبيش ترخصين من أم فارس
وتجين تقعدين عند أمي لين يرجعون الشباب من الأردن
العنود بصدمة: فارس عند ناصر؟؟
مشعل هز رأسه وخرج
وشعوران يتصاعدان في روح العنود
قلق مرعب على ناصر لأنها تعلم أن ذهاب فارس إليه بهذه الصورة المفاجئة ليس إلا لأن إصابته خطيرة
وغضب كاسح على فارس لأنه أخفى عليها سبب سفره الفعلي وإصابة ناصر
ولكنها عادت للجلوس بجوار والدتها
التي وقفت وقالت بجمود: أنا بأروح لحجرتي
ما أبي حد منكم يجيني
العنود برجاء: بس يمه....
لم تسمح لها أم مشعل بإكمال جملتها وهي تنسحب.. تنسحب لتهرب بأحزانها
لتدعو ربها ألا يفجعها.. ويعيده لها ولأحضانها
قد يقولون عندها ثلاثة أبناء.. لو مهما حدث لواحد
تبقى اثنان يعوضانها الوجع والألم
ويا جهل من يقول ذلك!! يا جهله!!
قد يكونون عشرة.. وكأنهم واحد
كل واحد منهم لفراقه ألم يمزق نياط القلب
ولألمه وجعا لا يشعر به أحدا مثلها
ولوجعه في روحها امتدادات السماء ورحابة الأرض
***************************
ذات الوقت
بيت ناصر
بيت الزوجية الـمُفترض
مشعل يصل لمشاعل
مشاعل لم تغادر بيتها مطلقا منذ مجيء مشعل لها صباحا
وهاهو يعود لها بعد ساعات
فأي خبر جديد يحمل؟؟
بل أي خبر مفجع؟؟
كان وجهها متورما من البكاء.. وعيناها ذابلتان
منذ غادرها مشعل وهي تبكي
مشعل جلس جوارها واحتضنها
عادت للبكاء على صدره.. بكاء خافتا موجعا ..مشعل احتضنها وهو يقول بحنان: مشاعل يا قلبي أنتي إنسانة مؤمنة ومصلية
واللي تسوينه في روحش غلط...ليش ذا البكاء كله؟؟؟
مشاعل همست بألم ورأسها مختبئ في صدر شقيقها:
تكفى مشعل قل لي أنه حي بس..
ما أبي شيء ثاني.. والله ما أبي شيء ثاني
تكفى لا تفجعني
مشعل بنبرة خاصة مشبعة بالحزن: أكيد إنش ما تبين شيء ثاني وحياته تكفيش؟؟
مشاعل رفعت رأسها وهي تقول بثقة رقيقة:
والله ما أبي شيء.. أبيه حي وبس
مشعل ابتسم ابتسامة باهتة: وهو إن شاء الله حي.. وجعل عمره طويل
مشاعل ابتسمت وهي تمسح دموعها بطريقة طفولية وتقول بفرح مؤلم:
صدق؟؟ صدق؟؟
مشعل أمسك يدها وهو يقول بحزم رقيق: بس أنتي ماسمعتي باقي كلامي
أنا باقول لش شيء أبيه بيننا
وما أبيش تقولينه لأحد... وأنا اقوله لش.. عشان أدري إن الموضوع بيوجعش
و أبيش تأقلمين مع الفكرة لين يجي ناصر
وما أبيش تفشلينا في ناصر.. ناصر رجّال وطول عمره رجّال
واللي بيصير له ما ينقص من مرجلته.. لكنه يزيدها
لأن المحن والاختبارات هي اللي تحك الرجّال.. وتظهر عزمه
وأنا أشهد إنه رجّال.. موقفه يحتاج شجاعة أنا أشهد إن غيره عاجز عنها
لكنه تقبلها واحتسب أجره عند رب العالمين
مشاعل قاطعت سيل كلام مشعل وهي تهمس بحزم غريب عليها وعلى شخصيتها:
مشعل ليش ذا المقدمات كلها؟؟
وش اللي صار لناصر؟؟... صار عاجز؟؟ مقعد؟؟
أنا قلت لك أبيه حي
أي شيء ثاني ما يهمني
مشعل بحزن عميق: ولا حتى بتر ساقه؟؟
مشاعل شهقت بعمق وبرعب صميميين
والفكرة تتجسد أمامها بأكثر صورها بشاعة وألما
ولكنها حاولت التماسك وهي تهمس.. ودموعها تسيل بصمت موجع:
ولا حتى بتر ساقه.. الحمدلله على سلامة رأسه..
اللهم لك ألف حمد وشكر
*********************
مدينة الحسين الطبية
عمّان/ الأردن
ذات اليوم ليلا
غرفة ناصر
عبدالله ومحمد وصلا من الدوحة وطلبا من سيارة الأجرة أن تأخذهما للمستشفى فورا
وهاهم أربعة من عمالقة آل مشعل يجلسون في انتظار إفاقة العملاق الخامس من أثار التخدير..
محمد كان أقربهم لسريره.. وهو يلصق مقعده بقرب رأس ناصر.. بداخله ألم لا حدود له
فمهما كبر ناصر وطال.. فهو يبقى في نظره ابنه الصغير
هاهي عيناه تجولان بكل الوجع بوجهه المليء بالخدوش واللصقات الصغيرة
بيديه الملفوفتان بالشاش.. فهو كان يحاول تخليص ساقه من الركاب
ورفع جسده عن الأرض حتى لا يتمزق ظهره وثيندر يسحبه
لذا احتملت يداه الكثير من الألم
(أي ألم تحملت يا بني؟!!
أي ألم؟!!
ليتني استطعت أن أحمل بعضا من ألمك
ليتني أنا من بُترت ساقه
أنا شيخ عجوز.. عشت حياتي طولا وعرضا
ماعاد لي بهذه الحياة حاجة
ولكن أنت للتو تتذوق هذه الحياة
للتو تفتح لك أبوابها!!
ماكان همني والله أن أهبك ساقاي ويداي جميعها وتبقى ساقك لك
إلهي لا تؤاخذني
ليس اعتراضا على حكمك.. اللهم لك الحمد والشكر على كل حال
ولكني أب مفجوع.. أفرغ بعضا من حزني وألمي وفجيعتي
فلا تؤاخذني بحديثي مع نفسي
لا تؤاخذني على وجعي وبثي)
عبدالله وراكان وفارس يجلسان على ثلاثة كراسي متجاورة قريبا من محمد
وعبدالله يستفسر منهما كيف حدث ماحدث؟؟
ومتى وصلا؟؟ ومتى وجدا ناصر؟؟
بعد دقائق.. حشرجة خافتة صدرت من ناصر
الأربعة كلهم وقفوا معا وهو يحيطون بسرير ناصر
محمد بحنان مصفى مختلط بنبرته الحازمة الطبيعية: الحمدلله على سلامتك يأبيك
تبي شي؟؟؟
ناصر بصوت متقطع ناتج عن جفاف ريقه: ماي..
فارس يمد يده لزجاجة ماء ويفتحها
وراكان يهمس له: لا تسقيه واجد.. بِل ريقه بس..
فارس يدخل يده تحت كتفي ناصر ويقعده ويسقيه القليل
ناصر يهمس: بعد أبي ماي..
راكان همس له بأخوية: بعد شوي.. مايصير تشرب ماي ورا بعض
ناصر عاد لإغلاق عينيه وهو يغيب عن الوعي مرة أخرى
محمد بقلق: وش فيه رجع يرقد؟؟
راكان باحترام: يبه لا تحاتي.. من تاثير البنج.. بعد شوي بنصحيه ونسقيه
*****************************
القاهرة
حوالي الساعة العاشرة مساء
باكينام تعود للبيت
ومعها جدتاها صفية وفيكتوريا
يدخلن جميعا وضحكاتهن تتعالى
صفية بمرح: أمّا أنتي بت باكينام أنا مبسوطة منك كتير
عرق تركي عندك تمام.. كنتي هتعملي الواد كفتة
باكينام تضحك: عرق تركي ثم تكمل بالانجليزية: وعرق إيرلندي
كيف يجرؤ ذلك التافه أن يعاكس أجمل أميرتين تركية وإيرلندية وهما في ضيافة مصرية
ثم قالت بالعربية: أكيد كان بيعاكسك يا أنّا.. أنتي أحلى وحدة فينا
الحوار كان يدور عند المدخل دون أن تنتبهن إن كان أحد موجودا
أنا صفية تضحك: خشى في عبي زي ما بتئولوا يا مصريين.. ئال يعاكسني ئال
الواد كان بائي يعيط عاوزك تاخدي نمرته وأنتي نازلة فيه شتيمة وهو لا همو
فين واد يوسف عنو؟؟
(يوسف ئاعد هنا بيستناكم)
صوت عميق ممتلئ بغضب مكتوم
كان يوسف يجلس في الصالة المفتوحة على المدخل مع سوزان
باديا على محياه غضب كبير يحاول كتمانه
باكينام شعرت بتوتر غير مفهوم
فهي أغلقت هاتفها بعد أن أتصل بها يوسف أكثر من مرة ولكنها لم ترد عليه
ولكن هذا لم يمنعها من الوقوف بثقة وهي ترسل له نظرات تحدي
سوزان نهضت وهمست بكلمة في أذن والدتها ثم في أذن حماتها
وسحبت الاثنتين معها
فهي تعلم أن يوسف غاضب لإغلاق باكينام هاتفها
وتعلم أنه لابد سيعاتبها.. لذا تريد تركهما لوحدهما
يوسف مازال جالسا
وباكينام مازالت واقفة بين المدخل والصالة
تحركت بإتجاه الدرج وهي تقول ليوسف بثقة:
تصبح على خير أستاذ يوسف
سلّم على تانت منال
(باكينام ..تعالي هنا)
وصلها صوته واثقا غاضبا لينشر قشعريرة باردة في كل خلاياها
ولكنها لم تتوقف وهي تصل للدرج لتتفاجأ بيد قوية تمسك عضدها
وتوقفها وتلفها لتجد نفسها وجها لوجه أمامه
باكينام من بين أسنانها: سيب إيدي يوسف
أفلت عضدها ولكنه أمسك بذارعها بقوة وهو يشدها ويثبت ذراعها على صدره وهو يعتصرها بقوة ويقول بغضب:
ئافلة تلفونك ليه؟؟ وأزاي تخرجي بدون ازني؟؟
وليه لما فيه حد ضايقكم ما اتصلتيش ليا؟؟
باكينام بألم: يوسف سيب إيدي.. هتكسرها
يوسف أفلت يدها وباكينام تنفض يدها وتمسك المكان الذي ألمها بالفعل من اعتصاره لذراعها وهي تقول بسخرية:
أنا عاوزة أعرف أستاز جامعة إيه اللي بيتعامل بالأسلوب الهمجي ده؟؟
سبت إيه للجهلة اللي عايشين في القرون الوسطى؟؟
يوسف بذات سخريتها: كل واحد يتعامل زي مايفهم
أنتي وحدة ما ينفعش معاكي الزوء... لازم الواحد يكون عنيف معاكي عشان تفهمي
باكينام بغضب: أنا مش حيوان عشان تعاملني بالعنف أو غيرو
ثم تنهدت وهي تقول: وعلى العموم.. الحكاية النكتة دي طالت أوي
ولازم ننهيها... على الأقل يوسف احترم أنو فيه صحوبية بين أهلنا
بلاش نستمر في المهزلة دي أكتر من كده
وخصوصا إنك مصدء الحكاية... وعامل فيها سيد السيد
رايحة فين وجايه منين؟؟
طلئني يا يوسف.. متجبرنيش أعمل فضيحة..
يوسف يبتسم بسخرية: فضيحة من أي نوع؟؟
باكينام بتحدي: هأخلعك
يوسف ضحك ضحكة مصطنعة: زريفة أوي يا بت
ثم أكمل بتحدي: لو أنتي ئدها اعمليها.. ليه لأ.. خلينا نتسلى شوي
ونضيع دراستنا علينا وخصوصا أنه لازم ننزل واشنطن بعد تلات أسابيع
لكن بدل ما نكون في واشنطن ندرس
نكون هنا بين المحاكم... والمحاكم حبالها طويلة... وأنا ما يهمنيش بدل السنة أتنين..
ومن ناحية تانية الراجل متهموش الفضيحة.. لكن بنت الدبلوماسي ابن العمدة... ياحرام
هيئولوا عليها إيه؟؟... اتجوزته عرفي في واشنطن..وخلعته لما اتجوزتو رسمي!!!!
باكينام شعرت بألم حاد.. فهو يعرف تماما كيف يمسكها من يدها اللي تؤلمها
ولكنها قالت بهدوء: يوسف أنا عارفة أنك مش طايئني.. والجوازة كلها مش على بالك..
عاوز مني إيه؟؟.. سيبني.. أنا مستحيل أرجع واشنطن وأنا على زمتك
أنت تسليت كفاية... خلاص سيبني..
يوسف بنبرة غامضة وهو يبتعد باتجاه الباب: آه تسليت كفاية صح؟؟
عمو طه راجع بكرة بالليل
خليه يحكي لك حكاية هتعجبك أوي
كان يوسف يصل الباب ويفتحه وباكينام تقول بصوت واثق:
لو ايه ما ئال بابا مش هيغير رأيي
يوسف يغلق الباب وهو يقول لها بتحدي واثق: هتشوفي
************************
يتبع
.
.
يتبعالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مساءات السحر والقصص التي عاشت في مخيلتنا الطفولية
وحكاية السندريلا وحذائها المفقود الذي كان طريقها لسعادة سُلبت منها
دقت الساعة حينها اثنتي عشرة دقة لتعلن انتهاء السحر وعودة السندريلا إلى حقيقتها
الحقيقة التي تقبلها الأمير وهو يلبس قدمها الصغيرة المغبرة البائسة حذائها الكريستالي الثمين
ليعلن فلسفة القصة التي فهمتها منذ طفولتي أنها تحتضن ثلاث حقائق أزلية
الأولى..لابد للظلم من نهاية
والثانية..الإنسان الشفاف الروح سيلاقي دائما جزاء شفافيته سعادة هو يستحقها
والثالثة..الحياة الحقيقية لا يمكن أن تُبنى على كذبة.. فلو كان الأمير تزوج السندريلا في الحفلة دون أن يعرف حقيقتها كانت القصة ستكون مبتورة
ولم يكن ليصبح لها هذا الصدى العالمي رغم بساطة الحبكة
الآن تدق الساعة اثنتي عشرة دقة
الدقة الأولى اشتقت لكم بقدر مابقي في أسى الهجران من أحداث
الدقة الثانية اشتقت لكم بقدر برود مشعل بن محمد قبل مصالحته مع لطيفة
الدقة الثالثة اشتقت لكم بقدر قدرة لطيفة على الاحتواء ومحبتها لمشعل
الدقة الرابعة اشتقت لكم بقدر محبة مشعل بن عبدالله لشقيقاته
الدقة الخامسة اشتقت لكم بقدر عناد هيا قبل زواجها من مشعل
الدقة السادسة اشتقت لكم بقدر عشق فارس للعنود
الدقة السابعة اشتقت لكم بحجم التوجس الذي يحيط بحياة ناصر ومستقبله مع مشاعل
الدقة الثامنة اشتقت لكم بقدر شهامة راكان واختلافه
الدقة التاسعة اشتقت لكم بقدر ألم موضي الذي عانته في حياتها مع حمد
الدقة العاشرة اشتقت لكم بقدر خفة دم معالي وسلطان وطول لسانيهما
الدقة الحادية عشرة اشتقت لكم بقدر ماعاشت الجدة هيا خيبات الفراق ووجعها
الدقة الثانية عشرة اشتقت لكم بقدر كبرياء باكينام وتسلط يوسف
ومعنى كل الدقات يترجم حقيقة واحدة
اشتقت لكم شوقا لا حدود له ولا امتدادات
دقت الساعة.. واُعيد فتح أبواب أسى الهجران
لنعبر مرحلة جديدة مختلفة شديدة العمق.. سيكون لكل كلمة معنى ولكل حدث مدلول!!
وسيتضح فعليا معنى اسم الرواية ومدلولاته المؤجلة
" أسى الهجران"
اليوم جزء طويل جدا بقدر عشر أجزاء من أجزائي السابقة
لذا وحتى يأخذ حقه في القراءة
موعدنا القادم سيكون صباح الأحد الساعة 9 صباحا إن شاء الله
بعدها سأعاود النشر اليومي كل صباح إن شاء الله
أعاننا الله ووفقنا لكل مايحبه ويرضاه
.
.
استلموا الجزء 69
.
.
لا حول ولا قوة إلا بالله
..
أسى الهجران/ الجزء التاسع والستون
على متن طائرة مروحية تابعة للجيش الأردني
تطير بالقرب من مدينة البتراء الأثرية
الساعة 11 صباحا
تطير المروحية في الجو.. تحمل قلوبا مرتاعة ينهشها القلق المسعور بوحشية
تتضخم مساحات القلق وتتضاعف لتلتهم ما بقي من الصبر والتجلد
ذلك الأثير الغالي المتخم برائحتهم وعبقهم.. فارسهم الثمين الموغل بهاءً ورجولةً
على أي حال هو؟؟
كيف قضى ليلته في هذا البرد القارص الجليدي؟!
ما مدى سوء إصابته؟!
هل هي قابلة للعلاج؟!!
مئات الأسئلة الموجعة دارت في أذهان أتعبها السهر والسهد والقلق
أسئلة تنتهك الروح بشراستها وهي تمزق كل الأغلفة لتغوص في العمق
راكان بقلق: زين ليش تأخروا ذا كله مالقوه؟؟
رئيس الفريق بتأثر: يظهر إنه سحب نفسه داخل غار من البرد
عشان كذا الطوافات ماقدرت تشوفه
اللي لقوه الطواقم البرية التابعة للصاعقة لأنهم تتبعوا الأثر على الأرض
فارس بقلق مر: زين أشلون وضعه؟؟
رئيس الفريق بحزن فيه إحساس متعاظم بالندم:
يقولون لقوه واعي.. بس الظاهر عنده إصابة خطيرة
ألم حاد اجتاح روحي فارس وراكان كطوفان مرارة هادر.. ودعوات عميقة تتصاعد في قلب كل منهما أن يكون الأمر بسيطا
أو على أسوأ الاحوال قابل للعلاج.. حتى وإن طالت فترة المعالجة هذه..
لم تستغرق الرحلة عشر دقائق ولكنها بدت عشر سنوات لكل منهما
حرقة وألما ولهفة وقلقا
نزلت الحوامتين العسكرية والطبية معا
والعشرات ينزلون من كل طوافة في مكان صحراوي جبلي كان يتجمهر به الكثير من لابسي لباس الصاعقة الأردنية
الذين لم يحركوه من مكانه خوفا من أي مضاعفات صحية..انتظارا لحضور المساعدة الطبية
راكان وفارس بجسديهما الفارعين استطاعا اختراق الحشود المتجمهرة
حتى وصلا إلى ناصر
كان كل منهما يمني نفسه أن مابه شيئا بسيطا يستطيع ناصر بصلابته وقوة بنيته تجاوزه
ولكن رؤيتهما لوضع ناصر حطمت هذه الآمال بقسوة سادية
وبعثت قشعريرة متوحشة في خلايا كل منهما
كانت ملابسه ممزقة وبه إصابات مختلفة في نواحي جسده
ولكن كل هذا لا يهم.. لا يهم أمام إصابة ساقه اليسار
تمزق اللحم تماما والعظم محطم ومفتت من عدة نواحي ومابقي من الجلد حولها مزرق تماما
كان ناصر يفتح عينا ويغلق الأخرى.. والألم لا يمكن احتماله
لكنه حين رأى راكان وفارس بوجيهما المرتاعين المأساويين
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يقول: عريس جديد وخاطب جديد وش جابهم..
الله يهداكم مافيني شيء.. جايين عانين من الدوحة
الشباب يكفون ويوفون
فارس وراكان لم يستطيعا التكلم بشيء والكلمات تصبح باهتة وتافهة وحقيرة
وأي مواساة أو تشجيع يتسربلان بالضآلة أمام عظم الموقف
ابتعدا مجبرين بصدمتهما الهائلة في وجعها وألمها
والمسعفون يبعدونهما ليبدأوا بإعداد ناصر لنقله
***********************
عمّان/ الأردن
مدينة الحسين الطبية
الساعة 3 عصرا
ناصر في غرفة العمليات
فارس وراكان وفريق ناصر بجميع أفراده كلهم ينتظرون في الخارج
خرج الطبيب وهو يسأل إن كان يوجد أحد من أقاربه
قفز راكان وفارس بقلق
وتوجه الطبيب لهما وهو يقول بهدوء: اتبعوني
الطبيب أخذهما لمكتب قريب ودخل وأغلق الباب وطلب منهما الجلوس
توتر راكان وفارس تصاعد للذروة
الطبيب أنزل كمامه وهو يقول بنبرة مهنية تماما:
أنا حابب أحطكم بالصورة
المصاب خليتو وراي صاحي و أعطى موافقته النهائية
راكان بهدوء متوتر: موافقته على ويش؟؟
الدكتور بهدوء: بتر الساق Transtibial
منذ أن دخل راكان وفارس لمكتب الدكتور وهما يعلمان أن وراءه خبرا مفجعا
ولكن ليس هذا الخبر.. ليس هذا!!!
لـــيــــس هــــــــذا!!!!
لـــــــــــيـــــــس هـــــــــــــــذا؟؟!!!!
كان الاثنان كما لو كانا يقفان بصدريهما العاريين في مواجهة إعصار قادم
يعلمان أن الإعصار قد يقذفهما بعيدا
قد يحملهما ويلقيهما أرضا بكل قسوة
ولكنه لم يخطر ببالهما أن يكون الإعصار محملا بشهبا نارية تخترقهما بكل وحشية
وخبر البتر ينزل على رأسيهما ليخترق الجلد والعظم ثم يذيب اللحم
فارس قفز وهو يقول بحدة وغضب موجعين: مستحيل مستحيل
راكان أشار بيده لفارس أجلس وهو يقول للدكتور وهو يبتلع ريقه وألمه ووجعه وصدمته: مافيه حل ثاني؟؟
الدكتور بنبرة هادئة منطقية: هذا الحل الوحيد وللعلم المصاب وراي هادئ تماما ومتقبل العملية
ولعلمكم أنتو مكان البتر الآن مثالي تماما لأنه في منتصف الساق وأقرب للكاحل
لو تُرك قد تتصاعد الغرغرينا أكثر .. ومادام البتر لم يصل للركبة فالبتر بسيط
أعرف أنو صعب عليكم تقبل الأمر وأنا أقول كلمة بسيط
لأنو ثقافتنا القاصرة ووعينا المحدود تصور أنو فاقد أحد الأطراف بمثابة المعاق
وخصوصا إنو الأخ ناصر بطل سباقات خيل.. لكن أنا أأكد لكم وبمهنية كاملة
وأنا أصلا تخصصي الدقيق في الأطراف الصناعية
أنه ناصر بعد أسبوع واحد من تعوده على الساق الصناعية يستطيع العودة لركوب الخيل بنفس المهارة إن شاء الله... وخصوصا أنه أيمن وليس أيسر
بل يستطيع إن أراد أنو يغير لرياضة أصعب كالسباحة أو حتى تسلق الجبال
ومستحيل حدا لو شافه يمشي أو حتى يركض يعرف إنو عنده ساق صناعية
فارس وراكان صامتان.. فهناك ألم مر متوحش يتصاعد في أرواحهما.. ولكنها روح آل مشعل المقاتلة..
يعلمان تماما أن ناصر يستطيع تجاوز كل هذا ..وإذا كان هو يستطيع فليحاولا هما رغم صعوبة المحاولة..
الدكتور يستكمل حديثه: الأطراف الصناعية الآن تعيش ثورة تطور حقيقية
فالأطراف تصنع من الجبس البلاستيكي المعالج بالألياف البلورية، خفيف جدا ومرن وقادر على التحمل
واحنا هلا بناخذ قياس ساق الأخ ناصر وبنبعثها بالإيميل لأفضل معمل لصنع الأطراف الصناعية اللي بيصنع الأطراف للاعبين الرياضيين
وخلال ثلاثة أيام بتكون واصلة.. وبعد التئام الجراحة يقدر يبدأ يستخدمها
وفيه تعليمات محددة بدي قولها لكم في وقتها
ثم ابتسم الدكتور وهو ينظر لوجهي راكان وفارس المرتاعة:
يا أخوان أكيد أنكم بتعرفوا خالد حسن السباح المصري المعروف
هذا حالته نفس حالة ناصر بتر في الساق اليسرى... بساقه الصناعية عمل إنجاز عالمي ولا قدر عليه حتى أصح الأصحاء
عبر بحر المانش الواصل بين فرنسا وبريطانيا 52 كيلو سباحة في 12 ساعة... تخيلوا معي هذا الانجاز المعجز...
وما بعرف لو كنتو بتعرفو إيمي مولي.. هذي بطلة جري أمريكية.. سيقانها الاثنتين صناعية..
لا وكانت تشتغل عارضة أزياء كمان.. تخيلوا.. بطلة جري وعارضة أزياء برجلين صناعية..
ريان مارتن كان من أفضل لاعبي التنس في العالم وهو بأطراف صناعية..
هادي مجرد نماذج.. ولو بدي أحكي أكتر بأتعب... أنا شايف أنو الاخ ناصر ماشاء الله عليه كثير متقبل..
عنده إيمان وعزم وتصميم.. فلازم أنتو كمان تساعدوه.. هاه شو بتقولو؟؟
فارس صمت وهو يخفض عينيه للأسفل.. فمازال غير قادر على التخيل
عاجز عن تخيل رؤية ناصر بعد العملية بدون ساقه
أي ألم هذا؟!!
أي ألم؟؟
أ يعقل أن هناك ألم كهذا؟!!
راكان بحزم: دام ناصر موافق... توكل على الله
وناصر رجّال طول عمره... وعمر المرجلة ماكانت في يد وإلا رجل
مرجلة الرجّال في رأسه... وأنا أشهد إن أبو محمد رجّال
************************
بعد صلاة العصر
مجلس آل مشعل
مشعل ومشعل أصبح عندهما خبر بما حدث لناصر
وبأن ساقه ستبتر
وأصبحت المهمة الصعبة إبلاغ والديهما
والمهمة الأكثر صعوبة في إبلاغ أم ناصر وشقيقاته وزوجته
كان مشعل بن محمد من اضطلع بالمهمة العسيرة ولكنه قرر أن يقوم بتمهيد مبدئي وألا يخبرهما بخبر البتر بشكل صادم
تنهد بعمق ثم قال: يبه.. يبه عبدالله
عندي شي بأقوله لكم
محمد ألتفت له بهدوء: عسى ماشر؟؟
مشعل بهدوء رغم ألمه العميق: ناصر انصاب في السباق اللي في الأردن
وإن شاء الله إنها بسيطة
عبدالله برعب: وشو؟؟
محمد بذات الهدوء: أشلون بسيطة؟؟ كسر وإلا جروح وإلا أشلون؟؟
مشعل ابتلع ريقه ليقول بذات هدوء الده وطريقته في الكلام: إذا جاء إن شاء الله شفت بروحك
محمد وقف بحدة وهو يقول بغضب: إذا جا؟؟ والله إن وراك علم يا مشيعل
قم روح احجز لي الحين للأردن أول طيارة بتطلع.. أبي أروح الليلة
مشعل بألم: يبه الله يهداك.. أنا أصلا بأروح مافيه داعي تروح... راكان وفارس هناك من فجر
وبأروح أنا ومشعل
عبدالله كان من رد بغضب مضاعف: يعني راكان وفارس هناك من فجر.. وتبي تقول لنا إنها بسيطة
احجز لي مع أبيك الليلة
مشعل بن عبدالله كان من رد على والده وهو يقول بعمق: يبه
مايصير كلنا نروح.. ونخلي البيوت فاضية
عبدالله بغضب: انطق أنت وسميك.. وأنا ومحمد بنروح
بتحجزون لنا.. وإلا أنا بأروح أحجز لنا بروحي ذا الحين
مشعل ومشعل وجدا أنهما الخاسران في هذا الجدال
وأنهما مضطران للبقاء رغم النار التي تستعر في جوف كل منهما
ووجدا أنهما مضطران للانتقال للمرحلة الثانية الأصعب
مشعل بن محمد يبلغ والدته وشقيقتيه
ومشعل بن عبدالله يبلغ مشاعل
مشعل بن محمد باحترام: خلاص ولا يهمكم باروح أحجز لكم
بس خلني أروح لأمي أول وعقب بأطلع السفريات
وتوجها كلاهما لداخل بيت محمد بن مشعل
مشعل بن محمد لداخل البيت
ومشعل بن عبدالله لقسم أخته
**************************
بيت محمد بن مشعل
الصالة الرئيسية
مشعل اتصل بالعنود وطلب منها الحضور
فليس لديه استعداد لتقبل صدماتهن متفرقة
وهاهن الثلاث ينتظرنه وهن قلقات متوجسات من طلبه لهن بهذه الطريقة
العنود تهمس لمريم: مشعل ماقال لش وش يبي؟؟
مريم بذات الهمس: لا والله.. يا الله سترك أنا قلبي ناغزني من البارحة
أمي أشلونها؟؟
العنود تهمس: وجهها معتفس.. يالله سترك
وهما في حوارهما دخل مشعل يحاول التجلد.. أكثر من يهمه والدته
عاجز عن صدمها.. يتمنى لو كان بإمكانه حمل الحزن.. كل الحزن عن قلبها
هو قادر على تحمل الحزن.. ولكن هي أم.. قلبها قلب أم
وآه من قلب الأم!! وألف آه !!
مشعل سلّم ثم جلس جوار أمه .. احتضن يدها وقبلها طويلا
ثم أبقاها بين يديه وهمس بإيمان عميق: يمه.. صح المؤمن مبتلى؟؟
أم مشعل منذ طلب مشعل أن يراها وهي وبناتها وهي تشعر بتوجس مريع
والآن بعد جملته المموهة بدأ رأسها يدور ويدور وقلبها بدأ تمزق حقيقي يحرث خلاياه طولا وعرضا
نزفت كلماتها الموجعة:
من هو منهم؟؟
راكان وإلا ناصر؟؟؟
ثم صمتت للحظة وهمست بألم أكبر: حي يرجى وإلاَّ ميت يبكى؟؟
مشعل باستنكار رقيق: إلا إن شاء الله حي.. حي.. والثنين جايينا قريب ومافيهم إلا العافية
بس ناصر فيه عوار.. بسيطن إن شاء الله
أم مشعل بألم متوحش ودموعها بدأت تسيل بصمت لتغرق برقعها: وجهك ما يقول بسيط يأمك
الحمدلله على كل حال.. لا سلم لي رأسه ما أبغي شيء...
ما أبغي إلا شوفت وجهه
مشعل بهدوء حذر: وإن شاء الله إنش بتشوفين وجهه
وأي شيء ثاني هو ابتلاء من رب العالمين.. والمؤمن الصابر عند الله خير
العنود ومريم كانتا مفجوعتان تماما.. فهما كانتا متأكدتان أن ما بناصر أمرا جللا
وإلا ما كان مشعل جمعهن بهذه الطريقة.. والعنود تنقل لمريم أن وجهه يبدو عليه الكثير من الألم والأسى
ولكنهما صمتتا.. بما أن والدتهما تقبلت مبدئيا الخبر وتصبرت
فهما لا تريدان فجعها بالاستفسارات من مشعل أمامها
مشعل وقف.. حين وصل للباب نادى العنود
العنود باحترام مغلف بالحزن: لبيه فديتك
مشعل بهدوء: العنود دام فارس عند ناصر.. أبيش ترخصين من أم فارس
وتجين تقعدين عند أمي لين يرجعون الشباب من الأردن
العنود بصدمة: فارس عند ناصر؟؟
مشعل هز رأسه وخرج
وشعوران يتصاعدان في روح العنود
قلق مرعب على ناصر لأنها تعلم أن ذهاب فارس إليه بهذه الصورة المفاجئة ليس إلا لأن إصابته خطيرة
وغضب كاسح على فارس لأنه أخفى عليها سبب سفره الفعلي وإصابة ناصر
ولكنها عادت للجلوس بجوار والدتها
التي وقفت وقالت بجمود: أنا بأروح لحجرتي
ما أبي حد منكم يجيني
العنود برجاء: بس يمه....
لم تسمح لها أم مشعل بإكمال جملتها وهي تنسحب.. تنسحب لتهرب بأحزانها
لتدعو ربها ألا يفجعها.. ويعيده لها ولأحضانها
قد يقولون عندها ثلاثة أبناء.. لو مهما حدث لواحد
تبقى اثنان يعوضانها الوجع والألم
ويا جهل من يقول ذلك!! يا جهله!!
قد يكونون عشرة.. وكأنهم واحد
كل واحد منهم لفراقه ألم يمزق نياط القلب
ولألمه وجعا لا يشعر به أحدا مثلها
ولوجعه في روحها امتدادات السماء ورحابة الأرض
***************************
ذات الوقت
بيت ناصر
بيت الزوجية الـمُفترض
مشعل يصل لمشاعل
مشاعل لم تغادر بيتها مطلقا منذ مجيء مشعل لها صباحا
وهاهو يعود لها بعد ساعات
فأي خبر جديد يحمل؟؟
بل أي خبر مفجع؟؟
كان وجهها متورما من البكاء.. وعيناها ذابلتان
منذ غادرها مشعل وهي تبكي
مشعل جلس جوارها واحتضنها
عادت للبكاء على صدره.. بكاء خافتا موجعا ..مشعل احتضنها وهو يقول بحنان: مشاعل يا قلبي أنتي إنسانة مؤمنة ومصلية
واللي تسوينه في روحش غلط...ليش ذا البكاء كله؟؟؟
مشاعل همست بألم ورأسها مختبئ في صدر شقيقها:
تكفى مشعل قل لي أنه حي بس..
ما أبي شيء ثاني.. والله ما أبي شيء ثاني
تكفى لا تفجعني
مشعل بنبرة خاصة مشبعة بالحزن: أكيد إنش ما تبين شيء ثاني وحياته تكفيش؟؟
مشاعل رفعت رأسها وهي تقول بثقة رقيقة:
والله ما أبي شيء.. أبيه حي وبس
مشعل ابتسم ابتسامة باهتة: وهو إن شاء الله حي.. وجعل عمره طويل
مشاعل ابتسمت وهي تمسح دموعها بطريقة طفولية وتقول بفرح مؤلم:
صدق؟؟ صدق؟؟
مشعل أمسك يدها وهو يقول بحزم رقيق: بس أنتي ماسمعتي باقي كلامي
أنا باقول لش شيء أبيه بيننا
وما أبيش تقولينه لأحد... وأنا اقوله لش.. عشان أدري إن الموضوع بيوجعش
و أبيش تأقلمين مع الفكرة لين يجي ناصر
وما أبيش تفشلينا في ناصر.. ناصر رجّال وطول عمره رجّال
واللي بيصير له ما ينقص من مرجلته.. لكنه يزيدها
لأن المحن والاختبارات هي اللي تحك الرجّال.. وتظهر عزمه
وأنا أشهد إنه رجّال.. موقفه يحتاج شجاعة أنا أشهد إن غيره عاجز عنها
لكنه تقبلها واحتسب أجره عند رب العالمين
مشاعل قاطعت سيل كلام مشعل وهي تهمس بحزم غريب عليها وعلى شخصيتها:
مشعل ليش ذا المقدمات كلها؟؟
وش اللي صار لناصر؟؟... صار عاجز؟؟ مقعد؟؟
أنا قلت لك أبيه حي
أي شيء ثاني ما يهمني
مشعل بحزن عميق: ولا حتى بتر ساقه؟؟
مشاعل شهقت بعمق وبرعب صميميين
والفكرة تتجسد أمامها بأكثر صورها بشاعة وألما
ولكنها حاولت التماسك وهي تهمس.. ودموعها تسيل بصمت موجع:
ولا حتى بتر ساقه.. الحمدلله على سلامة رأسه..
اللهم لك ألف حمد وشكر
*********************
مدينة الحسين الطبية
عمّان/ الأردن
ذات اليوم ليلا
غرفة ناصر
عبدالله ومحمد وصلا من الدوحة وطلبا من سيارة الأجرة أن تأخذهما للمستشفى فورا
وهاهم أربعة من عمالقة آل مشعل يجلسون في انتظار إفاقة العملاق الخامس من أثار التخدير..
محمد كان أقربهم لسريره.. وهو يلصق مقعده بقرب رأس ناصر.. بداخله ألم لا حدود له
فمهما كبر ناصر وطال.. فهو يبقى في نظره ابنه الصغير
هاهي عيناه تجولان بكل الوجع بوجهه المليء بالخدوش واللصقات الصغيرة
بيديه الملفوفتان بالشاش.. فهو كان يحاول تخليص ساقه من الركاب
ورفع جسده عن الأرض حتى لا يتمزق ظهره وثيندر يسحبه
لذا احتملت يداه الكثير من الألم
(أي ألم تحملت يا بني؟!!
أي ألم؟!!
ليتني استطعت أن أحمل بعضا من ألمك
ليتني أنا من بُترت ساقه
أنا شيخ عجوز.. عشت حياتي طولا وعرضا
ماعاد لي بهذه الحياة حاجة
ولكن أنت للتو تتذوق هذه الحياة
للتو تفتح لك أبوابها!!
ماكان همني والله أن أهبك ساقاي ويداي جميعها وتبقى ساقك لك
إلهي لا تؤاخذني
ليس اعتراضا على حكمك.. اللهم لك الحمد والشكر على كل حال
ولكني أب مفجوع.. أفرغ بعضا من حزني وألمي وفجيعتي
فلا تؤاخذني بحديثي مع نفسي
لا تؤاخذني على وجعي وبثي)
عبدالله وراكان وفارس يجلسان على ثلاثة كراسي متجاورة قريبا من محمد
وعبدالله يستفسر منهما كيف حدث ماحدث؟؟
ومتى وصلا؟؟ ومتى وجدا ناصر؟؟
بعد دقائق.. حشرجة خافتة صدرت من ناصر
الأربعة كلهم وقفوا معا وهو يحيطون بسرير ناصر
محمد بحنان مصفى مختلط بنبرته الحازمة الطبيعية: الحمدلله على سلامتك يأبيك
تبي شي؟؟؟
ناصر بصوت متقطع ناتج عن جفاف ريقه: ماي..
فارس يمد يده لزجاجة ماء ويفتحها
وراكان يهمس له: لا تسقيه واجد.. بِل ريقه بس..
فارس يدخل يده تحت كتفي ناصر ويقعده ويسقيه القليل
ناصر يهمس: بعد أبي ماي..
راكان همس له بأخوية: بعد شوي.. مايصير تشرب ماي ورا بعض
ناصر عاد لإغلاق عينيه وهو يغيب عن الوعي مرة أخرى
محمد بقلق: وش فيه رجع يرقد؟؟
راكان باحترام: يبه لا تحاتي.. من تاثير البنج.. بعد شوي بنصحيه ونسقيه
*****************************
القاهرة
حوالي الساعة العاشرة مساء
باكينام تعود للبيت
ومعها جدتاها صفية وفيكتوريا
يدخلن جميعا وضحكاتهن تتعالى
صفية بمرح: أمّا أنتي بت باكينام أنا مبسوطة منك كتير
عرق تركي عندك تمام.. كنتي هتعملي الواد كفتة
باكينام تضحك: عرق تركي ثم تكمل بالانجليزية: وعرق إيرلندي
كيف يجرؤ ذلك التافه أن يعاكس أجمل أميرتين تركية وإيرلندية وهما في ضيافة مصرية
ثم قالت بالعربية: أكيد كان بيعاكسك يا أنّا.. أنتي أحلى وحدة فينا
الحوار كان يدور عند المدخل دون أن تنتبهن إن كان أحد موجودا
أنا صفية تضحك: خشى في عبي زي ما بتئولوا يا مصريين.. ئال يعاكسني ئال
الواد كان بائي يعيط عاوزك تاخدي نمرته وأنتي نازلة فيه شتيمة وهو لا همو
فين واد يوسف عنو؟؟
(يوسف ئاعد هنا بيستناكم)
صوت عميق ممتلئ بغضب مكتوم
كان يوسف يجلس في الصالة المفتوحة على المدخل مع سوزان
باديا على محياه غضب كبير يحاول كتمانه
باكينام شعرت بتوتر غير مفهوم
فهي أغلقت هاتفها بعد أن أتصل بها يوسف أكثر من مرة ولكنها لم ترد عليه
ولكن هذا لم يمنعها من الوقوف بثقة وهي ترسل له نظرات تحدي
سوزان نهضت وهمست بكلمة في أذن والدتها ثم في أذن حماتها
وسحبت الاثنتين معها
فهي تعلم أن يوسف غاضب لإغلاق باكينام هاتفها
وتعلم أنه لابد سيعاتبها.. لذا تريد تركهما لوحدهما
يوسف مازال جالسا
وباكينام مازالت واقفة بين المدخل والصالة
تحركت بإتجاه الدرج وهي تقول ليوسف بثقة:
تصبح على خير أستاذ يوسف
سلّم على تانت منال
(باكينام ..تعالي هنا)
وصلها صوته واثقا غاضبا لينشر قشعريرة باردة في كل خلاياها
ولكنها لم تتوقف وهي تصل للدرج لتتفاجأ بيد قوية تمسك عضدها
وتوقفها وتلفها لتجد نفسها وجها لوجه أمامه
باكينام من بين أسنانها: سيب إيدي يوسف
أفلت عضدها ولكنه أمسك بذارعها بقوة وهو يشدها ويثبت ذراعها على صدره وهو يعتصرها بقوة ويقول بغضب:
ئافلة تلفونك ليه؟؟ وأزاي تخرجي بدون ازني؟؟
وليه لما فيه حد ضايقكم ما اتصلتيش ليا؟؟
باكينام بألم: يوسف سيب إيدي.. هتكسرها
يوسف أفلت يدها وباكينام تنفض يدها وتمسك المكان الذي ألمها بالفعل من اعتصاره لذراعها وهي تقول بسخرية:
أنا عاوزة أعرف أستاز جامعة إيه اللي بيتعامل بالأسلوب الهمجي ده؟؟
سبت إيه للجهلة اللي عايشين في القرون الوسطى؟؟
يوسف بذات سخريتها: كل واحد يتعامل زي مايفهم
أنتي وحدة ما ينفعش معاكي الزوء... لازم الواحد يكون عنيف معاكي عشان تفهمي
باكينام بغضب: أنا مش حيوان عشان تعاملني بالعنف أو غيرو
ثم تنهدت وهي تقول: وعلى العموم.. الحكاية النكتة دي طالت أوي
ولازم ننهيها... على الأقل يوسف احترم أنو فيه صحوبية بين أهلنا
بلاش نستمر في المهزلة دي أكتر من كده
وخصوصا إنك مصدء الحكاية... وعامل فيها سيد السيد
رايحة فين وجايه منين؟؟
طلئني يا يوسف.. متجبرنيش أعمل فضيحة..
يوسف يبتسم بسخرية: فضيحة من أي نوع؟؟
باكينام بتحدي: هأخلعك
يوسف ضحك ضحكة مصطنعة: زريفة أوي يا بت
ثم أكمل بتحدي: لو أنتي ئدها اعمليها.. ليه لأ.. خلينا نتسلى شوي
ونضيع دراستنا علينا وخصوصا أنه لازم ننزل واشنطن بعد تلات أسابيع
لكن بدل ما نكون في واشنطن ندرس
نكون هنا بين المحاكم... والمحاكم حبالها طويلة... وأنا ما يهمنيش بدل السنة أتنين..
ومن ناحية تانية الراجل متهموش الفضيحة.. لكن بنت الدبلوماسي ابن العمدة... ياحرام
هيئولوا عليها إيه؟؟... اتجوزته عرفي في واشنطن..وخلعته لما اتجوزتو رسمي!!!!
باكينام شعرت بألم حاد.. فهو يعرف تماما كيف يمسكها من يدها اللي تؤلمها
ولكنها قالت بهدوء: يوسف أنا عارفة أنك مش طايئني.. والجوازة كلها مش على بالك..
عاوز مني إيه؟؟.. سيبني.. أنا مستحيل أرجع واشنطن وأنا على زمتك
أنت تسليت كفاية... خلاص سيبني..
يوسف بنبرة غامضة وهو يبتعد باتجاه الباب: آه تسليت كفاية صح؟؟
عمو طه راجع بكرة بالليل
خليه يحكي لك حكاية هتعجبك أوي
كان يوسف يصل الباب ويفتحه وباكينام تقول بصوت واثق:
لو ايه ما ئال بابا مش هيغير رأيي
يوسف يغلق الباب وهو يقول لها بتحدي واثق: هتشوفي
************************
يتبع
.
.
يتبع
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:47 AM
ذات الليلة
في وقت متأخر
الدوحة
غرفة مشاعل /// و............. ناصر
مشاعل تشعر أنها توشك على الانهيار من التعب
فهي تقريبا لم تنم من قبل ليلة زفافها للآن
ولكنها عاجزة عن النوم والأرق يحيط بأجفانها
والأسى يخنق روحها
شقيقاتها وبنات عمها وعمتها عرفوا بخبر إصابة ناصر
لكنهن لم يعرفن بعد نوع الإصابة.. هي وحدها تعرف
وكم ألمتها هذه المعرفة!!
ذبحتها ونسفت روحها أشلاء متناثرة
جميعهن اتصلن بها.. يريدن زيارتها
لكنها لأول مرة في حياتها تكون غير مهذبة
وترفض أن يزورها أحد
كانت تريد أن تختلي بنفسها
وبـــ
ذكرى ناصر
أي ألم حاد تشعر به!!
هل هو الإحساس بالذنب؟؟!!
بمدى قسوة الحياة؟!!
منذ خروج مشعل من عندها وهي تدور بين الغرف
تشعر بوجود ناصر في كل مكان
قد لا يكون ناصر سكن هنا فعليا
ولكن وجوده في كل زاوية طاغ.. طاغ جدا
فتحت كل شيء.. وفتشت في كل شيء
ملابسه.. أوراقه.. صوره
كانت تعيد إكتشافه من جديد
تكتشف ناصر كما هو
كرجل حقيقي له شخصيته المستقلة
ليس ظلا لمشعل.. ولا مسخا مستنسخا من حمد
كان لديه الكثير من ألبومات الصور
حملتها جميعها وضعتها على السرير
وغرقت بينها!!
صوره في البطولات.. في التدريبات.. في الرحلات البرية..
في المؤتمرات.. في السفرات.. في دول عديدة
كان مبتسما في كل الصور
(إبتسامته رائعة وشفافة
هل سأرى إبتسامته مرة أخرى؟!
أدفع حياتي كلها ثمنا لإبتسامته
كم قسوت عليه!!
وكم قست الحياة عليه!!
أ هذا عقابه في الدنيا؟؟ أن يبتليه ربي بي..لأكون عليه مصدر شؤم؟!
أستغفر الله.. أستغفر الله
متعبة أنا يارب.. متعبة.. متعبة
كيف أستطيع مواجهته إذا عاد..؟؟ كيف أضع عيني في عينه..وأنا مثقلة بأغلال هذا الذنب..
سيرفضني.. أعلم أنه سيفعل
سيرفضني كما رفضته.. عنيد آخر من آل مشعل
لكن رفضه سينحرني.. سينحرني)
مثقلة هذه الصبية بالحزن.. حزن عميق وشفاف وموجع كعمقها وشفافيتها ووجعها
لا تعرف كيف تتصرف.. وخائفة.. خائفة
لطالما كتمت مخاوفها وألمها.. لم تسمح لأحد بكسر صدفتها
اقتحام روحها .. مشاركتها أفكارها
ولكنها الآن تحتاج لمن يمسك بيدها.. يدلها
التقطت هاتفها وأرسلت منه رسالة لهاتفين
ذات الرسالة لجهتين مختلفتين..
ثم تناولت صورة مؤطرة لناصر كانت موضوعة بجانب السرير
واحتضنتها وتمددت
لتبكي
لا لتنام.....
**************************
اليوم التالي
بيت سعد بن فيصل
الصباح الباكر
أم فارس تجلس عند دلالها تنتظر نزول سعد
نزل سعد بلباسه العسكري وتاج مع نجمتين تلمع على كتفيه
قبل رأس أم فارس وجلس
بعد تحيات الصباح المعتادة سألها باهتمام: فارس كلمش؟؟
أم فارس بتأثر: اليوم مابعد.. والبارحة أنا وياك مكلمينه
سعد بتأثر عميق: الله يفك عوق ناصر.. والله إن ناصر نادر ومثله في الرياجيل شوي
أم فارس بحزن: توه حتى عرسه ما تهنى فيه..
سعد ينهي فنجانه على عجالة وينهض: يالله فديتش أترخص عندنا اليوم طابور عرض
أم فارس تتذكر: ترا سعد فيه شيء أبي أقوله لك وأنسى
سعد باحترام: أمريني فديتش
أم فارس بهدوء: الحين أنت عندك أبو صبري وصبيان هنود.. أنا إذا جيتك طردناهم للمجلس
بس بكرة مريم بتجي بيتك
يبي لها خدامات يا أختك.. فأنا أبيك تقدم على ثنتين من الحين عشان أعلمهم لين يجي وقت عرسك.. وأنت تدري الخدامات يبطون لين يجون ويتعلمون
سعد بهدوء: زين ذكرتيني.. بأقدم على ثنتين.. وترا يمكن أجيب أم صبري بعد
أفكر الحوطة اللي ورا البيت ابني لهم فيها ملحق
مرت ولدهم صبري مضيقة على العجوز.. وأبو صبري متضايق
وأنا أفكر أجيبها على الأقل تسولف مع مريم وتساعدها على العيال لو الله رزقنا عيال..
أم فارس: بكيفك فديتك.. المهم الحين قدم على الخدامات وأم صبري بكيفك أنت وأبو صبري
*********************
القاهرة
الساعة العاشرة صباحا
أمام مصحة نفسية غاية في الرقي.. في منطقة هادئة في ضواحي القاهرة
باكينام توقف سيارتها وتنزل
تشد جاكيتها الطويل على جسدها.. فالجو كان باردا بعض الشيء
تعدل وضع نظارتها الشمسية على عينيها وتدخل
كانت متوترة نوعا ما.. فهي لا تعرف من هي قادمة للسؤال عنه
ماذا لو كان مجنونا خطرا
ماذا لو عرف المجنون الأخطر المسمى (يوسف) بزيارتها هذه لرجل غريب؟!!
تنهدت وهي تتوجه للاستقبال وتسأل عنه
خرجت بها إحدى الممرضات للحديقة الخلفية وأشارت لشخص معين
كان يجلس في الشمس تماما
تقدمت بخطوات مترددة..
كان مستغرقا في قراءة كتاب
وغير منتبه لما حوله مطلقا.. مما أتاح لبيكنام أن تتفحصه جيدا لتطمئن قبل محادثته
استغربت..كيف يكون هذا مريضا؟!!
بدا لها مسالما جدا.. ووسيما جدا... ونظيفا جدا جدا
نظيفا بالمعنى الفعلي للنظافة..
مثلما ترى شخصا وتعلم أنه استحم للتو..
وبدا لها كما لو أن حمد استحم عشر مرات متتابعة.. فكانت تفوح منه رائحة صابون عطرة مركزة وقوية
اقتربت منه.. همست بهدوء: السلام عليكم
حمد رفع عينيه وهو ينزل نظارته الطبية ويضعها على الطاولة ويبتسم: وعليكم السلام
تشجعت باكينام وهي ترى رده اللطيف للسلام فابتسمت وهمست:
عندك استعداد تستئبل زوار..
ابتسم حمد وهو يقول بلباقة: إذا زوار حلوين كذا.. ماعندي مانع
ابتسمت باكينام.. كانت تعرف أنه لم يقصد بعبارته سوى أن يكون مجاملا
لكنها رفعت يدها اليسار لتريه الخاتم وهي تقول بمرح شفاف:
أنا ست متجوزة بلاش شغل الغزل ده
ابتسم حمد وهو يقول بمرح أكثر شفافية: وأنا ما أعتقد مطلقا
إنه صدر مني مشروع خطبة
باكينام باحترام: أنا باكينام الرشيدي
حمد بلباقة: تشرفنا باكينام.. أقدر أخدمش بشيء؟؟
ثم استدرك: تفضلي اجلسي.. ليش واقفة
باكينام جلست على كرسي خال وهي تكمل حديثها:
أنا صاحبت هيا بنت خالك سلطان
حمد يقطب حاجبيه: مهوب هذي اللي لقاها مشعل ولد خالي عبدالله في أمريكا وتزوجها؟!!
باكينام هوت رأسها إيجابا.. ثم حكت لحمد سبب زيارتها واتصال هيا باختصار
أجابها حمد بقلق: أنا ما أبي حد في الدوحة يعرف إني أعالج.. خصوصا أمي
باكينام بثقة مطمئنة: حط في بطنك بطيخة صيفي.. ولا يهمك... وعد أنو ما حدش يعرف
وتاكد إن هيا مستحيل تئول ولا حتى لجوزها... هي بس عاوزاك تكلم الست مامتك.. عشان هي مشتائة لك
حمد بحنين عميق: وأنا مشتاق لها... بس الاتصال لازم يتم بأذن الدكتور
وأحيانا الدكتور يأجله أو يقدمه حسب حالتي
بس اليوم بأقول له وبأحاول أكلمها
باكينام وقفت وهي تقول بأدب: وأنا خلاص مهمتي انتهت.. وأستاذن
حمد بخيبة أمل: منتي براجعة تزوريني؟!!
باكينام شعرت بالحزن من طريقته في السؤال.. بدا لها وحيدا وحزينا مشبعا بالوحشة والحنين
همست بمرح: هأزورك ئريب
حمد بابتسامة: تعالي المرة الجاية أنتي وزوجش.. خلني أتعرف عليه.. لازم
وعشان أنا ما أحس بالحرج.. ولا أنتي تنحرجين
أنا بس أبي حد أسولف معه.. ويكون عارف عن أخبار هلي في الدوحة
لازم المرة الجاية تجيبينه..
باكينام بتوتر: إن شاء الله
************************
الدوحة
ذات الوقت ولكن توقيت مختلف فرق ساعة
الساعة 11 صباحا
لطيفة اليوم كان أول يوم لها امتحاناتها
ولكن بالها لم يكن مع الاختبار.. لكن مع ظروفهم المعكوسة
وخصوصا أنه وصلها قبل الفجر رسالة من مشاعل
تطلب حضورها حينما تستطيع صباحا
وذات الرسالة وصلت موضي
لذا اتفقت الاثنتان على الذهاب معا
لطيفة تمر بموضي ثم الاثنتان تذهبان لبيت عمهما محمد
الاثنتان تعبران الباب الواصل بين بيت عبدالله ومحمد
(ترتيب بيوت آل مشعل للتذكر:
بيت مشعل بن محمد بجواره بيت عمه عبدالله ثم بيت محمد ثم بيت فارس ملاصق لبيت عمه محمد
بيوت الكبار في الصدر.. ثم بيوت الشباب على الأطراف)
موضي تهمس للطيفة: زين إنها رضت تخلينا نجيها
من يوم دريت وأنا أحاتيها.. أدق عليها مهي ب****ة تخليني أجيها
لطيفة بحزن: أنا جيتها البارحة ودقيت عليها.. مارضت تفتح لي
والله إني خفت عليها..
تصدقين بغيت أدعي مشعل يكسر الباب.. بس هي ردت علي
وقالت ماتبي تشوف حد..
تخيلي مشاعل تقول لي كذا!!!!
موضي بمساندة: نعنبو لايمها.. قلبها احترق..
الاثنتان وصلتا.. طرقتا الباب
بعد لحظات فُتح الباب..
ليصعقا بمنظر شقيقتهما.. إحمرار عينيها.. انتفاخ أجفانها بشكل مرعب
يبدو كما لو كانت شبحا يوشك على التداعي والانهيار
لطيفة برعب: بسم الله عليش مشاعل.. وش فيش؟؟ مريضة؟؟
مشاعل لم ترد عليهما.. تركتهما وعادت للداخل
خطوات ثقيلة مجهدة نقلتها
خطوات كروحها المثقلة وجسدها المجهد
موضي أغلقت الباب..
والاثنتان دخلتا خلفها..حتى وصلت لغرفة النوم وألقت بنفسها على السرير
لتدخل في موجة جديدة من البكاء العويلي
الاثنتان مصدومتان.. صامتتان...
كون ناصر مصاباً لا يستدعي هذا البكاء الجنائزي..
إلا إن كان......
الفكرة انتقلت لرأسي الاثنتين في نفس الوقت
هل يعقل أن ناصرا توفي؟؟!
صدمة متوحشة اكتسحتهما
ولطيفة تجلس جوارها من ناحية طرف السرير
وموضي تقفز لتركب معها على السرير وتجلس جوارها من الناحية الأخرى
لطيفة همست بحنان أمومي: ميشو يا قلبي.. وش فيش؟؟
مشاعل لم ترد على أسئلة أي منهما حتى تعبت من البكاء
حينها نهضت.. همست بصوت مبحوح:
ما أدري أقول الذنب ذنبكم وإلا ذنبي؟؟
موضي بحنان وهي تحتضن كفها وتمسدها بحنان:
وش ذنبه يا قلبي؟؟
مشاعل بصوت ميت مخنوق: ذنب ناصر
لطيفة اقتربت أكثر وهي تحتضن كتف مشاعل التي أراحت رأسها على كتف لطيفة وهي تفرك أنفها المتفجر احمرارا
وتهمس بصوت عاد للاختناق بعبراتها وكأنها تحدث روحها:
ليلة عرسي أنا ماشفت ناصر
أنا شفت حمد وهو يضرب موضي بكل وحشية
شفت مشعل وهو يستخدم لطيفة أداة لتفريغ رغباته دون اعتبار لمشاعرها
ما أقول إني أنا خجولة بزيادة وهذا كان له دور.. لكن حياتكم خربت حياتي
لطيفة وموضي توترتا بشدة.. لكن لطيفة همست:
ميشو حبيبي قولي لنا وش اللي صار ليلة عرسش؟؟
مشاعل حكت لهما كل شيء.. تعلم أنهما كتومتان.. وهي بحاجة لمساحة شاسعة للبوح علها تفتح أفقا ما.. حتى لو كان ضئيلا لروحها المتأزمة المخنوقة
موضي بغضب عاتب: أنتي مجنونة؟؟ فيه وحدة عاقلة تسوي اللي سويتيه؟؟
مشاعل بنبرة غريبة خليط من القسوة والحنان والألم واللامبالاة:
تدرين موضي أنتي بالذات مالش لسان..
ثم أكملت بنبرة تهكم مرة حزينة موجعة: موضي قولي لي.. ليش ما ترضين تبدلين ملابسش قدامنا
تصدقين أول مرة أدري إن البنت تصير تستحي من خواتها عقب ما تتزوج!!
موضي بحركة تلقائية غير مقصودة غطت مكانا ما بين كتفها وصدرها
كأنها تغطي حزنها ويأسها وألمها عن الأعين ووجع المواساة
وهي تتراجع للخلف
(عن أي مواساة تتحدثين عن موضي؟!!
تحتاجين إلى من يواسيكِ
تحيطين نفسكِ بقشرة رقيقة سرعان ما تنهار مع النقرة الأولى!!)
موضي صمتت وهي تبتلع ريقها وألمها ولكن لطيفة أكملت:
اسمعيني مشاعل.. صحيح أنا وموضي كان عندنا مشاكل في حياتنا
لكن أنا كل مشاكلي مع مشعل انحلت.. ومشعل ماعاد باقي إلا يحطني على رأسه من اهتمامه فيني
وموضي تطلقت وهذا هي بتاخذ راكان خيرة شباب آل مشعل
يعني إذا حن اللي عانينا سنين تجاوزنا مشاكلنا.. أنتي ما تقدرين؟!!
مشاعل انتفضت بعنف وهي تقول بألم مر: ناصر مستحيل يسامحني.. مستحيل
وخصوصا إنه فيه شيء صار له.. ما أقدر أقوله الحين
صدقيني مستحيل يسامحني.. أنا ماني بقادرة أسامح نفسي
لطيفة مسحت على نعومة شعر مشاعل وهي تهمس بحنان:
لو مهما صار ناصر قلبه طيب.. صدقيني بيسامحش.. ليه ما يسامح؟؟
أنتي حاولي تكسبينه.. ولازم أنتي اللي تكونين مستعدة للمبادرة لين الآخر
حتى لو رفضش مرة ومرتين وعشر.. لا تيأسين.. لحد ما تجيبين رأسه
ولو على الوسائل.. اسمعي مني.. واستعيني بتفكيرش..
ثم غمزت بعينها وهي تمسح دموع شقيقتها الصغرى بحنان:
إن كيدهن عظيم
************************
ذات اليوم عصرا
عمّان
غرفة ناصر
مازال ناصر لم يفق.. وتغذيته تتم عبر الوريد
قلق والده وعمه وشقيقه وابن عمه يتصاعد من عدم إفاقته..
وطلبوا مقابلة الطبيب.. الذي وعدهم بالحضور بعد أن ينهي عملا ما في يده
وهاهو يحضر وهو يرسم ابتسامة مهنية اعتاد على رسمها حتى أصبحت ترتسم بطريقة رتيبة تلقائية: بيقولوا أهل ناصر مشعل بدهم ياني.. أنا حاضر
كان محمد من تكلم وهو يقول بهدوء: ناصر ليش مافاق لذا الحين..
البارحة وعا شوي وطلب ماي وعقب رجع ينام
الطبيب بهدوء: أنا طالب من الممرضات يحقنونه بالمهدئات.. مابدي إياه يصحى هلا
راكان باستفسار: وممكن أعرف السبب..
الطبيب بمهنية: هم سبيين ومش واحد
الأول أني حابب إن ساق ناصر توصل.. مع أنو ماراح يقدر يستخدمها هلا
بس أنا حابب إنه يشوفها وقت ما يصحى.. عشان تكون تخفيف لوضعه وفي نفس الوقت شرح صريح لحالته
أما السبب الثاني فهو إنو من تعرض لبتر أحد أطرافه.. يتعرض لظاهرة اسمها ظاهرة فانتون..
الظاهرة هذي تعني إن المخ يظل يرسل إشارات لمكان البتر..كأن العضو لساته موجود ولازم يتحرك..
يعني اللي انبتر عنده عضو ما يحس إنه فقد عضو ويحتاج وقت للتأقلم جسديا وفكريا..
والأخ ناصر رغم الرضوض والخدوش إلا أنو صحته تمام الحمدلله
يعني ممكن لو وعي هلا ينزل عن السرير ويمشي.. وهالشيء أنا ما بدي إياه
أنا استعجلت في طلب الساق.. وممكن توصل بكرة.. وراح أعطيكم قياساتها
عشان لو حب يطلب مرة ثانية.. يقدر يطلب..
فارس بإهتمام: يعني بكرة ممكن يحس فينا؟؟
الدكتور بابتسامة: إذا وصلت الساق.. ماراح نعطيه مهدئات.. وبيوعى إن شاء الله
محمد برجاء هادئ: ومتى ممكن نرجع الدوحة ونرجعه معنا؟؟
الطبيب بلباقة: الخيار لكم عمي وللمريض.. لو عنده استعداد يستخدم العكازات
ممكن ترجعون بعد كم يوم..
وأنا بأتصل مع صديق لي في مستشفى حمد عندكم.. وهو ممكن يتابع الحالة
لأنه مايقدر يستخدم الساق الصناعية إلا لما تلتئم الجراحة تماما
ولأنه هذي مش جراحة بمعنى جراحة لكن هو كي لمكان البتر، فالإلتئام بيكون أسرع.. ممكن يستخدم الساق الصناعية بعد أسبوعين ثلاثة.. والخيار لكم
الجميع صمتوا ينتظرون قرار محمد الذي أجاب بهدوء:
الشور شور ناصر.. لكن أنا أعرف ولدي.. مهوب اللي يهاب شيء
الظن ظنتي راجعين الدوحة قريب
*********************
الدوحة مساء
بيت فارس..
العنود في البيت للسلام على أم فارس ورؤية إذا كانت تحتاج لشيء
وهاهي تستعد للمغادرة..
أم فارس بحزن: سامحيني يا بنتي.. والله إن قدرش عندي كبير
ماقدرت أسوي عشاش وحن على ذا الحال.. الله يفك عوق ناصر
العنود بحزن مصفى: وش عشاه يمه؟؟ هذي أمي ماسوت عشاء مشاعل
وش عشياته وحن ماندري بحال ناصر..
أم فارس بمساندة: يأمش امتحاناتش قريب.. لازم تدرسين
إهمالش لدروسش لا يقدم ولا يؤخر
العنود بهمس: الله يجيب اللي فيه خير..
ثم أردفت بخجل: يمه أنتي أكيد منتي بمتضايقة إني أمسي عند أمي؟؟
أم فارس باستنكار: لا والله وحشا.. أم مشعل ذا الحين في حاجتش
وأمش أبدى من خلق الله
وعلى كل حال أنا البارحة أمسيت في بيت سعد..
وهو بعد شوي بيمر يأخذني.. أتسلى معه ومع عياله
العنود تنزل جلالها على وجهها استعدادا للخروج
لكنها استدركت وهي عند الباب بسؤال مؤلم:
يمه فارس كلمش؟؟
أم فارس بتلقائية: توه كلمني قبل تدخلين..
العنود شعرت بألم شفاف يغزو روحها.. فهو لم يتصل بها منذ مغادرته
هل يعاقبها على ذنب لم ترتبكه؟!!
أم أن الجفاء وجفاف المشاعر سيكون شعارا إبديا لحياتهما معا؟!!
هي الآن غاضبة منه.. بل غاضبة جدا
حرمها من أبسط حقوقها.. حقها في المعرفة منه شخصيا!!
لِـمَ لم يخبرها بإصابة ناصر؟!!
لِـم فضل أن يهرب من أمامها وكأنها كائن فاقد للأهلية يعيش مهجورا على أطراف حياته؟!!
لا تستحق أن يأخذ من وقته الثمين لحظات ليخبرها.. يعلم جيدا ولعها بأشقائها
وتعلق روحها بهم..
ولكن لا يهم.. هي لا تهم.. هي لا تستحق..
( "لماذا تعلم.. ولماذا أخبرها؟؟
سياتي أحدهم يوما ويخبرها.. ولكن ليس أنا
ليس فارس العظيم المتجبر المتباعد"
أهكذا فكرت يا فارس؟!!
متعبة منك ومن غرورك وتجبرك وقسوتك
ليتك تتصل بي
ليتك تفعلها
أريد أن اصفعك بكل آلامي.. أريد أن أخنقك بها
حتى لو كنت لا تشعر
وحتى لو كانت تماثيل الحجارة لا تبالي ولا تحس حتى لو ألقيت عليها عشرات الحصيات الصغيرة
على الأقل سأفرغ أنا بعضا من غضبي بإلقاء الحجارة عليك
بما أنك لا تتألم.. لا تشعر.. لا تحس
اسمح لي أن أفرغ أنا بعضا من ألمي.. شعوري.. وأحاسيسي)
العنود كانت تفكر بكل هذا وهي تسير خارجة من بيتها إلى بيت والدها
وصلت وصعدت غرفتها واستحمت والأفكار تعصف بها
خرجت لرؤية والدتها المعتكفة في غرفتها
مازالت على حالها.. مكتئبة تتصبر.. تكثر من الصلاة وقراءة القرآن والدعاء له.. لناصر..
العنود عادت لغرفتها وصلت قيامها.. ثم قررت التمدد أخيرا.. هاجمتها أفكارها المؤلمة مجددا.. حاولت الهرب منها..
ولكن لا فكاك.. لا فكاك..
أفزعها رنين هاتفها..
التقطته
كان هو..
هو..
اسمه يتلألأ على الشاشة محدثا ضجيجا في قلبها بدقاته الطارقة بعنف على جدران قلبها..
خائفة منه.. وغاضبة عليه..
ردت بصوت هامس وكل تهديداتها بقذفه بحصى أحزانها تتبخر: هلا فارس
كما كل مرة.. وكما أول مرة
عاجز عن تفهم الثورة العاتية التي يحدثها صوتها في أوتار قلبه
أي كيمياء يحتويها هذا الصوت؟!! أي كيمياء؟!!
شرايينه تتهاوى.. قشعريرة باردة تجتاح جسده.. نار محرقة تذيب قلبه
يعدل جلسته على مقعده في لوبي الفندق
فهو هارب من غرفته المشتركة مع راكان حتى يحادثها
أي جنون بات يصيبه؟؟
لم يقضِ معها سوي صباحا واحدا.. بدا ذاك الصباح كما لو كان كل صباحاته
يأسره شوقه لبريق عينيها.. وابتسامتها العذبة الشقية
اليوم كاد أن يتهور ويحتضن راكان حين نهض من نومه صباحا
كاد يحتضن ذلك الحائط المسمى راكان لأنه يعلم أن جسده الضخم لابد احتوى يوما جسدها الغض بين أحضانه
الجسد الذي لم يسكن بين ذراعيه هو بعد..
كان يريد أن يشتم رائحتها التي تغلغت في روحه.. مازال ملمس خدها يغفو في كفه.. خصلات شعرها تلتف على أنامله
مشتاق لها.. مشتاق.. مشتاق لها قبل أن يتزوجا..
فكيف بعدما رأها أمامه أسطورة تتجسد تتحرك تتحدث.. تنفث سحرها الخلاب في كل شيء تمر به أو تلمسه؟!!
فارس رد بهدوء: هلا بش.. أنتي وين؟؟
العنود ابتلعت ريقها.. خائفة من ردة فعله.. فهي لم تستأذنه في العودة لبيت أهلها..ولكنها استأذنت والدته وأذنت لها..
همست بخفوت: في بيت هلي
فارس كان يعلم أنها في بيت أهلها.. والدته أخبرته أنها من أذنت لها بالذهاب حتى تبقى مع والدتها.. وهو فعليا ليس لديه أي مانع
ولكنها طباعه الغليظة السيئة وتحكمه الأرعن.. رد بهدوء: طيب مهوب المفروض تستأذنيني أول؟؟ وإلا أنا طوفة.. منتي بشايفتني رجّال؟؟
العنود كعادتها الذكية.. لا تجيب.. لكن تناور:
وأنت مهوب المفروض تقول لي وين مسافر وسبب سفرك؟؟ وإلا أنت شايفني كرسي وماني بمرتك وأخت ناصر؟؟
يالقوتها وشراستها المغلفة بالحرير!!
من أين تعلمت استراتيجية المناورة بهذه الطريقة؟!!
كيف تنقض وتلسع بنعومة..
ولكن هو لا يحتاج للمناورة.. فهو يستخدم المنجنيقات فورا
أقذف ولا تبالِ بالخسائر!!
همس لها بهدوء بارد: العنود ترا أمي اللي هي أمي.. عمرها ما سألتني وين رايح ومن وين جاي... أنا اللي أقول لها من كيفي..
وأنتي تعودي اللي أقوله تأخذينه... لا تراديني.. ولا تسألين..
رغم إحساسها الكبير بالألم لكنها أجابت بهدوء ناعم:
تدري فارس كان المفروض إنك كتبت في عقد زواجنا.. زواج من طرف واحد
يعني أنت وبس.. لأني أنا ماني بشريكة لك في ذا العقد دامك تبي تمشي حياتنا بذا الطريقة
فارس شعر بألمها يحز في روحه.. يعجز عن فهم سبب تصرفه معها بهذه الطريقة
رد عليها بهدوءه المعتاد: يعني أنتي زعلانة؟؟
العنود بتهكم رقيق: زعلانة؟؟ يعني إنك مهتم!!
ثم أردفت بحزن: تدري فارس.. خلنا على جنب... ناصر أشلونه؟؟
فارس ببرود مقصود: توش كلمتي أبيش وراكان أكيد قالوا لش..
العنود فهمت نغزته لكنها تجاوزتها وهي تقول بهدوء: أحب اسمع منك
فارس تنهد: بخير.. كلها كم يوم ونرجع للدوحة.. وذا الكلام أظني سمعتيه اليوم مرتين إذا مهوب أكثر
العنود بحزن ومرارة: زين دامك منت بطايقني.. ليش مكلف على روحك تتصل؟؟
فارس شعر بصدمة كاسحة تخترق روحه
(أنا ماني بطايقش؟؟ أنا؟؟
يعني بدل ما أوصل لها إحساس هيامي فيها
خليتها تحس إني ماني بطايقها
أي مخلوق غريب أنت يا فارس؟؟ أي مخلوق؟؟)
فارس تنهد: العنود ليش تقولين كذا؟؟
العنود ماعادت تحتمل كل هذا.. ماعادت تحتمل.. اختنقت بعبراتها وتريد أن تختلي بنفسها لتبكي
همست بصوتها المختنق: فارس تصبح على خير
فارس كاد يجن (وتبكي بعد؟؟ تكفين العنود كله ولا دموعش)
همس لها بأمر قوي: لا تسكرين
نبرة الأمر الحادة في صوته أنهت الباقي من تجلدها وهي تنخرط في نشيج خافت مؤلم وتلقي الهاتف جوارها
فارس جن فعلا وهو يسمع صوت نشيجها يخترق روحه كأسياخ محمية
كره نفسه ألف ألف مرة.. كره غروره وقسوته عليها في الوقت الذي كان يتمنى أن يشبعها حنانا وحبا وهياما وغراما
كان يعتصر هاتفه في كفه وهو يصر بين أسنانه: العنود.. العنود ردي علي
كان يود أن يصرخ عاليا.. عل صوته يصلها
ولكن مكان تواجده منعه وهو يشعر بالقهر وهو يسمع صوتها تبكي بهذه الطريقة الموجعة وهو لا يستطيع التصرف
مضت خمس دقائق والعنود الباكية نست هاتفها تماما
كانت الخمس دقائق الاسوأ في حياة فارس
شعر أنها خمس سنوات.. خمس قرون من الألم والقهر والحسرة
العنود تذكرت الهاتف المفتوح
التقطته رغم أنها كانت متأكدة أن فارس لابد أغلقه
لذا صُدمت أنه مازال على الخط ويناديها
ردت بصوت متعب: آسفة ماظنيت إنك على الخط ذا كله
فارس بنبرة حنان غير معتادة ولكنها تبدو لذيذة جدا بصوته:
تبين أسكر وأنا داري إنش تبكين؟!! مستحيل
انتفض قلب العنود بعنف.. عنف كاسح
وفارس يكمل بذات النبرة: أدري إني غريب واجد مهوب شوي
استحمليني شوي.. ولا تصيرين تاخذين كل كلمة أقولها بحساسية
صمتت العنود
فارس بهدوء: هاه العنود؟؟
العنود بصوتها المبحوح: يصير خير إن شاء الله
ابتسم فارس ..تمنى أن يقول لها لحظتها كم يحبها!! كم يعشقها!! كم يذوب بهواها!!
لكنه أكتفى عن كل هذا بأن قال لها بهدوء: زين تصبحين على خير
ولا تهملين دراستش
****************************
ذات الوقت
توقيت آخر
وبلد آخر
كانت باكينام في غرفتها تتمدد على سريرها استعدادا للنوم
والدها وصل من نيويورك قبل حوالي ساعتين.. جلست معه قليلا
ثم صعدت لغرفتها لتصلي قيامها وتنهي بعض أعمالها قبل النوم
قاطع رغبتها في النوم طرقات هادئة على الباب
عرفت أنها طرقات والدها
همست باحترام: تفضل بابا
دون أن تعلم أن سماحها بدخول صاحب الطرقات سيسلب كل أمانيها بالنوم
ليحيلها لمخلوق محطم مبعثر المشاعر
والدها دخل وهو يبتسم وهمس لها: ممكن خمس دئايئ من وئت حبيبت باباها
باكينام اعتدلت جالسة وهي تقول: ئول خمس ساعات.. تعالى أنته واحشني خالص
والدها جلس جوارها وهو يقول بهدوء: أخبارك أنتي ويوسف إيه؟؟
باكينام توترت لأقصى حد.. ذكر يوسف كفيل بضخ كل الأدرنالين في جسمها ليرتفع تحفزها للحد الأعلى
همست لوالدها بتصنع: تمام يابابا كلو تمام
والدها أمسك بيدها واحتضنها وهو يقول بحنان:
حبيبي باكي.. أنتي فاكرة أنو أنتي اللي وافئتي على يوسف
ووافئتي على خطبة وكتب كتاب في يوم واحد
باكينام ابتلعت ريقها وهزت رأسها بأسى (وكأني من وافقت باقتناعي؟!!)
والدها يكمل بنبرة منطقية: وأنتي عارفة إنك هترجعي واشنطن بعد تلات أسابيع
هزت رأسها
ووالدها يكمل: ويوسف كمان هيرجع
ابتلعت ريقها للمرة الألف.. لِـمَ تشعر أن ريقها جاف هكذا؟؟
هزت رأسها أيضا
والدها يكمل بهدوء رغم أنه بدأ يشعر بالحرج:
وأكيد باكي حبيبي أنتي شايفه أنو مش منطق أنو واحد ومراته ساكنين في بلد لوحديهم وكل واحد في مكان
شعرت باكينام بمطارق متوحشة تهرس قلبها.. ومطارق أكثر توحشا تهصر مخها
باكينام بحذر: بابا أنت عاوز تئول إيه؟؟
والدها بهدوء يلقي قنبلته: أنتي ويوسف لازم تعملو فرحكم ئبل سفركم لواشنطن
باكينام قفزت واقفة وهي تهتف باستنكار مر: مستحيل بابا.. مستحيل
والدها بغضب: إيه هو اللي مستحيل.. هو لعب عيال
عاوزة تتخطبي وما تتجوزيش.. هي دي أخلاء بنات الناس المتربيين
باكينام بضعف: بابا ربنا يخليك ما تزعلش مني
بس أنا ويوسف مش متفاهمين.. أنا عاوزاه يطلئني.. مش نتمم جوازنا
والدها بصدمة: طلاء إيه.. دا أنتي موعد فرحك اتحدد بعد حوالي تلات أسابيع بالزبط
في نفس يوم سفرك اللي أجلناه شوية عشان السبب ده
باكينام بصدمة أكبر.. صدمة نحرتها تماما: إيه؟؟ فرح؟؟ لا يا بابا.. لأ.. ربنا يخليك.. ما ترمنيش الرمية دي
والدها بغضب: رمية؟؟ يوسف عزت اللي ألف وحدة تتمناه رمية؟؟
حتى لو كان رمية.. أنتي اللي رميتي نفسك مش أنا
خطوبتك حصلت ئدام كبرات مصر.. وفرحك بطاقاته توزعت
وكلام عيال مش عاوز.. أنتي اللي تجوزتيه برضاكي وهتممي الجوزاة
لأنو لا أنا ولا طاهر حمل فضايح.. والجواز مش لعب عيال
توافئي وبعدين تئولي مش عاوزاه..
ثم أردف بحزم: عندك حساب مفتوح.. اصرفي زي منتي عاوزة.. واتجهزي لفرحك جهاز يليء بيكي وبأبوكي.. وكلام تاني مش عاوز أسمع
ثم خرج
خرج ليتركها خلفه ممزقة.. مثقلة بالأسى والحزن
(أتزوج يوسف فعليا بعد ثلاثة أسابيع
أنا لا أطيق وجوده لساعتين.. فكيف لو أصبحنا سكان بيت واحد؟!!)
(بت يا باكينام.. بلاش عبط
أنتي عارفة كويس أنك بتحبيه
وماحبتيش ئبله حد.. ولا هتحبي بعدو
يعني لو ماتجوزتيهوش.. مش هتتجوزي خالص)
(لكن الحب شيء والعشرة شيء آخر
أحببته وأحبه بل وأعشقه.. نعم..
لكنه مخلوق غير قابل للتعاشر
متسلط.. ومغرور.. وكريه
حياتي معه ستهدم كل شعور حب أحمله له)
************************
ذات الوقت
توقيت آخر
وبلد آخر
غرفة مشعل ولطيفة
يتمددان على سريرهما ويعبق في الجو روح أسى عميقة
مشعل يضع رأسه على ذراع لطيفة
ويحتضن كف ذراعها الأخرى بالقرب من قلبه
لطيفة تهمس بحنان: حبيبي هونها وتهون.. إن شاء الله إن ناصر مافيه إلا العافية
مشعل صمت.. الحزن في قلبه أكبر من التعبير بأي كلمات
لطيفة لا تعلم بعد بحالة ناصر.. وهو لا يريد إخبار أحد قبل والدته
المهمة التي تخنق روحه لأقصى حد
ولكنه يريد إخبارها قبل عودة ناصر بيوم حتى تتهيأ للخبر من ناحية ولا تصدم به
وحتى لا يطول قلقها عليه من ناحية ثانية
مشعل يتذكر شيئا أشعره بالألم لإهماله.. همس بهدوء وهو يشدد احتضان كف لطيفة: حبيبتي امتحاناتش شأخبارها؟؟
سامحيني أنسى أسأل.. سالفة ناصر ماعاد خلت فيني مخ
لطيفة تضع خدها على جبينه وهي تهمس بنعومة:
إن شاء الله خير.. صحيح مالي نفس أذاكر
بس أنا ختمت المواد كم مرة خلال الشهور اللي فاتت
همس لها برقة: زين حبيبتي.. أدري إنه اللي يعينش مع امتحاناتش
بس عشان خاطري كل مالقيتي وقت اخذي البنات وروحو لأمي.. أبيكم تلهونوها عن التفكير
لطيفة بحنان: حبيبي بدون ما تقول.. أمك أمي
لاتحاتي.. اليوم رحت لمشاعل شوي.. وعقب مريتها
والعصر رحت لها أنا والبنات
مشعل بقلق: مشاعل شأخبارها؟؟
لطيفة بحزن: تعبانة.. تعبانة واجد
ثم أردفت باهتمام: تكفى مشعل إذا جا ناصر وصه فيها
مشعل باستغراب: أشلون أوصيه يعني؟؟
لطيفة بحرج: خبرك أنتو يارياجيل آل مشعل
تطري عليكم الجفاسة.. ومشاعل رقيقة بزيادة
مشعل ابتسم: كنش تلبخيني؟!! (التلبيخ له عدة معان عريقة!! والمقصود هنا التعريض المبطن)
ثم أردف بهدوء: لا تحاتين أختش.. ناصر عاد أبعد واحد عن جفاستنا اللي تقولين
صمتت لطيفة.. لم تعرف ماذا تقول
اكتفت أن تدعو الله في سرها وبعمق
أن يحنن قلب ناصر المجروح على شقيقتها
************************
يتبع
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:50 AM
صباح اليوم التالي
الساعة 10 ونصف صباحا
القاهرة
باكينام لم تنم مطلقا تشعر بضيق عميق يكتم على روحها
تشعر أنها عاجزة عن التنفس فعلا
لِـمَ تعقدت حياتها بهذه الصورة؟!
كل ما حدث كان بسببه.. بسببه هو فقط
غطرسته.. وغروره وجنونه.... و..
روعته..
(روعته؟؟
عن أي روعة تتحدثين يا مجنونة؟!!
يوسف هذا يريد إلغاء شخصيتكِ
وضعكِ جواره كإطار صورة باهتة لا معنى لها ولا مضمون)
مشغولة بأفكارها وهي تخرج خارج المنزل
لا تريد أن ترى أحدا أو تسمع أحدا
تريد فقط أن تقود سيارتها على غير هدى
تمد يدها لفتح الباب
يد سمراء قوية تطبق على جليد أناملها
(رايحة فين بدري كده؟؟)
تنهدت بعمق وهي تنتزع يدها من يده: يوسف أنا مش طايئة روحي..اعتئني
أنا عارفة أنت جاي بدري كده ليه
عاوز تتأكد إنه كلو مخططاتك ماشية تمام..؟؟
ما تشيلش هم.. بابا وائف معاك
وأنته وسمعتو وكل حاجة أهم عنده من بنتو
يوسف يتنهد: أنتي بتئولي كده ليه؟؟
باكينام بحزن: عشان هي دي الحئيئة..
ودلوئتي اسمح لي استاذن
وئبل ما تسأل أنتي رايحة فين وهترجعي أمتى
هأئولك مش عارفة.. أنا مخنوئة وعاوزة أتنفس بعيد عن البيت
يوسف احترم ضيقها.. ابتعد عن طريقها وهو يهمس: ما تتأخريش
كان يتمنى أن ينسف كل تراكمات سوء التفاهم.. العنجهية الفارغة
يخبرها أي قصر عال بنت أبراجه في قلبه المتيم
ولكن برودها.. غرورها.. وتباعدها يهزم الدافع في روحه المقيدة
فهي لا تعطيه سببا للمحاولة رغم استعداده
وإن كانت تعطيه –من وجهة نظره- آلاف الأسباب للاستمرار في تجريحها والقسوة عليها
تركته وركبت سيارتها.. دون أن تنتبه أنه هو أيضا ركب سيارته
سارحة في أفكارها التي انتزعها منها رنين هاتفها
نظرت للاسم ورسمت مايشبه ابتسامة وهي ترد بصوت ساكن:
أهلا هيا
هيا بابتسامة: هلا يا بنت.. وين اختفيتي؟؟
باكينام بنفس النبرة الساكنة فهي لا تريد نقل مشاعرها لهيا: موجودة
هيا برجاء: دام موجودة.. تكفين شوفي لي حمد ليش ماكلم عمتي
قولي له عمتي تعبانة
باكينام تغير وجهة السيارة وهي تقرر فعليا التوجه للمصحة:
خلاص هأروح له دلوئتي
باكينام احتاجت فعلا لشيء آخر تشغل بالها فيه بعيدا عن مشاكلها
وموعد زواجها المقرر قريبا
لذا قررت التوجه لزيارة حمد في المصحة
في ذات الوقت في بلد آخر وتوقيت آخر
11 ونصف قبل الظهر
مشعل الخارج من الحمام يجفف يديه من ماء الوضوء استعدادا لصلاة الظهر
يسأل هيا: من تكلمين حبيبتي؟؟
هيا برقة: باكينام..
مشعل بهدوء: متى بترجع واشنطن؟؟
هيا بذات هدوءه: مثلنا بعد حوالي ثلاثة أسابيع..هي مددت أسبوع مثلنا
مشعل بغموض: الله يكتب اللي فيه الخير.. المهم نتطمن على ناصر أول
هيا باهتمام: الله يعقله
ثم أردفت بحرج: أدري حبيبي إن بالك مشغول مع ناصر
بس البعثات بعثوا لي إيميل مرة ثانية.. يبون أكمل أوراق ما أدري شنهي
مشعل بأسف: سامحيني ياقلبي.. وعد بس أتطمن على ناصر أروح لهم
وأكمل لهم كل اللي يبون
وناصر على كلام الشباب كلها كم يوم ويجي..
******************************
بعد حوالي نصف ساعة
باكينام تترجل من سيارتها أمام المصحة
تسأل عن حمد.. يخبرونها أنه في غرفته
فتطلب منهم مناداته للجلوس في بهو الزوار فهي يستحيل أن تتوجه لغرفته
تجلس باستقامة انتظارا لحضوره وتفكيرها يبدأ من يوسف لينتهي بيوسف.. يوسف ملك المتناقضات
(أي ريح طيبة ألقت بكِ إلينا)
ابتسمت باكينام وهي تسمع صوت حمد الهادئ بنبراته العميقة
جلس مقابلها وهي تنظر له وتشتم رائحة نظافته الغريبة تشيع في المكان
ربما لو لم تكن متيمة حتى أقصى عروقها بهذا اليوسف السخيف وتكابر
لكان حمد حرك شعورا ما في أعماقها
فيه شيء ساحر وعميق وغامض.. الغموض جنون المرأة
يبدو محاطا بهالة ما غريبة..
وسامته الهادئة المختلفة عن وسامة يوسف الخطرة
تحريكه الدائم لنظارته الطبية ودعكه لأنامله الذي يوحي بتوتر ما، يختلف عن حركات يوسف الواثقة دائما..
ولكنه توتر مثير يشدُّ الانتباه..
(أوف.. لماذا كل شيء يتدخل به يوسف؟؟
ولماذا لابد أن أعقد مقارنة بينه وبين كل رجل أراه؟؟
والمصيبة أنه هو من يكسب كل مقارنة بجدارة
أوف يوسف أوف.. لِـمَ أنت متسلط هكذا؟!!
حتى على تفكيري متسلط.. متسلط.. متسلط)
باكينام تبتسم له بهدوء: ليه ماكلمتش الست مامتك؟؟
حمد بضيق متألم: الدكتور مارضى.. يقول خلها شوي
باكينام شعرت بضيق عميق.. أن يحرم حتى من أبسط حقوقه.. حق التواصل مع أمه إلا بأذن طبي.. ماهذه الحياة!!
ابتسمت باكينام بتشجيع: ماعلش بس ياليت تحاول معاه شوية
حمد بألم: والله إني مشتاق لها.. والله العظيم مهوب هاين علي أخليها ذا كله بدون اتصال
ثم أردف بعمق: تدرين أنا أغلى ناس عندي في الدنيا أمي وموضـ...
بتر جملته بانفعال.. وتنفسه يضيق ويتسارع وهو ينفض رأسه وجبينه يقطب
باكينام شعرت بارتباكه وأن هناك شيئا غير طبيعي حدث
لذا قررت تحويل مسار المحادثة تماما وهي تهمس بحماس مفتعل:
فرحي بعد تلات أسابيع.. تئدر تحضر؟؟ هأكون مبسوطة أوي لو ئدرت
حمد هز رأسه عدة مرات وهو يحاول ضبط انفعاله ثم همس لها بأدب ولكن من بين أسنانه: يا ليت أقدر
صمتا للحظات.. قطع الصمت حمد وهو يقول بعمق: أنا آسف
ثم أردف بتهكم جارح: مريض نفسي وش تتوقعين منه؟؟
باكينام بمؤازرة: أول العلاج إنك تكون عارف إنك مريض
حمد بحاجة لبوح مختلف لشخص غير طبيبه همس بألم: المشكلة حالتي النفسية كل مالها تتحور لشكل جديد.. آخرها هوس مرضي بالنظافة
أحس على طول إني وسخ.. وأني مهما سبحت مستحيل أنظف
أحس دمها بين يدي.. وجلدها تحت أظافري.. هريت جسمي ويدي غسيل
وأظافري قطعتها من التقصيص لدرجة إنهم صاروا يخبون مقص الأظافر عني
باكينام برعب: دم.. جلد؟؟
حمد يهمس وكأنه يخاطب نفسه: لا تخافين مني.. ما ذبحت حد..
أو يمكن ذبحت..
ذبحت روحي..
باكينام بألم: حمد.. أنا أول مرة أشوف مريض نفسي يشرح حالته بالوضوح ده... وسدئني دا هو العلاج الفعلي..
حمد بوجع عميق: الله كريم..
ثم نفض رأسه وهو يغير الموضوع: تحبينه؟؟
انتفضت باكينام وهي تسأل برعب: أحب مين؟؟
حمد بابتسامة: يظهر حتى الأصحاء يعانون مشاكل نفسية...
باكينام بهمس: بأحبه.. بس هو غريب.. وفارض نفسو بطريئة غريبة
حتى موعد جوازنا حدده بدون ما يئول لي
جرحني.. جرحني أوي.. خلاني أرفض كل حاجة منو
غريب هذا البوح العميق الذي يجمع بين شحصين غريبين جمعتهما الصدف الأغرب
كونه لا يعرفك.. يتيح لك الانطلاق والسرد الموغل في الحميمية
حمد يرد عليها بعمق: صدقيني الله سبحانه وتعالى يكتب لنا دايم الأحسن
لكن احنا اللي نسيء التصرف
لا تسوين مثلي.. وتخربين حياتش بيدش
تدرين قبل أربع سنوات.. لما تزوجتها ما كنت مصدق..(تجنب ذكر اسمها)
حسيت إنه ربي يحبني صدق.. لأني كنت خايف إنه ولد عمها يوقف لي
استغربت أشلون خلاها... قلت هذا من رضى ربي علي الله كتبها لي..
لكن أنا ماعرفت أصون النعمة.. تبطرت عليها.. ودستها برجيلي
والحين النعمة راحت.. وأنا لو عشت حياتي كلها أتحسر ما كفتني 1000 حياة مع حياتي
عشان كذا.. لا تخربين على روحش وتعيشين بحسرتش طول عمرش
إذا تحبينه صدق.. موعد الزواج .. وفرضه لنفسه.. كلها شكليات
ممكن تجاوزونها مع بعض
المهم الحب والتوفيق..
باكينام خرجت من عند حمد.. وغمامة ثقيل تُزاح عن ناظريها
(كم هو رائع هذا الحمد!!
أين كنت منذ زمن!!
كم هي رائعة بسيطة وعميقة طريقتك في شرح الأمور!!)
********************
بعد صلاة العصر
عمّان
غرفة ناصر في مدينة الحسين الطبية
ساق ناصر وصلت اليوم صباحا
وتوقفوا منذ الصباح عن إعطاءه أية منومات
وهاهو يصحو من نومه الطويل.. همس بصوت مبحوح: ريقي ناشف
الأربعة أحاطوا به.. وراكان يفتح قنينة ماء ويبل ريقه بالقليل
مشاعر قلق وتوجس وحزن وترقب موجع تعبق في محيط السرير وأركانه الأربعة
محمد بعمق وهو يميل على جبين ناصر ويقبله: الحمدلله على سلامتك يا أبيك
ناصر يفتح عين ويغلق الأخرى وهو يشعر بصداع خفيف:
يبه.. الله يهداك وش جايبك عاني هنا.. مكلف على روحك
محمد يربت على ذراعه المسترسلة جواره: إذا ما عنيت لك.. أجل ماعاد لي خانه
ناصر يبتسم ابتسامة باهتة: اذا أبو مشعل ماله خانة..
أجل راح زمان الرياجيل
ناصر يلتفت ناحية قبلة أخرى تطبع على جبينه
كان عمه عبدالله من الناحية الأخرى الذي همس له: الحمدلله على سلامتك ياولدي
ناصر بمرح واهن: وابو مشعل الأمريكي بعد هنا
كذا تخلوني أتبطر.. واصدق إني تعبان جد
لا يكون المشاعيل بعد هنا وخليتو كلكم العرب اللي في الدوحة؟؟
راكان همس: لا مشعل ومشعل في الدوحة.. بس أذونا اتصالات كنهم معنا
فارس يشعر بمرارة عميقة تمنعه من الكلام..
كم هو صعب عليه رؤية ناصر هكذا
ناصر رفيق الطفولة والصبا و الشباب
ناصر سنده.. وابتسامته في الحياة
ناصر الذي كان دائما نقيضه والمكمل له
كم هو مؤلم هذا الأحساس الجارح الذي يمزق روحه بوحشية!!
ناصر يلتفت لفارس ويبتسم: والشيخ فارس مايبي يقول لي الحمدلله على السلامة
فارس اقترب وهو يضع كفه على كتف ناصر ويلمس أنف ناصر بأنفه على الطريقة الرجالية ثم يهمس في أذنه:
لو أنك مت وخليتني.. كان لعنت مترسك..
ناصر يبتسم ويهمس له بصوت خافت وأخوية عميقة نادرة:
جلف ومن يومك جلف.. الله يعين أختي عليك
ثم ألتفت ناصر لراكان وهمس: أبي أروح الحمام
الوجوه الأربعة تبادلت نظرات واجمة قلقة..
(أكيد كلام الدكتور صدق.. وهو ناسي سالفة بتر ساقه)
ولكنهم وإن كانوا يعلمون أن ناصرا مختلف ولكنهم لم يعلموا بعد أنه مختلف جدا.. جدا..
مختلف لأبعد حد
ناصر بمرح هادئ.. وموجع.. موجع جدا: أشفيكم تفكرون فيني كذا.. لا يكون طلع لي قرون بدل ساقي المقطوعة
أشوف عكازات مسندة على الطوفة.. قربوها مني قدام أسويها على روحي
واصل حدي..
ناصر رفض بشدة محاولات راكان وفارس للدخول معه للحمام..
وهو يحاول التسند على جسده الذي كان رغم قوته الرياضية خائر القوى من تأثير المهدئات
ومن عدم تعوده على عدم وجود ساقه..
يشعر أنها مازالت موجودة.. ولكنها ليست هناك..
ليست هناك
هناك فراغ..
فراغ موجع انهزامي
فراغ ثقيل و شاش ثقيل
ولكنه ضد الانهزامية.. ضد الاستسلام تحت وطأة هذا الثقل والفراغ مهما كان موجعا وشاسعا وجارحا له كرجل.. كبطل رياضي..كإنسان
إنسان باحث عن وهم الكمال.. كما هو هم البشرية المسعورة التي جعلت للكمال مقاييسا تافهة انتقصت أطرافها عنده
يعلم يقينا وهو بقدم واحدة أنه أفضل وأكثر اكتمالا من آلاف آلاف الرجال وأشباه الرجال ممن يمشون على قدمين
تنهد بعمق.. (أحتاج وقتا للتعود ليس أكثر..)
خرج من الحمام.. ليجد الطبيب في انتظاره ويجلس مع أهله
ويرسم ابتسامته المهنية المعتادة
ناصر تسند على عكازيه.. قام راكان لمعاونته.. ولكنه أشار لا
وهو يتقدم بخطوات ثابتة قدر مايستطيع وقدر مايساعده عكازاه
حتى وصلهم وجلس معهم على المقاعد.. ورفض العودة لسريره
الطبيب بإبتسامة: الحمدلله على سلامة فارسنا
ناصر بابتسامة باهتة: الله يسلمك
الطبيب بهدوء: بتعرف أخ ناصر أنا فخور جدا إني تعرفت عليك..
تقبلك لقرار البتر كان شجاع وثابت.. وهاي أول خطوة في سبيل استعادة حياتك الطبيعية بشكل كامل
ناصر صمت وهو يستمع للطبيب الذي أكمل حديثه وهو يرفع القدم الصناعية بين يديه:
قدمك الجديدة وصلت اليوم.. من أفضل وأحدث ما توصل له العلم قوة ومرونة وتحمل وتناسب مع شكل الساق فعليا
تقدر تبدأ تستخدمها بعد أسبوعين ثلاثة على حسب تحسن مكان البتر
وأنا أضمن لك بإذن الله بعد ما تتعود عليها.. تمارس حياتك بشكل طبيعي تماما
وممكن ترجع لركوب الخيل فورا وبنفس المهارة إن شاء الله
بريق أمل موجع في عينيه: جد دكتور أقدر أركب خيل طبيعي..؟؟
الدكتور بإبتسامة: أنا أتكلم بمهنية تامة.. ومسؤول عن كلامي..
ومو بس تركب خيل إلا ترجع للسباقات لو حبيت وتفوز كمان إن شاء الله
ناصر همس بمرح متألم: لا سباقات خلصنا منها.. بس ركوب الخيل في دمي..
أربعة وجوه مهتمة تتابع الحوار بألم.. بأمل.. بوجع.. بإهتمام مصفى
الطبيب أكمل: الوالد حابب يرجع الدوحة.. بس بيقول الرأي رأيك..
وطبيا أنت ممكن تغادر المستشفى بعد يومين
لو حابب تظل لحد ما تستخدم الساق الصناعية براحتك
لو حابب تنزل الدوحة.. تاخذ الساق معاك.. وزميلي يتابع حالتك هناك
وينطيك تعليمات استخدام الساق والعناية بها.. وفكها وتركيبها
يعني كل شيء إن شاء الله
لو كان على ناصر.. فهو يكره العودة للدوحة..
لا يريد رؤيتها هي.. لا يريدها
لا يريد مشاعل
يشعر بنفور حاد منها
إذا كانت رفضته وهو بساقين.. فكيف وهو بساق واحدة؟!
لكنه يعلم أن والدته لا بد قلقة عليه
ولا يريد إطالة أمد قلقها.. قلبه يذوب من أجل تلك الغالية
لذا قال بثقة: إلا الشور شور أبو مشعل
ودامك فيها وش أنت تتنيها
أحجزوا لنا يا شباب خلونا نرجع للدوحة أول ما أطلع من المستشفى
الطبيب خرج وتركهم
محمد مد يده لفخذ ناصر وهو يربت عليه ويقول بحزن عميق: الله يواجرك يا ولدي
إن شاء الله إنك من هل الخير..
وإن شاء الله إن ساقك سابقتك للجنة
ناصر بعمق: يبه لا تحزن جعلني الأول.. الحمدلله على نعمته
مشكلة الإنسان إنه يشوف الله وش خذ منه وما يشوف الله وش عطاه
الله سبحانه خذ مني ساق.. لكنه خلا لي ساق ويدين وبصر وسمع وعقل وقدرة على الحركة
حتى الساق المقطوعة.. هذا أنا بأركب وحدة بدالها..
شوف أختي مريم.. الله يواجرها.. فقدت نظرها ومافيه شيء يعوضها عنه
ومع كذا تشوفها تحمد الله وتشكره كأنه عطاها قوة بصر زرقاء اليمامة
أنا كل ما تذكرت مريم... حسيت بعظم نعمة الله علي.. ورأفته بي
الله كان بي رحيم.. البتر تحت الركبة وساق وحدة.. وكان يقدر يأخذ أكثر
وأنا مالي إلا الصبر.. لكن هو مثل ماخذ.. عطاني أكثر وأكثر
اللهم لك الحمد والشكر على نعمتك ورحمتك
**********************
مر يومان
موعد وصول ناصر سيكون غدا مساء
أصبحت معضلة مشعل ومشعل كيف يبلغان نساء آل مشعل بالخبر
فهما لا يريدان أن يُصدمن برؤية ناصر
مشعل بن عبدالله انتهى من إبلاغ مشاعل ولكنه تبقى لديه عقبة كبيرة في إبلاغ البقية.. وأولهما جدته وعمته ونورة
ومشعل بن محمد صاحب المهمة الأصعب : إبلاغ أمه وشقيقتيه
بيت عبدالله بن مشعل
غرفة مشعل وهيا وتحديدا
بعد صلاة العصر بقليل
مشعل يدخل وهو مسود الوجه تماما.. يشعر بإرهاق خانق ووجع نفسي أكثر اختناقا
هيا التي كانت تطوي سجادتها.. ألتفتت له ثم همست برعب:
مشعل أشفيك؟؟
مشعل يفتح أزرار ثوبه العلوية عله يجذب لرئتيه المختنقتين بعض الهواء
ويهمس بضيق: توني جاي من عند عمتي نورة وسوت لي مناحة
والله إني خفت عليها وكنت أبي أوديها للمستشفى
بس خالي جابر عيا وقال هو بيهديها
اذا عمتي سوت كذا.. الله يعيني على جدتي
هيا برعب: ليه وش صاير؟؟
مشعل حكى لها عن وضع ناصر باختصار
هيا تنهدت بألم: إنّا لله وإنّا إليه راجعون
الله يواجره.. المؤمن مبتلى.. ومادام بتر ساق بس..
أنت تدري إنه ممكن يستخدم ساق صناعية ويعيش حياته طبيعي
مشعل يتنهد: أنا وأنتي نقول كذا..
بس العجايز وش يفهمهم؟؟
أنا كل شيء عندي ولا جدتي هيا.. ماداني عليها أدنى شيء
ما أدري أشلون أقول لها
هيا تنهدت بعمق: خلاص خلها علي
مشعل بارتياح: صدق؟؟
هيا شعرت أنها تورطت فعليا.. فهي أيضا تخشى مواجهة جدتها بالخبر الموجع
ولكنها من أجل مشعل مستعدة أن تحمل كل هذا الألم عنه
يكفيه ما تحمله من عمتهما
همست له بخوف: صدق.. والله يعيني
*************************
القاهرة
المصحة نفسية
باكينام تصل وهي تحمل كيس كبير نوعا ما
تنزل دون أن تنتبه أن هناك سيارة غريبة بها شخص غريب تتبعها
خلال اليومين الماضيين اختفى يوسف تماما
كانت تود أن تصفي الأجواء معه بعد حديثها المريح مع حمد
ولكنه لم يحضر ولم يتصل
وهي يستحيل أن تبادر بالاتصال
ولكنها أيضا خلال اليومين الماضيين بدأت تخرج كثيرا للسوق هي وجدتاها
وأحيانا أمها.. للتجهز لزواجها الذي تقبلت فكرته بارتياح
لذا لم تشغل بالها كثيرا بغياب يوسف الغريب وغير المعتاد
وجدت حمد اليوم يجلس في الحديقة ويستمتع بشمس الأصيل الضعيفة
التي أضعفتها برودة الجو أكثر
كان يقرأ كالعادة ومستغرقا في القراءة
اقتربت منه سلمت بمودة..
أنزل حمد نظارته: أهلين بالعروسة..
ثم أكمل بحنين: تدرين اليوم قبل صلاة الظهر كلمت أمي..يالله وش كثر كانت هي مشتاقة وأنا مشتاق
باكينام تجلس: إزيها؟؟
حمد بهدوء: تمام.. أنتي أشلونش؟؟ عسى صفيتي الجو مع... هو شاسمه؟؟
باكينام تتنهد: يوسف
حمد يضحك: وتنهيدة بعد.. شكلش رايحة في خرايطها
باكينام تبتسم: إيه خرايطها دي.. شكلها تهزيئة
حمد يبتسم: مهوب تهزيئة لكنها بنت عمها
باكينام بفرح حقيقي: ماشاء الله النفسية النهاردة بمب
مازال مبتسما: الحمدلله من سمعت صوت الغالية وانا فوق الريح
باكينام بمرح: انته النهاردة رغاي.. ونسيتني أنا جايه ليه
حمد بمودة: الوحدة اللي جايه تزور أخيها تبي لها سبب..
باكينام بتأثر: ربنا يخليك.. وأنا والله حاسة إنك زي أخويا وأكتر
حمد يهمس بعمق: تدرين عندي 3 خوات توأم..حرمتهم يحسون بأخوتي لهم
باكينام بصدمة رقيقة: تلاتة توأم.. تتكلم جد؟؟
حمد بحماس طفولي: والله جد.. عمرهم 17 سنة.. يجننوووووون
باكينام بحماس مشابه: واو.. وكلهم شبه بعض؟؟
حمد بابتسامة عميقة: نعم ولا... عالية وعلياء شبه بعض تمام أنا ما أقدر أفرق بينهم إلا بصعوبة
معالي هذي غير في كل شيء.. شيطانة.. جن مصور على قولتكم
أكمل بحنين: والله اشتقت لهم.. نفسي أعوضهم عن جفاي وقسوتي عليهم
تخيلي مالهم أخ غيري.. بيني وبينهم فرق 14 سنة..
المفروض هم مثل بناتي.. لكن عمري ما حسستهم بأي حب..لا وكنت كثير أقول لهم بقسوة إني ما أحبهم..
رغم أنهم ينحبون.. والله العظيم يدخلون القلب
باكينام تبتسم: ربنا يخليك ليهم.. ويخليهم ليك.. كلها شوية وتخلص علاجك وترجع ليهم
ثم أردفت: أنا تاخرت كتير واحنا بنرغي..
رفعت الكيس ووضعته على الطاولة: أنا جايبة لك هدية صغننه
عشان شفت هدومك انهرت من الغسيل
جبت لك شوية لبس على زوئي
حمد يبتسم: تدرين إني كنت أبي أوصي حد على ملابس
ماشاء الله على حاستش السادسة
باكينام بمرح: طب الحمدلله.. ودلوئتي أستاذن
حمد يستوقفها: أنا مابعد خلصت كلامي..
باكينام باستغراب: فيه إيه؟؟
حمد باستفسار: كم ثمنهم؟؟
باكينام بغضب: عيب عليك حمد.. مش بتئول دلوئتي احنا أخوات
حمد بحزم: ماعليه باكينام أخوان.. بس لو ماخذتي فلوسهم
شيليهم معش..
باكينام بغضب خفيف ممزوج بمرح مصطنع: أنتو الرجالة العرب فيكم الخصلة الوحشة دي
أنا متاكدة لو أن اللي جاب لك الهدية دي راجل.. يوسف مسلا كنت هتئبلها بدون حساسية
بس عشان أنا وحدة ست.. كرامتك ما تسمحش ليك تئبل حاجة من مخلوء أقل من مستواك الرجولي العربي الرفيع
إزاي تلوس أخلاقياتكم العربية وفحولتكم الشهيرة وتنجسها أنك تساوي بين ست وراجل!!
حمد ابتسم ابتسامة جذابة ناعمة: أوه الأخت شكلها شايلة علينا احنا الرياجيل العرب من قلب؟؟
باكينام همست وهي تهمس بمرح: أبو الئلب وأمه على قولت بت خالك هيا
ضحك حمد: الله يعين يوسف عليش.. شكلش بتقومين الحرب العالمية الثالثة عليه
باكينام بابتسامة: هو اللي جابه لنفسو.. وبنفس الطريقة العربية المعتادة
فرض نفس.. وجبر.. وغصب...وقوة.. وتسلط.. وجبروت..
المصطلحات العريقة اللي بيتقنها كل راجل عربي
حمد يبتسم: تدرين أفكارش تبي لها إعادة تأهيل كامل.. أنا بصراحة واحد مهوب في موقع حوار أو إسداء نصيحة
لأني لين قبل 3 شهور كنت أسوأ نموذج ممكن يكونه رجل أو حتى إنسان
متسلط ومتوحش ويدي طويلة
لكن أنا قارئ عتيد.. ومن منطلق خبرة الكتب مهوب من خبرتي
أقول لش: التعميم أكبر ذنب فكري ممكن الواحد يرتكبه في حق نفسه وحق قناعاته
إنك تبني قناعة كاملة على أساس تعميم جريمة
يعني أنتي الحين تقولين الرجل العربي والرجل العربي.. وتطلقين أحكام شاملة وعامة وقطعية
تذكري إنه الوالد رجل عربي ويوسف رجل عربي وأكيد عندش أهل رجال عرب..
علاقتش فيهم كلهم بتكون علاقة متوترة ومتحسسة وفيها قدر كبير من التحفز
لأنه تفكيرش كذا تفكير حربي وكأنه احنا في معركة بين الرجل والمرأة..ولازم واحد منهم يربح
لكن النتيجة صدقيني بتكون خسارة الطرفين
وحطي ذا الشيء في بالش وأنتي قريب بتبدين تبين حياتش مع يوسف
لا تكونين متشددة بذا الطريقة
وشوفي الأشجار على علوها وقوتها إلا أنها تنحني للريح عشان ما تنكسر
وإذا أنتي تحبين لعبة التعميمات هذي
فليش تنكرين التعميمات اللي تقول إنه الرجل العربي يحب يكون سند للمرأة
ويحب يحميها ويحتويها ويحسسها بالأمان
أو أنتي بس تختارين التعميمات اللي تناسب اللي في رأسش بس
والتعميمات اللي ما تناسب تدوسينها؟!!
باكينام كانت ترفع حاجبيها تعجبا وإعجابا.. والحوار بينها وبين حمد يمتد ويمتد ويتشعب
وامتد الوقت دون أن تشعر باكينام
حتى همس لها حمد: تايم آوت.. المغرب بيأذن ولازم أقوم
موعد وردي.. وأبي أصلي عقب.. اسمحي لي
باكينام نظرت لساعتها برعب: ساعتين ونص من غير ما أحس
أنا تأخرت خالص
حمد يقف ويتناول نظارته ويلبسها ويهمس لها بود أخوي:
اعتبر هذا إطراء إن حديثي أخيرا أعجب حد
باكينام بمودة: على ئد ماشفت وتكلمت مع ناس ماشفتش محاور زكي وعميق زيك
حمد يغادرها وهو يلوح بيده ويقول: شكرا على المجاملة.. والمرة الجاية لازم تجيبين يوسف معش
باكينام غادرت المصحة قبل غروب الشمس بحوالي ربع ساعة
وتوجهت لبيتها والسيارة إياها تتبعها
فور وصولها توضئت وصلت.. بعد التسليمة بقليل
رن هاتفها
كان يوسف.. ارتعش قلبها بعنف
لم تسمع صوته منذ لقاءهما ذلك الصباح قبل يومين
مشتاقة له.. مشتاقة.. مشتاقة
همست بود: أهلا يوسف
يوسف بطريقة مباشرة وهجومية: كنتي فين؟؟
باكينام تناست كل قراراتها وكبرياءها العنيد يحضر: مش شغلك
هو السبب.. هو من دفعها للرد عليه بهذه الطريقة
يوسف بحدة أكثر: باكي أنا مش فايئ لك.. خلي نهارك يعدي
أنا بأسألك كنتي فين؟؟ (كان يشدد على حرف)
باكينام شعرت بالتردد من حدته الزائدة: كنت باعمل شوبنق
مش المفروض إنه فرحي بعد أئل من تلات أسابيع
يوسف ببرود ممزوج بالنار: آآآآآآه فرحك.. ورحتي فين كمان؟؟
باكينام بتردد أكبر: مارحتش مكان رجعت البيت..
يوسف بنبرة خاصة: أكيد؟؟
باكينام بنبرة قوية لأنه استفزها: آه أكيد.. عندك مانع..
يوسف بنبرة خاصة اشتمت فيها رائحة غير مريحة: ابئي افتكري يا باكي إني سألتك
ما أعطلكيش.. تصبحي على خير
(أصبح على خير بعد المغرب
مالو ده؟؟ مش عوايدو)
باكينام شعرت بالذنب لأنها لم تخبره بزيارتها لحمد
شعرت أن إخفائها لهذه الزيارة جعلها ذنبا حقيقيا يخنق روحها
ترددت في إخبار يوسف لأنها تخشى من ردة فعله.. فهو غيور ومتسلط
ولن يتفهم سبب زيارتها لحمد
وهي في غنى عن المشاكل مع اقتراب موعد زواجهما
************************
يتبع
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 02:52 AM
قبل ذلك بساعات
الدوحة
غرفة الجدة أم محمد / هيا الكبيرة
مازالت تجلس على سجادتها من بعد صلاة العصر وتسبح
دخلت عليها هيا بخطوات مترددة
تود لو كان باستطاعتها العودة.. تود لو كان بإمكانها إلغاء كل الحقائق المؤلمة
فهذه العجوز اكتفت من الحزن.. اكتفت لأبعد حد
فهل يكتب عليها أن تُطعن شيخوختها بحزن جديد وألم جديد
هل مازال بها جَلَد واحتمال؟!!
هيا اقتربت من جدتها..
الجدة حين رأت هيا بالقرب تناولت برقعها من جوارها وارتدته
هيا جلست جوارها وقبلت كتفها.. سلمت ثم صمتت
الجدة همست بعمق: هويه وش عندش؟؟ كنش وراش علم
هيا بهدوء ساكن وعمق موجع: يمه تدرين إنش إن شاء الله من أهل الجنة..
لأنه اللي تفقد ولدين وتصبر جزاها الجنة إن شاء الله
الجدة صمتت.. وهيا تستمر في التهيئة التي لا تعرف أين تقودها:
يمه أبي راح.. وعمي سعود راح.. وجدي راح.. وقبلهم أبيش وأمش وأخوانش..
وأنتي صبرتي على كل شيء
جربتي الحزن كله.. ولأنش إنسانة مؤمنة صبرتي على ذا كله..
كم عمر عمي سعود يوم مات؟؟ 23 سنة أو 24 سنة؟؟ شباب وراح
الموت هو أكبر حزن في الدنيا وأنتي جربتيه.. يعني اللي أقل منه أنتي عليه أصبر وأقدر
تنهدت هيا الكبيرة بعمق وهي تقول بنبرة غامضة مجهولة الانفعالات:
ناصر وش فيه يا هيا؟؟ اخلصي علي
هيا ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تهمس: وش دراش إنه ناصر؟؟
الجدة بذات نبرتها الغامضة: من يوم راح الخبل صباحية عرسه يسابق وأنا قلبي ناغزني
ثم يوم لحقه المعرس الثاني ثاني يوم.. وقلبي ناغزني أكثر
ثم محمد وعبدالله كلهم راحوا له.. تبيني ما أدري إن اللي في ناصر شيء كايد
قولي لي وش صار له؟؟
هيا صمتت.. لم تعرف أن الأمر سيكون صعبا كذا
الجدة انتفضت بغضب حاد مفاجئ: هيا خلصيني
هيا انتفضت تفاجئا من جدتها التي انتقلت بشكل مفاجئ من الهدوء الساكن للثورة العاتية
لتقول هيا بدون تفكير: قصوا رجله
الجدة برعب وهي تغرز أصابعها في عضد هيا: ويش؟؟ ويش؟؟
هيا ندمت من تسرعها في قذف الخبر
ولكن هل كان من الممكن أن يُقال بطريقة ألطف؟!!
هيا ربتت على كف جدتها التي تعتصر عضدها وهي تهمس لها بعمق حنون:
يمه فديتش العلم والطب تطورو.. وبدل ساقه يقدر يركب ساق كنها ساق صدقية
يمشي فيها عادي ويروح ويأتي ويسوق سيارته عادي
ما كنه تغير شيء عليه
الجدة تنهدت وزفرت بألم عميق.. ثم همست لهيا بحزم متألم: هيا شغلي لي الرادو على قناة القرآن.. واطلعي وسكري الباب علي
هيا برجاء: تكفين يمه باقعد عندش
الجدة بألم: هيا يأمش لا تراديني..روحي
هيا انسحبت وهي تشعر بألم عميق يحز في روحها
ألم جارح من أجل هذه الغالية التي يعبر حزنها العميق عن مقولة العرب الأثيرة (ما أغلى من الولد إلا ولد الولد)
كان بودها أن تلغي نظرة الحزن الموغلة في الوحشية التي افترشت عينيها وظللت أهدابها
النظرة التي رأتها تطل من عينيها بجزع وهي تنسحب من غرفتها لتتركها تختلي بأحزانها من أجل حفيدها المرح الممتلئ بالحياة
الذي غادرها بساقين ليعود لها بساق واحدة!!!
**********************
ذات الليلة
بيت عبدالله بن مشعل
الصالة الرئيسية
حيث تجلس هيا وموضي
لطيفة تدخل عليهما هي وبناتها قادمة من بيت عمها محمد.. وعائدة لبيتها
سلمت ثم جلست، همست: جدتي أشلونها؟؟
موضي بألم: على حالها.. في غرفتها وتسمع قرآن.. ومهيب ****ة حد منا يقعد عندها.. يمكن لو مشاعل هنا كان عرفت لها
لطيفة بحزن: مشاعل الله يعينها بعد.. خليتها وراي عند عمتها أم مشعل
هيا بقلق: إلا أم مشعل والبنات شأخبارهم؟؟
لطيفة بهمس متألم: متصبرين ومتقبلين بس الحزن في وجيههم معشش
هيا بمساندة: الله يعينهم.. وإن شاء الله إذا شافوه طيب.. وخصوصا عقب ما يركب ساقه.. بيتطمنون
لطيفة وقفت وهي تقول بهدوء: بأمر على جدتي أمسيها بالخير وعقب باروح لبيتي.. اليوم مادرست شيء
***************************
اليوم التالي مساء
ناصر يصل إلى مطار الدوحة
كانت احتفالية حاشدة في استقباله من أهله ومعارفه ومختلف الفرق القطرية في الألعاب المختلفة
امتلأ المطار عن آخره بمستقبليه الذي تتبعوا سيارته حتى وصل إلى فندق الشيراتون حيث يُقام عشاء على شرفه وسلامته
كان ناصر يستخدم عكازيه في التنقل ورغم صعوبة الأمر عليه خصوصا أن كفيه مازالا يؤلمانه لكنه كان يحاول التحرك بأكبر قدر من الثقة يستطيعه
وهاهو يجلس يحيط به أهله وأصدقائه وأعضاء فريقه
حسن بذراعه المجبرة كان يجلس جواره.. همس لناصر بمرح: ما لقينا من ذا الخيل خير..
ناصر يبتسم: إلا ماوراها إلا الخير... رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة)
حسن بجدية متألمة: ناصر أنا مالي وجه منك عقب اللي سواه ثيندر
ناصر بابتسامة: هذا شيء الله كاتبه.. أنت بتحاسب حيوان يا ابن الحلال
حسن بغموض: أنا حاسبته خلاص
ناصر برعب: وش سويت فيه؟؟
حسن بحزم: ما تعذب.. فرغت المسدس كامل فيه
ناصر بغضب: أنت مجنون.. تذبح حصان قيمته فوق مليون ريال.. ما تبيه كان بعته..
حسن بود وأخوية: يعل المليون تفداك.. أنا ماعاد طقت شوفته.. ولما دريت إنه وصل من الأردن.. عزّمت أخلص منه..
ولا تعيد ذا السالفة علي.. بأشتري لي حصان غيره
ناصر بألم: الله يهداك حسن.. ليش سويت كذا؟؟
حسن بمرح: خلاص يا ابن الحلال خلصنا من ثيندر.. قل لي متى بنرجع نتدرب سوا
ناصر بابتسامة: أسبوعين ثلاثة لين أركب الساق..
حسن بمودة: وعد..
ناصر بمودة أكبر: وعد
**************************
بعد حوالي ساعتين
حوالي الساعة 11 مساء
بيت محمد بن مشعل
يصل ناصر وراكان
أم مشعل والعنود ومريم في انتظارهما
ناصر دخل وهو يتسند على عكازيه.. وراكان بجواره
والدته حين رأته قفزت.. وعيناها تغيمان
لكن ناصر حلف عليها أن تجلس وهو يتوجه لها ويجلس جوارها
يحتضن كتفها ويقبل رأسها ثم يقبل يدها وهو يهمس بحنان:
والله إني طيب يا الغالية.. تكفين ما تبكين
وإذا كانت والدته امتثلت لرجائه وهي تمنع عينيها من البكاء وإن كان قلبها يبكي وينزف وجعا وألما
فإن العنود لم تمتثل مطلقا وهي تجلس جواره من الناحية الأخرى وتلقي بنفسها على صدره وتنخرط في بكاء حاد
ناصر احتضنها بحنان وهو يمسح على شعرها: بسش يا الدلوعة
هذا تبكين عشاني وإلا عشان مشتاقة لفارس؟؟
العنود همست له وهي تقبل كتفه: الحمدلله على سلامتك.. وخارج من الشر
ناصر بمودة: الله يسلمج.. وقومي مني خليني أسلم على مريم
مريم برقة وهي تقوم لتتحسس طريقها: انا باجيك
ناصر تعكز بصعوبة ووقف وهو يقول: لا والله ما تقومين أنا جايش
أم مشعل بجزع: راكان يأمك عاونه
راكان يبتسم: خله مهوب في عازتي.. أنا عقب أبيه يعاوني هو الصغير وأنا أخيه الشيبه
أم مشعل بحزن: جعلني أشوف عيالكم يعاونونكم..
ناصر وهو يميل على مريم ويقبل رأسها: راكان الأول عشانه الكبير
مريم تحتضن رأس ناصر وهي تهمس: الله يكتب أجرك
ناصر يهمس لها: وأجرش
ثم ألتفت ناصر لراكان: يالله راكان خلنا نروح لجدتي
راكان بهدوء: الوقت متأخر شوي.. خافها رقدت
ناصر يهز رأسه: مشعل وفارس ينتظروننا هناك.. مشعل يقول إنها متروعة علي..خلنا نروح نسلم عليها
راكان وناصر خرجا
وأم مشعل تميل على العنود وتهمس لها: قومي روحي لبيتش قبل يوصل فارس
العنود توترت وهي تتذكر فارس
لكنها أحكمت لف جلالها وهي تسلم على والدتها ومريم وتخرج لبيتها
راكان وناصر يخرجان عبر الباب الرئيسي ليدخلان بيت عمهما من الباب الرئيسي
ناصر يستفسر من راكان بتلقائية: متى ملكتك؟؟
راكان تفاجأ من سؤال ناصر المباغت لكنه أجاب بهدوء:
خلنا لين نتطمن عليك أول يا ابن الحلال
ناصر بغضب: ليه أنا مكسح وإلا متحرول تطمن علي؟!!!
راكان بذات الهدوء: يا شينك وأنت معصب.. تدري أنا وش أقصد
ناصر يحاول العودة لهدوءه ويهمس لراكان: أنا مافيني إلا العافية
وملكتك تممها بسرعة.. تدري إن مشعل بيرجع أمريكا عقب عقب حوالي 3 أسابيع
ثم أكمل بمرح: وبعدين مابغيت أصدق إنك وافقت أخيرا تعرس
أكيد إنك في حالة غيبوبة خل نستغلها قبل تصحا منها
راكان يبتسم لأن ناصر يبتسم: ليه ؟؟ لعب بزران عشان أهون
***********************
بيت عبدالله بن مشعل
مشعل وفارس وموضي وأم مشعل يجلسون في غرفة الجدة المتوترة انتظارا لوصول ناصر
مشعل ينهي اتصالا ويقول بهدوء: هذا هو ناصر عند الباب.. أبشري به يمه
موضي وقفت: بأطلع ألبس عباتي أهني ناصر بالسلامة
لم تعلم أن هناك أحدا آخر معه.. أو كان يستحيل أن تعاود النزول
فهي مازالت تشعر بمرارة جارحة وخجل متعاظم من عرضها لنفسها على راكان
وعاجزة عن مجرد التخيل أن تضع عينها بعينه
موضي خرجت
ومشعل توجه لباب البيت ليفتحه رغم أنه مفتوح.. ولكنهما لن يدخلا حتى يؤذن لهما فعليا وخصوصا مع تأخر الوقت
توجها ثلاثتهم لغرفة الجدة
ناصر توجه مباشرة لجدته بعد أن قبل رأس أم مشعل التي وقفت لاستقباله
وراكان ألقى التحية من بعيد على أم مشعل التي كانت تلبس برقعها وتلتف بجلال واسع
ناصر وضع عكازاته بجواره وجلس جوار جدته وقبل رأسها وكفها
الجدة لم تحتمل رؤيته يدخل عليها متسندا على عكازات
مسحت دمعة خائنة بطرف برقعها
وناصر عاود تقبيل يدها وهو يقول بتأثر: تكفين يمه ما تبكين
أفا يا ذا العلم.. أم محمد تبكي
ما عمري شفت لش دمعة.. تكفين ما تقهريني
الجدة تماسكت وهي تقول بهدوء موجع: جعلك ما تذوق القهر يأمك
وجعل ربي ما يحسرك
مهوب هاين علي شوفتك تعكز وانا شايفتك طالع من عندي تمشي على أرجيلك
ناصر يبتسم بألم وهو يحتضن كفها بقوة: أفا عليش كلها أسبوعين وإلا ثلاثة وأركب ساقي الجديدة..
وأول مشوار لش.. وبأطلع أنا وياش نفر سوق واقف كله
راكان يقترب ويقبل رأسها وهو يقول باحترام: أفا يمه شكلش شفتي نويصر ونسيتيني حتى من السلام
أم محمد بود مصفى: ماعاش من ينساك يا الغالي..
راكان جلس من الناحية الأخرى وهو يستفسر من جدته باهتمام عن أحوالها
حينها قال فارس بمرح رقيق: شكلهم عيال محمد بيأخذون جدتنا قطوعة لهم
الجدة ألتفتت لفارس وهي تقول بغضب رقيق: فويرس عادك هنا
قم لا بارك الله في عدوينك من معرس.. قم أكيد العنيد قاعدة تتناك ذا الحين
فارس توتر داخليا بعمق لذكرها ...هو مر للسلام على والدته قبل المجيء هنا
وتجنب حتى السؤال عنها.. لا يعلم فعلا لماذا يتصرف بهذه الغرابة
ناصر همس بمرح: ايه تستاهل عشان ما تنظلنا أنا وأخي.. حاسدنا في حضن جدتي
حينها الجدة ألتفتت لناصر لتقتص لفارس وهي تهمس له بذات نبرة الغضب الرقيق:
وأنت بعد يا نويصر قم .. قم روح لمرتك.. معاريسن ماعليكم شرهه
الله يعين بناتي عليكم
فارس حينها ابتسم وهو يشير لناصر بحاجبيه.. لينتقل إحساس أعمق بالضيق لناصر.. أعمق بكثير.. كان شبه متأكد أنها لابد في بيت أهلها
لكن بما أن جدته تقول له أن يقوم فمعنى ذلك أنها تنتظره هناك.. في بيته..
حينها همس مشعل بهدوء: بأروح معك يا ناصر.. أبي أسلم على أختي
والسبب الحقيقي لذهاب مشعل أنه أراد أن يمتص صدمة اللقاء الأول.. فهو من شهد المغادرة.. وشهد صدمات أخته
ويود أن يحاول تلطيف الجو بينهما
الأربعة نهضوا معا للمغادرة
وهم يعبرون الصالة الرئيسية يستعدون للخروج
نزلت موضي بعباءتها ونقابها
توقفت عند العتبة الأخيرة وهي تتمسك بطرف حاجز الدرج الحشبي
حتى لا تنهار وهي ترى رابعهم
لم يعد هناك مجال للتراجع أو الهرب ومشعل يقول: ناصر.. بنت عبدالله تبي تهنيك السلامة
بقيت موضي في مكانها متمسكة بطرف الحاجز وكأنه يحميها وهي تهمس:
الحمدلله على سلامتك يابومحمد.. خارج من الشر
ناصر باحترام دون أن يلتفت ناحيتها: الشر ما يجيش والله يسلمش
أشلونش طال عمرش في الطاعة؟؟
موضي بخفوت وهي تشعر أن ريقها جاف جاف جدا: طيبة طال حالك
ومجار من الشر
قالتها ثم عاودت الصعود.. بينما هي فعليا تريد الهرب قبل أن تتداعى أمامهم وتنهار
(أي جريمة نكراء ارتكبتها بحقه وبحقي؟!!)
كانت المرة الأولى التي ترى فيها راكان من هذا القرب منذ سنوات
بدا لها مثاليا أكثر مما يجب مقارنة بها.. بل بدت لها المقارنة مستحيلة بينهما
رجل فوق الكمال.. وامرأة تحت النقص
كانت تجد نظراتها غصبا عنه تتجه نحوه في نظرات خجلة مبتورة
كان يقف واثقا بكامل هيبته دون أن يلتفت ناحيتها مطلقا
بدا لها مخلوقا أسطوريا كما كانت تراه طيلة سنوات صباها المبكر
الفكرة التي أقنعتها أن لا أحد يتزوج الاساطير.. الفكرة التي عادت لمهاجمتها
هاهي تتمدد على سريرها تشعر باليأس والخوف والوجل وهي تتذكر تفاصيل شكله ووقفته..
ثقته المفرطة..سماره الصافي.. نظرة عينيه الأشبة بنظرة نمر واثق متيقظ وذكي
عارضاه السوداوان المحددان بدقة
ثم ذلك الطول والعرض الاستثنائيان تماما.. رغم أنها اعتادت على الطول والعرض
صفة كل رجال آل مشعل المميزة
ولكنه بدا لها مختلفا وهي تميز بوضوح عرض كتفيه وصلابة عضلاته المتبدية بتحفز من تحت انسياب ثوبه الشتوي الرمادي
كل مافيه كان مثاليا
وكل مافيها كان باهتا..هكذا فكرت!!
(واحد مثل هذا أشلون يأخذ وحدة مثلي.. حتى لو كان زواج صوري
أشلون أقدر أحط عيني في عينه
هذا بيحطم اللي باقي عندي من الثقة في نفسي
أنا أشلون تهورت وطلبت منه يتزوجني.. أشلون)
عشرات الافكار المؤلمة تطوف ببال موضي..
وقرار جديد يتشكل في ذهنها
************************
بيت فارس بن سعود
غرفته تحديدا
العنود وصلت منذ فترة
مشبعة بالحزن.. ومازال لديها الكثير من الدموع التي لم تروِ قلبها المفجوع بعد
لذا حين وصلت
ولم تجد أحدا
وهي تختلي بذاتها
وجدت أن موجة جديدة من البكاء تجتاحها
بكاء هي تحتاجه بشدة.. فألمها لمصاب شقيقها كان أكبر من الوجع ذاته
والحزن بداخلها كان عميقا.. عميقا جدا
كانت تجلس على الأريكة تحتضن مخدة صغيرة تنثر دموعها فيها
كانت مستغرقة تماما في نحيبها الخافت ووجهها مدفون في المخدة
لذا لم تنتبه أن الباب فُتح
وخطوات ثقيلة تقترب منها
*************************
بيت محمد بن مشعل
قسم ناصر
مشاعل كانت تطوف في البيت كالمخبولة تماما
غاية في التوتر.. عاجزة عن كبح جماح توترها وخوفها وخجلها
تأنقت تماما بناء على نصيحة لطيفة
وهاهي ترتدي بنطلونا حريريا أسود فوقه قميص طويل من الشيفون يصل للركبة
ألوانه خليط من الزهر والأسود
مزموم من عند الصدر حيث تربط شريطة زهرية ..وأكمامه جابونيز مزمومة عند عضدها
وشعرها الحريري القصير صنعت من خصلاته أمواجا قصيرة ملتوية
مما جعله أقصر وأكثر إثارة
وهي في دورانها في البيت طُرق الباب
قفز توترها للذروة وهي تشعر أنه لابد سيغمى عليها
فتحت الباب بتردد
لتصاب بصدمة خجل كاسحة وهي ترى شقيقها مشعل أمامها
كان بودها أن تهرب لتبدل ملابسها
لولا أن مشعل دخل ليتيح للمتعكز خلفه الدخول
****************************
بيت محمد بن مشعل
غرفة راكان
كان راكان يصلي قيامه حين سمع صوت رسالة تصل لهاتفه المحمول
حين سلّم من صلاته
تناول هاتفه ليرى الرسالة
تغير وجهه وهو يقرأها.. تغير جذريا
ومضمون الرسالة يشعل غضبه لأبعد حد
رغم حلمه الشاسع الذي عُرف به
ومازال غضبه يسيره وهو يتصل بالجهة التي وصلته الرسالة منها
ليصرخ بغضب كاسح ولكن مكتوم من بين أسنانه فور رد الجهة عليه:
أنتي شايفتني بزر تلعبين فيه؟!!
#أنفاس_قطر#
.
.
الحين خلصتوا البارت وجاء وقت ثرثرتي الخاصة
ومافيه داعي تتعبون أنفسكم وتعلقون على ثرثرة وحدة مشتاقة لكم وتبي تهذر بس
خلوا تعليقاتكم للبارت وأنا أركنوني على جنب
بنات كثير عاتبوني على أن الغياب بسبب الكلام اللي وصلني
وإني كيف أهتم لكلام وحدة أو ثنتين وأترك مساندة الكثيرات لي
يا حبيباتي أنتو تركتوا سببين ومسكتوا في الثالث
هذا كان سبب ثانوي جدا أمام السببين الأولين اللي هم تعبي وحملي والضغط علي ورغبتي في صياغة مركزة للقصة
ولو رجعنا للسبب اللي ضايقكم
بأقول لكم: لو أنتي جالسة في وسط حديقة خضراء من أروع ماخلق ربي
والجو من أبدع ما يكون وأنتي جالسة في كرسي مريح جدا ما ودك تقومين منه
ومعاك كل أهلك وأحبابك وصديقاتك
لكن فيه دبوس صغير تافه يشكك
هل بتظلين جالسة؟؟ أو لازم تقومين عشان تشيلين الدبوس؟؟
رغم كل المغريات للبقاء لكن المنطق الإنساني يقول لابد من البحث عن الدبوس لقذفه بعيدا.. ثم العودة للجلوس
وهذا أنا رميت الدبوس.. ورجعت أجلس
شيء ثاني إنه البعض عاتبني إنه لو حتى كان فيه كلام يوصلني
المفروض إني ما قلته وأكتفيت بذكر السببين الأولين لأن الأجازة أصلا من حقي ومافيه داعي لتقديم تبريرات
وذكري للسبب الثالث بيّن ضعف في شخصيتي غير اللي تعرفونه عن أنفاس قطر
وأنا أقول لهم كلام وهو فعلا كلام مهم
إنه عندنا نحن العرب بشكل عام مشكلة اسمها انعدام الشفافية
والأمم المتحدة تسوي تقرير سنوي عن مدى شفافية الدول
والدول العربية كلها في ذيل القائمة
ليش؟؟ لأن شعوبها تعاني من انعدام الشفافية قبل حكوماتها <<< يا شين دخال السياسة على غير سنع.. بس تحملوا خبالي
يعني يا بنات مو كفاية إنه احنا متخبين خلف أسماء مستعارة وأقنعة؟!!
حتى مشاعرنا وأحاسيسنا لازم نلبسها أقنعة؟!!
أنا تضايقت من شيء معين.. وين المشكلة إني أشركتكم معي في ضيقي؟!!
أو لازم أخبي عليكم وأقول أنتو شدخلكم؟؟!!
عمر الشفافية ما كانت ضعف في الشخصية.. لكن ضعف الشخصية لما تحاول تبين للناس شيء غير حقيقتك وتلبس ثوب شخصية غير شخصيتك
والإنسان السوي الطبيعي مهما كانت قوة شخصيته فهو يبقى إنسان تجتاحه لخظات ضعف يحتاج فيها لفترة راحة يعيد فيها ترتيب أوراقه
فكيف لما يكون هذا الإنسان مثلي يعاني تعب جسد وفكري هائل..؟!!
أنا حامل وأعاني من هزال وتعب شديد مع الحمل
ومع كذا كنت كل يوم أكتب وأنزل لأني دائما أقول الإلتزام قضية ومحبة الناس قضية أكبر
وفعلا محبتكم هي قضيتي الأكبر والأهم
الله لا يحرمني من محبتكم ويديم المودة قلوبنا
نجي لفريق ثالث من البنات.. اللي قالوا إنه كاتبة كبيرة مثلي<< الله يكبر قدرهم عند ربهم
المفروض إنها ما تقول إنه فيه حد تجرأ وقلل من قدرها حتى لو حصل هذا
يا بنات يا نبضات قلبي
لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر
وأكبر الناس عند الله أصغرهم في عين نفسه
وأنا والله العظيم ما أعترضت على قولتهم كاتبة أو غير كاتبة
لأنه أنا أرحب بالنقد وأنبسط فيه مهما كان قاسي.. ومن حقهم يعبرون رأيهم
لكن رفضي فقط كان للأسلوب التجريحي
وأنا لأني مارديت عليهم مطلقا فإثارة القضية علنا فرصة إني أقول
أنا أرحب بكل كل نقد للقصة مهما كان قاسي
لكن أي رسالة قصدها التجريح في شخصي سأحولها فورا لإدارة المنتدى للتعامل معها
وخلصت الهذرة وعدنا والعود أحمد
ووالله أشتقت لكم كثير شوق ماله حدود
ولو أنتو تحبوني شوي أنا أحبكم كثير والله الشاهد
وموعدنا صباح الأحد إن شاء الله
.
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 04:50 PM
أسى الهجران/ الجزء السبعون
بيت عبدالله بن مشعل
غرفة موضي
منتصف الليل
(حينما كنت مشبعة بالحياة ومقبلة عليها
كان نصيبي رجل هو أقل من أقل أحلامي
امتهنني حتى ألغى إنسانيتي وكينونتي وأنوثي
وحينما زهدت في كل شيء وماعاد بي ما يغري أي رجل بي
أجدني تورطت مع رجل هو فوق كل ما أكون قد حلمت من معجزات عصية التحقيق
لا تلاقي مطلقا بيننا.. ولا بأي صورة)
موضي متوترة.. مثقلة بالتفكير.. وعشرات الأفكار تعصف بها
ثم استقرت في الختام على قرار
فطلبها من راكان أن يتزوجها كان متهورا لأبعد حد
وربما لأنها في وقتها كانت مرتبكة من قرار والدتها
ووجدت راكان يرد عليها وهي في قمة يأسها فاتخذته طوقا للنجاة
دون أن تفكر فيه هو شخصيا
رجل مثله في اكتماله الموجع يستحق من هي مثله
وليس بقايا امرأة.. حتى وإن كان في إطار زواج صوري
فهي أمام الناس زوجته.. كيف ستحتمل عقد المقارنة بينهما؟!!
لذا قررت التوجه لغرفة شقيقها سلطان
كان مستغرقا في النوم.. تناولت هاتفه المحمول
وأخذت رقم هاتف راكان منه
وكتبت له الرسالة التالية:
" راكان
أنا أحلك من طلب الزواج المخزي اللي أنا أجبرتك عليه
بأقول لأبي إني أنا اللي ما أبي الزواج
عشان ما تنحرج معه
ورايتك بيضا يابو محمد"
أرسلتها
ثم تناولت مصحفها لتقرأ وردها قبل أن تنام
وتطمئن روحها القلقة
بعد عدة دقائق
كان هاتفها يرن
تناولته وهي تظن أنها لابد لطيفة فلن يتصل أحد في هذا الوقت سواها
بما أنها تسهر للدراسة
ولكنها صُدمت وهي ترى أنه ذات الرقم الذي أرسلت له الرسالة قبل قليل
ابتلعت ريقها بصعوبة
كانت تتمنى ألا ترد عليه ولكنها مجبرة أن تفعل..
تناولت هاتفها لترد بصوت متردد: ألو
ليفاجئها صراخة المكتوم على الجهة الأخرى: أنتي شايفتني بزر تلعبين فيه؟؟
موضي ابتلعت ريقها وهي تهمس بخفوت: محشوم يابو محمد
راكان بنفس النبرة الغاضبة التي لم يعتدها: ليه أنتي خليتي فيها محشوم
موضي بذات الهدوء الخافت: الله يهداك راكان مافيه داعي تعصب
أنا قلت لك الموضوع من صوبي أنا اللي بأقول أني ما أبي أتزوج
راكان من بين أسنانه: ياسلام عليش.. وفي ظنش أنا رأيي ماله قيمة أول وتالي
الظاهر إنش ماتعرفين راكان من هو
ومهوب أنا اللي أمشي على شور النسوان..
أنا يوم وافقت وافقت بكيفي.. لا تظنين للحظة إنش أنتي اللي جبرتيني
والحين بعد مهوب على كيفش تقولين هون خلاص
كني لعبة عندش.. شوي تلعبين بها.. وعقبه مليتي منها
موضي بألم: راكان مافيه داعي للتجريح.. أنا مستخسرتك فيني
أنت تستحق اللي تساويك مهوب وحدة مثلي
راكان بصدمة: مستخسرتني فيش؟؟!!
موضي عيب عليش ذا الكلام.. عيب
ثم تنهد وأكمل: إذا أنتي خايفة إني ممكن يوم أسوي فيش مثل حمد
فأقول لش تنقص يدي ولا أمد عليش أصبع
موضي باستنكار: لا والله ماطرا علي
أنت وين وحمد وين
لكن.......
راكان قاطعها وهو يقول بثقة ثابتة: خلاص لا تقولين شيء
سالفتنا منتهية.. والناس كلهم منتظرين الملكة
فلا تحرجين نفسش وتحرجيني
وملكتنا بتكون قبل سفر مشعل
موضي بتردد: زين عندي شرط
راكان بثبات: ما تشوفين إنش مسختيها بالشروط.. بس ولا يهمش تدللي
موضي برجاء حقيقي: آخر شرط.. تكفى
راكان بهدوء: زين قولي
موضي بخفوت: إنك تزوج عقب وحدة تليق فيك
راكان غضب فعلا.. غضب لأبعد حد
(هذي لذا الدرجة مسترخصة فيني
المره لو هي تكره رجالها كره العمى ما تبيه يتزوج عليها
لكن هذي باقي تدلل علي)
رد عليها بغضب حقيقي: تدرين موضي أنتي ما ينرد عليش
أنا إذا بغيت أتزوج أنتي وإلا غيرش
أنا اللي أقرر مهوب انتي
وياويلش يا موضي.. لو سمعتش تعيدين ذا السالفة عقب
فاهمتني؟!!
موضي بحرج: خلاص راكان.. آسفة.. آسفة
**********************
بيت فارس بن سعود
غرفة فارس
فارس يدخل غرفته
يلفه توتره وشوقه
(هل سأجدها أم مازالت في بيت أهلها؟!)
صدم حين دخل بصوت نحيب خافت
ثم صُدم أكثر بالمنظر الموجع الذي رأه أمامه
المنظر الذي مزق روحه أشلاء متناثرة
كانت كطفلة باكية وهي تحتضن مخدة صغيرة تنثر أساها وحزنها ودموعها فيها
اقترب منها
لم تنتبه لاقترابه
حتى جلس جوارها
انتفضت وهي تشعر بالثقل الذي جلس جوارها
ثم انتفضت أكثر وهو يضع يده على رأسها
رفعت وجهها إليه
أذابت عيناها الدامعتان شرايين قلبه
في كل مرة كان يسمع صوت بكاءها عبر الهاتف ويكاد يجن
فكيف وهو يراها تبكي أمامه
كان الأمر فوق احتماله.. فوق احتماله بكثير
أخذ المخدة من بين يديها
لف ذراعه على كتفيها وهو يقربها منه
ليدفن رأسها في عرض صدره
ثم يشدد احتضانه لها وهو يحكم ذراعيه حولها
كأنه يريد إخفائها بين أضلاعه
(يا الله كم هو موجع ورائع إحساسي بها بين أحضاني
كأن قلبي المهاجر يعود ليستكين بين أضلاعي
كأن روحي الهائمة ترجع لتستقر في حناياي
أي سحر تحتوينه يا صغيرة أي سحر؟؟
تعبت وأنا أسأل هذا السؤال
وأنتِ لا تجيبين
فقط تمعنين في تعذيبي وربطي بحبال هواكِ
كم أحبكِ يا صغيرتي!!
حبكِ أذاب عظامي.. نفض روحي..تغلغل في كل خلية من خلاياي)
كانت العنود تستكين بين أحضانه وهي تدفن رأسها في صدره
وتمسك بجيب ثوبه بكلتا يديها كأنها طفلة تخشى الضياع
وهي تنخرط في بكاء حاد مؤلم
شعر أنه فعلا يتمزق وهو يشعر بدموعها تبلل ثوبه لتصل إلى جلده
همس لها بحنان عميق:
بسش بكاء.. تكفين
العنود رفعت وجهها الغارق بالدموع إليه وهي تهمس بألم:
ليش ماقلت لي عن حالة ناصر قبل؟؟
ليش تخلي مشعل هو اللي يقول لي؟؟
ليش خبيت علي؟؟
لهالدرجة أنا مالي قيمة عندك؟؟
إذا من أولها تعامل معي كذا أشلون عقب؟؟
فارس وقف وهو يزيح كل انفعالاته جانبا وسؤالها الأخير يصفع غروره وتكبره
ليقول لها ببرود: العنود أنا ما أسمح لش تحاسبيني أو تعلميني أشلون أعامل مرتي
العنود وقفت وهي تنظر له نظرة مشبعة بالألم
نظرتها نحرته..
ولكن انفعالاته لم تظهر على ملامح وجهه التي احتفظت ببرودها
والعنود تنسحب لتدخل الحمام
تريد أن تتوضأ
وتريد أن تهرب من سطوة قسوته..
أي رجل هذا الذي ينقلب من النقيض إلى النقيض في لحظة؟!!
من النار إلى الجليد
من الحنان إلى القسوة
من حبيب تتمناه إلى فارس الذي تعرفه!!
*************************
بيت محمد بن مشعل
قسم ناصر
مشاعل كانت تطوف في البيت كالمخبولة تماما
غاية في التوتر.. عاجزة عن كبح جماح توترها وخوفها وخجلها
تأنقت تماما بناء على نصيحة لطيفة
وهاهي ترتدي بنطلونا حريريا أسود فوقه قميص طويل من الشيفون يصل للركبة
ألوانه خليط من الزهر والأسود
مزموم من عند الصدر حيث تربط شريطة زهرية ..وأكمامه جابونيز مزمومة عند عضدها
وشعرها الحريري القصير صنعت من خصلاته أمواجا قصيرة ملتوية
مما جعله أقصر وأكثر إثارة
وهي في دورانها في البيت طُرق الباب
قفز توترها للذروة وهي تشعر أنه لابد سيغمى عليها
فتحت الباب بتردد
لتصاب بصدمة خجل كاسحة وهي ترى شقيقها مشعل أمامها
كان بودها أن تهرب لتبدل ملابسها
لولا أن مشعل دخل ليتيح للمتعكز خلفه الدخول
المتعكز الذي نحرت رؤيته روحها
كان يحاول التقدم بخطواته بشكل واثق
لم تنتبه مطلقا لعكازاته كان تركيزها على وجهها
كانت تريد أن ترى فيه طيف أمل لها
ولكنها لاحظت تماما أنه لا ينظر إليها ولم ينظر لها حتى
شعرت بفراغ موجع يجتاح روحها
وهي تتأخر لتسمح له بالتقدم
مشعل تقدم منها.. احتضنها وقبل رأسها وهو يهمس لها بخفوت:
سلمي على ناصر
لكنها لم تتحرك من جوار شقيقها وناصر يصل بعكازيه إلى منتصف الصالة
شعر مشعل أن مهمته أكثر صعوبة
لذا قال بصوت مسموع: مشاعل روحي سلمي على رجّالش
في العرف المعتاد من غير اللائق أن تسلم المرأة على زوجها أمام أحد
ولكن وضع ناصر ومشاعل كان وضعا غير معتاد
مشاعل تقدمت خطوة
لكن ناصر أشار بيده وهو يعطيهما ظهره: مافيه داعي
مشعل شعر بالإهانة.. ومشاعل شعرت بالألم
وناصر أدرك أن جملته جارحة لمشعل.. فمن الاثنين المتواجدين معه لم يكن يهمه إلا مشعلا!!
لذا تدارك الوضع بذكاء وهو يكمل جملته و يقول بهدوء: لا تحرجها يا مشعل.. أدري إنها مستحية
مشعل ابتسم وهو يقول: لا مهيب مستحية
مشاعل روحي سلمي على ناصر
كان مشعل مازال واقفا على الباب يستعد للمغادرة ولا يرى وجه ناصر
مشاعل اقتربت أكثر.. أحرجها كثيرا أنه مازال يعطيها ظهره
لذا اضطرت أن تلف لتقف أمامه مباشرة
مرت لحظات متوترة.. هي تنظر له وتمعن النظر واللصقات الصغيرة المنتشرة في وجهه تنحر روحها بالألم
وهو ينظر لما فوق رأسها بحكم طوله أولا.. وأنه يتحاشى النظر لها ثانيا
مشاعل همست له بصوت لا يسمعه سواهما: نزل رأسك شوي
لا تحرجني مع مشعل
ناصر أمال رأسه للأسفل قليلا ليصل لمستواها
مشاعل تعلم أن مشعل لا يراها لأن جسد ناصر يحجب الرؤية عن مشعل
ناصر همس لها ببرود: ترا ماصار سلام.. خلاص اعتبري إنش سلمتي
مشاعل لم ترد عليه وهي تضع كفها اليمين على خده اليسار وتطبع قبلة رقيقة شديدة العذوبة على طرف شفته من ناحيتها اليمنى
ناصر انتفض داخله بعنف.. لم يتوقع أن تقبله بهذه الطريقة الحميمة
توقع أن السلام لن يتجاوز تقبيل جبينه أو وضع خدها على خده مجاملة لوجود مشعل ليس إلا..
مشاعل همست له برقة وخجل: الحمدلله على سلامتك
رد عليها بصوت هادئ مسموع رغم إضطرابه الداخلي من حركتها الجريئة غير المتوقعة:
الله يسلمش
ومشعل يبتسم عند الباب: يالله يا جماعة تصبحون على خير
لم ينتظر ردا وهو يخرج ويغلق الباب خلفه
مشاعل كانت تذوب داخليا.. لا تستطيع رفع عينيها في ناصر بعد الذي فعلته
ولكنها شعرت أن هذا ما يجب أن تفعله حتى لا يشعر أنها مجبرة على السلام عليه
ناصر تجاوزها وجلس على الأريكة وهو يضع عكازيه بجواره
مشاعل اقتربت منه وهي تمسك عضدها اليسار بيدها اليمين كحركة للتماسك وهي تهمس: تعشيت؟؟
ناصر يلقي غترته جواره ويقول لها ببرود: تعشيت.. ولو ما تعشيت.. تطمني.. ماني بطالب منش عشا
مشاعل شعرت بألم حاد يخترق روحها.. همست له بمرارة: ناصر ليش تقول كذا؟؟
ناصر بذات البرود: اسمعيني يا بنت الناس.. أنا داري إنش عايفتني
لا تجين تقولين ذا الحين إني حليت في عينش..
لأني مستحيل أصدقش لو مهما سويتي من الحركات البايخة مثل الحركة اللي سويتيها قبل شوي
مشاعل بألم: حرام عليك ناصر تظلمني..أنا بس كنت مستحية منك
وصدقني اللي صار لك ماغير من نظرتي لك شيء.. أنت عندي شيخ الرياجيل أول و تالي..
ناصر نظر لها بغضب كاسح وهو يقول بنبرة غضب حادة:
أنتي لا تحسبين إنه عشان رجلي انقصت غديت ضعيف لش وإلا لغيرش
أدري إني شيخ الرياجيل برجلين وإلا وبوحدة.. وما أنا باللي بينقص مرجلتي قص رجلي.. هذاك الرجّال الناقص مهوب أنا
وأنا مستعد ذا الساعة أطلع من عندش وأرجع عقب ساعة متزوج شيختش اللي تسواش واللي هي وأهلها يعرفون يقيمون الرياجيل..
وهذا هو اللي بيصير.. بس مهوب ذا الحين.. بعدين ..
وانتي لين ذاك الوقت مالش شغل فيني..
اعتبرني نفسش ضيفة هنا.. حشمة لعمي عبدالله ومشعل.. وعقب شهر شهرين توكلي على الله وارجعي لهلش
مشاعل بهتت.. بهتت تماما.. توقعت الكثير.. ولكن ليس هذا
وليس بهذه القسوة والتجريح..
لم تعد تستطيع الوقوف.. قداماها تذوبان.. وجسدها يتهاوى
جلست بعيدا عنه
وهي تراقبه يتناول عكازيه ويقف عليهما
ويبتعد عنها لداخل الغرفة
مشاعل شعرت برغبة ملحة في البكاء
توجهت للغرفة الأخرى
كانت غرفة خالية لم تفرش بعد
أغلقت الباب
وجلست في الزاوية على الرخام البارد
وانخرطت في بكاء حاد
*************************
بيت مشعل بن محمد
غرفة مشعل ولطيفة
مشعل يدخل وعيناه تبحث فورا عن لطيفة
كانت على مكتبها تدرس
اقترب منها وسلمّ
ثم وقف خلفها ووضع يديه على كتفيها وهو يلصق خده بخدها ويهمس:
شأخبار طالبتنا النجيبة؟؟
لطيفة تحتضن خده بكفها وهي تهمس بتوتر: متوترة شوي.. بس هذا أنا أدرس
مشعل ابتعد قليلا ليبدل ملابسه ويصلي قيامه همس لها وهو يبتعد: ما ينخاف عليش يا قلبي
كان مشعل على وشك دخول الحمام حين تذكرت لطيفة شيئا:
مشعل
مشعل توقف: هلا حبيبتي
لطيفة برقة: فديتك حمودي يبي يعيد اشتراكه في نادي الكاراتيه.. تدري اشتراكه انتهى قبل الامتحانات.. وانت قلت منت براجع تجدده لين يخلص الامتحانات
وهذا هو خلص
مشعل بثبات: وليش هو ما قال لي؟؟؟.. لطيفة يا قلبي.. ثاني مرة يطلب منش شيء تقولينه لي
قولي له هو يطلبه مني.. ما أحب إنه يخليش واسطة بيننا.. أو يصير يستحي مني أو يحط بيني وبينه حاجز
سواء حمود أو عبود أو حتى البنات
لطيفة بابتسامة شاسعة: إن شاء الله يا قلبي
***********************
بيت فارس بن سعود
غرفة فارس
مازال جو التوتر يشيع في الأجواء
فارس أنهى صلاة قيامه في الصالة
وهي كانت تصلي في الغرفة
مر وقت ما وكلاهما معتصم بمكانه
فارس يتمنى بالفعل لو كان يستطيع أن يصارحها بعمق مشاعره ناحيته
أن يتوقف عن معاملتها بهذه القسوة التي لا يقصدها
ولكنها طباعه السيئة التي هو عاجز عن تغييرها بين ليلة وضحاها
قرر أن ينهض أخيرا.. دخل عليها
كانت تجلس على التسريحة تمشط شعرها..
فارس جلس على طرف السرير
كان يراقبها بتمعن
كانت تبدو سارحة في عوالم أخرى
لم تنتبه لدخوله حتى
ونظرة حزن عميق ترتسم على محياها الوضيء
فارس تنهد بعمق
كم يؤلمه آلمها..
والمؤلم حقا أنه لا سبب حقيقي لكل هذا سوى قسوته وكبريائه التعيسان
فارس همس: العنود
العنود انتفضت وهي تهمس بتلقائية: لبيه
فارس بحنان: لبيتي في مكة.. تعالي هنا أبي أقول لش شيء
**********************
مر وقت ما
طويل ربما.. قصير ربما
ومشاعل تبكي.. لم يخرجها من صومعة بكاءها سوى إحساسها الشديد بالبرد
فالغرفة كانت شديدة البرودة وملابسها خفيفة
قررت أن تخرج أخيرا
تحتاج أن تستحم وتصلي
مرت بالصالة نظرت لنفسها في المرآة الضخمة التي تتوسط الصالة
شكلها يبدو مرعبا من ذوبان كحلها على خديها
لا تريده أن يراها على هذه الحال
أي عروس هذه التي لم تجف دموعها من ليلة عرسها؟!!
دخلت تتسحب بهدوء
توقعت أن يكون نائما..
ولكنه كان يقرأ في المصحف.. ولم يرفع رأسه ناحيتها
تناولت روبها وفوطتها ودخلت للحمام
بعد خروجها تناولت سجادتها وثوب صلاتها وخرجت من عنده
وصلت في الصالة
أنهت صلاتها
ثم جلست تفكر.. كان بودها أن تتصل بلطيفة لتستشيرها
ولكن الوقت كان متأخرا جدا
وهي تشعر بالخجل أن تزعجها.. فقد تكون نائمة..
لم تعرف كيف تتصرف معه.. يستحيل أن توافق على سخافاته
"ضيفة.. وشهرين.. ثم يتزوج"
تعلم أنه مجروح منها
لا تلومه.. وتلومه في آن
فهو كان يعلم أنها خجولة.. ولكنه أساء تفهم خجلها
ولكن لم يعد هذا وقت العتب
فزواجها على المحك.. وهي تعلم أنها لو خسرته..فيستحيل أن تجد رجلا مثله
أين تستطيع أن تجد رجلا بإيمانه وقوته وصبره وعبق رجولته الحقيقي
لابد أن تخوض معركتها وحيدة لاستعادته
ويستحيل أن تخسر
يستحيل
تنهدت بعمق وهي تعود للداخل
كان قد تمدد على السرير وهو ينام على جنبه اليمين ووجهه لطرف السرير الآخر
وكان اختار هذا الطرف لأنه الاقرب للحمام
أخذت لها بيجامة من الدولاب
أرتدتها.. ثم عادت للتنهد للمرة الألف وهي تحاول بث عزم جديد في عروقها
كانت تخشى أن يطردها وهي بذاتها تكاد تذوب من الخجل
توجهت للناحية الأخرى من السرير واندست فيه وهي تنام على جنبها اليمين
وتعطيه ظهرها وهي تضم كفيها لصدرها وتدعو الله بعمق
تفاجأ ناصر منها بل صُدم.. ولكنه صمت
كان بوده أن يطردها... أو يقوم هو لينام في مكان آخر
ولكنه شعر أن الأولى نقص في المروءة والثانية نقص في الشجاعة
وليس هو بقليل المروءة أو قليل الشجاعة
بل لديه حظ وافر منهما كلاهما
لذا أكمل تمتمته بأذكاره وهو ينظر لظهرها الضئيل وعظمتي كتفيها الرقيقين الباديتين من تحت حرير بيجامتها الزرقاء
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 04:53 PM
الجزء الحادي والسبعين
بيت فارس بن سعود
غرفة فارس والعنود
العنود تقدمت بضع خطوات استجابة لنداء فارس لها
فارس بعمق وهو يشير جواره للناحية الأخرى من السرير: تعالي جنبي
اقتربت بتردد وخجل وجلست
فارس أمسك بكفها واحتضنها وهمس لها بعمق هادر:
حبيبتي أنا مهوب قلت لش إني غريب.. واستحمليني شوي.. أنا مايهون علي زعلش
العنود بحزن شفاف: وأنا جد حبيبتك يافارس؟؟.. وإلا كلمة ومقيولة؟؟
فارس بنبره وله حقيقي لأول يستطيع التعبير بها: إلا حبيبتي وحبيبتي..وحبيبتي
العنود بذات نبرة الحزن الرقيق: زين واللي يحب حد يعامله بذا القسوة.. لو كنت تكرهني وش سويت فيني؟؟
فارس ترك يدها ليضع كفه على خدها ويهمس لها: أنا أطباعي شينة.. أدري
وصعب أتغير بين يوم وليلة.. لكني عشانش مستعد أقط روحي في النار
انتي منتي بمستعدة تحملين شوي عشاني؟!!
ثم أكمل بنبرة مقصودة: وإلا عشان أنا مالي قيمة في قلبك منتي بقادرة تستحمليني؟؟
العنود انتفضت بجزع وهي تضع إصبعها الناعم على شفتيه لتقول برقة: ما أسمح لك تقول كذا
فارس قبل طرف إصبعها بعمق وعيناه تغرق في بحر عينيها
البحر الذي يتمنى أن يعيش عمره غريقا بين أمواجه
لا يريد أن ينقذه أحد.. بل يريد أن يغرق أكثر.. وأكثر
أن يسكن بحر هاتين العينين وقلب صاحبتها
أن تكون له..
له وحده
***********************
غرفة ناصر ومشاعل
ناصر يصحو لصلاة الفجر.. يشعل النور المجاور لسريره ليتناول عكازيه
ينظر ناحية ضيفته.. ضيفته كما يقول
تبدو مرتاعة حتى وهي نائمة
كما لو أنها عانت الكوابيس حتى نامت..
شعرها الحريري القصير تتناثر خصلاته على وجهها
وعلى طرف عينها تغفو دمعة يابسة فرت من حساب الزمن
تنهد ناصر..
لِـمَ تستفزه لإخراج مساوئه؟؟
لم يكن يوما قاسيا هكذا على أحد
لا يشعر ناحيتها سوى بنفور شديد
يتمنى أن ينهي صفحتها من حياته بأسرع وقت
أن تكون صفحة وتنقضي
ليبدأ حياة جديدة مع امرأة أخرى تكون ****ة به منذ البداية
لولا أنها ابنة عمه أو ماكان ليتحمل وجودها لدقيقة واحدة
تنهد مرة أخرى وهو يقرب عكازيه منه
وينهض
ويتجه للحمام ليتوضأ
شعر بدوار شديد نتيجة للأدوية التي مازال يتناولها
سقط والعكازان يحدثان وقعا مدويا
قفزت مشاعل من السرير مرعوبة
لتصدم برؤيته على الأرض وهو مقطب الجبين من الدوار..و يحاول التماسك وتقريب عكازيه منه
مشاعل اقتربت منه بتلقائية يحركها رعبها عليه لتدخل يديها تحت إبطيه لتساعده على الوقوف
رغم أنها أساسا محاولة فاشلة فمن هي في حجمها الضئيل يستحيل أن تُنهض من هو في طوله الفارع
ولكنها كانت أبعد من تكون عن التفكير بالتحليلات المنطقية
ناصر نهرها بقسوة حقيقية: وخري.. أنا مهوب قايل لش مالش شغل فيني
قالها وهو يقرب عكازيه ويتجلد للوقوف
ليقف فعلا ويكمل طريقه للحمام
ويتركها تحتضن نفسها ألما وحرجا وفراغا مرا
وكالعادة تشعر برغبة ملحة للبكاء
غادرت الغرفة وتوجهت للغرفة الأخرى وهي تحتضن هاتفها
أغلقت على نفسها الباب واتصلت
حين رد عليها الطرف الآخر بدأت بالبكاء وهي تشهق وتقول:
مهوب طايقني.. مهوب طايقني
لطيفة وقتها كانت تنتظر خروج مشعل من الحمام لتتوضأ
حين رأت هاتفها يرن ويلمع باسم مشاعل في هذا الوقت علمت أن وراءها أمرا
لذا خرجت بهاتفها لغرفة بناتها وردت عليها وهي تخرج:
يا بنت الحلال استهدي بالله.. الرجّال توه واصل البارحة
"قال قوه قال توه"
أنتي تبينه على طول يطيح اللي في رأسه.. مايكون مشعلي أصيل
مشاعل بين شهقاتها: بس أنا ماسويت له شيء عشان يعاملني كذا
لطيفة تتنهد: ياقلبي يا مشاعل.. توش ما شفتي شيء
وإذا أنتي من أولها كذا فأنتي الخسرانة
مشاعل تتماسك: خلاص بأقعد عنده بس بأقعد في الغرفة الثانية بأفرشها وأقعد فيها
لطيفة بتحذير: إياني وإياش تسوينها.. حتى لو أنتي شايفة إنه مهوب طايقش على قولتش خليه يتعود عليش.. التعود أحيانا أقوى من الحب
خليه يحس إنه ما يقدر يقعد من غير حركتش حوله ووجودش جنبه.. حتى لو كان ما يكلمش
إسأليني... مشعل حتى أيام كنت أظن إنه مهوب حاس فيني.. ماكان يرضى أنام عند هلي.. وانتي بروحش تذكرين
تدرين الحين وش يقول لي... يقول كان مستحيل أدخل البيت وأنتي منتي بفيه
يقول ما كنت أعرف أفسر ليه.. بس البيت من غيرش يضيق الصدر كنه قبر
حسسي ناصر إن المكان من غيرش قبر.. لا تصيرين مدمغة.. وعند أول موقف تستسلمين
مشاعل مسحت دموعها وكلام شقيقتها يهدي كثيرا من روحها المرتاعة
عادت له في الغرفة
كان يلبس ثوبه على فنيلته وسرواله الأبيضين اللذين نام بهما
تجاوزته ودخلت الحمام دون أن تنظر له حتى لا يرى وجهها المحمر
همست وهي عند باب الحمام: أنت بالعادة تحب تفطر عقب الصلاة أو عقب؟؟
ناصر ببرود: إذا بغيت أفطر.. أفطرت عند أمي وإلا في المجلس.. قلت لش ما أبي منش شيء
مشاعل بسكون: والله أنا بأسوي مثل ما تعلمت في بيت هلي لين أرجع عليهم ريوقك بأسويه.. بغيت تأكل وإلا براحتك
*************************
غرفة فارس والعنود
الساعة 8 صباحا
العنود تتحرك بهدوء حتى لا تزعج فارس المستغرق في النوم
تلبس ملابسها استعدادا للذهاب للجامعة
فاليوم أول اختباراتها
فارس صحا من نومه
قبل أن يفتح عينيه مد يده جواره.. وجد مكانها خاليا
فتح عينيه بكسل وهو يتلفت بحثا عن طيفها الأثير
طيف فاتنته
وجدها أمام المرآة تضع واقي الشمس
اعتدل من نومه وهو يعدل المخدة خلف ظهره ويتسند.. ينظر لها ويبتسم
همس: صباح الخير ياقلبي أحلى صباح على عيونش
العنود ألتفتت له.. نهضت.. نظرت له مليا وهي تبادله الابتسام.. نهضت اقتربت منه وطبعت قبلة على خده وهي تهمس:
صباحك أحلى.. أول مرة أشوف واحد صاحي من النوم ويكون حلو موت كذا
فارس يشدها ليجلسها جواره: بلاها سالفة حلو ذي.. لا تطلع سكوني عليش
العنود تبعثر شعره بشقاوة وتهمس: أما أنك غريب.. حد يزعل من سالفة إنه حلو
فارس يشدها لصدره ويطبع قبلة على شعرها وهو يقول: أنا أزعل.. أنتي بنت وقمر ينقال لش ياحلوة
بس أنا اللي يقول لي حلو.. أقص لسانه
أنتي أول حد أعديها له.. وترا مهوب كل مرة أعديها
العنود احتضنت خصره بشدة ثم أفلتته وهي تقول: يا الله هدني لا تأخرني
فارس أفلتها وهو يقول باستغراب: وين بتروحين؟؟
العنود نهضت وهي تعود للمرآة وتقول بتلقائية: الجامعة.. اليوم أول اختبار عندي
فارس بغضب مفاجئ: وبدون ما تصحيني أو حتى تقولين لي.. ومن اللي كان بيوديش؟؟
العنود توترت وهي تهمس: سواقة مريم
فارس نهض وهو يرمي الغطاء بغضب: ليه ماوراش رجّال كنتي بتخلينه مكبر المخدة بدون حتى ما تعطينه خبر
(يامسرع ما يقلب ذا الرجّال.. قبل شوي يهبل)
همست العنود بخجل: محشوم فارس.. أنا حنيتك بس
فارس بنبرة حادة: لا.. لا تحشميني إذا هذي الحشمة عندش
متى امتحانش؟؟
العنود بخفوت: الساعة 10
فارس يتوجه للحمام: خلاص ربع ساعة بس أغسل وأتوضأ وأصلي الضحى وأوديش
حين خرج من الحمام كانت العنود تضع بعض الكحل داخل عينيها
فارس بغضب: وش تسوين؟؟
العنود بهمس: نقزتني.. وش فيك؟؟
فارس من بين أسنانه: امسحي الكحل اللي حطيتيه
العنود برجاء: فارس حبيبي.. ربعي دارين إني عروس من أسبوع بس..
أشلون تبيهم يشوفوني مغبرة.. وبعدين أنا ما أحط نقابي في الجامعة
والسالفة كلها شوي كحل داخل العين
فارس بذات نبرة الغضب المكتوم: العنود أظني قلت لش قبل إني ما أعيد الطلب مرتين
(يعني معقولة هي مهيب دارية إن عيونها تذبح بدون كحل
تبي تكحل بعد؟!!
تبي تجلطني ذي!!)
العنود شعرت بالمرارة من طريقته الحادة في الأمر.. مسحت الكحل تماما
وهو يصلي ركعتي الضحى
فور انتهائه كانت قد انتهت من لبس عباءتها
توجه للبس ملابسه.. كان يحكم إغلاق زر كمه حين اقتربت منه ووقفت على أطراف أقدامها.. وهمست عند أذنه برقة:
ترى فيه أسلوب ثاني للطلب ويؤدي لنفس النتيجة بس بدون ما يجرح
أو أنت ما تعرف إلا الأسلوب الجارح وبس
فارس مازال يعطيها ظهره وهو يقول بهدوء: والمعنى؟؟
العنود ابتعدت لتتناول كتابها وحقيبتها وهي تقول بنعومة رغم مرارتها الداخلية:
يعني لو قلت لي بهدوء: ياحبيبتي أنا أغار عليش.. وابي حلاتش لي بروحي
كنت قصيت علي.. وأنا سويت كل اللي أنت تبيه وأنا مبسوطة
**************************
بيت ناصر بعد صلاة الفجر
ناصر عاد ومشاعل في المطبخ
لم يقل لها شيء ولكنه عاد للنوم
حين انتهت من إعداد الإفطار كأفضل ما يكون وجدته نائما
عادت ووضعت الفطور في حافظات ليبقى ساخنا وغطت العصير
وأعدت القهوة والشاي والكرك والحليب الطازج في حافظاتها
فهي لا تعلم بعد ذوقه في الإفطار وماذا يحب أن يشرب
ولا تريد أن يكون يريد شيئا ولا يجده جاهزا
رتبت كل شيء على طاولة الطعام التي تأخذ لها زاوية في الصالة
ثم استحمت وتمددت جواره
نهضت حوالي الساعة التاسعة والنصف
لم تجده جوارها
توقعت أن يكون جالسا في الصالة.. توضئت وصلت ضحاها
خرجت ولم تجده.. ووجدت الفطور على حاله لم يلمس
المشكلة أنها لا تعرف رقم هاتفه حتى تتصل به
حتى وإن كانت تعرف.. هل ستتجرأ وتفعلها؟!!
قضت الوقت في الترتيب.. ثم في التأنق
تأنقت لأقصى حد.. رغم أنها بعادتها ليست من هواة تلوين الوجه
أرتدت لها جلابية خليط من الحرير والدانتيل التركواز وأوراق الشجر المصنوعة من قماش الكريب البرتقالي
لأنها تريد التوجه لبيت عمها ولابد أن تلبس شيئا واسعا
بعد أن صلت الظهر قررت الذهاب لأم مشعل لتتغدى معها ومع مريم
لأنها تعلم أن ناصر لابد سيتغدى في المجلس كعادة كل رجال آل مشعل
ارتدت جلالا كبيرا على رأسها وأغلقت باب بيتها وتوجهت لهم
فتحت باب بيتهم.. كان هناك رجلا يجلس بجوار أم مشعل
لم تستطع تبينه بسبب كثافة قماش الجلال
تراجعت وهي تقول بخفوت: بأرجع بعدين يمه
أم مشعل نادتها: تعالي يأمش.. هذا ناصر
توترت..بل توترت بشدة.. خافت أن يحرجها أمام والدته
ولكنها مضطرة للدخول.. دخلت وهي تتمتم بسلام مرتبك
وتنزل جلالها وتطويه وهي تعيد شعرها خلف أذنها
ولكنه لا يلبث أن يعود للانسدال على وجهها خصوصا عندما مالت للسلام على أم مشعل وينحدر شعرها كاملا للأمام
كانت تسرق نظراتها للجالس جوار والدته.. لم ينظر إليها.. أو هكذا بدا لها
وإن كانت رائحة عطره التي بدأت تألفها اخترقتها تماما
همس من قرب: موب أحسن لو تلمين شعرش ضايقتي أمي فيه
مشاعل شعرت بحرج شديد وهي تحاول بكلتا يديها إرجاع خصلاتها القصيرة للوراء وتلمها بكلتا يديها وهي تهمس بخجل: المرة الجاية بأربطه
أم مشعل تبتسم: من اللي بيتضايق من غزل ذا الأرينب المعطر ماشاء الله تبارك الله
مشاعل جلست بعيدا عنهما وهي تحاول ابتلاع حرجها الشفاف
أم مشعل وقفت وهي تقول بمودة: مشاعل تعالي اقعدي جنب رجّالش
أنا بأروح أشوف الخدامات وش سوو في غداء الرياجيل
مشاعل وقفت وهي تقول باستنكار: والله ما تروحين وأنا قاعدة.. أنا بأروح أشوف الغداء
أم مشعل باستنكار وحزم أكبر: استغفري ربش.. أنتي اللي والله ماتروحين
تبين تحوسين ريحتش الحلوة من ريحة المطبخ
اقعدي يأمش.. ياما جاي لش من المطابخ وغثاها.. اقعدي
مشاعل جلست وهي تشعر بالضيق وتكثر الاستغفار لاستعجالها بالحلف
وتقرر أن ترسل السائق العصر لدفع إطعام عشرة مساكين في مقر الجمعية القريب منهم
(ياشين الذرابة عليش.. صدق ممثلة درجة أولى)
كان صوته الساخر يرتفع بعد خروج والدته
مشاعل انتفضت بعنف: تكلمني؟؟
ناصر ينظر لها بنصف عين: ليه فيه حد غيرش هنا
لا أكون أكلم الطوفة بس..
مشاعل ترد بهدوء مثير: والله أنت قايل لي مالي شغل فيك
حسبت الكلام يدخل ضمن الاتفاق.. ودام أنا وحدة مالي شغل فيك
المفروض أي شيء أسويه ما يهمك.. أمثل ما أمثل شيء راجع لي
ناصر بسخرية حادة: والله طلعتي تعرفين تصفين حكي.. تصدقين.. كنت أحسب إنش ماتعرفين تقولين غير كلمة ورد غطاها
بس يظهر كله تمثيل في تمثيل وأنتي ما ينعرف اللي وراش
مشاعل وقفت واتجهت نحوه لتلتقط علبة المحارم الورقية من أمامه
وتميل عليه وتهمس بنبرة مدروسة: زين.. تحذر من اللي ما ينعرف وش اللي وراها
لا تباغتك بحركة أنت منت بمتوقعها
مرت دقيقة متوترة بين الاثنين وهما يتبادلان النظرات الغامضة
خليط من الكراهية والأمل والغضب والتحدي
مشاعل أخذت لها محرمتين وعادت مكانها وداخلها يذوي ويذوب خجلا وارتباكا
لا تعرف أي جرأة واتتها لتقول له هذا الكلام.. وتتصرف هذه التصرفات
أي جنون بات يحركها ويسير تصرفاتها؟!!
ناصر مازال مصدوما منها.. كل تصرف منها يفاجئه تماما
حين ترك لها الفطور صباحا دون أن يلمسه
توقع أنها ستقضي طول اليوم مغلقة الباب على نفسها وتبكي
فهو قصد أن يظهر لها عدم اهتمامه بها وبأي شيء تفعله
ولكنها فاجأته بالحضور هنا
وحين أحرجها بشكل مقصود.. توقع أن تنسحب وتجرجر أذيال خيبتها وأشتات حزنها ولكنها فاجأته للمرة الثانية
وليس مستعدا للمفاجأة الثالثة.. لذا وقف وهو يتعكز على عكازيه ويقول لها بحدة:
قولي لأمي تعطي الخدامة العود تعطيه لواحد من الصبيان يعطينا إياه في المجلس
مشاعل وقفت وهي تقول بسرعة: زين بأجيب لك بسرعة عود من عندي
ناصر بحدة أكبر: يا حبش للقافة.. عاجزة تقولين لأمي اللي أنا قلته لش؟؟
قعدت أنا لين تجي
مشاعل أمسكت عضدها اليسار بكفها اليمين.. حركتها التي تلجأ إليها حين تشعر أنها تحتاج للتماسك.. الحركة التي بات يلاحظها
وهي تنزل رأسها في الأرض وتهمس بمرارة محرجة: خلاص إن شاء الله
***********************
مواقف جامعة قطر
الساعة الواحدة إلا ربع ظهرا
فارس يصل لأخذ العنود بعد إنهاءها لامتحانها
وهاهي تركب جواره وهي صامتة رغم أن غضب صاخب يتعالى في روحها
لأن صديقاتها اللاتي لم يرين زوجها في ليلة زواجهما
أصررن جميعا أن يبقين معها حتى يرينه حين يحضر ليقلها
أطلقن عشرات التعليقات المرحة ولكنها آذتها وأشعلت نار غيرتها للحد الأقصى
"نعنبو.. هذا سكري عليه في البيت.. خطر يتحرك في الشوارع.. يسبب أزمة سير"
" ما تسلفيني إياه شوي.. بس أصور جنبه تكفين"
"مايصير توصلينا ؟؟"
"آه ياقلبي.. فيه رجّال حلو كذا؟!!"
" ترا احنا كل يوم نبي نسير عليكم لا وسيارتنا تعطل.. ونبي أبو الشباب يوصلنا
مايصير تخلونا نتلته في الليول"
لم تسلّم حين ركبت.. فارس التقط كفها واحتضنها بقوة بين أنامله وهو يهمس:
الحلو عاده زعلان حتى سلام ماسلم
العنود بنبرة غضب حقيقية غير معتادة: إيه زعلانة.. وما أبيك تجي تأخذني من الجامعة عقب اليوم ولا حتى توديني
فارس نفض يده من يدها وهو يقول من بين أسنانه: اقصري حسش تراني ماني بأصغر بزرانش..
وأما عاد إنش تبين تمشين شورش علي.. فهذا مابعد جابته أمه
العنود توترت.. تعلم أنها ليست حملا لغضبه.. ولا تستطيع أن تخبره أنه لا تريده أن يحضرها من الجامعة لأن صديقاتها أشبعنه تغزلا
شبكت يديها في حضنها وصمتت وألم عميق يخترم روحها.. وهو صمت وألم مشابه يغزو قلبه المثقل بحبها
يتمنى أن يستطيع احتواءها لمرة دون أن يغضب
أن يسمح لها أن تعبر أن ضيقها أو غضبها دون أن يكبتها بهذه الطريقة الموجعة
ظل الصمت هو شعارهما طوال الطريق
حتى وصلا للبيت وهو يقول لها بهدوء: انزلي.. بأروح للمجلس أتغدى
وترا ماني براجع إلا في الليل.. مشغول شوي
ادرسي امتحانش عدل
لم يكن لدى فارس أي مشاغل.. ولكنه بات يشعر أنه ربما ينشر طاقة سلبية تؤثر على استذكار العنود
لذا يريد أن يتركها طوال النهار لتدرس بعيدا عن تأثيره السلبي
*********************
القاهرة
مصحة حمد النفسية
قبل المغرب بقليل
باكينام تنهي زيارتها لحمد
الذي زارته خلال الأيام الماضية مرتين
رغم سعادة حمد بزيارتها إلا أنه يشعر بالحرج من عدم إحضارها لزوجها
رغم طلبه الحقيقي المتكرر أن تكون الزيارة القادمة لابد معه
وباكينام تتحجج أن يوسف مشغول بالتجهيز لحفل زواجهما القريب
والحقيقة أن تغيرا شاملا انتاب يوسف
فهو ماعاد يهاتفها أو يزورها
والكل انتبه لهذا وخصوصا جداتها
وعذرها الدائم هو إنشغاله في الترتيب لحفل زواجهما
ولكن وصلها بالأمس اتصال متأخر غريب منه
كان صوته مرهقا.. وشعرت أن أوتار قلبها تتهاوى مع نبرات صوته المتعبة
وهو يهمس لها: باكينام إحنا خلاص مش بائي على فرحنا حاجة
عندك حاجة حابة تئوليها لي.. لأنو دي هتكون فرصتك الأخيرة
باكينام باستغراب: بصراحة أنته غريب أوي
تغيب تغيب.. عشان تتصل وتئول لي الكلام الغريب ده
لو عندي حاجة عاوزة أئولها.. هأئولها.. مش هأطلب إزن للكلام
يوسف بذات النبرة المتعبة ولكن تخللها بعض الغضب هذه المرة:
طيب باكي.. تصبحي على خير
وهاهي تخرج من المصحة وتركب سيارتها وبالها مشغول مع كلام يوسف
بعد أن اعتذرت كثيرا من حمد أن هذه ستكون زيارتها الأخيرة
لأنها مشغولة كثيرا في تجهيز فرحها
وحمد هنأها بعمق وصدق.. ووعدها أن يرسل لها وردا يوم زواجها
كانت على وشك تشغيل السيارة حين فوجئت بالباب الجانبي يفتح
وجسد ضخم ينسل للمقعد المجاور
وصوته الغاضب.. الغاضب بصورة لم يسبق مطلقا أن سمعتها يصل لأذنها هادرا متوحشا وهو يعتصر بقوة معصمها الممتد لمكان مفتاح السيارة:
لحد هنا وكفاية.. كان ممكن أسامحك على أي حاجة إلا أنك تخبي علي حاجة زي دي
ئولي لي إيه اللي بينك وبين الراجل اللي اسمو حمد جابر
كبرياء فارس
05-08-2009, 04:55 PM
أسى الهجران/ الجزء الثاني والسبعون
أمام مصحة حمد النفسية في القاهرة
في سيارة باكينام
نار تشتعل بين راكبي السيارة
كان يوسف يمسك معصم باكينام بقسوة وهو يهمس لها بغضب هادر لم تراه مطلقا في حياتها كلها:
لحد هنا وكفاية.. كان ممكن أسامحك على أي حاجة إلا أنك تخبي علي حاجة زي دي
ئولي لي إيه اللي بينك وبين الراجل اللي اسمو حمد جابر
باكينام بغضب مشابه: وأنا ما أسمحش ليك إنك تسألني بنبرة الشك دي
يوسف بذات النبرة المرعبة: أنتي مالكيش حق تسمحي أو ما تسمحيش
لأني اديتك الحق أكتر من مرة.. بس أنتي حلي لك إنك تستغفليني
باكينام باستنكار: أستغفلك؟؟
يوسف بحدة: أه تستغفليني.. أمال تسمي إيه إنك كل يوم والتاني تنطي لراجل غريب تزوريه وتشتري له هدوم كمان
دا أنتي بتتكلمي معاه في مرة وحدة.. أكتر من كل المرات اللي تكلمتي فيها معايا
أنا كنت عاوز أنط لك وأنتي معاه وأعرفك أصلك ئدامه .. لكن لما سألت عنه... عرفت إنه مريض وحالته صعبة.. وكان متجوز وبيحب مراته..
فالعتب كلو على اللي راميه نفسها عليه.. وهي اللي لازم تتحاسب
أنا في الأول حبيت إني أسدء ثقتي فيكي.. ئلت أهو مريض بتزوريه
لكن لما سألتك أول مرة كنتي فين.. خبيتي علي
تاني مرة سألتك عندك حاجة عاوزة تئوليها لي.. برضو خبيتي علي
لما أنتي بتحبيه أو يمكن بينكم حاجة تتمي حكاية جوازنا ليه؟؟
باكينام تحضر كل عروق كبريائها وتصطرع بجنون.. يستحيل أن تشرح أو توضح
كانت ببساطة تستطيع أن تقول أنه ابن عمة هيا ويتعالج هنا بشكل سري
وهيا وصتها أن تزوره.. والملابس دفع ثمنها وزيادة.. وهذه هي الحقيقة فعلا
ويوسف يعرف هيا جيدا.. وكان الإشكال سيحل فورا
لكنها يستحيل أن تريحه بعد أن سمح لنفسه بالشك فيها لدرجة مراقبتها
لذا ردت عليه بحدة مشابهة : أنا اللي تممت جوازنا؟؟
مين اللي فرض كل حاجة عليا؟؟
يوسف بمرارة: بلاش اللعبة دي.. لو كنتي ئلتي إن ئلبك مشغول بغيري من يوم الحفلة
أنا كان مستحيل أجبرك على حاجة
أنا مش رخيص عشان أفكر في وحدة بتفكر في غيري
لكن أنا أفتكرت ئلبك خالي وبتعاندي وهيجي اليوم اللي هائدر أنا أملاه
بس إنك تستغفليني بالطريئة الحقيرة دي.. كانت حاجة رخيصة أوي
وأنتي طلعتي أرخص بكتير من أي حاجة تخيلتها
باكينام شعرت بألم حقيقي يمزق شرايين قلبها مع اتهاماته المريعة
إلى هذه الدرجة يراها سيئة؟!!
إذا كان لا يعرفها.. ولديه هذه القدرة على تصديق كل هذه الحقارة عنها
فهي ليست لديها القدرة للتفسير
يستحيل أن تبرر نفسها أو أن تسمح له أن يجعلها في موضع اتهام حقير كهذا
كرامتها تأبى عليها مجرد التفكير في اتهاماته فكيف ترد عليها حتى؟؟
باكينام همست له ببرود: أنته لساك على البر
طلئني وكل واحد يروح في طريئه
يوسف بغضب حاد وهو يمسك بوجهها بين أصابعه ويعتصره:
حقيرة ورخيصة وأنانية.. تفو على دي أخلاء
لما فشلتي تكملي التمسيلية عليا.. عاوزة تخربيها وتئعدى على تلها
فرحنا ئريب وهيكون في موعده
وفي واشنطن أنا اللي هأعرف أربيكي
إما خليتك تندمي على استغفالك لي ما أكونش يوسف عزت
************************
الدوحة
بعد الغداء
بيت عبدالله بن مشعل
غرفة مشعل وهيا
كانت هيا عند جدتها.. وحين علمت بوصول مشعل صعدت له
كان مشعل وقتها يغتسل
حين خرج ورآها تنتظره ابتسم وهو يجفف يديه ووجهه
هيا وقفت وتناولت الفوطة من يديه وهي تهمس له برقة:
وين رايح اليوم من بدري؟؟
مشعل يبتسم: سويت كم شغلة.. رحت البعثات
وعقب رحت غيرت حجزنا.. وقدمت على فيزا بريطانية
هيا باستغراب: غيرت حجزنا؟؟ وفيزا بريطانية؟؟
مشعل ببساطة وهو يتمدد على السرير: إيه بدل باريس بنمر لندن ونقعد فيها 3 أيام
هيا برعب: نمر لندن ليه ؟؟
مشعل يبتسم: السالفة إنه شهادتش اللي من كوينز أنتي نسيتي تصدقين كل النسخ من التعليم العالي البريطاني
وهم يراجعون أوراقهم اكتشفوا إنه النسخة اللي عندهم مهيب مصدقة
والحين إذا ماجاتهم الشهادة مصدقة ماراح يخلونش تكملين الماستر..
بنمر لندن نصدقها وعقب بأبعثها لهم بالدي اتش إل..
هيا تجلس بجواره وهي تحتضن كفه وتقول بجزع: تكفى مشعل بلاها مرور لندن وأنت ممنوع من دخول بريطانيا..
وإذا على دراستي.. الخير واجد.. خلهم يقطعون منحتي وأنا بأدرس على حسابي..
مشعل يضحك: يا بنت الحلال سهالات.. السالفة هدة بزران قبل 12 سنة
وأنا لو علي شيء ماكان وافقوا في السفارة يسوون لنا تأشيرة لأنهم دخلوا اسمي في الكمبيوتر عندهم
وبعدين السالفة مهيب سالفة فلوس.. الحمدلله الخير واجد..
بس البعثات يمكن يرفضون عقب تصديق شهاداتش كلها إذا ماخلصني تصديق شهادة البكالوريوس أول..
هيا بخوف: قلبي مهوب مرتاح.. زين خلنا على حجزنا الأولي ننزل في باريس
و أنا بأروح لندن على قطار المانش الصبح.. وأنا أدل هناك عدل ممكن أخلص الشغل كله في يوم
وأنت خلك في باريس المساء بأكون راجعة.. ونرجع واشنطن سوا
مشعل وقف وهو يقول بغضب حقيقي: مالش لوا.. شايفتني كمخة وإلا كمخة
هيا بتوتر: محشوم يا قلبي بس......
مشعل يجلس على السرير وهو يحاول السيطرة على هدوء نبرته:
خلاص هيا.. الحكي في هالموضوع منتهي..
************************
ذات المساء
الدوحة
حوالي الساعة 10 ونصف مساء
العنود في غرفتها تدرس
تجلس في صالتها الكتب منثورة على الطاولة وهي تجلس على الأرض بين الطاولة والأريكة مستغرقة في الاستذكار وكتابة ملاحظاتها
دخل عليها فارس
سلّم
رفعت عينيها وسلمت وابتسمت له بعذوبة
شعر كما لو أن شمسا صاخبة مشبعة بالحياة والألوان والبهجة المتعت من بين شفتيها
( يا الله أنا توني معصب عليها الظهر
وهي تبتسم لي الحين
ما أكبر قلبها وأضيق أخلاقي)
ولكنها تذكرت
اختفت ابتسامتها بتلقائية وعادت للانكباب على الكتب
شعر فارس حينها أن وترا ما في قلبه تمزق
اقترب منها وجلس خلفها همس:
بكرة بأشتري لش مكتب بدل قعدة الأرض ذي
تبين تروحين معي؟؟ أو ممكن اشتري على ذوقي؟؟
العنود بخفوت: اشتري أنت.. ماعندي وقت أفر مكان
يالله الوقت يكفيني أدرس
فارس مد يديه وأمسك بعضديها ورفعها بخفة وأجلسها في حجره
كان القلم مازال بيدها.. تناول القلم من يدها.. وطبع في باطن معصمها قبلة عميقة
ثم همس لها بحنان: عادش زعلانة؟؟
العنود بخفوت: تكفى فارس ما تسألني ذا السؤال.. أخاف أقول زعلانة تعصب عليّ
فارس بذات الحنان: قولي ماني بمعصب
العنود بنعومة: فارس أنا بطبعي نادرا ما أزعل.. فلو زعلت يوم إذا أنت ما احتويتني وتحملتني شوية.. مين اللي بيتحملني
المفروض إنه أحنا نصير شخص واحد.. حتى انفعالاتنا نتشارك فيها
لكن اللي أنا شايفته لحد الحين.. أنت تعصب أنا أسكت
ولو صار وأنا زعلت انت تعصب وتهب فيني.. على كذا أنا بأصير أخبي انفعالاتي عليك وينبني بيننا حاجز كل يوم عن يوم يكبر..
إحنا الحين في بداية زواجنا وأنا مستعدة أقدم لك كل شيء.. لكن ما أشوف إنك عندك نفس الاستعداد
فارس احتضنها بشدة وهمس لها بوله مصفى: حبيبتي أنا أحبش حب والله ما تتخيلين وش كثر.. فوق كل خيال وتصور
وقلت لش كثير استحمليني شوي.. لين كل واحد يتأقلم مع طبايع الثاني
لكن أوعديني ما تخبين على شيء حتى لو عصبت عليش
لأني باعصب بس بتلاقيني رجعت.. لأنه حبش هو الهواء اللي أتنفسه والدم اللي يمشي في عروقي.. حد يقدر على زعل هواه ودمه؟!!
العنود ابتسمت وهي تهمس بدلال: كل هالحب من كم يوم؟؟!!
فارس بابتسامة: من زماااااااان
العنود برقة: متى يعني؟؟
فارس يحتضنها أكثر: الحين الحب يكفيش.. ووقته خليه بعدين
***********************
مر أكثر من أسبوعين على الأحداث الأخيرة
العنود ولطيفة أنهتا أمتحاناتهما
هيا ومشعل موعد سفرهما غدا
الخبر الذي أشاع جوا من الحزن في بيت عبدالله بن مشعل
وجعل موعد ملكة راكان وموضي يتقرر اليوم بعد صلاة العصر
ليحضرها مشعل قبل سفره
باكينام ويوسف وضعهما سيء جدا
تجهزت باكينام لفرحها كمخططها المعتاد
ولم تسمح لأحد أن يشعر أن هناك شيئا ما بينها وبين يوسف
ويوسف مطلقا لم يعد لمكالمتها.. تفاهمه كان مع عمه طه
والجميع فسر تباعده أنها نوع من حركات الشباب الذي يمتنعون عن رؤية عرائسهم حتى ليلة الزفاف
والليلة هي الليلة الموعودة
ليلة زفاف باكينام ويوسف
فارس والعنود وضعهما بين كر وفر
فارس كعادته بين حب مصفى وقسوة غير مبررة
والعنود في حيرة دائمة منه
ولكنها تحاول دائما امتصاص غضبه بطريقتها اللبقة الذكية في الكلام
وخصوصا أنها باتت تعلم بعمق حبه لها.. وبدأت هي بتعميق مشاعرها ناحيته في ذات الإتجاه
الأكيد أن علاقتهما ببعضهما توطدت كثيرا وبعمق
رغم كل الغرابة المتجذرة في علاقتهما التي تمثل نموذجا لغرابة علاقة بعض الأزواج
مشاعل وناصر مشكلة عويصة تبدو عصية على الحل
فناصر يبدو نافرا منها وبشدة
وهي تتصرف كأنها لا تشعر بنفوره الذي كان يمزق مشاعرها بوحشية
تنام معه بذات الغرفة وعلى ذات السرير
ولكن بينهما محيطات هادرة تفصل بينهما وليس مجرد أشبار معدودة
مشاعل تدور طوال اليوم في البيت تطبخ أو ترتب أو تذهب لبيت عمها
وأحيانا تتوجه لبيت أهلها حين تكون متيقنة أنه لن يعود وبعد أن تستأذنه
وهو لا يقصر في التوضيح لها بصراحة أنه لا يهمه ماتفعله
مطلقا لم تشتكِ إلا مرة واحدة
في اليوم التالي لعودته.. رأته يحمل ملابسه المتسخة يريد أن يذهب بها لأمه
حينها وقفت أمامه ورجته بعمق ألا يحرجها مع والدته وهي تناشده بألم:
وش تبيهم يقولون علي؟؟ ملابسك توديهم يغسلونها لك؟؟
ماعندك مرة
ناصر بقسوة: إيه ما عندي مرة..
مشاعل بمناشدة عميقة: تكفى ناصر.. احشم إني بنت عمك
لا تفشلني في هلك.. يعني حتى ملابسك ما تبغيني أغسلهم.. ليه أنا نجسه؟؟
حرام عليك اللي تسويه فيني
حينها رمى ناصر الملابس على الأرض وخرج
كان يشعر بمرارة عميقة وألم أعمق
(أي وحش قميء أتحول أمامها
كم أتمنى أن يأتي اليوم الذي تفارقني فيه.. وتعود لأهلها
تعبت من القسوة وأنا ما أعتدت أن اكون قاسيا
ولكنها تستفز قسوتي لتتدفق تلقائيا عليها
أتحول لمخلوق آخر أمامها
مخلوق ليس أنا.. شيء مختلف أكره أن أكونه
تأثيرها علي سلبي ومفرز لمساوئي)
مشاعل جلست على الأرض جمعت ملابسه
ثم عادت لرميها بعيدا لتتناثر متفرقة في أرجاء الصالة
وهي تسحب نفسها لتتسند على طرف الكنبة
كانت تشعر بمهانة عميقة
تشعر أنها عاجزة عن الإكمال بهذه الطريقة
تشعر أنها على وشك الإنهيار
وكان هذا قبل أكثر من أسبوعين.. ومازالت لم تنهار
رغم أن ناصر يثقل عليها العيار كثيرا
ولكن الضربة التي لا تقتلك تقويك
وهي تقوى فعلا لتحكم سيطرتها على حياة ناصر وترتيب كل شيء يخصه
اليوم نهضت من نومها مبكرة وكان ناصر مايزال نائما
صلت الضحى وأعدت الفطور الذي تعلم أنه لن يأكله
والذي أصبحت تعطيه لخادمات بيت عمها ليأكلوه أو ليعطينه لصبيان المجلس
رن هاتفها كان سلطان
مشاعل ابتسمت: هلا والله بالشيخ سلطان
سلطان بنبرة عتب: بلا شيخ بلا بطيخ.. العبي علي
قاعدة مقابلة نويصر وهّملتيني
مشاعل ضحكت بعذوبة: ماعاش من يهّملك.. عيوني لك.. وش اللي يرضيك
سلطان يبتسم: أبيش تلعبين معي بلاي ستيشن
مشاعل تبتسم: ريم أم لسانين عندك.. خلها تلعب معك
سلطان باستنكار: وعيييييه... أشهد أني على العازة.. أخرتها أرجع على الكوبه الرويم الدعلة
يعني أنتي ما تبيني.. حرام اللي راحت عليك يا سليطين
مشاعل تضحك: جيب البلاي ستيشن وتعال.. ناصر راقد وما أقدر أطلع وأخليه
سلطان بغيظ: إيه يا نويصر العز للوز.. شيختهم قاعدة على رأسك تحرسك وأنت مطيخ تشاخر (مطيخ=مستغرق في النوم)
مشاعل بابتسامة: تجي وإلا أغير رأيي؟؟
سلطان باستعجال: لا جاي جاي.. خليني أمغث نويصر شوي مثل ماهو ماغثني..
بعد خمس دقائق وصل سلطان بحقيبة لعبته على كتفه
وكانت مشاعل أغلقت الباب على ناصر حتى لا يزعجه صوت سلطان العالي
مشاعل احتضنت رأس سلطان الذي يصل إلى تحت ذقنها وهي تهمس له:
منت بناوي تطول شوي؟؟
سلطان بتأفف: يا شين ذا الطاري.. أنتي تبغين تكدريني عشان تفوزين علي
بس ماعلي منش.. أنا قاعد عندش لين صلاة الظهر
ويمكن أصلي وأرجع.. لازم أطلع عينش وعين بعض الناس اللي خاسوا من الرقاد داخل
مشاعل تقوده للتلفاز: أدخل أشبك اللعبة وأنا بأروح أجيب لك ريوق
سلطان يشير لها لا ويقول بمرح: موضي ريقتني غصب.. من يوم درت بموعد ملكتها وهي جايها حاطي باطي
وماحد عندها تفش حرتها فيه غيري.. أكلتني لين قدني بأزوع.. قلت خلني أنهزم قدام يجيني فتاق في كرشي
مشاعل بحنان: زين حلا وعصير.. مسوية حلا أنت تحبه
سلطان يستعد للعب وهو يجلس على الأرض ويضع مخدة تحت فخذه:
بعدين بعدين.. والحلا اللي أنا أحبه لو أني غالي كان جاني لين البيت
مشاعل تجلس جواره وهي تتناول الجهاز الآخر: يا شين ملاغتك بس
وش تبينا نلعب؟؟
سلطان بحماس: كورة.. وش ظنش بعد؟؟
مشاعل تضع الجهاز فوق رأسها وهي تقول: سليطين يا ليل ما أطولك
الناس تطوروا والسوق فيه عشرين ألف لعبة
سلطان يختار فريقه ويقول لها بحماس طفولي: يا شين تمرطاس الخسرانين
خلصيني اختاري فريق الخسرانين اللي بيلعبون لش (التمرطاس=المماطلة)
مشاعل بحماس مشابه من أجله: خسرانين قال.. تكلم عن روحك يا سلطة
سلطان يقطب جبينه: الدعوى فيها سلطة.. زين يا ميشو تشوفين
مضت أكثر من ساعة ونصف والاثنان مستغرقان تماما في اللعب
لم ينتبها مطلقا أن هناك ثالث انضم لهما منذ أكثر من نصف ساعة
كان يجلس خلفهما على الأريكة التي كانت بعيدة قليلا عن مكان جلوسهما على الأرض ملاصقين لجهاز التلفاز
كان صامتا ومبهورا بكل معنى الكلمة
كان يرى مشاعل أخرى غير الرقيقة الهادئة التي كانت تتحرك أمامه طيلة الأيام الماضية بمثالية
أنثى حقيقية مليئة بالحياة لدرجة مفجعة تحز في روحه الرجولية غصبا عنه..
تكاد وجنتيها تتفجران احمرارا وأنفاسها تعلو وتهبط
وهي تدغدغ سلطان وتسحبه وتشد رأسه وتحتضنه
بل وتتناول كفه وتعضه أحيانا بشقاوة دون أن تؤلمه
وسلطان من ناحيته يغرز أصابعه في جنبها بشكل مفاجئ كلما كانت الهجمة لها
لتقفز وهي تصرخ وتضربه بشكل هستيري طفولي
ناصر كان مستمتعا بالمراقبة حتى حدث أخيرا ما أجبره على التصريح بوجوده
الهجمة لسلطان فقامت مشاعل بذات الحركة ولكن بشكل مبالغ لأنه ليس سريع الإحساس مثلها.. ظلت تدغدغه حتى خسر
حينها ألتفت لها وعضها في عضدها من ناحية الكوع مباشرة على اللحم لأنها كانت ترتدي نصف كم قريب من الكوع
مشاعل صرخت بألم من بين أسنانها بصوت مكتوم: سلطان يالمتوحش بسك قطعت لحمي
سلطان حين غادرته غضبته الطفولية وأرخى إطباق أسنانه على جلدها
فُجع وهو يرى أثار أسنانه الغائرة في أسفل عضدها
انتفض وهو يرمي اللعبة ويقف على ركبتيه ليحتضن رأسها ويطبع عليه عشرات القبلات ويهمس بوجل: أسف ميشو أسف
جعل سنوني السوسة.. سامحيني فديتش.. جعلني السوسة كني عدتها
مشاعل تضحك ورأسها مختبئ في صدره الصغير: بس خنقتني
ولا عاد تدعي على روحك زعلت عليك
(بسكم)
صوت حازم غاضب يقاطعهما
لا يعلم يقينا ما الذي أغضبه
هل هي عضة سلطان الموجعة لمشاعل؟؟
أم قبلاته واحتضانه الطويل لها؟؟
هل هو خائف عليها؟؟.. أم يغار عليها؟؟
سواءا كانت هذه أو هذي.. فهو لن يعترف بذلك حتى لنفسه في أعمق أعماقه
سلطان يفلت مشاعل ويلتفت لناصر بحرج: صبحك الله بالخير
أربني ما أزعجتك يا بو محمد؟؟
ناصر بمودة: ما أزعجتني .. بس الرجّال الشقردي يعض أخته؟؟
مهوب عيب عليك؟!!
سلطان بخجل: ماكان ودي أجعها.. احتريت شوي
ناصر يهمس له بالنبرة الحازمة المعتادة في حديث الرجال: الرجّال ما يطلع حرته في النسوان
يطلعها في الرياجيل اللي مثله
والرجّال ما يعض.. العض للبزران.. الرجّال يضرب ويوجع
إذا شافوا الرياجيل خصيمه دروا بفعل يمينه في وجهه
سلطان يقف ويميل على أنف ناصر وهو يقول بحماس: تم طال عمرك
واسمحوا لي أترخص
مشاعل بنبرة غامضة: وين بتروح؟؟ ماكنت تقول إنك بتقعد للظهر
اقعد أفطر مع ناصر
سلطان يجمع لعبته ويقول: بجيش بكرة.. اليوم بأقعد مع مشعل شوي قدام يسافر بكرة
حين خرج التفتت على ناصر وهي تقول بعتب غاضب:
مالك حق تحرجه كذا
ناصر يتعكز على عكازيه ويقف على قدمه الوحيدة ليمسك عضدها ويلفه ناحيته ويقول بغضب:
وهو له حق يسوي فيش كذا.. سلطان أخي وفي المجلس أعلمه أكثر من كذا.. ولا عمره تشاينها مني.. (تشاين= رآها شينة أي أستاء منها)
مشاعل شعرت أن مسكته لعضدها تحرقها وتذيب جلدها لتحدث قشعريرة وصلت لعمق عظمها.. ولكنها هتفت بغضب:
تعلمه بكيفك أنت وياه.. ما أردك تعلمه سلوم الرياجيل.. لكن تحط حاجز بيني وبينه ما أسمح لك
إن شاء الله يقطعني أنت مالك دخل.. جسمي وأنا حرة فيه
ناصر بتهور غير مقصود: إلا لي دخل فيه.. مهوب حلالي..
الجملة خرجت حادة كثيفة توحي بعشرات التأويلات غير المقصودة فعليا
وناصر ندم فورا وبشدة على قولها
(أي حلال؟؟ أي خرابيط؟؟.. تخليها تستفزك تقول حكي ماله طعم)
مشاعل شعرت بتوتر كاسح وخجل متعاظم يجتاحها وهي تحاول أن تتماسك أمامه.. وتمسك مكان العضة في عضدها بكفها
وناصر يحاول تغيير الموضوع لجهة أخرى: يعني ماعمري شفتش معصبة إلا اليوم
لذا الدرجة سليطين غالي عليش؟؟
مشاعل حاولت أن ترد ولكن ريقها جاف.. جاف جدا.. وكلمة (حلالي) تخترقها كأسهم نارية موجعة لتبعثر كل أفكارها
همست بخفوت بعد لحظات صمت: بتريق أو كالعادة؟؟
ناصر رد عليها بهدوء غامض وهو يتحرك باتجاه طاولة الطعام: بأتريق
*********************
بيت عبدالله بن مشعل
بعد صلاة العشاء
حفل نسائي أسري لسيدات آل مشعل وقريباتهن المقربات
عقد قرآن موضي الذي تم على خير
احتفال بالعروستين اللتين لم يتم الاحتفال بهما
احتفال بالانتهاء من الامتحانات للجميع
وتوديع لهيا المسافرة في الغد
لطيفة المتألقة في فستان أسود تجلس بجوار موضي القلقة في فستانها الزهري الناعم
وتهمس لها من قرب: فكيها.. عيب عليش ذا التكشيرة.. وش تبين الناس يقولون
مغصوبة على العرس.. وهو قده ثاني واحد
موضي من بين أسنانها وهي تحاول رسم ابتسامة: تدرين إنش سخيفة
لطيفة تبتسم من أعماقها: وأنتي أسخف طال عمرش
إلا تعالي قولي لي.. شنو صار في مراسيم الملكة.. راحت علي وأنا في الصالون
موضي بتهكم مصطنع: تدرين نسيت أسجلها عشان أعيدها على مسامعش الكريمة
لطيفة تبتسم: أنا الليلة مبسوطة.. ولا حتى ملاغتش بتخرب مودي
تعالي قولي لي.. قصيتي شعرش وإلا بعد
كانت تسأل موضي لأن شعرها كان مرفوعا في شينيون غجري ولا يتضح طوله
موضي ردت: مابعد
موضي لم تقص شعرها مطلقا منذ حوالي 4 سنوات وطال بدون ترتيب ليصل إلى أسفل خصرها
وشعرها هو الأكثف بين شعر شقيقتيها ونعومته وسواده ثقيلان للغاية
لطيفة باهتمام: يبي له ترتيب واجد.. لو أنتي تبين تطولينه على الأقل قصي أطرافه.. رتبيه قبل عرسش
موضي برعب: وش عرسه أنتي بعد؟؟ تو الناس
لطيفة بنبرة منطقية: بصراحة أنا ما أشوف سبب للتأجيل
موضي برجاء: لطوف بلاها تدخّلين.. وتحنين على رأس أبو محمد وهو يحن على رأس الشيبان
أدري الشيبان ما يأخذون في يد رجالش غلوة
لطيفة تبتسم: الله وأكبر عليش يأم عيون.. ماعاد إلا مشعل تنظلينه
جبهة أخرى هيا في فستان حريري أخضر تجلس بجوار جدتها وتحتضن كفها:
يمه فديتش لا تضايقين.. السنة هذي آخر سنة عندي وعند مشعل
كلها كم شهر وتلاقينا عندش ولا عاد حن برايحين ديرة إن شاء الله
الجدة بحزن عميق: الواحد ضامن عمره لبكرة يحكي عن اللي بيصير عقب شهور
هيا اجتاحها خاطر مرعب (ماذا لو حدث لجدتها شيء وهي غير متواجدة.. لن تحتمل مطلقا.. لن تحتمل) همست بجزع:
يمه الله يهداش وش ذا الحكي.. العمر الطويل لش في الطاعة
الأعمار بيد الله ما تدرين يمكن أكون قدامش.. هو الأجل بالعمر
الجدة بغضب: تفي من ثمش يا بنت سلطان
هيا تحيط كتفي جدتها بذراعها وتقبل كتفها وتقول بمرح: أجل لا عاد تعيدين علي سالفة الموت ذي
ثم أردفت بهدوء:
ماحد يطق من يومه يمه.. لكن الواحد ليش يوجع نفسه ويوجع اللي حوله
(الأمريكانية ذي خذت علوم هل أمريكا
الذيب ما يهرول عبث
وخري من جدتي لا تأكلينها!! خلني أسلم عليها)
معالي الواصلة للتو مع أهلها تميل لتسلم على جدتها بطريقتها الحماسية
فهناك علاقة فريدة عميقة تربط بين الاثنتين
فمعالي مرتبطة كثيرا بجدتها
ابتسمت هيا وهي تسلم بدورها على معالي: وينكم يأم لسانين ليش تأخرتوا
معالي بغيظ: خبرش الكوبي والبيست قعدوا يسبحون لين جاتنا وزارة الماي بكبرها يشتكون
يقولون بيتكم سبب أزمة مياة والدوحة بيجيها جفاف من سبتكم
ثم أكملت (بعيارة): شكلي بأقلب على نظافة الخبلان مثلهم.. كود أغدي مومياء بيضاء مثلهم
جبهة أخرى قريبة
ذات الوقت
مجلس آل مشعل
المتواجدون من الرجال في انتظار حضور البقية لتقديم العشاء
العريسان الجديدان في زاوية يتساسران وعكازات ناصر بجواره
فارس يهمس له: متى بتركب الساق؟؟
ناصر بذات الهدوء: عقب يومين
فارس بأخوية مساندة: مستعد؟؟
ناصر يبتسم: ليه بأدخل معركة.. أنا بصراحة زهقت من ذا العكازات
ودي أسوق سيارتي
أروح افرفر شوي
وأهم شيء أروح الجليلة... ياني اشتقت لذا المخلوقة
فارس بابتسامة: عندك في بيتك مهرة مالها تواصيف وتقول مشتاق للجليلة
أشهد أنه ماعندك سالفة
ناصر سكت على مضض ولسان حاله كما المثل الشعبي
(خلها في القلب تجرح.. لا تطلع للناس وتفضح)
زاوية أخرى من المجلس
سعد ومشعل بن محمد
سعد يهمس لمشعل بمرح: هذا ناصر رجع بالسلامة وراكان تملك
أنا متى بنتظرون لحالي وترأفون فيه.. أبي أعرس يا ناس
مشعل يبتسم: مع أنك رفيقي من سنين لها ونين.. لكني توني أكتشف أنك تغثي كذا
سعد بابتسامة: إيه يا بومحمد اللي يده في الماي... وش عليك؟؟ أنت عندك أم محمد
وأنا كل ما رجعت للبيت ما قدامي إلا وجه بو صبري.. يغدي ودي أهج من البيت
مشعل (بعيارة): يا كثر بربرتك على الفاضي
الحين حن رديناك تحدد موعد للعرس؟؟.. حدد لك موعد مناسب بس يا ليت عقب عرس راكان أو حتى لو بغيتوا حطيناكم مع بعض أحسن
سعد باستنكار: راكان اللي توه متملك تبيني انتظره.. ياكبرها عند الله
مشعل يضحك: أنت اللي ياكبرها عند الله.. وأنت توك متملك مالك إلا أقل من شهر
سعد يبتسم: تصدق أحسب أنها سنتين
زاوية ثالثة
راكان ومشعل بن عبدالله
مشعل بسعادة حقيقية: الليلة أنا كني ماسك النجوم الله يهنيكم ويبارك لكم
راكان بغموض: ويبارك فيك
مشعل باستفسار: ومتى ناوي العرس إن شاء الله؟؟
راكان بهدوء واثق: على عطلة الربيع السنة الجاية
مشعل يبتسم: مع إنه بعيد واجد بس أحسن.. عشان أكون رجعت.. وأنا اللي أرتب لعرسك
ثم تنهد وشيء يخطر بباله: تدري ياراكان.. خواتي كلهم غاليات عندي وغلاهم واحد
بس موضي عندي غير.. من يومها صغيرة وهي عندي غير
راكان في داخله (حتى أنا كانت عندي غير.. بس كانت.. كانت!!)
مشعل يكمل كلامه: ما أوصيك فيها يا راكان عقب.. أنا أدري إنها ما كانت مرتاحة مع حمد..
راكان شعر بألم مفاجئ غير مفهوم من تذكر أن زوجته كانت زوجة لرجل آخر قبله
مشعل يكمل: بس هي ما كانت تشتكي.. أنا عمري ماشفت حد كتوم مثلها
راكان في داخله (في ذي أنا أشهد.. اللي تعرف بزواجي الأول من سنين ولا علمت حد)
مشعل يكمل بهدوء: كان ودي إنها تشتكي لي.. أنا ما كنت مرتاح لحمد.. وكان ودي أتدخل.. لكن بما أنها عمرها ما أشتكت وأنا ماشفت شيء بعيني مالي طريق على الرجّال
راكان اشتعل داخليا (ليتك تدري وش سوى فيها!!)
مشعل يبتسم ويكمل: لكن الحين الله زيّنها من عنده.. وموضي غدت لك
وأنا ترا أبي أقول لك شيء من حقك تعرفه
راكان شعر بتوجس لم يظهر على محياه وقال بهدوء: اللي هو؟؟
مشعل بهدوء: ترا موضي ما عندها أي مشاكل تمنعها من الانجاب..
لا تقول إن ذا السؤال ما خطر ببالك.. مرة لها أربع سنين متزوجة وما حملت
أكيد إنه دار ببالك ذا الاحتمال.. وأنا عارف إنك مستحيل تسأل.. فحبيت أقول لك
راكان شعر بحرج بالغ داخليا.. لأنه فعلا لم يدر بباله هذا الاحتمال ولا حتى لجزء من الثانية
أطفال ؟؟ أبناء له تكون موضي أمهم؟؟
ماهذا الجنون؟؟
ماهذا الجنون؟؟
عودة لحفل النساء في بيت عبدالله بن مشعل
العروستان تجلسان متجاورتين
مشاعل شعرها الكاريه مسدل لأسفل عنقها كالعادة
ولكن من الأمام رُفعت بعض خصلها بطريقة راقية وثُبتت بمشابك بنفسجية
بنفس لون فستانها الذي كان على الطريقة الأسبانية وقصير قليلا من طرف
لنصف ساقها وارتدت معه (بوت) بنفسجي
العنق هاي نك تزينه من الجنب وردة كبيرة وأكمامه لاصقة طويلة
وتدرجات الزينة البنفسجية على وجهها أعطتها ألقا مختلفا ناضحا بالإثارة
بينما العنود كانت فاتنة للغاية وسعادتها الداخلية تنعكس بإشراق على وجهها
وفستانها الشيفون المشجر بتدرجات الأزرق منحها منظرا مفعما بالحياة فعلا
العنود تميل على مشاعل وتهمس بمرح: تدرين فستانش هذا المفروض أنا اللي لابسته
مشاعل ترسم ابتسامة عذبة: خلاص ولا يهمش بكرة بوديه المغسلة يغسلونه وعقب يجيبونه لش
العنود تضحك: تبين أخيش يذبحني.. لو عليه.. لبسني خيشة وسكرها علي لحلقي
مشاعل تبتسم: مافيه شيء الفستان مستور بزيادة هاي نك وكم ماسك لنصف الكف.. حتى الجزء الوحيد العاري فيه تحته بوت
العنود بعذوبة: يأختي مسوي رقابة غير طبيعية للبسي.. جنني
شعرت مشاعل بحزن شفاف يغزو روحها.. لا تريد أن تعقد مقارنة بينهما وبين أي زوجين آخرين.. فهما مختلفان تماما
ولكنها لا تستطيع أن تمنع نفسها من الحزن.. فناصر لا ينظر لها مطلقا ولا يهتم بأي شيء تفعله أو ترتديه..
هل يتحول لمشعل آخر؟؟ ولكن حتى مشعل القديم في أسوأ حالاته أفضل منه بألف مرة
على الأقل لم يكن يصرح بكراهيته لها ونفوره منها
ولكنها من جهة أخرى موقفهما صباحا مازال ماثلا في مخيلتها
وهي تمد يدها لتلمس عضة سلطان وتبتسم
(المفروض أشكر سلطان على ذا العضة
أول يوم أحس إنه فيه حاجز من الألف حاجز اللي بيني وبين ناصر انكسر
وأول يوم يفطر معي
وحسيت إنه مستمتع مع أنه ما عبر ولا شكر ولا حتى تكلم)
عالية وعلياء كانتا تجلسان متجاورتين كعادتهما.. وعلى محياهما طيف حزن شفاف
معالي تفرقهما وتجلس بينهما وتدخل كل ذراع من ذراعيها في ذراع كل واحدة منهما لتحتضن ذراعيهما وتهمس لهما:
عيب عليكما ذا التكشيرة.. جايين حفلة وإلا عزاء
علياء بحزن: صحيح أخينا حمد واحد ما ينطاق.. وموضي صبرت عليه واجد
وتستاهل كل خير.. وراكان فعلا هو كل الخير
بس.. بس
عالية أكملت بذات النبرة الحزينة: بس هذا ما يمنع إنه احنا نحس بالحزن لأنه احنا عارفين إن حمد رغم شين أطباعه كان يحبها
معالي تضحك بمرارة: يحبها وما يحبكم.. وش استفدتوا يعني؟؟
خلو بنت الناس تشوف نصيبها.. وتشوف لها يوم حلو.. عقب ما طلّع أخيكم عينها
واحمدوا ربكم إنها ماطلعت فضايحه على الناس
علياء باستنكار: يعني أنتي ما تحبين حمد؟؟
معالي بنبرة غامضة خليط من الشوق والغضب والحب: أكيد أحبه
وغصب عني أحبه لأنه في عروقنا يمشي نفس الدم.. وحبي له فطرة
لكن لو جينا للحق.. هو ما يستاهل ولا حتى نتفة حب.. وخصوصا أنه هو نفسه ما يحبنا.. وأكثر من مرة قالها لنا.. وإلا ناسين يعني؟!!
**********************
القاهرة
فندق جراند حياة
الساعة العاشرة والنصف مساء
بدء مراسيم حفل زواج باكينام ويوسف
التي لن تطول كثيرا
لأن طائرتهما ستقلع تمام الثالثة بعد منتصف الليل
لذا حقائبهما أرسلت لجناحهما المحجوز في ذات الفندق
حتى يبدلا ملابسهما سريعا ويتوجهان للمطار
هذه التعليمات علمت بها باكينام من والدها
لأنها لم ترَ يوسف
وهاهي الآن تتأبط ذراع والدها وتقف في أعلى السلم
وتعلم أنه ينتظرها هناك في الأسفل
كم بدا بعيدا وقريبا قبل أن تراه حتى!!
وهاهي تنزل على صوت الدفوف فقط.. بعد أن أصررت على منع كافة أشكال الموسيقى في كل فترات الحفل
كانت غاية في التألق في فستان أبيض ثلجي ملكي من تصميم خالد البحيري
الذي هو بالعادة مبالغ في أسعاره
وحتى يوافق على ترك كل ما بيده ويصنع فستانا لعروسا محجبة بمواصفات خاصة
وينجزه خلال فترة لا تتجاوز الأسبوعين..
طلب مبلغا أكثر مبالغة.. لو كان الأمر لبكينام لكانت رفضت
ولكن والدتها ووالدة يوسف كانتا من أصررتا
كانت تنزل وتحاول أن تشغل بالها بالتفكير بعيدا عنه.. عمن ينتظرها في الأسفل ويشغل تفكيرها ويشعل مشاعرها
حتى تفاجأت بيد دافئة تمسك بأناملها المتجمدة ووالدها يسلمها له
وهو سمسك بيدها ليدخلها في ذراعه
وهي ترفع وجهها بوجل لتنظر لوجهه
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 04:59 PM
أسى الهجران/ الجزء الثالث والسبعون
فندق جراند حياة
البهو الرئيسي للاحتفالات
كانت بكينام تتأبط ذراع والدها.. تنزل السلم الحلزوني.. وهي وتحاول أن تشغل بالها بالتفكير بعيدا عنه.. عمن ينتظرها في الأسفل ويشعل كل تفكيرها شرارت نار متطايرة
حتى تفاجأت بيد دافئة تمسك بأناملها المتجمدة ووالدها يسلمها له
وهو يمسك يدها ليدخلها في ذراعه
وهي ترفع وجهها بوجل لتنظر لوجهه
كان في نظرها وسيما للغاية في طقمه الرسمي الأسود..
نظراته محايدة غامضة لا تشي مطلقا بما يمور خلف موج العينين البنيتين
عجزت عن قراءة نظراته.. ولكنه قرأ في نظراتها خوف ما.. خوف موجع.. كما بدت له هي موجعة
( حق لكِ أن تخافي.. بل يجب أن تخافي
فما ينتظركِ كثير.. كثير
لأن مافعلته بي من حقارة لم يفعله أحد سواكِ
ولكن أ كان يجب أن تكوني جميلة هكذا؟؟!!
وشفافة هكذا؟؟!! وعذبة لأبعد غايات العذوبة؟؟!!
لا تصعبي مهمتي هكذا
لا تصعبيها
كوني متوحشة وقذرة كما أنتِ
استفزيني حتى أصفعكِ بقذارتكِ التي أنتِ أغرقتي نفسكِ في أوحالها)
شدت ذراعها النحيل على عضلات عضده الصلبة بعفوية شفافة كأنها تحتمي به
كم آلمته حركتها.. وجرحته.. وآذته..
و
هزت قلبه الحاقد عليها
هزته للحظات بعنف كاسح..ولكنه عاد بعده لصف متاريس قسوته
(أعلم أنني مغرورة ومتكبرة ومكابرة وممتلئة بكبرياء قميء
ولكني أحبك
أقسم أني أحبك
يستحيل أن أقولها
ألا تستطيع أن تشعر بها لوحدك؟!
يستحيل أن أبرر لك ذنبا لم أرتكبه
لِـمَ أنت عاجز عن الوثوق بي؟؟
ما الذي فعلته حتى أكون أستحق أن أكون موضع شبهة؟!
لِـمَ كل شيء بيننا معقد وكثيف هكذا؟!!)
مشيا سويا على وقع الدفوف حتى وصلا لمكان جلوسهما
مئات المعازيم وهما لا يشعران بأحد
كل منهما غارق في تفكيره الخاص
وأكثر مايشغلهما إحساس كل منهما المختلف بذراع الآخر
وقت ما مر.. وقت لم يشعرا به
وهما يردان بآلية على مئات التهاني
وجدتا باكينام كانتا من تشعران بسعادة مختلفة وهما تريان حفيدتهما الغالية تُزف لرجل كلتاهما ****تان عنه تمام الرضى
ولكن ماذا عن رضى الحفيدة نفسها؟!!
بعد فترة اقتربت الوالدتان من العريسين وهمسا لهما
أنهما لابد أن يزفا الآن حتى يستطيعا اللحاق بطائرتهما
*************************
الدوحة
البنات أطلن السهرة في بيت عبدالله بن مشعل
توديعا لهيا التي ستقلع طائرتها غدا صباحا
وجميعهن طبعا مطمئنات أن أزواجهن كذلك سيطلن السهرة مع مشعل
وقد تمتد سهرة الشباب حتى يصلون صلاة الفجر معا
لذا أطلن السهرة وخصوصا أنهن سيعدن عبر الأبواب الواصلة بين البيوت بعد فتحها كلها
ولن تضطر واحدة منهن لركوب سيارة
وهاهي مشاعل تدخل بيتها حدود الساعة الواحدة وكانت من أوائل المغادرات..
فور فتحها للباب فوجئت بناصر يجلس على الكنبة ويمدد رجليه ويشاهد قناة رياضية
لم تر مطلقا مكان البتر ولكنها اعتادت على رؤية قدم واحدة فقط
سلمت بهدوء وهي ترفع شيلتها عن رأسها
كانت تريد الدخول لتبديل ملابسها
ولكنها قررت أن تخلع عباءتها أمامه وتجلس معه قليلا بزينتها
فما فائدة كل هذا التزين إن كان لن يراه؟!!
رد عليها السلام وهي تخلع عباءتها وتضعها جانبا وتجلس
همست: آسفة ما ظنيت إنك في البيت أو كان رجعت قبل
ناصر ببرود: وأظني قلت لش قبل.. دامش في بيت عمي براحتش
حتى لو تحبين تقعدين هناك على طول يكون أحسن
وصلتها الاهانة المقصودة حادة كنصل رمح مسنون مغموس بالسم
بدأت بدعك أصابعها لتفريغ توترها وحتى لا تبكي أمامه
كان شعرها ينسدل للأمام وهي تنظر للأسفل في حركة باتت تفتنه حتى النخاع مؤخرا
ولكنه يستحيل أن يعترف بذلك لنفسه حتى... فكيف يعترف لها؟!!
وصلها صوته مشبع بتهكم قاس: تدرين إنش عليش حركات غريبة
مشاعل رفعت رأسها وهمست: نعم؟؟
ناصر بذات النبرة المتهكمة القاسية: أنتي الحين مصبغة وجهش بعشرين ألف لون
ولابسة لبس كنه لبس مهرجين..
وعندش إني يوم بأشوفش مثلا بتجيني سكتة قلبية من حسنش وجمالش!!
مشاعل شهقت بعنف فهو فعلا يتجاوز الليلة كل حد في قسوته عليها.. قفزت للداخل حتى لا يراها وهي تبكي
دون أن تعلم أن كل ما قاله ليس إلا تعبيرا معكوسا عن افتتانه بها.. الافتتان الذي لا يسمح له بالظهور حتى بينه وبين نفسه
منذ رأها تخلع شيلتها ثم عباءتها ومنظرها المثير يسكره حتى الثمالة.. حتى بدأت الحرب العكسية وهو يقنع نفسه أنه نافر منها
ونتيجة النفور لابد أن تكون كلمات قاسية كالتي قالها لها
فهو مازال مقتنعا تمام الاقتناع أنها نافرة منه كما كانت نافرة ليلة زواجهما
حين وئدت أحلامه ولهفته بنفورها منه
وهي تهينه بتوقيفه لساعات أمام الحمام وهو يرجوها ويحلف لها
ولكنه الآن يشعر بألم عميق لأنه يعلم أنه جرحها.. ألا يكفي أن يتجاهلها حتى تمر الفترة التي حددها هو لإنفصالهما؟!!
لِـمَ يجرحها بهذه الطريقة المريعة رغم أنها لم تفعل شيئا تستحق عليه هذا التجريح؟؟
أ لأنها كانت فاتنة وفتنتها كانت فوق احتماله يعاقبها على افتتانه بها؟!!
مشاعره الغريبة مؤخرا أصبحت هجينا غريبا من افتتان موجع ونفور متوحش ناحيتها
وباتت هذه المشاعر تحيره وتمزقه وتعطله عن التفكير المنطقي
كيف ينفر منها كما لو كانت وباء معديا وفي ذات الوقت يُفتن بها حتى آخر نقطة في دمه وخلاياه؟!
مضت أكثر من ساعة هو يشاهد برنامجا لم يفهم منه حرفا.. حينها قرر أن يقوم ليصلي قيامه وينام
دخل كانت نائمة على السرير
توضأ وصلى ثم توجه لجهته المعتادة وتمدد وهو يتمتم بأذكاره
سمع صوتا خافتا.. خافتا جدا.. لم ينتبه في البداية رغم أن الصوت كان مستمرا من قبل دخوله للغرفة
التفتت ناحيتها كان كتفاها يهتزان بخفة غير ملحوظة
ولكنها كافية ليعلم أنها تبكي
يعلم أنها تبكي كثيرا ولكنه لم يرها مطلقا وهي تبكي
جرحه بكاءها.. جرح رجولته التي يعتز بها
(عن أي رجولة أتحدث
وأنا أستمتع بتجريح هذه العاجزة عن مجاتهني!!)
مد يده لكتفها ثم تردد وأعادها وهو يمسك كفه بكفه الآخرى
ثم عاد لمدها وهو يضعها على كتفها ويهمس بحنان تلقائي: مشاعل
لم ترد عليه
ناداها للمرة الثانية: مشاعل قومي كلميني
نهضت وهي تحاول إخفاء وجهها المتورم بالبكاء عنه
همس لها: طالعيني
رفعت وجهها.. لم تحتمل نظرة الحنان في عينيه
لأول مرة بعد عودته ترى هذه النظرة
لم تشعر بنفسها إلا وهي تلقي بنفسها على صدره وتنخرط في بكاء هستيري
ناصر صُدم.. صُدم لأبعد حد..
وهو يشعر كما لو أن قنبلة ما انفجرت في وسط صدره لشدة وطأة المشاعر التي اكتسحته وآلمته لأقصى حد
لم يتحرك هو.. لم يحتضنها.. وظلت يداه ساكنتان لجواره
وهي رأسها يسكن بين عضلات صدره وتحت ذقنه وهي تتعلق بجيبه
شعر بالألم.. بالغرابة.. بالشجن.. وأحد أحلامه الغريبة يتحقق
حلمه القديم أن يستنشق رائحة شعرها الطفولي
وهاهي رائحته العطرة المسكرة تخترق خياشيمه حتى آخر حد
وهو يشعر بنعومته الفائقة تحت ذقنه
كان إحساسا غريبا موجعا ورائعا وعصيا على كل تفسير
لم يغير أي منهما وضعيته لا هي رفعت رأسها عن صدره
ولا هو احتضنها كما قد يُفترض
حين أفرغت مشاعل طاقتها الأولى في البكاء بدأت تشهق وتقول:
حرام عليك ناصر اللي تسويه فيني.. والله أنا ما أستاهل منك كذا
حتى لو أنت ما تبيني.. وتقول إني ضيفة عندك شهر شهرين
الواحد يجرح ضيفته ويهينها بذا الطريقة؟!!
على الأقل راعي مشاعري شوي لين أرجع لبيت هلي
************************
بيت عبدالله بن مشعل
غرفة مشعل وهيا
حدود الساعة 3 بعد منتصف الليل
مشعل يدخل غرفته بهدوء
ليفجع بالمنظر أمامه
كانت تجلس على الأريكة تضم رجليها المثنيتين لصدرها
وشعرها الطويل منسدل حولها
وجهها مختبئ بين ركبتيها
وتبكي
مشعل سارع بالجلوس جوارها وهو يرفع شعرها ويجمعه خلفها ويرفع وجهها ليهمس لها بقلق مرتعب:
حبيبتي ليش تبكين؟؟ حد قايل لش شيء؟؟
هيا أسندت رأسها لصدره ليحتضنها بخفة وهي تهمس بألم من بين بكاءها:
ما أبي أسافر.. أبي أقعد عند هلي
قالت (هلي) بتلقائية عميقة شفافة.. ابتسم مشعل وهو يرى كيف أصبحت منتمية لهم وهمس لها بحنان:
خلاص ماباقي شيء علينا... شهر 7 إن شاء الله خلاص راجعين ومستقرين
هيا بعمق موجع: ياطولها يا مشعل هذي سبع شهور..تونا شهر 1 الحين
قبل كنت أهرب من الدوحة..أهرب من ذكرى سلطان اللي مابقي لي منها شيء.. بس الحين أنا في حضن ريحة سلطان وبين هله
لأول مرة أحس بالأمان كذا.. أحس لي ظهر وأهل يحبوني ويهتمون فيني
مهوب هاين علي جدتي واجد متأثرة من سفري.. تدري حتى فراق عماني وبنات عمي وسلطان الصغير كل شيء يوجعني يوجعني..
مشعل همس لها بعتب وهو يمسح على شعرها: يعني كل الناس مهوب هاينين عليش.. بس مشعل يهون!!
يهون عليش تخلينه بروحه
هيا رفعت رأسها وهي تهمس برعب: حبيبي أشلون تقول كذا؟؟
مشعل بنبرة عتب مقصودة ومدروسة: والله هذا اللي الواحد يفهمه من كلامش
هيا بعذوبة: صحيح هم هلي.. بس أنت شيء ثاني
أنت قلبي اللي ينبض بين ضلوعي.. روحي اللي تردد بين جوانحي
مشعل وقف وهو يقول بنبرة حزن مصطنعة: إيه قصي علي
عقب ما كسرتي خاطري.. جاية تلعبين علي بكلمتين
هيا ابتسمت وهي تمسح دموعها: مشكلتك ما تعرف تمثل
تعال أعطيك كورسات.. ما حد يمثل مثل النسوان
مشعل عاد لها ليوقفها ويبتسم وهو ينظر لعينيها ويهمس بمرح:
ومتى مثلتي علي أنتي؟؟
هيا تضحك: أووووووه.. طول أول أيام زواجنا وأنا أمثل
لين صرت أستحق جائزة الأوسكار
مشعل باستفسار لئيم: مثلتي ويش؟؟؟
هيا ابتسمت وهي تضع كفها على خده:
مثلت إني ما أحبك وأنا بأموت عليك.. مثلت إني ما أهتم لما تكلم أي مره وأنا بأولع من الغيرة
مثلت إني في غرفتي ماني بمهتمة متى ترجع مع أنه أذني على الباب ومستحيل أرتاح لين أتطمن عليك
مشعل تناول كفها من خده ونقلها لشفتيه ليطبع في باطنها قبلة عميق ويهمس:
صدق نصابة.. شهرين نشفتي ريقي على الفاضي
ثم أردف كمن تذكر شيئا: هاه كل شيء جاهز لبكرة؟؟
عاد وجهها ليغيم: يعني لازم تخرب المود الحلو... إيه كل شيء جاهز
شناطي وشناطك كلها جهزتها
باقي بس الهدية اللي اشتريتها لبكينام عشان زواجها
أخاف أحطها في الشناط تنسرق أو يصير لها شيء
بأخليها في شنطة صغيرة في يدي
*******************************
قبل ذلك بقليل
توقيت آخر وبلد آخر
القاهرة
أحد أجنحة جراند حياة الملكية
يوسف وباكينام كانا يصلان لباب جناحهما معهما والدتيهما
منال همست لهما وهي تتوقف هي وسوازان عند الباب:
احنا ئاعدين في اللوبي تحت نستاكم عشان نوصلكم المطار
وسوزان همست في أذن ابنتها: ستجدين طقما كاملا معلقا في الدولاب
ووضعت لك معه حذاء مناسبا مريحا وأنيقا.. وحقيبة يد متوسطة الحجم حتى تتسع لأغراضك وحقيبة أخرى صغيرة طقم معها للمطار لأدواتك الخاصة
أتمنى أن يعجبك ذوقي
باكينام احتضنت والدتها وهي تقول بتأثر: دائما يعجبني ذوقك..
سوزان تعاود الهمس: هناك رحلات دائمة بين واشنطن ولندن
حاولي أن تزورينا مرة في الشهر لو استطعتي كما كنتي تفعلين
باكينام تبتسم بحزن: سأحاول إن شاء الله
منال همست: هابعت الشيالين دلوئتي يشيلو شنطكم
وسيبوا كل حاجة أنتو مش عاوزينها
أنا هأرجع وأشيل كل حاجة
دخل الاثنان
توتر باكينام يتصاعد للقمة.. فهو لم يحادثها مطلقا خلال المراسيم السابقة
كان كل حديثه مع الناس المهنئين
شعرت أن تجاهله لها مقصود تماما
واستمر تجاهله حتى الآن
تناول ملابسه المعدة للسفر دون أن ينظر لها حتى
ودخل إلى الحمام
باكينام تنهدت وهي تقترب من المرآة وتبدأ بفك دبابيس الحجاب الأبيض الذي يغطي شعرها
كانت الدبابيس كثيرة جدا.. واستغرقت وقتا طويلا وهي تفكها
ولم تنتبه حتى فاجأها صراخه: أنتي فاكرة إنو عندنا اليوم بطولو وأنتي بتتدلعي كده..خلصيني
كان جاهزا بعد أن خلع بدلته الرسمية السوداء وأرتدى بنطلونا من الجينز
وبلوفرا صوفيا خفيفا يبرز من تحته قميص أبيض
باكينام همست بهدوء بدون أن تنظر ناحيته: على فكرة أنا سمعي 6 على 6 ومش طرشاء
تلائي الناس اللي في السويت اللي جنبنا اتفزعوا من صواطك
كانت تفك الدبوس الأخير وتنزل طيات الحجاب الكثيرة حين اقترب منها وأدخل يده في شعرها ليشده بخفة ويهمس في أذنها تماما بنبرة غضب مكتوم:
تعودي لما تكلميني تبصي ناحيتي
أخر مرة أسمح لك تكلميني وانتي مدياني ظهرك
التفتت باكينام ناحيته وهي تنتزع يده من شعرها بحدة مفاجأة لتخرج بعضا من شعيراتها في يده.. كلاهما شعر بالألم
هي بألم فعلي لأن الشعرات المنتزعة بسبب تصرفها الأرعن آلمتها
وهو بألم روحي وهو يرى الخصلات الذهبية تتلوى بين أنامله السمراء
باكينام همست له بحدة: وأنا آخر مرة أسمح لك تمد إيدك عليا بأي طريئة
وربنا لو عدتها.. لأكون خرباها وئاعدة على تلها زي ما بتقول
ولا يهمني الدبلوماسي ولا ابن العمدة ولا أي حد
ثم تجاوزته وهي تفتح الدولاب لتأخذ ملابسها التي أشعرتها بالضيق فعلا
فوالدتها يبدو أنها تريد أن يعلم الكل أنها عروس
كان طقما مكونا من بنطلون وقميص واسع للركبة باللون الأبيض الذي يزينه خطوط ناعمة باللون الفضي مع حجاب وحذاء وطقم حقائب الكل بنفس اللون
لم يعد لدى باكينام وقت للاعتراض أو كان رفضت أن ترتديه
فهذا اليوسف يشعرها أنها ذاهبة لعزاء وليس لبدء حياة زوجية جديدة
توجهت للحمام وأبدلت ملابسها بسرعة
وتركت الفستان معلقا في الحمام لتعود والدتها أو والدة يوسف لأخذه
منظرها العذب الرقيق هز أوتار قلب يوسف بعمق
إنسدال هذه السلاسل الذهبية على الفضاء الأبيض
كان يراقبها وهي تجمع شعرها وتلبس حجابها ..ويشعر بأسى عميق..
لِـم كان يجب أن يحبها كل هذا الحب؟!!
ولِـم تكون هي فقط من تطوع قلبه العصي على الترويض
لتصفعه بعد ذلك بخيانتها له وهي على ذمته
بدون حتى أن تشعر بأي ذنب أو تحاول أن تبرر له أي شيء
كان لديه استعداد شاسع لتصديقها لأنه يريد أن أن يصدقها
ولكنها لا تحتاج للتبرير لأنها خائنة وقلبها مع سواه
فماذا تبرر؟؟ ولماذا؟؟
هكذا كانت أفكار يوسف التي تلتهم أفكاره وتدمي رجولته وهو ينظر لها وهي تتحرك بآلية لتنجز مهمتها التي بدت بغيضة على قلبها
كان واقفا شاردا فيها حتى بعد أن وقفت أمامه وتهمس له
لم يسمع ماذا تقول.. كان محلقا في بحر عينيها.. في التواء شفتيها.. في بريق نظرتها المختلفة التي تصيبه بالجنون
نقرت كتفه بإصبعها برقة وهي تقول بهدوء: يوسف كل ده سرحان
بأئول لك خلصت خلاص
يا الله ننزل
لم يشعر بنفسه إلا وهو يمسك بإصبعها التي تنقر كتفه
أمسك إصبعها بين أنامله بطريقة تملكية
ثم نفض يده بحدة وكأن إصبعها نجاسة ستلوث يده
حركته كانت تلقائية ومقصودة في آن
والمعنى وصل باكينام وجرحها لأقصى حد
ويوسف يحمل جاكيته ويقول لها بهدوء واثق: يالله بينا
ورانا 11 ساعة طيران متواصل
*************************
بيت مشعل بن محمد
غرفة مشعل ولطيفة
مشعل يدخل إلى الغرفة .. كانت لطيفة تجلس على التسريحة تخلع ساعتها وخاتمها حين دخل
ابتسم بعدما سلّم وهمس وهو يقترب منها: زين ما بعد بدلتي
أشوف وش لابسة
لطيقة بعذوبة: توني واصلة أصلا..
مشعل باهتمام: وجودي ومريوم توهم ينامون ذا الحين؟؟
لطيفة وهي تخلع سلسلتها وتضعها في العلبة أمامها: لا ناموا من بدري
بس مريوم نامت عند خالتها ريم.. وجودي شلتها وجبتها معي
ترا حتى حمودي وعبودي ناموا عند سلطان
مشعل يبتسم: يعني وزعتي عيالنا الليلة على الجيران.. ثم استفسر باهتمام: وجودي وينها؟؟ خليتيها في غرفتهم بروحها
لطيفة تضحك: طل على السرير وراك
مشعل ألتفت وجود تنام بالعرض على السرير.. ابتسم وهو يقترب منها ويتمدد جوارها ويطبع الكثير من القبلات على يديها الصغيرتين وجبينها
لطيفة تقف وهي تقول بخفوت: بسك مشعل بتصحيها
مشعل يقف ويهمس: واحنا أشلون بنام وبنتش ماخذة السرير لها بروحها
لطيفة برقة: أصلا بأرتب لها مكان على الكنبة اللي تنفتح.. هي ترفس واجد ولازم تنام بروحها
مشعل بخبث: إيه خليها تجرب سرير أبيها اللي كان مطرود عليه كنه فيه جرب
لطيفة تقترب وتقرص خده بوله: إبيها كان يستاهل.. قال يبي يتزوج علي.. اللي ما يستحي
مشعل يهمس بلؤم: أستاهل هاه؟؟ أجل خلاص اللي ما يستحي جايب لش شيء وبيرميه في الزبالة دامه واحد ما يستاهل
لطيفة بترقب: جايب لي شيء؟؟
مشعل يتجه للدولاب ويفتحه ليخرج كيسا وهو يبتسم: هدية الخلاص من الامتحانات
لطيفة تبتسم: زين خلها لين أنجح وأجيب النسبة.. أو حتى خلها أخر السنة
مشعل يمدها بالكيس الفخم لتتناوله منه وهو يحتضن وجهها بين كفيه ويقبلها بعمق: لا... هدية النجاح شيء ثاني
أنت بتروحين معي وتختارينها على كيفش
أما هذي فشيء بسيط والله العظيم مهيب قدر ظفرش عندي
أما هدية آخر السنة فهذي بتكون شيء ثاني ثاني وأنا اللي باختارها لش على ذوقي..
لطيفة تهمس وهي تقبل صدره حيث يصل مستوى رأسها.. ثم تسند رأسها على صدره:
تدري مشعل أنت عمرك ما قصرت علي بالهدايا الغالية
بس ذا الهدية عندي غير.. لأنه الهدية بمضمونها مهوب بقيمتها
ثم أردفت بشجن:
تكفى مشعل ما تتغير علي ولا تجفاني مثل أول
والله العظيم أموت.. أنا قبل عايشة معك وأنا ماجربت نكهة حنانك
بس عقب ما غرقتني بمشاعرك وأرويت عروقي.. من غيرها بأموت من العطش
مشعل يحتضنها بشدة كأنه يريد إدخالها بين ضلوعه وهو يهمس لها بحب مصفى:
لا تجيبين طاري الجفا
ماحد ذاقه مثلي.. ذوقتيني إياه أشكال ألوان
طلعتني مني الأولي والتالي..
بس ما أقول إلا الله لا يحرمني منش بس
************************
بعد ساعات كثيرة
أمام بيت صغير لكن شديد الفخامة والأناقة في منطقة جورج تاون /كولومبيا ديسكرت
قبل المغيب بتوقيت واشنطن
توقفت سيارة أجرة أمام البيت
ترجلت باكينام وهي تنظر بدهشة للبيت.. كثيرا ماعبرت هي وهيا من أمامه
وعبرت عن إعجابها به وبحديقته المنسقة بذوق رفيع
كثيرا مالمحت رجلا عجوزا فيه.. كيف لم تلمح يوسف؟؟
سخرت من نفسها (ربما لو لمحته تلك الأيام لظننته خادما يعمل في البيت!!
لشدة ماسخرت مني يوسف وجعلتني أضحوكة لك
حتى الآن!!
حتى الآن!!)
طوال الرحلة التي استغرقت 14 ساعة.. 11 ساعة طيران متواصل.. وساعتين في مطار القاهرة وساعة في مطار دالاس بواشنطن
لم يتحادثا سوى بعبارات محدودة.. وكل منهما يتجاهل الآخر عمدا
يوسف حمل الحقيبتين الكبيرتين بخفة وهو يعبر سياج الحديقة ثم الحديقة
ليقف أمام باب البيت ويطرق الجرس
لتفتح الباب لهما عجوز مكسيكية بدينة باسمة كادت تحتضن يوسف حين رأته
لولا أنها تذكرت أنه لا يرضى أن تلمسه رغم أنها تعتبره تماما كواحد من أبنائها السبعة المشردين بين أمريكا والمكسيك
همست مرحبة: أهلا جو.. أطلت الغياب هذه المرة.. ولكن بفائدة
ثم أكملت وهي تحتضن كف باكينام:
هذه الجميلة تستحق.. بل هي أقل مما كنت تصف و..
يوسف يقاطعها بشكل مقصود قبل أن تكمل حديثها الذي لا يريدها أن تكمله: ماريا أين سانتياغو ؟؟
باكينام انتبهت.. ومن هي بذكائها لا يفوتها هذا
(يبدو أنه كان يثرثر للعجوز عني
ولكن متى.. قبل عودته للقاهرة؟؟)
ماريا بمودة: ذهب لإحضار بعض مستلزمات العشاء.. فأنا اعد للعريسين وليمة الليلة
يوسف بتحذير: إلى أين ذهب؟؟
ماريا تبتسم: إلى محل حسين.. مابك بني.. نحن نعمل عندك منذ سنين..
ونعلم أنك لا تأكل إلا من محلات المسلمين
ثم ألتفتت ماريا لبكينام وهي تقول باحترام: هل تود صغيرتي تناول شيء معين؟؟
باكينام أخيرا تكلمت وهي تهمس: لا شكرا.. أنا فعلا أود أن أستحم لأصلي ثم أنام فقط
ابتسمت ماريا: لا لن تنامي قبل أن تتعشي.. ولكنتك جميلة تشبه لكنة جو تماما
ابتسمت لها باكينام : هل كل المكسيكيات أسمائهن ماريا؟؟
ضحكت ماريا: ماريا هو الاسم الأول لغالب اللاتينيات.. أنا اسمي ماريا جورجيانا.. ولكن ماريا لوحده أسهل.. والأمريكيون يحبون الأسهل
بإمكانك أن تستحمي.. فأنا بدأت فعلا بإعداد العشاء.. تبقت أشياء قليلة
أنتظر زوجي سانتياغو ليحضرها
كان يوسف واقفا متأملا في الحوار وكيف اندمجت باكينام فورا مع ماريا
(غريبة كيف تنازلت هذه المغرورة للتباسط مع ماريا؟!!!)
باكينام استأذنت: اسمحي لي ماريا.. أين أضع أغ**** لأستحم؟؟
تعمدت سؤالها وتجاهل يوسف
ماريا لم تنتبه أصلا ولكن يوسف انتبه.. وماريا تجيب بعفوية: لا يوجد في الأعلى سوى غرفة واحدة غرفتكما
باكينام تنهدت (أي كابوس أعيشه.. حتى أشاطر هذه المصيبة المسماة يوسف
غرفة واحدة وحماما واحدا)
باكينام تتوجه للدرج.. قبل أن تصعد هتفت ماريا: توقفي
ثم ألتفتت ليوسف: جو أ لن تحملها للأعلى؟؟
مافائدة كل هذه العضلات والتمارين والركض كل يوم إذن؟!!
احملها يا فتى.. كما حملني سانتياغو قبل 29 عاما
***************************
صباح اليوم التالي في الدوحة
مطار الدوحة الدولي
مشعل وهيا يصلان المطار عبدالله هو من أوصلهم ومعه سلطان الصغير
سلطان يجلس مع هيا في المقعد الخلفي وبينهما مسافة فاصلة
همس لها بجدية مصطنعة: هيا.. أنتو رايحين الهند وإلا أمريكا؟؟
هيا بصوت مختنق وهي تتناول منديلا آخر من علبة المناديل وتدخله تحت نقابها:
أمريكا.. تستعبط يا سليطين؟؟
سلطان بذات النبرة الجدية المضحكة: تصدقين على كرتون الكلينكس اللي خلصتيه من بيتنا في المعيذر لين المطار
حسبتش تبين تأخذين كورس تدريب قبل تروحين الهند وتطلبين يعطونش الجنسية
وأنا أضمن لش تأخذينها من أول مرة.. خلصتي دموع أكثر من عشر أفلام هندية مع بعض..
يعني علامة جودة هندية أصلية ولا دهن التاتا وهزة الرأس
هيا تضربه على كتفه وهي تهمس بألم : تدري إنك سخيف وأني باشتاق لسخافتك وملاغتك وثقل دمك
سلطان بمرح شفاف: أدري الترجمة بتشتاقين لخفة دمي وحلاوتي ولساني اللي ينقط سكر
تقف السيارة ويتوقف قلب هيا وهي تشعر أنها عاحزة عن التنفس.. تهمس لسلطان بألم عميق شاسع مغمور بالمرارة والشجن:
تكفى سلطان سلّم على جدتي وأمي أم مشعل والبنات كلهم..
سلطان يتجلد وهو يمنع نفسه من إظهار التاثر: ترا حن مهوب في زمن قوافل الأبل.. الناس بالشهور ما تدري عن بعض
أول ما توصلين افتحي الماسنجر وأوريش خشة جدتي على الكام كنش قاعدة معنا
ينزل جميع من في السيارة عبدالله يحتضن ابنه ثم يقبل رأس هيا وهو يهمس لها بثقة أبوية حانية: شوفيني أقول لش قدام مشعل
ترا والله ثم والله لا تمسين ليل وانتي مضيومة من مشعل وما تتصلين فيني تعلميني
يا أنه زعلي عليكم ثنينكم دنيا واخرة
كانت جملته المسمار الاخير في نعش تجلد هيا التي أسندت راسها لصدر عمها وهي تنخرط في بكاء حاد
عمها احتضن رأسها وهو يقول بقلق حقيقي: وش فيش يا أبيش؟؟ مشعل قايل لش شيء؟؟
مشعل اقترب منهما وهو يهمس: هو كل شيء مشعل مشعل.. والله ماقلت لها شيء
وتراكم فضحتونا العالم يتفكرون فيكم
هيا رفعت رأسها وهي تهمس: جعلني ما أبكيك يبه..مشعل والله مايقصر..بس تذكرت إبي.. ومشتاقة لكم.. وكل شيء جاء مع الثاني
همس لها عبدالله بشجن: تعيشين وتذكرينه بالخير
الله الله في نفسش وفي رجالش وأي شيء يقصركم وإلا تبغونه كلموني
مشعل نادى الحمالين الذين تناولوا الحقائب ودخل مع هيا لداخل المطار
بينما غادر عبدالله وابنه سلطان الصغير المطار عائدين للبيت لوحدهما
***********************
بيت يوسف/ واشنطن
باكينام تتوجه للدرج.. قبل أن تصعد هتفت ماريا: توقفي
ثم ألتفتت ليوسف: جو أ لن تحملها للأعلى؟؟
مافائدة كل هذه العضلات والتمارين والركض كل يوم إذن؟!!
احملها يا فتى.. كما حملني سانتياغو قبل 29 عاما
يوسف يتجاوز باكينام صاعدا للأعلى وهو يقول بنبرة خاصة: هذه الفتاة تحمل من الأثقال الكثير
الكثير ماريا.. أثقال تكفي لهدم جبال.. فكيف بمن هو مثلي؟!!
ماريا هزت كتفيها بحرج وهي لم تفهم مقصده.. بينما باكينام فهمته تماما
وهزت هي كتفيها عدم اهتمام.. فهي مرهقة جدا وغير مستعدة لأي ملاسنة أو نقاش
صعدت خلفه..
كانت غرفة واسعة على الطراز الأمريكي الخالي من الدولايب
الدولاب (الكلوزيت) هو غرفة صغيرة معدة بأرفف وعلاقات بمختلف الأشكال
والغرفة عبارة عن سرير ضخم.. وتسريحة ضخمة.. وأريكة واحدة
وحمام شاسع.. وفقط
كانت الغرفة دافئة رغم برودة الجو الصقيعية في الخارج
والجو يغري بالنوم.. ولكن باكينام قاومت هذه الرغبة حتى لا تحبط العجوز التي تعد العشاء في الأسفل
رغم أن آخر ما تفكر به هو الجلوس مع يوسف على طاولة واحدة كزوجين طبيعيين بينما هما أبعد ما يكون عن مصطلح الطبيعية ومضمونها
كان يوسف يجلس على الأريكة ويخلع حذائه حين همست باكينام ببرود:
ممكن تجيب لي شنطتي.. أو أنزل أسحبها؟؟
لم يرد عليها وهو ينزل حافيا ليحضر حقيبتها ويضعها أمامها بخفة ويقول لها ببرود:
أنا هاستحمى على بال ما تطلعي لك غيار
والعشاء هيكون بعد صلاة العشاء
************************
الدوحة بعد صلاة العصر
راكان خارج من المسجد ويركب سيارته ليتوجه لتدريب الرماية
يرن هاتفه.. يرى الاسم ويبتسم:
هلا والله بأبو عبدالله
أكيد توك واصل لندن ذا الحين
مشعل باستعجال: راكان اسمعني عدل
أبيك الحين فورا تحجز لك أنت وموضي وتجون لندن على طيارة الليلة
راكان بصدمة: نعم؟؟
مشعل بهدوء رغم قلقه: اسمعني عدل
أنا انمسكت في مطار هيثرو وهيا الحين في استراحة المطار
أنا قلت لها ما تطلع من المطار مكان.. أبيكم تجون عشانها
أنا حالتي حالة.. أحاتيها هي وبس..
أدري عندك فيزة مفتوحة من الديوان تجددها السفارة البريطانية سنويا
وتقدر تسافر فورا
راكان بصدمة أكبر: انمسكت ليه؟؟.. عشان الموضوع التافه اللي قبل سنين؟؟
تماسك وهو يكمل: وبعدين موضي ما تبي لها فيزة؟؟ والفيزة تبي لها كم يوم
وتو حن متملكين البارحة مايصير أسحبها معي اليوم
أنا باجيك بروحي.. ومرتك بنوديها لبيت السفير لا تحاتيها
مشعل باستعجال حازم: موضي عندها فيزة لبريطانيا من الصيف اللي فات.. أنا سويتها لها
كان المفروض تسافر مع أمي بس ما قدرت
والفيزة كان مدتها سنة ولسفرة وحدة.. وهي مابعد استخدمتها
تكفى راكان لا تعقدها
موضي مرتك وأنا في ظرف طارئ.. لا تسويها سالفة
الليلة تكونون عندي
هيا انهارت يوم شافتهم امسكوني..وأنا على أعصابي عشانها
أبي موضي تجي عندها تهديها.. ولو سالفتي بتطول أبيكم ترجعونها معكم للدوحة
راكان بحزم: تم يابو عبدالله.. موضي عندها خبر؟؟
مشعل وهو يستعد لإغلاق هاتفه: أنا كلمتها قبل أكلمك
وبتلاقيها جاهزة تنتظرك
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:01 PM
أسى الهجران / الجزء الرابع والسبعون
سيارة راكان
الحوار الصادم الدائر بين راكان ومشعل
مشعل باستعجال: اسمعني راكان
مابي أي حد يدري بشيء
لا تروعهم على غير سنع
ترا حتى موضي ما تدري.. قلت لها هيا تعبانة وأني احتست فيها وأبيها تجي
لما تصير معك في الطيارة بلغها
راكان بنخوة: خلاص يا ابن الحلال تم
خلني الحين أشوف حجز مستعجل
****************************
بعد صلاة العصر بقليل
بيت عبدالله بن مشعل
لطيفة تدخل غرفة موضي وهي مقطوعة الأنفاس تدخل لتلقي بنفسها على السرير وتهمس بصوت مبهور الأنفاس:
وش فيش روعتيني؟؟ هذا أنتي طيبة.. وش صاير عشان تقولين لي خلي كل اللي في يدش وتعالي الحين الحين
موضي التي كانت تنقل بعض ملابس دون تفكير لحقيبة صغيرة همست بنبرة غير محددة الملامح: بأسافر لندن الليلة مع راكان
مشعل يقول هيا تعبت عليه.. ويبيني أجي وبيقول لراكان يجيبني
لأنه راكان عنده فيزة مفتوحة.. وأنا عندي فيزة مابعد استخدمتها
لطيفة برعب: وش فيها هيا؟؟
موضي بنبرة ميتة فعلا: مشعل طمني يقول إنها إن شاء الله بخير
بس هو خايف عليها شوي
لطيفة بارتياح: الحمدلله
ثم أردفت بنبرة اهتمام: زين يوم إنها طيبة.. ليش أنتي كنه مات لش حد؟؟
موضي بذات النبرة الخالية من الحياة: لطيفة أنتي سامعتني أو لا؟؟
أقول لش بأروح مع راكان
لطيفة ابتسمت: زين وش فيها؟؟ تكونين رايحة مع ولد الجيران تمشية
رايحة مع رجالش عشان أخيش طلبش.. وش فيها؟؟
موضي بدأت نبرتها تتغير وتهتز: أخر ماعندي أبرد ماعندش
تستعبطين أنتي؟؟
لطيفة تنهدت: ياقلبي يا موضي.. أنتي الحين وش اللي مضايقش؟؟
راكان على ضمانتي إنه ما يضايقش بأي شيء
موضي تبحث لها عن حجة: والناس وش بيقولون علي؟؟ تملكت أمس وسافرت معه اليوم
لطيفة بهدوء: ماحد بقايل شيء.. واللي بيقول يضرب رأسه في الطوفة.. واللي عنده ريال يقطعه..
دامش ماسويتي شيء غلط ولا حرام ولا منقود.. ماعليش من حد
ويالله خليني أساعدش ...أشوف وش خذتي في شنطتش؟؟
وهما في حوارهما رن هاتف موضي.. كان فارس..
موضي بتوتر: هلا فارس
فارس باستعجال: موضي أنا في مكتب السفريات.. راكان طلع لكم حجز بعد حوالي 3 ساعات.. وأنا جاي أخذ التذاكر.. اجهزي بسرعة
أنا اللي بأوديكم للمطار.. نص ساعة بالكثير أبيش واقفة بعباتش
موضي شعرت كما لو كانت ضُربت على رأسها بصاعقة: نص ساعة؟؟
فارس يغلق هاتفه وهو يقول باستعجال: خلصيني
موضي انهارت جالسة على السرير وهي تضع هاتفها بجانبها وتقول كأنها تحادث نفسها: فارس يقول نصف ساعة ونروح المطار
لطيفة باستعجال وهي تزيحها: أنا بأكمل ترتيب شنطتش
وأنتي طلعي عباتش وشوفي أغراضش الخاصة اللي تبينها
وكلمي مشاعل تجي تشوفش لا تسوي مناحة إذا درت إنش رحتي ما شافتش
موضي بتوتر: كنت أبي أتسبح
لطيفة تمسك بشعر موضي المبلول جزئيا وتقول باستغراب: شكلش توش سابحة
موضي بتوتر: كنت توني طالعة من الحمام وأبخر شعري يوم كلمني مشعل
لطيفة باستغراب: زين ليش تبين تسبحين مرة ثانية؟؟
موضي وهي تدور مرتبكة: أخاف حد يشم ريحة البخور بشعري
ضحكت لطيفة: تدرين إنش عبيطة.. دام إنش ما بخرتي ملابسش ولا تعطرتي ماحد بشام ريحة عطر فيش إلا حد يحط خشمه في رأسش دايركت
ثم أكملت وهي تغمز لها وتخبرها بالسبب الحقيقي لتوترها: راكان مثلا!!
*****************************
بيت ناصر
ناصر يدخل بعد صلاة العصر
كانت مشاعل تقرأ في مصحفها وهو يفتح الدولايب يبحث عن شيء لم يجده
طال الوقت وهو يبحث ولم يسأل مشاعل رغم أنها أنهت وردها وأغلقت مصحفها وكانت تنظر له
بينما هو كان يتجنب فعليا أن يسألها.. أصبح يكره مؤخرا إحساسه الدائم إنه في حاجتها.. فهي أصبحت تحكم قبضتها الحريرية على كل شيء
هي من تخرج له ملابسه.. تجهز له كل شيء.. تحضر الشيء قبل أن يطلبه
يشتهي شايا يجده أمامه.. يشتهي تناول شيئا حلوا يجده أمامه
يشعر بالبرد وهو يشاهد التلفاز يجدها تحضر له غطاء
وأصبح بالفعل يستغرب قدرتها الغريبة في استشفاف رغباته وحاجاته دون كلام
كان منحنيا قليلا حين اقتربت منه وهمست بالقرب منه: ناصر وش تدور؟؟
رفع رأسه بشكل حاد ومفاجئ ليضرب رأسه في ذقنها وتسقط هي بشكل عنيف للوراء وتصدر عنها أنة ألم خافتة
ناصر بقلق لم يظهر في صوته وهو يمد لها يده اليمين ويرخي ثقله على قدمه السليمة ويشدد احتضان يساره للعكاز: أنتي بخير؟؟
مشاعل تبتسم وهي تمسك بيده لتنهض: بخير مافيني شيء
رفعها عن الأرض بخفة وهو يشدها إليه.. ثم أراد أن يفلت يدها ولكنها لم تترك يده وهي تحتضنها بيديها الاثنتين
ناصر بهدوء: مشاعل فكي يدي.. هذا أنتي واقفة ومافيش إلا العافية
مشاعل لم ترد عليه وهي تنظر ليده السمراء الكبيرة القابعة بين يديها الصغيرتين الشفافتين
أحنت رأسها وطبعت على ظاهر كفه بالقرب من إبهامه قبلة عميقة شديدة الرقة
ناصر صُعق تماما.. شعر أن مشاعره نُسفت.. وبقلبه أعاصير هوجاء وشفتاها العذبتان تعانقان بشرة يده بحنو
رفعت رأسها لتلتقي عينيهما.. مازال ناصر غير قادر على الاستيعاب ورأسه يدور من تأثير قبلتها الكاسح على دغدغة مشاعره
بدت له قبلتها طويلة جدا وقصيرة جدا.. والحقيقية الفعلية التي ينكرها هو أنه تمنى ألا تنتهي هذه القبلة أبدا.. إحساسه بقربها اللاسع مدمر ورائع ومليء بالعنفوان
ولكن ردة فعله كانت أنه نفض يده من يديها وهو يبتعد ويهمس بقسوة:
أعتقد أني قلت لش قبل الحركات البايخة هذي مالها داعي
شعرت مشاعل بالألم... بالكثير منه.. الألم الشعور الذي اعتادته حتى أصبح مرافقا لها
لا تعرف يقينا ما الذي دفعها لتقبيل يده رغم أنها تعلم أن ردة فعله ستكون قاسية
شعرت أن مشاعرها تضغط عليها بعنف
(كيف بدأ يستولي على مشاعري بهذه الطريقة؟!!
هل أحبه؟!!
أحببته؟!!
ما أعلمه هو أنه يتغلغل في روحي بطريقة تملكية موجعة)
مشاعل صمتت وهي تتراجع لتجلس وناصر يكمل بحثه
أخيرا قال لها بهدوء مستفز: فيه ملف فيه أوراق للشغل ما أدري وينه
مشاعل نهضت وتوجهت لدولاب صغير في طرف الصالة مدت يدها فوقه وأعطته المفتاح وهمست: كل أوراق شغلك رتبتها هنا وسكرت عليها
ناصر بغضب: وأنتي من اللي سمح لش ترتبين أوراقي؟!!
وش ذا اللقافة اللي عندش
يعني إلا تدخلين نفسش في كل شيء حتى شغلي..
صرتي تدخلين في لبسي وأكلي قلت ماعليه.. ومشيتها لش..
بس لين شغلي وبس.. سامعتني
مشاعل بقيت واقفة كتمثال محنط حتى أنهى سيل غضبه غير المبرر عليها
وهكذا أصبح!! مجرد سيل كاسح من قسوة غير مبررة يحاول بها طمر مشاعره ناحيتها
كلما شعر أن افتتنانه بها يزيد كلما زاد في قسوته عليها
وكأنه بهذه القسوة يحمي نفسه من تسلطها على روحه ومشاعره
حينما انتهى من الصراخ وفتح الدولاب
توجهت لغرفتها وتمددت وتغطت
كانت تود أن تهرب من أمامه منذ بدأت طلقاته الكلامية في التدافع
ولكنها شعرت أن في هذا إهانة له واستخفاف به.. لذا ظلت واقفة أمامه تتلقى بصمت سيل كلماته الموجع حتى انتهى..
ثم غادرت لتسمح لقلبها المجروح أن ينزف
ناصر فتح الدولاب تفاجأ فعلا بدقة تنظيم كل شيء
لو بقي لعشر سنوات يرتب أوراقه لما نجح في ترتيبها بهذه الطريقة
شعر بالألم من أجلها وبالكراهية لنفسه
لم يكن يوما قاسيا هكذا
ولكن ماذا يفعل؟؟
القسوة أصبحت سلاحه الوحيد أمام قدرتها الغريبة على التسلل لما تحت جلده
كان غارقا في تفكيره وهو يقلب الأوراق التي أشغلته مشاعل عنها
رن هاتفان معا.. هاتفه وهاتفها
هو راكان
وهي موضي
هي خرجت من الغرفة.. وهو دخل
همست وهي تخفي وجهها عنه: بأروح لهلي.. موضي بتسافر الحين
ناصر باستعجال: وأنا بأروح للمجلس أشوف راكان قبل يسافر
***********************
واشنطن/ بيت يوسف
قبل صلاة الفجر
البارحة تعشيا معا بصمت.. تجنبا تبادل الحديث
فكلاهما مرهق بشدة وليسا بحاجة لفتح أي موضوعات قد تؤدي لنقاش حاد كلاهما في غنى عنه
وخصوصا أن أي حوار بينهما أصبح ينذر بمعركة وشيكة
حين أنهت العشاء غادرته وهو بقي في مكتبه في الأسفل يراجع أطروحته ليعيد تواصله معها وخصوصا أنه في مرحلته الأخيرة منها
باكينام صعدت
تنهدت بعمق وهي تنظر لنفسها في المرآة
كانت تبدو مرهقة فعلا ولكن غاية في العذوبة في فستان كاجوال بلون السماء
ارتدته بعد أن تحممت وصلت
(لم يكن هناك أي داع أن ألبس له أي شيء خاص
فهو لم ينظر لي مطلقا
أشك إن كان حتى لاحظ مالبست)
ولكن مالم تعلمه أنه نظر.. بل تفحص ..ومنظرها العذب الرقيق يحز في روحه المعذبة
ولم يكن تحججه بمراجعة الأطروحة سوى وسيلة للهروب منها وتأثره برقتها وحضورها الكاسح الموجع لمشاعره
كان يراقبها بشجن عميق وألم أعمق..وهي سارحة تقلب طعامها بشوكتها دون أن تتناول منه سوى أقل القليل
وفي عينيها يستوطن حزن شاسع..
ثم نهضت وغادرت وعيناه تشيعانها بوجع
ارتدت بيجامتها.. صلت ثم نامت فورا من شدة تعبها ودون أن تفكر بأي شيء
في منتصف الليل صحت من نومها على لفح أنفاس دافئة على وجهها وأنامل تلف خصلات شعرها في حلقات لولبية وتمسح أطراف وجهها
فتحت عيناها.. كان وجهه قريبا.. قريبا جدا منها
همست بضعف: يوسف سيب شعري
همس في أذنها بعمق وخفوت: اشششش
وهاهي الآن قبل صلاة الفجر تنتظره بعد أن خرج من البيت قبل أكثر من ساعتين بعد أن قضى ساعة كاملة وهو يستحم
تشعر بألم عميق.. عميق.. عميق
لا يمكن أن يكون لهذا الألم الذي تشعر به حدود أو مسافات
موجوعة وتشعر بإهانة مرة
أشعرها أنها رخيصة.. قذرة.. نجسة
مصطلحات جارحة لم تخطر بأسوأ أحلامها يوما
( أ لهذه الدرجة يراني قذرة؟!!
يستحم لساعة ثم يهرب من أمامي
ماذا فعلت حتى أستحق منه هذا المعاملة
يفكر الفكرة ثم يصدقها
أنا لست مجبرة أن أبرر له ذنبا لم أرتكبه
أنا لم أخطئ بشيء.. ولن أعتذر عن خطأ لم أفعله
ولكني متعبة من هذا الوضع
أنا أحبه فعلا بل أعشقه..لماذا كل ما بيننا معقد هكذا؟؟)
أذن الفجر وهو لم يعد بعد
صلت صلاتها ثم قررت أن تنزل لتنتظره في الأسفل
يوسف بعد أن صلى الفجر.. كان مرهقا فعلا ويريد أن ينام
لذا عاد للبيت.. كان يتوقع أنها قد تكون عادت للنوم لذا تفاجئ بوجودها جالسة على مقعد مقابل للباب
همس وهو يتجاوزها صاعدا للأعلى: تصبحي على خير
باكينام همست بحزن عميق: يوسف.. أعتقد أنو لازم نتكلم شويه
عاد وجلس على كرسي قريب منها وهو يشبك كفيه أمامه: نعم؟؟
باكينام بألم: أنت عندك شك أنك أول راجل يلمسني؟؟
يوسف يهز رأسه نفيا بثقة: لا طبعا..
باكينام بنفس النبرة النازفة ألما: أمال بتعمل كده ليه..؟؟
يوسف بنبرة عميقة وهو يسند ظهره للخلف: العزرية فكرة أعمق بكتير من مجرد حدود الجسد
أنا تأكدت إني أول راجل يكون جسمك ليه.. لكن هل أنا أول راجل يكون ئلبك ليه؟؟
تعرفي باكي.. أنا كان ممكن أسامح أي حب ليكي ئبل ما نتجوز
مع أنو فكرة إن مشاعرك تكون لأي راجل حتى ئبل ما أعرفك بتدبحني..لكن كان عندي استعداد أسامح..
لكن إنك تستمري تحبي حد بعد ما بئيتي مراتي..دا اللي مستحيل أسامحك عليه
صمت يوسف.. انتظر منها ردا.. ردا ما ينفي كل شكوكه..
كم هو مستنزف من الألم..مستنزف
يحتاج إليها أن تخبره أن كل ما برأسه هو محض شكوك لا أساس لها من الصحة
وأنها مثلما كانت له جسدا.. هي له روحا وتفكيرا وقلبا
يحبها
يحبها
اليوم هو في غاية اليقين أنه سيبقى يحبها حتى آخر نفس يتردد في روحه
ولكنه يريدها له كاملة غير مجزأة
يريدها له وحده جسدا وروحا
مستقبله وتفكيره وحياته تتعلق كلها على كلمة واحدة من بين شفتيها
ولكنها صمتت
صمتت
أسوأ أنواع الصمت وأبشعها
صمت يدينها في نظره
صمت يحرث قلبه بمناجل الغيرة والغضب واليأس والألم
باكينام وقفت بهدوء بارد وتجاوزته بهدوء أبرد
لتترك سكونا صقيعيا يغرق ساحة المعركة المنتهية خلفها
والصقيع يتسلل إلى القلبين ليلفهما بدثاره المتجمتد
(لن أريحك..
عش بشكك مادمت قد أرتضيت أن تفكر بي هذا التفكير
حتى بعدما منحتك جسدي ومعه روحي
يا لا غبائك..
يا لا غبائك!!
هل تفكر أني سأمنحك جسدي قبل أن أمنحك قلبي
أو ربما فكرت أني منحته لك تعويضا عن قلب لم تناله
غبي .. غبي!!)
غادرته.. لتتركه وجرح قلبه يتعمق ويتعمق ويتعمق طوليا وعرضيا وفي كل الاتجاهات
قلبه ممزق
ممزق تماما
تــمــامــا
****************************
بيت عبدالله بن مشعل
الأصيل
بعد صلاة العصر بساعة
سيارة فارس تدخل لداخل السور وراكان يجلس إلى جواره
موضي في صالة البيت الرئيسية
تسلم على عائلتها المتواجدة بكاملها بدءا من جدتها ووالدها
حتى ريم وأبناء لطيفة
والدها وهو يحتضنها همس في أذنها: لا تحاتين شيء يا أبيش
أنا بكرة بأقدم لي على فيزه وبألحقش أول ما تخلص
موضي وضعت كفها على خده وهي تقبل خده الآخر وتهمس له بحب عميق ممزوج بالاحترام:
مافيه داعي فديتك تتعب روحك.. السالفة كلها يومين ونرجع
جدتها همست بقلق: تكفين يأمش خلي هيا تكلمني أول ماتوصلين
لطيفة احتضنت كتف جدتها وقبلت رأسها وهي تقول لها بخفوت:
تلاقينها حامل يمه.. وولد ولدش احتاس ما عرف وش اللي فيها
عينا هيا الكبيرة التمعت بفرح وهي تهمس للطيفة: ظنش كذا يا لطوف؟؟
لطيفة بتأكيد كاذب حتى تطمئن جدتها القلقة: ظني وأبو ظني بعد
موضي تقبل والدتها وتهمس لها: يمه لا تنسين
ترا قطرة جدتي ماعاد باقي فيها إلا شوي يالله تكفيها لبكرة
أرسلي حد يجيب لها..
والدتها تحتضنها بعمق: لا تحاتين مشاعل منتبهة من البارحة وتقول بتروح تجيب لها بنفسها
موضي تتأكد من إرخاء عباءتها وشيلتها وأن لا شيء يظهر منها
تتنهد بعمق وتوجس وقلق وعشرات المشاعر المتضاربة تتقاذفها كريشة في خضم عاصفة هوجاء
لتخرج مع والدها وشقيقها سلطان للسيارة التي تنتظرها خارجا
وسلطان يسحب حقيبتها الصغيرة خلفه بعد أن أقسم ألا يحملها أحد سواه
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:03 PM
أسى الهجران/ الجزء الخامس والسبعون
لندن
مكتب التحقيق التابع للشرطة البريطانية (اسكوتلانديارد) في مطار هيثرو
رجل شرطة انجليزي يقترب من مشعل بأغلال ليقيد يديه استعدادا لنقله لمكتب التحقيق الرئيسي
مشعل يرفع يديه بحدة ويبعدها عن الشرطي وهو يهمس بغضب:
لن أسمح لكم بتقييدي كأني محكوم في جريمة
أنتم تتجاوزون كل الأعراف المعروفة
تراجع الشرطي الانجليزي للخلف..
فرغم تراجع شهرة مرونة الشرطة البريطانية التي عُرفت به وخوفهم من التورط في أي مخالفة دستورية
إلا أن الوضع مازال متحكما في فكر بعض أفرادها كما غُرس فيهم
فالشرطة البريطانية عُرفت أنها الأكثر مرونة بل وخوفا بين كل قوات شرطة العالم
فقبل عدة سنوات لا تستغرب أن ترى رجل شرطة بريطاني يُضرب في الشارع دون أن يدافع عن نفسه
لأنه يخشى أن يصيب المهاجم بأي إصابة فيرفع عليه دعوى.. والقاضي سيحكم فورا ضد الشرطي
ولكن بعد موضة مكافحة الإرهاب التي شاعت في العالم أصبحت الشرطة البريطانية أكثر تحكما وقسوة
ولكن وضعهم بالتأكيد أفضل بألاف المرات من كثير من قوات الشرطة في دول كثيرة
رئيس التحقيق نهض واقترب من مشعل وهو يهمس بهدوء: مابك سيدي؟؟
لا بد من تصفيدك بالأغلال حتى تتم عملية النقل
مشعل بغضب: وأنا لن أسمح لكم بتصفيدي فأنا لست مجرما
ولم أعرف بعد ما تهمتي
كما أنكم لم تسمحوا لي بإحضار محامي
أي عدالة هذه؟؟
رئيس التحقيق بهدوء مهني: سيد مشعل نحن مجرد مكتب مؤقت ولسنا مخولين بإعطائك أي تفاصيل
اسمك موجود على اللائحة السوداء ولا أعلم ماهي تهمتك تحديدا
لابد أن تتوجه لمكتبنا الرئيسي وتستطيع أن تهاتف محاميك ليقابلك هناك
مشعل بثقة: لا بأس.. ولكن لن أسمح لأحد بتقييد يديّ..
رئيس التحقيق: لا بأس.. سأتجاوز عن الأصفاد
ثم يشير لرجلي شرطة ليحيطا به ويقوداه للخارج
كان مشعل يتمنى أن أن يهاتف هيا ليبلغها أنهم سيقتادونه خارج المطار
ولكنه بعد مكالمته مع موضي وراكان أخذوا جهازه المحمول
ومتعلقاته الشخصية كلها.. حتى حزامه وقلمه وحذاءه
لذا قرر أن ينتظر حتى يصل مركز التحقيق ويتصل بالسفارة وبالمحامي
وحينها يستطيع مهاتفتها وطمأنتها من المركز
رغم أنه يعاني قلقا كاسحا عليها
فهي كانت متوترة جدا من توقفهم في لندن
وظهر أن لتوترها وخوفها سببا فعليا
وخصوصا أنها تشعر أن الذنب ذنبها لأن التوقف كان من أجل إكمال نقص في أوراقها هي من تسببت فيه
لذا انهارت في بكاء هستيري وهم يمسكون به ويبعدونه عنها
الأمر الذي أصاب مشعل بالجنون قلقا عليها
**************************
الدوحة
سيارة فارس المتوجهة للمطار
منذ ركوب موضي والصمت يعم السيارة المنطلقة بسرعة
عدا حوار متقطع بين راكان وفارس
موضي جلست خلف فارس وكأنها تحاول بدون أن تقصد أن تبتعد عن راكان قدر ما تستطيع
ولكن موقعها أتاح لها رؤيته بشكل أوضح وهي ترى صفحة خده
إنها المرة الأولى التي تراه من هذا القرب الشديد.. مجرد سنتيمترات بينهما
شعرت بألم مر يجتاح روحها المهزوزة
وهي تراه في جلسته الواثقة التي ألتهمت المقعد في استرخائه الفخم عليه..
كان يسند كوعه اليسار إلى المسند بينه وبين فارس.. ترى بوضوح ساعته الفاخرة
كفه الكبيرة بعروقها البارزة الدالة على قوة يديه التي اعتادت معالجة الأسلحة ومعانقة بيادق الشطرنج.. ولكنها ماعرفت يوما معانقة أنامل إمراة ما!!
تراه أسطورة كما كانت تراه طوال سنين مراهقتها
فكه المرتفع وشفتاه المزمومتان بقوة
العارض المحدد بأناقة في خده الأسمر
وسامته المختلفة عن أي رجل في نظرها.. عامرة بعبق رجولة صميمي موجع
حضوره المتألق الواثق الذي يوحي بسيطرته المتحكمة بشفافية غير متسلطة على ماحوله
كل هذا أورثها إحساسا متعاظما بالمرارة والندم على تهورها في تلك الليلة المشؤومة حين طلبت منه أن يتزوجها
شعرت أنها باهتة بجواره.. باهتة للغاية.. وضئيلة للغاية
شعرت كما لو أنهما يمثلان ثنائية الجبل وحبة الرمل
هو الجبل وهي حبة الرمل
من سيرى حبة الرملة بجوار الجبل؟!
وكيف ينحني الجبل ليصل لمستوى حبة الرمل؟!!
فعليا وحقيقة موضي لها ألق خاص جدا.. قد لا تكون بجمال لطيفة أو حتى مشاعل ذات الجمال الهادئ..
ولكن موضي كانت مليحة جدا
لها جاذبية مثيرة والعين لا تمل من النظر إليها
وشخصيتها وحديثها مختلفان ممتعان وعميقان
ولكن حمد وحياتها معه حطمت كل ثقتها الأنثوية بنفسها أمام أي رجل
فكيف أمام راكان الذي كانت تراه هي بالذات رجلا أسطوريا مختلفا؟!!
حمد مارس عليها خلال أربع سنوات أبشع صنوف القهر والإذلال والمهانة بل والتحقير
كلما شعر هو بالنقص.. حرص على أن يشعرها بنقص أكبر حتى يضمن أن تبقى أسيرته.. وحتى يبقى منتشيا برجولته المريضة
وصلا للمطار وهي غارقة في أفكارها المرة المثقلة بالألم
نزل فارس لينادي حمالا
حينها ألتفت راكان لموضي وهمس بصوته العميق: موضي
موضي انتفضت بعنف وهي تسمع صوته يخاطبها بشكل مباشر للمرة الأولى رفعت عينيها له بخجل وهي تهمس بتلقائية: لبيه
شعرت كما لو أن ماسا كهربائيا صاعقا شطرها نصفين وعيناها تتعلق بعينيه وأسر نظرته المختلفة
راكان من ناحيته لم يكن يشعر بأي شعور خاص..
محرج قليلا من سفرها معه..
ولكن إحساسه بها لا يختلف عن إحساسه بالعنود أو مريم
مجرد أخت ربما
أضطرتهما الظروف للسفر معا
وسيتعامل معها على هذا الأساس
همس لها بهدوء: لبيتي في مكة (داخليا تأثر من ردها التلقائي عليه "لبيه")
ثم أردف: يا الله انزلي
نزلا كلاهما
هو بثقة.. وهي بتوتر مرتعب
وفارس كان قد أنزل حقيبتيهما ويقف مع الحمال
توجها للداخل وفارس ودعهما
همس في أذن موضي: ترا راكان ما يعض شكلش رايحة عزا
لطالما كانت علاقتها بفارس استثنائية همست في أذنه برجاء عميق: خلك معي شوي
فارس يبتسم ويهمس في أذنها: سيارتي واقفة في الممنوع.. يعني بتفيدش ذا الخمس دقايق
يالله مع السلامة وسلمي على مشعل
موضي وقفت بتوتر وراكان همس لها بهدوء: موضي تعالي
كانت تمشي بعيدا عنه قليلا
راكان تراجع وهو يهمس لها بثقة حانية: موضي لو سمحتي خليش جنبي إلا لو تبيني أمسك يدش كنش بزر
موضي أدخلت كفيها في كمي عباءتها رعبا أن يفعلها وهي تهمس: خلاص خلاص جنبك
أنجزا معاملتيهما ودخلا لداخل المطار انتظارا لإقلاع الطائرة المتبقي عليه حوالي ساعة وربع
توجها لقاعة انتظار الدرجة الأولى وهي تمشي بجواره وتتمنى لو كان بينهما كل مسافات الأرض وبحورها وجبالها وسهولها..
جلسا.. موضي جلست مقابلا له في أحد زوايا الصالة الشاسعة وبينهما طاولة زجاجية صغيرة
وهي تتحاشى رفع عينيها إليه
همس لها: تبين تشربين شيء؟؟
موضي هزت رأسها بلا..
راكان وقف وهو يقول بهدوء: أنا بأروح أتوضأ باقي على صلاة المغرب شوي..
تبين توضين؟؟؟
هزت رأسها بلا.. وهمست بخفوت والكلمة تخرج متحشرجة كما لو كانت تكاد تختنق بها: متوضية
حين عاد راكان كان يجلس خلفه ومقابلا لموضي شابان جاءا وراكان غائب في الحمام
كانت موضي غير منتبهة لشيء لأنها لم ترفع رأسها أساسا لشدة توترها وخجلها من الموقف الذي وضعت فيه
لم يخطر لها ما حدث ويحدث ولا حتى في أسوأ كوابيسها
راكان جلس ثم همس لها بثقة: موضي تعالي اجلسي على الكرسي اللي جنبي
موضي بتوتر: نعم؟؟
راكان بذات النبرة الواثقة الهادئة: أقول تعالي على الكرسي اللي جنبي
موضي حين رفعت رأسها ورأت الشابين المقابلين لها عرفت سبب طلبه
رغم توترها قامت تنفيذا لطلبه وجلست جواره
راكان طلب هذا الطلب بتلقائية..فلو كانت أخته سيطلب منها ذات الطلب
ولكن موضي توترت (يعني أنا حد بيطالعني.. أنا حتى مهوب مبين مني شيء
حتى الشيلة منزلتها على النقاب
وش عنده ذا؟؟
يتمسخر علي يعني
وإلا يبي يحرجني؟؟)
تنهدت وهي تنهض
(لا حول ولا قوة إلا بالله
شكلي ماني مخلصة ذا الرحلة إلا مستخفة
مستحيل راكان يفكر ذا التفكير
أنا اللي مخي مركب شمال)
جلست على المقعد المنفرد المجاور له
وهي تعتصم صامتة بمكانها
حتى أذن المغرب.. وقاما للصلاة
أعطاها رقم هاتفه حتى تتصل به فور انتهاءها من الصلاة
صليا كلاهما
ثم توجها لركوب الطائرة
مقعدان متجاوران.. وقلبان أبعد ما يكونا عن التجاور والتقارب
شعرت بتوتر عميق وأن درجة حرارة رأسها ترتفع
تشعر أن دماغها يشارف على الغليان..
فرغم اتساع مقاعد الدرجة الأولى ولكن أقل حركة منها ستجعل كتفها يلامس كتفه
أو ربما قدمها تضرب في قدمه
أخذت المقعد الأقرب للنافذة والتصقت بها وهي تحاول أن تبتعد عن مداه المسيطر
وألقه الذي يشعرها بالضآلة
وحضوره الذي يشعرها بالنقص
ووجوده الذي يربك مشاعرها ويحصرها في زاوية مقيتة تبدأ من انتقاص الذات لتنتهي بامتهانها
راكان يشعر بالفعل بخجلها وتوترها وهو يحاول ألا يزيد عليها وأن يراعي مشاعرها
ولكنه لا يستطيع أن يفعل أكثر من هذا في هذا الظرف الذي وضعا فيه
أقلعت الطائرة
همس لها بهدوء اعتيادي ودود : موضي.. تحبين تمددين ..افتحي الكرسي شوي
الرحلة طويلة
موضي بخجل: لا لا.. مرتاحة كذا
جاء العشاء ورفضت موضي أن تأكل.. راكان كان سيأكل من أجلها فقط من باب اللياقة
وحين رفضت رفض هو أيضا
رفضا كلاهما فتح التلفازات الموجودة أمامهما
تناول راكان الجريدة وبدأ في قراءتها
وموضي أسندت رأسها للناحية البعيدة عن راكان
واستغرقت في تفكيرها الخاص
والـــمــــوجـــــع!!
**********************
واشنطن/ الساعة 11 صباحا
يوسف ينهض من نومه وهو يشعر أن جسده مفتت وعظامه تؤلمه
فهو قضى ليلته البارحة يتجول في طقس صقيعي بعد أن أخذ حماما وشعره مازال مبلولا
شعر ويشعر أن البرد دخل في عمق عمق عظامه
يحتاج لحمام ساخن ينفض عن عظامه البرد
فتح عينيه وهو ينظر لجواره.. لم يجدها
البارحة صعدت قبله.. وحين صعد وجدها تتمدد على السرير وهي تلف جسدها حتى رأسها بالغطاء
تمدد جوارها والألم يستوطن كل خلية وذرة في عقله وقلبه
عاجز عن التفكير.. ويجهل كيف يتعامل معها
هدد كثيرا أن ينتقم منها ويأدبها
ولكنه بينه وبين نفسه يعلم أنه مثقل بحبها وفي ذات الوقت مثقل بالألم والجرح منها
وبين الحب والألم وجد نفسه مصلوبا على مشانق الحيرة واليأس
مازال ألم البارحة غير الإنساني يحز في كل شريان من شرايينه
كيف يجتمع لامرأة ما أن تكون رائعة هكذا!! ومريعة هكذا!!
رائعة.. ومريعة !!
أحرف متشابهة... ووجع لا شبيه له في تنافرهما
أخذ حمامه الساخن وشعر بالنشاط
ارتدى ملابس دافئة ونزل للأسفل
لم يجد باكينام!!
سأل ماريا عنها
أجابته ماريا بحرج:
نزلت مبكرا وهي تحمل حقيبتها
***********************
الدوحة
بيت فارس بن سعود
الساعة العاشرة مساء
كانت العنود تجلس مع أم فارس في صالة البيت الرئيسية
الاثنتان تتبادلان الحديث وتشاهدان برنامجا دينيا على التلفاز
دخل فارس
سلّم ثم جلس
همست العنود برقة: تعشيت؟؟
فارس نظر لها مليا ثم همس بغضب مكتوم من بين أسنانه:
أنا كم مرة قايل لش اللبس ذا ما تطلعين فيه برا غرفتش
كانت العنود ترتدي بنطلون برمودا وبلوزة بدون أكمام
العنود نظرت بتوتر لنفسها وهي تهمس بحرج: الوقت متأخر ومافيه حد بيجينا
وبعدين مافيه حد غيري وغير أمي وضحى
فارس بحدة: وترادين بعد
العنود وقفت وهي تهمس بصوت مختنق: آسفة.. بأروح أبدل
فارس شعر فورا بالضيق من نفسه..فهو يغار عليها بجنون
يغار عليها حتى من الخادمات.. ولا يريد أن تبصر مفاتنها عين سواه
ولكنه تضايق لأبعد حد من أسلوبه الحاد معها
يعلم أنها رقيقة ولا تحتمل قسوته التي مازال عاجزا عن كبح جماحها
ما أن غادرت حتى ألتفتت له أمه وهي تقول بنبرة حانية:
شوف يأمك.. أنا ما أحب أتدخل بينك وبين مرتك
بس هذي مهيب أول مرة تحرج العنود على سبة لبسها قدامي
فارس بهدوء: هذا أنتي قلتيها.. مهيب أول مرة.. يعني تدري إني ما أرضى تسوي ذا الشيء.. ليش تسويه؟؟
أم فارس بحنو: يأمك البيت مافيه حد غيري أنا وياها.. وهي قبل كانت لابسة جلابية
وعقب طلعت فوق وبدلت تنتظرك.. وأنا اللي دعيتها..
العنود صغيرة ومدللة من يوم هي في بيت هلها.. تكفى يأمك ما تحزنها على سبة شيء ما يستاهل..
وحتى لو عندك شيء تبي تقوله لها.. عندكم غرفتكم قول لها وأنت بروحكم..
لا تكسر نفسها وتلاغيها قدام حد.. حتى لو كان أنا
فارس همس بهدوء رغم ضيقه: إن شاء الله يمه
أم فارس بتشجيع: زين اطلع لها.. أدري إنها خلاص ماعاد هي بنازلة عقب ما فشلتها
فارس يحتضن ذراع أمه ويقبل كتفها وهو يهمس بحب ممزوج بالاحترام:
والله مافيه مثلش يمه في الحريم كلهم
خليها شوي.. أدري إنها تبكي الحين
وأنا ما أستحمل دموعها
بعد شوي بأطلع
****************************
بيت مشعل بن محمد
الساعة 10 مساء
لطيفة متوترة جدا وتشعر بضيق عميق
تدور في غرفتها انتظارا لمشعل
مشعل دخل الغرفة وعيناه تبحث عنها كعادته
كانت تقف مكتفة يديها
اقترب منها .. رفع وجهها همس لها بقلق: لطيفة وش فيش؟؟
وجهش فيه حكي
لطيفة ابتلعت ريقها وهي تشد ذراعه لتجلسه ثم جلست جواره
وهي تقول بصوت متجلد لكن مختنق: أبي أقول لك شيء
أنا ما تصرفت بشيء لين أقول لك ونتصرف سوا
مشعل بحدة خفيفة: لطيفة بدون مقدمات.. وش فيه؟؟
لطيفة بألم عميق وخوف أعمق: أنا لقيت زقاير في أغراض حمود
******************
بيت ناصر
الساعة 11 مساء
عاد ناصر منذ حوالي ساعة لم يجدها في الصالة ولا في الغرفة
استغرب فهي لم تستأذنه للذهاب لمكان
ورغم أنه في كل مرة تستأذنه يهبها بعضا من كلماته المسمومة
ولكنها لم تتوقف مطلقا عن استئذانه
نظر للهاتف بيده (أتصل فيها؟؟
مستحيل
مستحيل
يمكن عند أمي وبترجع بعد شوي)
وهو يفكر سمع صوت خلاط كهربائي قادم المطبخ
شعر براحة غير مفهومة أنها هنا.. وقريبة منه
عاد لغرفته استحم وصلى وهي مازالت تعمل في المطبخ
جلس يشاهد التلفاز وهي لم تخرج من المطبخ
وهو يقاوم رغبة عارمة أن يذهب لها ليرى ما الذي يشغلها كل هذا الوقت
في نهاية الأمر وجد نفسه ينهض ويتوجه لها
نظر لها مليا وهي مشغولة تماما في إعداد أكثر من صنف من الحلوى
مشاعل كانت تشعر بضيق عميق يكتم على قلبها وتفكيرها
فهي تعلم أن سفر موضي بهذه الطريقة المفاجئة ليس إلا لمصيبة
وتعلم أنه حتى لو كانت هيا مرضت.. فمشعل يستحيل أن يقلقهم ويستدعي موضي
فمشعل قادر على التصرف.. ولطالما أحكم سيطرته على كل شيء
وليس مرض هيا بالشيء الذي سيعجزه إلا لو كان هو نفسه عاجز عن التصرف
وهذا الخاطر أصابها بتوتر عظيم وقلق أعظم
وحاستها السادسة تعمل بحساسية مرعبة لتنبئها أن هناك خطبا ما بمشعل
همس ناصر بهدوء فيه رنة سخرية: عندنا حفلة آخر الليل؟؟
مشاعل التفتت عليه وهي تهمس بخفوت متوتر: أنا زهقانة وحبيت ألهي نفسي شوي
ناصر بذات نبرة السخرية: ومن اللي بياكل ذا كله؟؟
مشاعل بهدوء: بيت هلي وبيت هلك وبيت فارس ومشعل وعمتي نورة والمجلس والجيران
ولو زاد أرسلنا للحارة للي جنبنا
ناصر بغضب: تمسخرين حضرتش؟؟
مشاعل بانفعال: تكفى ناصر.. الليلة أنا ماعندي طاقة أتحمل قسوتك
لو قلت لي كلمة زيادة بأروح أنام عند أمك
ناصر بغضب أكبر: وتهددين بعد؟!!.. روحي أبركها من ساعة
كان لسانه يقول شيئا مختلفا عما يشعر به.. فور أن أنهت جملتها التهديدية:
" أنها ستغادره لتنام في مكان آخر"
شعر بالخواء.. خواء متوحش جارح.. شعر أن المكان سيكون خاليا كصحراء مدهرة دون أنفاسها
كيف سينام دون تقلب جسدها الرقيق بجواره؟!!
ولكنه كعادته مؤخرا.. مشاعره الحقيقية مطمورة في نقطة عميقة حتى هو نفسه عاجز عن الوصول إليها وإلى كنهها
صمتت مشاعل فهي لا تريد استفزازه
ولكنه لم يصمت: فالحة بس تهددين.. يا الله روحي.. ليش واقفة؟؟
مشاعل خلعت المريلة التي كانت تغطي بيجامتها الحريرية.. وألقتها جانبا وخرجت دون أن ترد عليه
توجهت للغرفة الخالية وأغلقت الباب على نفسها
*************************
طائرة محلقة في السماء
متوجهة لمطار هيثرو
وتبقى على وصولها حوالي ساعتين
موضي بقيت تفكر لوقت طويل وهي منطوية على نفسها بعيدا عن راكان
حتى داعب النوم أجفانها وهي على ذات الوضعية
وراكان بعد أن أنهى قراءة الجريدة التفت لها ..بدت له نائمة
فأسند هو رأسه للكرسي دون أن يفتح الكرسي لوضعية التمدد
وأغلق عينيه ليغط هو أيضا قليلا
بعد وقت ما لا يعرفه تحديدا
صحا على رائحة عطر خفيف ولكن عميق تداعب أنفه
فتح عينيه
كان رأسها على كتفه
شعر بالحرج ليس من أجل نفسه
ولكن من أجلها
لأنه يعلم أنها إن صحت وهي على هذه الوضعية ستشعر بخجل شديد.. ولن تجرؤ على رفع عينيها له
حرك رأسها بخفة وأبعده عن كتفه وأسنده لرأس الكرسي
شعر أن رائحة عطرها التصقت بكتفه وبقايا دفئها تترك أثارها على عضلات كتفه
بدا غريبا عليه هذا القرب الأنثوي المختلف
ولكن أين الاختلاف؟؟
أ ليست مثل العنود ومريم؟!!!!!!!!
راكان همس بهدوء : موضي.. موضي
موضي انتفضت بجزع وهي تتحسس نقابها لتتأكد أنه على وجهها
وارتاحت حين وجدته ثابتا مكانه
ثم همست برقة متوترة: لبيه
راكان بذات هدوءه الواثق: اسمعيني موضي حن باقي لنا ساعتين وننزل في لندن
وفيه شي لازم أقوله لش قبل نوصل عشان تكونين متماسكة اذا شفتي مرت مشعل وتهدينها مهوب تروعينها
موضي شهقت بعنف مرتعب وقلبها تُشد جميع أوتاره للحد الأقصى: مشعل فيه شي؟؟
راكان بنبرة طمأنة واثقة: مافيه إلا العافية
مسكوه في المطار.. وأنا متأكد إن السالفة هينة إن شاء الله
# أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:06 PM
أسى الهجران/ الجزء السادس والسبعون
غرفة مشعل ولطيفة / الساعة 10 وربع مساء
معركة على وشك البدء ونيران على وشك الاشتعال
لطيفة بألم عميق وخوف أعمق: أنا لقيت زقاير في أغراض حمود
مشعل قفز وهو يقول بغضب كاسح: وشو؟؟ زقاير؟؟ ماعاد إلا ذا؟؟
كان ثائرا بشكل مرعب لم تره لطيفة مطلقا بهذه الثورة
وكان يريد الخروج لولا أن لطيفة تمسكت فيه بشدة وهي تهمس برعب: وين بتروح؟؟
مشعل بذات نبرة الغضب المرعبة: بأروح أكسر رأسه
حن شيبان ماعمر حد منا عرف الزقاير.. وذا أبو 12 سنة قده يعرف
لطيفة مازالت تمسك فيه وهي تقول بنبرة تهدئة لمشعل: تكفى مشعل هذا مهوب حل
أصلا هو الحين راقد
وثاني شي عمرنا ماضربنا عيالنا.. ولا عمر الضرب كان أسلوبنا معهم... تبي تجيء تضربه الحين
مشعل غاضب فعلا: بس عمرها ما وصلت الزقاير.. زقاير مرة وحدة ياحمود
لطيفة بذات النبرة المهدئة لمشعل رغم أنها داخلها يذوب ألما وقلقا:
ضرب لا لا
بكرة الصبح أبي أكلمه انا وياك بالهداوة.. لأنك عارف إن العند والتهديد يمكن يخليه يزيد ويعاند
وبعدين حن ماندري بعد وش سالفة الزقاير ذي.. خل نسمع منه.. ونحل المسألة بالهداوة
مشعل يتناول غترته ليلبسها وهو يهمس بمرارة: أنا ماني بطايق أقعد
بأطلع أي مكان لين أهدأ.. لا أصحي ولدش وأرتكب فيه جريمة
وأنتي لو إنش منتبهة لعيالك.. ماكان وصلت إن ولدش يدخن وأنتي ماتدرين عن شيء
لطيفة بصدمة حقيقية وألم مر: أنا ماني بمنتبهة لعيالي؟؟
مشعل يستعد للخروج وهو يقول بغضب مكتوم: إيه أنتي
لطيفة بغضب مكتوم مشابه: مشعل أنا ما أسمح لك تقلل من اهتمامي بعيالي
أو تحسسني إني قصرت في حقهم
لأني متأكدة إنه مافيه أم مهتمة في عيالها قد ما أنا مهتمة بعيالي
لكن دامك بتتهم.. شوف من اللي لاهي في شغله عن أشياء كثيرة
وأنت عارف إن ولدك داخل على سن مراهقة.. والحين هو محتاجك أكثر
والولد ما يربيه إلا أبيه على المراجل
مشعل يعود وهو يصر على أسنانه: لا لطيفة أنا اللي ما أسمح لش..
صحيح إني مشغول.. بس عمري مالهيت عن عيالي
وخصوصا حمود وعبود دايما معي في المجلس وعيني عليهم
لطيفة تتنهد: شوف مشعل لا تسمح لي ولا أسمح لك
عندنا مشكلة نبي نحلها بكرة الصبح واحنا مبينين قدام حمود متفاهمين وهادين
عندنا عتب على بعض.. خله نتعاتب بيننا عقب
**********************
غرفة فارس والعنود
الساعة 11 مساء
فارس يدخل للصالة أولا
كانت الصالة مضاءة
ولكن غرفة النوم معتمة جزئيا
تنهد بعمق
ودخل للغرفة
كانت تتمدد على السرير ومتغطية بالغطاء بدون أن يظهر منها شيء
شعر بالألم يجتاحه
كيف يحبها كل هذا الحب وفي ذات الوقت لديه كل هذه القدرة على تجريحها؟!!
اقترب منها جلس جوارها ورفع الغطاء عن وجهها
همست العنود بصوت مختنق: فارس تكفى خلني في حالي
فارس بحنان همس لها: قومي ياقلبي كلميني
العنود شهقت: ما أبي أقول لك شيء ولا تقول شيء
شعر أن شهقتها كما لو قطعت شريانا ما في قلبه وأن دمه ينبثق ساخنا متفجرا من الألم
العنود كانت مجروحة منه بعمق.. ليس من أجل موقفه الليلة ولكنها تراكمات سابقة
فكل يوم لابد أن يجد سببا ليحتد عليها.. تعلم أنه يحبها وهي أيضا بدأت تحبه فعليا وبتعمق يزيد كل يوم
ولكنها لم تعتد على تعامل قاس كهذا.. ولا تستطيع أن تتخيل أنها قد تعيش حياتها كلها على هذا المنوال
إذا كان أكثر من مرة يحتد عليها أمام والدته.. فكيف غدا عندما يصبح بينهما أطفال.. هل سيحتد عليها أمام ابنائها؟؟
في حياتها كلها لم تسمع صوت والدها يرتفع على أمها أو يحتد عليها أمامهم
فلِـمَ فارس عاجز عن التصرف كزوج طبيعي؟!!
انحنى فارس عليها ليقبل أذنها ثم همس في عمقها: آسف حبيبتي
وأنا عمري ما أعتذرت لأحد قدامش
فلا تحسسيني إن اعتذاري ماله قيمة
رغم ان العنود لم يكن بها رغبة للحديث ولكنها لم تصدق أن فارس بغروره وتكبره قد يعتذر
ولم ترد أن تشعره أن اعتذاره لا قيمة له كما يقول
لذا نهضت بضعف واستوت جالسة وهي تمسح وجهها
فارس أمسك بيديها وأنزلها لجوارها
وأمسك هو وجهها بين كفيه ليمسح بإبهاميه دموعها المنحدرة التي شعر بها كشفرات مسمومة تشرّح جسده
قرّب وجهه منها ليقبل عينيها ثم يتتبع بشفتيه مجرى دموعها وهو يهمس بعمق وخفوت:
آسف.. آسف.. آسف.. آسف
والله العظيم الأسف صعب علي.. بس عشانش أسوي كل شي
همست العنود بعتب حزين: فارس تكفى مايصير كل يوم تهزئني قدام أمك
أسند رأسها لكتفه وهو يحتضنها ويهمس لها: أنا أغار عليش يا قلبي
ويوم أشوفش لابسة كذا قدام حد أجن.. أنا أبيش لي أنا بروحي
ومابي حد يشوف ذا الزين غيري
العنود بخفوت: وأنا أنبسط يوم أدري إنك تغار علي.. بس مهوب بذا الطريقة ولا بهذا الأسلوب
أنا ما تعودت على ذا الشدة في الكلام.. قل لي اللي تبيه بالهدواة وبيني وبينك
وصدقني كل اللي تبيه فوق رأسي وعيني
فارس يحتضنها بشدة وهو يهمس: خلاص أحاول.. بس استحمليني شوي ياقلبي.. بس شوي
وكله ولا دموعش تكفين.. قلبي ما يستحمل
**********************
مطار هيثرو
طائرة راكان وموضي تحط على أرض المطار
تعجب راكان كثيرا من تجلد موضي بعد أن أخبرها باعتقال مشعل
تقبلت الخبر بثبات رغم أنه يعلم يقينا شدة تعلق شقيقات مشعل به
موضي كان داخلها يذوي قلقا وخوفا على شقيقها
ولكنها ليست في موقف يسمح لها برفاهية التعبير عن مشاعرها
فهي مع آخر شخص تريد أن تنهار أمامه فيجد نفسه متورطا بها ومعها
ومن ناحية أخرى.. هيا ومشعل يحتاجان صلابتها الآن وليس الوقت أو المكان هما المناسبان لإظهار حالات الضعف الأنثوي الممقوتة
فور أن أنهيا إجراءتهما توجها لاستراحة المطار
سألا عن هيا
وموضي توجهت لغرفتها وراكان طلب منها إحضار هيا
حتى يتوجهوا جميعا لشقة عائلة آل مشعل في أدجوارد رود
ليتوجه هو بعدها لمشعل وللسفارة
موضي طرقت الباب بخفة
جاءها صوت هيا المختنق يهمس بالانجليزية : من؟؟؟
موضي بهدوء حانٍ: هيا افتحي الباب.. أنا موضي
هيا فتحت الباب فورا
لم تصدق أنها ترى أمامها موضي التي تركتها بالأمس فقط
كانت موضي أمامها بعباءتها ونقابها .. رائحة أهلها وعبق مشعل
موضي هنا في لندن ومعها!!
عاجزة عن التصديق وألف انفعال يسحقها
ارتمت هيا في حضن موضي وهي تنتحب بعنف وجسدها كله يرتعش
موضي كان بودها أن تشاركها البكاء ولكنها تجلدت وهي تقول لها:
هيا الله يهداش ليش ذا البكاء كله
ترا السالفة بسيطة.. مجرد اشتباه بسيط ويوم وإلا يومين ويفكونه
هيا من بين شهقاتها وهي تنتحب في حضن موضي: كله مني.. كله مني
لولا أوراقي ماكان جاء بريطانيا وهو عارف إنه ممنوع من دخولها
ليت حن قعدنا في الدوحة أحسن
موضي تربت على ظهرها بحنان بالغ: صدقيني الموضوع بسيط
ويالله قومي البسي.. راكان ينتظرنا برا
عشان نروح لشقتنا اللي هنا
هيا باستغراب وهي تمسح أنفها: راكان؟؟
موضي وهي تنهضها وتبدأ بجمع أغراضها: هذي سالفة ثانية
الحين خليه يودينا الشقة عشان يروح لمشعل
*************************
واشنطن
قبل المغرب
يوسف يكاد يجن.. لا يعلم إلى أين ذهبت
فهو لا يعرف سكن الطالبات حيث كانت تسكن
ولا يعرف أحدا من أصدقائها عدا هيا
حتى هاتفها الأمريكي لا يعرف رقمه
كان قد اتصل به مرة واحدة حين كان دفترها معه والرقم على الدفتر
ولكنه لم يحفظ الرقم خصوصا بعد ردها الجارح عليه في المكالمة
يكاد يجن قلقا فعلا
أين ذهبت؟؟
أين ذهبت؟؟
يعلم أنها تستطيع أن تتصرف لوحدها.. فهي عاشت مستقلة لسنوات طويلة
ولكنها الآن زوجته وهو المسؤول عنها
ذهب للجامعة
وذهب لكليتها ودار بها عدة مرات وانتظر بها مطولا ولكنه لم يلمحها
حين تعب قرر أن يمر بالمقهى حيث كان يعمل
فربما مرت هناك
حين دخل المقهى.. صرخ العاملون ترحيبا به
حياهم بتوتر لم يظهر على محياه
تلفت حوله ولم يجدها.. فسألهم عنها
فهم كانوا يعرفونها جيدا لكثرة ماكانت تمر
النادلة التي كانت تحادثت مع باكينام في آخر مرة كانت فيها همست له وهي تقطب جبينها وهي تتذكر:
لقد جاءت في نفس اليوم الذي سافرت أنت فيه
وحسبت أنها تريد دفترها
ولكنها قالت أنها تريدك أنت شخصيا
ثم خرجت دون أن تأخذ دفترها.. ومازال دفترها هنا
يوسف استغرب بشدة أنها جاءت للسؤال عنه.. ولكنه نحى مشاعره جانبا وهو يهمس بهدوء: أرجوكِ أعطيني إياه
النادلة توجهت للأمانات وأحضرته
كان يوسف على وشك المغادرة حين نادته النادلة:
جو هناك شيء آخر .. لا أعلم إن كان يجب أن أخبرك به
يوسف بقلق: ماذا؟؟
النادلة بهدوء: حين أخبرت فتاتك أنك غادرت
بدا لي أنها صُدمت بشدة
وغادرت دون أن ترد علي رغم أني ناديتها مرارا لأعطيها دفترها
ثم حين أصبحت في الشارع
انهارت وأغمي عليها ونقلها المارة لمستشفى جورج تاون القريب
يوسف برعب: ماذا؟؟ انهارت
يوسف غادر بسرعة وهو يشعر أنه مشوش مشوش لأبعد حد
(لِـمَ انهارت؟؟
من أجلي؟؟
مستحيل.. مستحيل..
هذا التأثر يكون من أجل حب عميق.. وهي لا تحبني
فلِـم انهارت؟؟ لِـمَ؟؟
هل تكون مريضة بشيء معين؟!!)
خاطر مرضها سبب له رعبا جديدا عليها
يوسف خرج وهو يتصل برقمها الذي أخذه من الدفتر
ولكنه كان مغلقا
حينها قرر التوجه للمستشفى
بما أنها دخلت المستشفى يوم سفره فهو يعرف التاريخ تماما
يستطيع أن يجد عنوان سكنها في ملفات المستشفى
ويسأل عن سبب انهيارها وظروف دخولها المستشفى
***********************
بيت ناصر
بعد صلاة الفجر
ناصر يعود من المسجد.. وهو يمني نفسه أنها قد تكون خرجت من سجنها الاختياري
ولكنه لم يجدها
يشعر بألم لا يستطيع تفسيره..
يعلم أن الغرفة غير مفروشة والجو فيها شديد البرودة
وهي كانت ترتدي بيجامة حرير خفيفة...فكيف قضت ليلتها؟؟
هو ذاته البارحة قضى ليلة سيئة لم يغمض له فيها جفن وهو يقضي معظم الليلة جالسا على أريكة في الصالة
وهو أيضا متوتر جدا لأن اليوم موعد تركيب ساقه الاصطناعية
وغضب مشاعل هو ما كان ينقصه
كان يستفزها طوال الأسابيع الماضية وهي تحتمل كل شيء منه.. فلماذا قررت أن تعلن الثورة اليوم بالتحديد؟؟
هي لا تعلم أن اليوم هو موعده الهام.. فهو لا يخبرها بشيء مطلقا
يشعر داخليا أنه يحتاجها بشدة
يريد فقط أن يراها قبل الذهاب لموعده
محياها العذب.. ابتسامتها الدافئة المغلفة بحزن عميق
ولكن بما أنها لن تخرج.. فلن يطرق عليها الباب
فلتبقَ أسبوعا لو أرادت.. لن يسأل عنها
رغم أنه بينه وبين نفسه وإن كان ينكر حتى على نفسه
يعلم أنه وقف مرارا أمام الباب وعلى وشك طرقه
لأن قلقه عليها يتزايد ويتزايد
ولكن الوقوف أمام الباب أعاد له ذكريات مؤلمة جارحة تطعنه في عمق رجولته وكبرياءه الممقوت
لذا قرر تركها حتى تخرج لوحدها
حتى لو بعد أسبوع!!!
يستحيل أن يعود لعيش ذات التجربة مرة أخرى.. يستحيل!!!
*************************
شقة آل مشعل
في أدجور رود
شارع العرب المعروف في لندن
شقة قديمة نوعا ما أجري عليها العديد من التعديلات والتجديدات
كان الجد مشعل هو من اشتراها منذ سنوات طويلة
ثم قرر أبناءه تركها كما هي.. وتكون لهم جميعا..وخصوصا أنه غالبا هناك أكثر من زيارة في السنة لكل واحد منهم
لإجراء فحوص طبية.. أو بغرض السياحة أو دراسة اللغة
من التعديلات التي أُجريت أنها فُصل بين صالة المدخل الواسعة وباقي البيت بباب
حتى تصبح هذه الصالة بمثابة مجلس للرجال لها حمامه الخاص
وللشقة مدخل آخر مع المطبخ
يستخدمنه النساء غالبا في حالة تواجد رجال في المجلس حيث مدخل الشقة الرئيسي
والشقة تتكون من أربع غرف نوم.. غرفتين رئيسية بحمامات خاصة
وغرفتين بينهما حمام مشترك
وهاهو راكان ومعه الفتاتان يصلون جميعا للشقة
راكان استأجر سيارتين من المطار
سيارة لحمل الحقائب من أجل حقائب مشعل وهيا
وسيارة كان يجلس فيها بجوار السائق والفتاتان في المقعد الخلفي
ما أن وصلوا..
ودخلوا
راكان نادى موضي وهو واقف عند الباب
موضي عادت له وهي ترد بحرج: لبيه
راكان بهدوء وهو يحافظ على مسافة فاصلة بينهما:
أنا بأروح لمشعل ويمكن أتأخر
لا تفتحون لأحد إلا للحارس.. أنا بأعطيه الحين فلوس عشان يجيب لكم أغراض
وشنطتي خلوها في المجلس
وهاكم خذوا رقمي سيفيوه عندكم
أي شيء تبونه دقوا علي
كل خطابه لها بصيغة الجماعة.. فهما كلاهما في مهمة طارئة
كل منهما يقوم بدوره في هذه المهمة
وأخر من يهمه في هذه المهمة
هو
نفسه!!!
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:08 PM
أسى الهجران/ الجزء السابع والسبعون
بيت مشعل بن محمد
الصباح الباكر
مشعل ولطيفة لم يناما مطلقا
فالأبوان قد يحتملان أي شيء إلا ماقد يصل إلى أذية أطفالهما
حينها تتحفز كل المشاعر والتفكير والخلايا
مشعل حين أخذ أبناءه معه لصلاة الفجر كالعادة
كان يسترق النظرات لمحمد
يشعر بألم حاد يتسلق روحه ويمزقها بوحشية
كان يراه مجرد طفل.. طفل حقيقي
لم يلحظ مطلقا أي تغير عليه
يتمنى أن يقتل أحدا ما في هذه اللحظة
أن يقتل من عرّف ابنه على السجائر.. فهو يعرف أن ابنه يستحيل أن يجرب التدخين من نفسه
لابد أن هناك من شجعه...
يتصاعد غضب كاسح في عروقه
من هو ؟؟ من هو؟؟
كان مشعل يتفحص ابنه بطريقة غريبة.. يتشممه
حتى أن محمدا لاحظ غرابة والده.. همس له بعفوية: يبه وش فيك؟؟
همس له مشعل بغموض: مافيه شيء يأبيك
عادوا من الصلاة
مشعل عاد لغرفته والولدان عادا للنوم
حين أصبحت الساعة 7 صباحا
مشعل همس للطيفة بنبرة حادة: يالله قومي ولدش
خلي نشوف سالفته
ناصر اليوم عنده موعد تركيب الساق ولازم أكون معه
لطيفة بعتب: الحين ولدي بروحي
ودامك مستعجل.. خلها لين ترجع
مشعل بذات الحدة: مستحيل .. هذا موضوع ما يتأجل
خلينا نشوف سالفته الحين
وإذا رجعت تفاهمنا
لطيفة توجهت لأبنها وأيقظته من نومه وطلبت منه أن يغتسل ثم يأتي لغرفتها
محمد استغرب هذا الاستدعاء.. فهو منذ كبر قليلا بات يخجل من دخول غرفة والديه
لطيفة عادت لمشعل الجالس في صالة الجلوس الخاصة بهما
بدا الاثنان كما لو كانا على وشك عقد محاكمة في حق الصغير
محمد طرق الباب ثم دخل بتردد
همست له لطيفة بحنان: تعال حبيبي
همس مشعل لها بخفوت من بين أسنانه: وش خربهم إلا لينش معهم ودلعش لهم
نظرت له لطيفة بنظرة عتب عميقة ولكنها وجهت الحديث لابنها الذي وصلهما وبدا مرتبكا ويشعر بالخجل
همست له بحنان: تعال اقعد جنبي
مشعل صمت.. لأنه يشعر أنه على وشك الانفجار..
رغم شخصيته الواثقة التي اعتادت على التصرف بثقة واحكام في كل شيء وبطريقة هي أقرب للبرود
ولكن تصل أن تصل المشاكل بهذا التعقيد لأبناءه يجد أن التوتر والغضب يجتاحانه بعنف
لطيفة تضع يدها على كتف ابنها وتحتضنه برقة وهي تهمس له بهدوء:
حبيبي حمود صح إنك تعرف إن الزقاير تجيب السرطان وأمراض القلب؟؟
محمد مستغرب (مقوميني من النوم.. عشان يعطوني درس في العلوم)
لكنه قرر مجاراتهما من باب الأدب: صح يمه
لطيفة بذات النبرة الهادئة: وانت عمرك شفت أبيك إلا عمانك وإلا خوالك حد منهم يدخن؟؟
محمد بنبرة استنكار حقيقية بها روح رجولة مبكرة: لا إن شاء الله
ما يدخن إلا الكمخة.. تكرم لحاهم
حينها مشعل انفجر ليمسك عضد محمد الهزيل وينتزعه من مقعده بيد واحدة بقوة وهو يصرخ فيه بغضب هادر: ويومك تدري إنه ما يدخن إلا الكمخة.. ليش تسويها؟؟
اتسعت عينا محمد برعب وهي تمتلئ بالدموع: والله ما سويتها.. والله ماسويتها
لطيفة وقفت وهي تخلص عضد محمد من يد مشعل الضخمة التي اخترقت عضده كالكلاليب وهي تهمس بدبلوماسية: حبيبي مشعل شفت أنه مستحيل يسويها مثل منت قلت لي
مشعل يشعر بالفعل أن أعصابه فلتت منه لذا جلس وهو يترك للطيفة التصرف
لطيفة أجلست ابنها الذي يشعر بألم في عضده عادت لتحتضنه وهي تمسح على شعره وتقول بلين: حبيبي ترا أبيك مايقصد يوجعك
بس هو متروع عليك عشان لقينا زقاير في أغراضك
من وين جات الزقاير ذي؟؟
إذا هي لك.. قل لنا.. وحن عاد حن في الأول.. والناس لهم سنين ويعرفون مصلحتهم ويخلون التدخين..والله العظيم مانسوي لك شيء
محمد بدأ في البكاء وهو يقبل كف أمه ويشهق: والله العظيم مهيب لي.. والله العظيم مهيب لي
لطيفة شعرت أنها تتمزق ودموعه تغرق كفها.. انتزعت كفها بحنو وهي تحتضنه بشدة وتهمس له: زين قل لي حقت من؟؟
محمد من بين شهقاته: والله العظيم إنها حقت راشد اللي معي في التدريب
كنا في التدريب أمس وقال لي دسها معك عشان أخيه الكبير يشك فيه ويفتشه
أنا والله إني كنت أبغي أقطها عشان ما أرجعها عليه.. بس نسيت
لطيفة كانت تنظر لمشعل وتشير له حتى يتحدث.. مشعل كان يشعر بألم عميق لأول مرة يجد نفسه عاجزا عن التصرف بمنطقية
ولأول مرة يؤلم أحدا من أطفاله ولذا يشعر هو بوجع جارح متشعب
مشعل نهض وجلس بجوار ابنه وهو يضع يده على رأسه ويهمس له بهدوء حانٍ:
اسمعني يا أبيك.. انت غلطان يوم خذت الزقاير من الولد وخليته يدس عن هله
والمفروض إنك جيت وقلت لي.. شفت يوم تدس علينا وش يصير؟؟
تخلينا نشك فيك ونتصرف معك تصرف أنت ما تستاهله
محمد ينهض ويقبل رأس والده وهو يقول من بين دموعه: آسف يبه والله ما أعيدها
أخر مرة أدس عليكم شيء
مشعل بهدوء: زين اليوم إذا وديتك للتدريب قل لي اسم الولد كامل بأخذ رقم هله وأكلمهم..
اللي مانرضاه لك .. مانرضاه لعيال الناس
والحين تبي تروح لغرفتك روح؟؟
محمد قبل رأس والدته ووالده ثم أستأذن وهو يمسح وجهه وأنفه المحمرين وخرج وأغلق الباب خلفه
فور إغلاق الباب نهضت لطيفة.. مشعل شد يدها ليجلسها
همست لطيفة بعتب: مشعل هدني
أنا الحين متضايقة..
مشعل بتأثر: زين حبيبتي خلينا نتكلم
لطيفة ابتعدت وهي تهمس: روح الحين مع ناصر
وإذا رجعت بأكون روقت.. ونتكلم
لأنه فيه كلام كثير بيننا..
عيالنا كبروا يا مشعل.. ومشاكلهم بتكثر
إذا أنت على أول مشكلة استسهلت إنك تهاجمني وتتهمني
تكون فيه فعلا مشكلة كبيرة بيننا تبي لها حل
**********************
لندن
مكتب التحقيق الرئيسي
وقت سابق
راكان يجلس مع مشعل للمرة الثانية خلال 3 ساعات
مشعل بهدوء: هاه وش صار؟؟
راكان بنبرة مطمئنة: إن شاء الله مافيه إلا الخير
تدري هم لحد الحين ماعندهم عليك شيء
اسمك في البلاك ليست.. لكنهم مهوب مصدقين إنه عشان الموضوع التافه اللي قبل 12 سنة
وعشانك عربي خايفين السالفة فيها سوالف الإرهاب الله يبلاهم في أنفسهم
يعني صدقني إن السالفة بس كم يوم يتأكدون من التحريات
ويرجعون لسجلات شرطة كامبردج وين ماصار التوقيف الأول
وبتطلع إن شاء الله
لا وأزيدك بعد.. المحامي يقول لو صدق سالفتك بس على موضوع الضرب
بينشال اسمك من البلاك ليست وتقدر تدخل بريطانيا بدون قيود
مشعل يبتسم: يا ابن الحلال خل نخلص منهم.. ماعاد أبي أشوف وجه بريطانيا بكبرها
راكان بهدوء: زين أنا مخلي البنات من بدري.. ولازم أرجع لهم
مشعل يستوقفه: زين راكان دام سالفتي مطولة كم يوم.. أبيك ولا عليك أمر تصدق شهادة مرتي من التعليم العالي
أبي أطلع نسافر على طول واشنطن.. تأخرنا على دراستنا
راكان يبتسم: صدق إنك مشتط.. ذا اللي أنت فيه وما همك إلا شهادة مرتك
مشعل مازال مبتسما وكأنه في رحلة استجمام وليس موقوفا مجهول المصير:
أفا عليك.. كل شيء عندي ولا بنت سلطان
يتنهد راكان بعمق وهو يغادر
(وأنا وش أسوي ببت عبدالله؟؟
يا سبحان الله.. أشهد أن القلوب تغير
هذي موضي جنبي.. وماني بقادر أحس فيها)
**************************
بيت فارس بن سعود
غرفة فارس والعنود
الساعة 6 ونصف صباحا
يرن جرس منبه هاتف العنود.. الذي نبهته بعد صلاة الفجر على موعد صحو فارس لعمله
كان فارس الذي كان نومه ثقيلا بعض الشيء مازال نائما
تطفئ العنود الجرس
ثم تميل لجانبها حيث ينام وتمعن النظر فيه وهو مستغرق في نومه
كم يبدو وسيما حتى وهو نائم
وسامته وصلت لحد الألم
ولكنها لا تجرؤ على إخباره بذلك
فهو يتحسس من هذا الموضوع وإثارته بأي شكل
كان هذا هو الحاجز الأول الذي بُني بينهما وتم الانتهاء من بنائه
وهاهي تخشى من ارتفاع الحاجز الثاني والحاجز الثالث والحاجز الرابع
غيرته... قسوته.. ثم كبتها وخوفها منه
ولكنها رغم كل شيء تشعر أنها سعيدة معه.. لأنه تعلم بعمق حبه لها
ولكن ما تخشاه أن تُدفن هذه السعادة يوما حينما لا يعود للحب معنى أمام القسوة والجبروت
مالت عليه لتقبله قبل أن توقظه ثم همست له بنعومة: حبيبي فارس
قوم الدوام
فارس همس بنعاس: وحدة ثانية وعقبه بأقوم
العتود باستغراب: أي وحدة؟؟
ابتسم فارس وهو يفتح عينيه الناعستين: نفس اللي عطيتني وأنا نايم
ابتسمت العنود: يعني ماكنت نايم؟!!
ابتسم: صحيت على أحلى شفايف
عادت لتقبيله ثم همست: يالله قوم يا الكسلان.. بأقوم أجهز ريوقك على ما تلبس
كان مازال مستلقيا وهي تميل عليه..مد سبابته ومسح خدها بظاهر السبابة بحنان
ثم همس لها: ياترى سامحتيني على ثقل دمي البارحة أو بعده خاطرش فيه شيء؟؟
العنود بنبرة فيها رنة أسى: خلاص حبيبي نسيت
فارس بألم: كنه اللي كنت تحذريني منه صار..
صرتي تخبين علي؟؟!!
العنود بعمق صادق: هذا أنت قلتها حذرتك منه
غصبا عني فارس.. صرت أخاف منك
فارس انتفض جالسا وهو يمسك بكتفيها ويقول بنبرة تأثر:
لا حبيبتي تكفين.. إلا إنش تخافين مني
كأنش تقولين لي إن روحي تخاف مني
وقلبي يخاف مني
وعقلي يخاف مني
وأنفاسي اللي أنتفسها تخاف مني
أشلون تبيني أعيش عقب؟!!!
غصبا عنها ابتسمت: المشكلة ما اقدر عليك ولا أقدر على كلامك اللي يذوبني
ابتسم ابتسامة شاسعة وهو يميل ليقبلها بعمق ثم ينفض الغطاء وينهض واقفا
وهو يقول: زين الليلة بنطلع نتعشا برا.. ولش مفاجأة عندي عقب
******************
مستشفى حمد
مبنى العيادات الخارجية
الساعة 10 صباحا
الطبيب انتهى من تركيب الساق لناصر وعلّمه طريقة تركيبها وفكها ثم طلب منه أن يقف
شعر نوعا ما بالغرابة وهو يقف بدون عكازين
كان يريد تناولهما.. ولكن الطبيب رفض وهو يطلب منه أن يقف لوحده ويبدأ بالحركة
كاد أن يسقط.. ولكن مشعل سارع إليه وأسنده وهو يقف جواره بقلق
همس له ناصر: خلني يا مشعل
مشى قليلا بين الحاجزين.. ثم تجاوز الحاجزين ومشى لوحده
كان لديه إحساس دائم أنه سيسقط
ولكن ثقته بنفسه وجسده الرياضي القوي ساعداه على التوازن وبسرعة قياسية
إحساس رائع وعميق ومذهل وهو يعاود الوقوف بثقة دون العكازات
همس له الطبيب بابتسامة: تقدر تستخدم العكازات لين تتعود على الساق
ناصر بابتسامة سعادة حقيقية: لا خلصت من العكازات.. بأمشي شوي شوي لين أتعود
وبالفعل كان يريد المشي بل والركض بلا توقف.. بلا توقف
ثم التفت لمشعل الذي كان مبتسما بسعادة ومساندة لناصر: يا الله يا أبو محمد
أبي اشوف أبي وأمي.. خليتهم وراي يحاتون
( أ ليس هناك شخص آخر تريد رؤيته يا ناصر؟؟!!)
الطبيب بمهنية: مبروك ساقك الجديدة.. وأهم شيء تتبع التعليمات اللي عطيتك إياهم
والأهم إنك ليليا لما تخلع الساق تدهن مكان البتر عشان ما يتحسس من ملامسة الساق
إذا استمريت على متابعة التعليمات بدقة.. إن شاء الله إنك بتكون مرتاح تمام
مشعل وناصر توجها بالشكر للدكتور وغادرا عائدين للبيت
ولكن قبل ركوب السيارة طلب ناصر من مشعل أن يطوفا قليلا في أروقة المستشفى ليمشي بساقه الجديدة التي ألفها بسرعة..
وهي تبعث في روحه إشعاع مختلف من السعادة.. لأنه سيعود بأذن الله إلى ممارسة حياته الطبيعية بصورة طبيعية
مشعل يبتسم لناصر: باطلع أنا وياك العصر نمشي على الكورنيش لو تبي أو روح أنت وفارس
بس الحين الشيبان أبيك وعمك جنونني اتصالات.. خلنا نروح لهم
في البداية مرا بالمجلس حيث كان محمد وعبدالله ينتظران بلهفة حقيقية رؤية ناصر واقفا بدون استخدام العكازات
عبدالله أصر أن يكون عشاء ناصر عنده الليلة احتفالا بوقوفه على قدميه
بينما مشعل كان يقسم أن يكون العشاء عنده
ولكن عبدالله كان من انتصر في حرب العزائم
بينما ناصر ينتظر انتهاء المعركة الكلامية للذهاب لأمه.. ولكن أذان الظهر فاجأهم
فقرر الصلاة أولا.. ثم التوجه لأمه
*******************
واشنطن
سكن الطالبات حيث تسكن باكينام
باكينام تتمدد في غرفتها رغم أنها عاجزة عن النوم
تشعر بألم فعلي ينغرز في جسدها كدبابيس مسنونة انغرزت في كل خلية من خلاياها
تشعر بمرارة الاهانة الموجعة ..تشعر أنها اُهينت جسدا وروحا
ويوسف استباح كل مافيها.. أنوثتها.. ثقتها في نفسها.. كرامتها
حتى حبها له استباحه بوحشية
ماعاد هناك ما يجمعهما ويجبرها أن تبقى معه
قررت أن ترحل بما تبقى من شتات إنسانيتها.. يكفي ماناله يوسف من روحها
ماعاد لديها استعداد لتقديم مزيد من التنازلات من أجل أي أحد
وهي غارقة في أفكارها رن هاتف غرفتها
التقطت الهاتف كانت مشرفة السكن تناديها أن تنزل
ارتدت ملابسها وحجابها ونزلت
حين وصلت للبهو الرئيسي
رأت ظهره العريض وهو جالس
شعرت بقشعريرة باردة تجتاح جسدها
عادت لغرفتها قبل أن يراها
اتصلت بالمشرفة في الأسفل وطلبت منها محادثة زائرها
حين سمعت صوته المتعب: ألو
شعرت أن شرايين قلبها تتصدع شريانا شريانا
ولكنها تجلدت وهي تهمس بثقة: اسمعني كويس يا يوسف
ما ترجعش تاني هنا
ولا حاولت تجبرني على حاجة.. أنت عارف احنا فين
تلفون صغير لـ 911 هتلائي نفسك متورط في جريمة اساءة تعامل
وأنت عارف هم متشددين أد إيه.. فمتجبرنيش أأزيك وأنت خلاص على وش تخرج
أنت مش هتستفاد من العند حاجة.. وأنا مستحيل أغير اللي في دماغي
********************
لندن
شقة آل مشعل
وقت سابق
الفتاتان غاية في التوتر انتظارا لعودة راكان بالأخبار
وهاهو يعود..
دخل من الباب الرئيسي واتصل بهاتف موضي حتى توافيه في المجلس
موضي حين أنهت الاتصال قامت لترتدي نقابها وعباءتها
هيا باستغراب: أنتي من جدش وإلا تستعبطين؟؟
موضي وهي تلبس: وشو اللي من جدي أو أستعبط؟؟
هيا بذات الاستغراب: إنش تبين تلبسين نقاب وعباة قدام رجالش؟!!
موضي بخجل: تونا متملكين مالنا يومين.. وعرسنا مابعد صار
تبين أفرّع قدامه.. ليه وجهي مغسول بمرقة؟؟
هيا أخيرا تبتسم: لا طال عمرش.. مغسول بخبال.. روحي له وأنتي بنقابش
طفشيه أحسن
موضي تنهي لبس نقابها: إذا بيطفش من نقابي.. خليه يطفش
هيا بهدوء: ما أقول فرعي قدامه.. تحجبي وكفاية
موضي بحزم: مالش لوا.. نقابي وعباتي علي قدامه لين نرجع الدوحة
ثم توجهت له طرقت الباب.. فتحته وتركته مفتوحا ووقفت عنده وهي تهمس: لبيه
راكان بهدوء: تعالي اقعدي.. خلني أقول لش علوم مشعل عشان تقولين لمرته عقب وتطمنينها
موضي بخجل: قل لي وأنا هنا
راكان يتفهم خجلها تماما وهو يقف ويتوجه ناحيتها: خلاص أنا أجي عندش
تراجعت موضي بحدة وهي تلتصق بالباب وكأنها تحتمي به من سطوة حضور راكان
وراكان يتوقف على بعد خطوة
ليخبرها بكل شيء ويطمئنها أن قضية مشعل لن تستغرق سوى أيام معدودة فقط
أشرقت عيناها بفرحة عميقة.. شعر راكان أنها تتسلل منها لعمق روحه ليبتسم بتلقائية لفرحتها
همست بنبرة سعادة طفولية شعر راكان بالجذل وهو يسمعها: بأروح أبشر هيا
ياقلبي بتجن من محاتاة مشعل
**********************
بيت محمد بن مشعل
ناصر يتوجه لبيت والده بعد أن صلى الظهر
كانت مريم ماتزال في عملها
لذا لم يجد إلا أمه التي أشرقت عيناها الباديتان من خلف برقعها بفرحة عميقة لا حدود لها وهي ترى ناصر يدخل عليها بدون عكازيه
ناصر يحتضن والدته ويقبل رأسها بحنو وهو يهمس لها بمحبة عميقة:
تكفين يالغالية لا تبكين.. دموعش الغالية خليها لشيء يستاهل
أم مشعل تمسح عينيها الغارقتين في بحر من الدموع وهي تهمس:
إذا ما بكيت وأنا أشوفك واقف قدامي.. ماعاد للدموع عازة
ناصر يعاود احتضان والدته : جعل ما يغدي لها عازة أبد
أمه تهمس باهتمام: خلني أشوف رجلك
ناصر يجلس ويجلسها جواره: اقعدي.. وأوريش
ثم يرفع طرف ثوبه عن ناحية قدمه اليسار ووالدته تحسسها بخليط من الألم والفرح
حزن على ساق ذهبت.. وفرح ناقص مبتور بساق تعوضه الحركة ولكنها تبقى جزءا غير فعلي من جسده..
تذكرت أم مشعل شيئا أنساها إياه فرحتها برؤية ناصر.. همست بعتب: ناصر وين مرتك؟؟
لم تغب مطلقا عن باله.. تشغل تفكيره حتى لو أنكر
همس بارتباك: خليتها في البيت
نهضت أم مشعل وهي تربت على كتف ناصر وتقول بذات نبرة العتب:
أنا بأروح أصلي الظهر..
وأنت روح شوف مرتك اللي تقول إنك خليتها وراك في البيت
وانتبه لمرتك يا ولدي.. ترا بنات عبدالله ذهب.. والذهب لو ضاع ما يعوض
ناصر شعر كما لو أن قلبه يعتصر بقسوة.. وأنه عاجز عن سحب أنفاسه
(وش فيها مشاعل؟؟ وش فيها؟؟)
توجه لبيته بسرعة.. وفتح الباب بسرعة ليتفاجأ بوجود عمته أم مشعل تصلي في الصالة
شعر بحرج شديد وتشويش.. نادى بصوت منخفض: مشاعل.. مشاعل
فوجئ أن من ردت عليه كانت لطيفة التي تأكدت من إسدال عباءتها
ثم عدلت وضع نقابها على وجهها وخرجت له من غرفته وهي تقول: الحمدلله على سلامتك يابو محمد
ناصر بقلق لم يظهر في صوته.. وعيناه تبحثان عن شيء ما خلفها:
الله يسلمش يأم محمد
لطيفة بفرحة حقيقية: والله ماني مصدقة شوفتش كذا قدامي الله يتم عليك عافيته
ناصر بهدوء رغم أن داخله يغلي قلقا غير مفهوم: مشكورة طال عمرش في الطاعة
يود أن يسأل عنها ولكن لسانه يلتصق بسقف حلقه جفافا وترددا
كان من تكلم هي أم مشعل التي أنهت صلاتها وأنزلت برقعها على وجهها وهي تلتفت له وتقول له بهدوء: الحمدلله على سلامتك يأمك
ناصر توجه لها وقبل رأسها وهو يقول باحترام: الله يسلمش يمه
أم مشعل بعتب عميق لم تخطئ أذنا ناصر نبرته الموجعة: ليش ما كلمتنا يأمك قدام تروح موعدك تعلمنا إن مشاعل تعبانة
مشاعل يأمك ضعيفة وأدنى شيء يمرضها
ناصر صمت.. لم يعرف ماذا يقول.. شعر بالمرارة والضآلة
والألم غير المفهوم يستمر في الانغراز بوحشية في قلبه
ماذا يقول؟؟ ماذا يقول؟؟
أنه يعلم أنها قضت ليلتها في غرفة باردة على بلاط بارد
وبدون أي غطاء أو حتى ملابس دافئة
أنه لم يرحم ضعفها ويأسها من قسوته وتسلطه
أنه لم يحاول حتى مجرد محاولة أن يكلمها ويطمئن عنها
أنه خرج صباحا دون أن يطمئن عن حالها وهو يعلم أنها لابد قضت ليلة مزرية تصارع وجع البرد والهجر والقسوة والأهمال
ماذا يقول؟؟ ماذا يقول؟؟
أنه تجرد من إنسانيته معها
لا ينكر أنه وقف مرارا أمام باب الغرفة وعلى وشك طرق الباب
ولكن ذكرى مقيتة كانت تعاود اكتساحه
هو يقف أمام الحمام في ليلة زفافه المشئومة.. يرجوها ويناشدها
ويبعثر وجعه أمامها دون أن ترأف برجولته وهي تصفعه برفضها له ونفورها منه
الآن عاجز عن الرد والكلام.. يشعر أنه صغير.. صغير
مفعم بضآلة مقيتة
انتزع كلمات ميتة من بين شفتيه: وديتوها المستشفى؟؟
لطيفة بأدب: وديناها.. معها نزلة شعبية.. الله يهداها ألف مرة قايل لها لا تسبحين وتخلين الدريشة مفتوحة
لأنه أقل برد يمرضها
(أهكذا قالت لكم؟؟
استحمت وتركت الباب مفتوحا
أ لم تقل لكم أنه زوجي الهمجي معدوم الإحساس
جرحني وأهانني ودفعني لقضاء ليلة في أحضان غرفة مثلجة
ستكون هي في احتواءها أكثر دفئا من أحضانه الصقيعية)
أردفت أم مشعل برجاء: أنا كنت أبي أخذها البيت أراعيها لين تصح وتشالى (تشالى=تطيب من المرض)
بس هي مارضت.. تقول ماتقدر تخليك
ياليتك ترخص لها يأمك.. وخص إنك ماشاء الله قطيت العكازات
شعور عارم بالمرارة يلتهمه.. أليس هذا ماكان يريده؟؟
أن يتخلص معها
وتحت عذر شرعي
ربما كان هو فوق ماتستحق
وربما كانت هي فوق ما يستحق
ماعاد يهم من منهما لا يستحق الآخر..
تفكيره مشوش للغاية.. ويشعر أنه يقف على أرض شديدة الهشاشة
وعشرات الأفكار القديمة والجديدة تنثر تفكيره في موجات عاتية
دخل إلى غرفته.. كانت تتمدد على السرير بضعف
لا يعلم لِـمَ رؤيتها بهذا الضعف تهز روحه بعنف لاسع..موجع
لطالما تسلحت بقوة رقيقة أمامه.. تحملت الكثير..الكثير منه طوال الأيام الماضية
بدت له دائما قوية حتى في ضعفها
ولكنه اليوم يراها غاية في الضعف.. وما عاد بها جَلد لاحتمال قسوته
وهو غير قادر على النسيان والمسامحة
عاجز عن تقبلها ومسامحتها ونسيان ما فعلته به
فقلبه مفعم بالسواد.. ومغموس بالمرارة
وفي ذات الوقت يرى أنه تجاوز الحد في القسوة عليها
تجاوز الحد كثيرا
يشعر بألم مر منها وعليها.. وكلا الألمين يتنازعان مشاعره بوحشية
همس بعد أن اقترب قليلا وهو يترك مسافة غير قليلة بينهما: مشاعل
حاولت الجلوس وهي تتسند بضعف وتستر كتفيها العاريين في غلالتها البيضاء وتهمس بخفوت معذب: لبيه
حينها رأته واقفا بدون عكاز.. أشرق وجهها المتعب بنور خاص
كان بودها أن تنهض لتحتضنه فرحا وتأثرا
ولكنها عاجزة عن القيام وهو لم يقترب منها
فرحة عميقة غزت روحها المرهقة من الهجر والقسوة
ولكن هذه الفرحة سرعان ما اُنتزعت منها بوحشية
وناصر يهمس بنبرة غير محددة الملامح:
مشاعل روحي مع أمش.. أنتي تعبانة.. وأمش تبي تراعيش
ثم أكمل بنبرة أكثر تمويها وغموضا:
والأحسن تقعدين هناك على طول
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:09 PM
أسى الهجران/ الجزء الثامن والسبعون
واشنطن
سكن باكينام
سمعت باكينام صوت يوسف المتعب يصلها عبر الهاتف: ألو
شعرت أن شرايين قلبها تتصدع شريانا شريانا
ولكنها تجلدت وهي تهمس بثقة: اسمعني كويس يا يوسف
ما ترجعش تاني هنا
ولا حاولت تجبرني على حاجة.. أنت عارف احنا فين
تلفون صغير لـ 911 هتلائي نفسك متورط في جريمة اساءة تعامل
وأنت عارف هم متشددين أد إيه.. فمتجبرنيش أأزيك وأنت خلاص على وش تخرج
أنت مش هتستفاد من العند حاجة.. وأنا مستحيل أغير اللي في دماغي
يوسف بهدوء: جبانة
باكينام بغضب: أنا مش جبانة
يوسف يحاول استفزازها: لو مش جبانة.. مكنتيش استخبيتي مني
انزلي وكلميني وش لوش لو مش خايفة
باكينام بارتباك: مش عايزة أشوفك
يوسف بنبرة مدروسة: خايفة مشاعرك تخونك مسلا
باكينام بغضب: أنا نازلة دلوئتي
يوسف أغلق الهاتف وهو يبتسم بانتصار
كان قادما للتو من المستشفى
وأخذ عنوان سكنها من هناك
وعرف أن سبب انهيارها كان انهيارا عصبيا
استغرب كثيرا..
بكينام بقوتها وشراستها تنهار.. ولكنه لم يربط مطلقا بين سفره وانهيارها
بل توقع أن هناك ماحدث لها قبل أن تصل للمقهى لذا انهارت بعد الخروج منه
ولكن معرفته أنها قد تنهار تحت الضغط رقق قلبه بصورة تلقائية غير مقصودة عليها
وهو يتذكر ما تناساه
أنها تبقى أنثى ضعيفة..
وهو بالغ كثيرا خلال الأسابيع الماضية في الضغط عليها
كان غارقا في أفكاره حتى وصلت وجلست أمامه وهمست بهدوء حاد: نعم؟؟ عاوز تئول إيه؟؟
نظر لها بشجن عميق..
تمنى لو يستطيع زرعها بين أضلاعه..غمر وجهها بقبلاته
سكب مشاعره وحبه بين جنبيها وعلى مسامعها
ولكن
أي زوجين غريبين هما؟؟!!
يوسف بهدوء وهو يعتدل في جلسته: عاوزك ترجعي معاي لبيتك
باكينام بهدوء: أنا ماليش بيت هنا غير السكن ده
يوسف يحاول التزام الهدوء وهو يهمس من بين أسنانه:
باكينام بلاش شغل الجنان ده.. ازاي تئعدي في مكان وجوزك في مكان.. ايه المنطق ده؟؟
باكينام بألم حاولت إخفائه لكنها فشلت: أنته ماخليتش فيها منطق يا يوسف
أنا عمري ما تجرحتش من حد زي ما اتجرحت منك
يوسف بهدوء موجع: إزا على الجرح.. ومين جرح مين.. فأنتي كمان مش مئصرة
باكينام بعمق: ومادام كل واحد بيجرح التاني.. إيه اللي يجبرنا نستمر في الحياة دي؟!!
صمت يوسف
كان بوده أن يقول
(يجبرني أنني أتنفس هواكِ
أنك تدبين في عروقي
وتتغلغلين في روحي حتى أقصى جذورها)
ولكنه يستحيل أن يعترف لها بحبه... بينما هي تصفعه بخيانتها ورفضها
لن يحتمل رفضها حينها
لن يحتمل أبدا
تنهد بعمق: يجبرنا الرابط الشرعي اللي بيننا
هوا من الشرع أنك تعصيني وتخرجي من بيتك من غير إزني؟؟
حينها شعرت بألم عميق.. فهي مع نعمة الله عليها مؤخرا بتزايد تدينها
أصبح كل ما يمس تدينها يسبب لها رعبا خوفا من خدشه أو عصيان ربها
باكينام بألم: يوسف ربنا يخليك.. ما تمسكنيش من إيدي اللي بتوجعني
أنا مش طايئة أرجع لبيتك.. طلئني يا يوسف.. وخلي الاحترام بيننا
رغم ألمه العميق من صفعها له بطلب الطلاق بكل هذه البساطة دون أدنى مراعاة لمشاعره
همس بهدوء وهو يقف: أنا هسيبك ترتاحي كم يوم وهأرجع لك تكوني فكرتي
وافتحي تلفونك.. ما تسبينيش ئلئان عليكي
وفكرة الطلاء دي شيليها من دماغك.. لأنها فكرة مستحيل تحصل
***************************
بيت ناصر
حينما رأت مشاعل ناصرا واقفا بدون عكاز.. أشرق وجهها المتعب بنور خاص
كان بودها أن تنهض لتحتضنه
ولكنها عاجزة عن القيام وهو لم يقترب منها
فرحة عميقة غزت روحها المرهقة من الهجر والقسوة
ولكن هذه الفرحة سرعان ما اُنتزعت منها وناصر يهمس بنبرة غير محددة الملامح:
مشاعل روحي مع أمش.. أنتي تعبانة.. وأمش تبي تراعيش
ثم أكمل بنبرة أكثر تمويها وغموضا:
والأحسن تقعدين هناك على طول
مشاعل مصدومة تماما.. تعلم أنه حدد مهلة شهر أو شهرين لانفصالهما
ولكنها كانت تعتقد أنه مجرد تهديد لا يعنيه بحذافيره
ولكن أن يستغل مرضها كغطاء للإلقاء بها كشيء مهمل لا حاجة له به كان شعورا جارحا موغلا في الألم والإهانة
مشاعل بألم: يعني خلاص ركبت ساقك.. وماعاد لك حاجة فيني؟؟
ناصر لا يعلم أي قسوة غريبة تسيره: وماكان لي فيش حاجة قبل الساق أصلا
بس أنا قلت لش نبي ننتظر شهر أو شهرين
وخلاص الحين صار لنا شهر من تزوجنا.. وأشوفها فرصة ترجعين بيت هلش عشانش مريضة وعقب نتحجج بأي شيء تقعدين هناك لين..........
مشاعل قاطعته بذهول: تشوفها فرصة؟؟ لها الدرجة أنا كاتمة على قلبك؟!!
ناصر يتقدم حتى يصبح على القرب منها وهو يهمس بتهكم مصطنع: تقدرين تقولين كذا!!
مشاعل بنبرة ميتة تماما: ناصر أنا لو طلعت من بيتك مستحيل أرجع له
ناصر بقسوة: وماحد بطالب منش ترجعين
مشاعل بألم: ناصر أنا ما أستاهل منك اللي تسويه فيني
تحاسبني على خجلي وخوفي ليلة عرسي؟؟
أنا قدمت لك عقبها ألف دليل أني أبغيك وأبي أكمل حياتي معاك
ناصر بعمق متوحش: قلتها لش قبل يا بنت عمي
من عافنا عفناه لو كان غالي
مشاعل تحاول النهوض وهي تهمس بألم جرحها العميق: ماخليت فيها غالي يا ولد عمي
مع وقوفها شعرت بالدوار وكانت تريد أن تعاود الجلوس
ولكنها فوجئت بذراع قوية تسندها وتقربها منه
وهو يهمس لها من قرب قريب بنبرة غامضة: أنادي لطيفة؟؟؟
كان موقفا غريبا.. يطردها من بيته لتجد نفسها بين أحضانه
كانت الفرصة الأخيرة لكل منهما ليشعر بقرب الآخر.. يستنشق عبق رائحته وخصوصية عطره
لم يبحث أي منهما عن تفسيرات غبية.. يكفيهما أن يعيشا اللحظة التي لن تتكرر..
كان ينظر لتفاصيل وجهها بتمعن ..
تمنى بعمق ووجع أن يقبلها.. يتعرف على طعم شفتيها التي لطالما أسكرته وهو يراها ترف بعذوبة الفراشات حين تتحدث
وتمنت هي أن تسكن أضلاعه للأبد.. فهي تريده حتى آخر نبض وشريان فيها
ولكن الأمنيات ماتت قبل أن تتجاوز حتى أعماقهما اللا واعية إلى فضاء وعيهما..
نُحرت أمنياتهما على مقصلة غرابة البشر ورغبتهم الدائمة في تعذيب أنفسهم من أجل وهم كرامة هي أرخص بكثير من ألم قلبين يتعذبان دون سبب
كانت مشاعل من همست وهي تبعثر ماتبقى من كرامتها من أجل فرصة أخيرة معه: ناصر أقولها لك أخر مرة.. والله العظيم أنا أبيك..
ولو طلعتني من بيتك ماني براجعة له لو مهما صار..
ناصر أفلتها وهو يتأخر خطوة للخلف وينادي بصوت عالي:
يا أم محمد.. تعالي ساعدي مشاعل تلبس
*************************
بعد ذلك بساعتين
بيت مشعل بن محمد
لطيفة تصل من بيت والدها بعد أن أطمأنت على وضع مشاعل التي عادت لغرفتها المهجورة منذ حوالي شهر
وأكثر الناس فرحا بمرضها هذا سلطان لأن المرض أعادها إليه
لطيفة طبعا لاحظت اكتئاب مشاعل غير الطبيعي ولكنها أرجعته لمرضها
أطمئنت على أنها تغدت رغم أنها لم تكن تريد أن تأكل لولا أن جدتها ظلت تصر.. فأكلت من أجلها وتناولت دواءها وتمددت
بينما لطيفة عادت لبيتها ووعدتها أن تعود لها بعد صلاة العصر
وهاهي تدخل لغرفتها بعد أن تركت بناتها في غرفتهن بعد أن أبدلت ملابسهن
ومرت بغرفة ابنيها اللذين كانا مع والدهما وتغديا معه في المجلس
وجدتهما يلعبان أمام التلفاز.. تركتهما وانسحبت لغرفتها وهي تتنهد
فهي تعلم أن مشعلا لابد هناك
وهناك مواجهة تنتظرها لا يمكن تأجيلها
كان يجلس على الأريكة بيده جهاز التحكم ويتابع الأخبار
حين رأها تدخل.. كتم الصوت ووضع جهاز التحكم على الطاولة
والتفت لها وهو يقول بهدوء: تعالي لطيفة
لطيفة بذات الهدوء: إن شاء الله بس عطني خمس دقايق أغسل وأبدل وأجيك
أنهت مهمتها وهي تشعر بتوتر عميق
فمشعل خلال الثلاثة عشر عاما الماضية ومع تجاهله لها كأنثى لكنه كان يقدرها لأبعد حد كربة بيت وأم..
ولم يتهمها يوما بالتقصير في حق أولادها أو بيتها..
وأن يتهمها بالتقصير بعد أن تصافيا وتمازجا روحيا لأبعد حد كان شيئا جارحا لأبعد حد أيضا
تقدمت بهدوء وجلست جواره
مشعل تناول كفها واحتضنها وهو يهمس بهدوء عميق: آسف حبيبتي على اللي صار اليوم
لطيفة بهدوء: حبيبي أنا ما أبيك تعتذر.. لأنه الاعتذار مهوب حل
مشعل يسند كتفيه للخلف وهو مازال يحتفظ بكفها ويهمس بهدوءه المعتاد: ليه وين المشكلة؟؟
لطيفة برقة: المشكلة إنه أنت طول عمرك هادئ.. وطول عمرك تقدرني
وطول عمرك تتصرف في كل المشاكل بحكمة
جاء على موقف حمود وكل شيء أعرفه عنك اختلف
عصبت.. واتهمتني.. ثم خانتك الحكمة في التصرف لولا إنك تداركت نفسك في الأخير وتصرفت زين
مشعل بهدوء: أعترف إن الموقف كان صعب علي.. لأني ما تخيلت إن حمود يدخن.. كان موقف فوق تصوري
لطيفة تتنهد: وفرضا إنه سواها عقب كم سنة ودخن.. بتحل المشكلة بنفس العصبية اللي اليوم؟؟!!..
ما يصير مشعل.. تدري إن المراهق ما يعامل بالشدة
والطرف الثاني للمشكلة هل كل ماصار موقف صعب عليك تصوره مثل ما تقول.. بتتهمني إني مقصرة؟!!
وصارحني يامشعل هل أنت تشوفني فعلا مقصرة في حق عيالي؟؟
مشعل باستنكار: حاشاش... هي بس كلمة في ساعة غضب.. والله ماقصدتها ياقلبي.. وقلت لش آسف واعتذرت لش..خلاص
وأوعدش إنه لو صار مشكلة لأي واحد من عيالنا..أحاول أتحكم في أعصابي
أنا أصلا نادرا ما تخوني أعصابي.. بس شيء يلحق عيالي ماأستحمله
بس خلاص فكيها ياقلبي.. ما يهون علي شوفتش مكشرة وزعلانة
لطيفة تتنهد وهي تحاول رسم ابتسامة: خلاص حبيبي ماصار إلا خير
ومايصير إلا خير إن شاء الله
***********************
لندن
شقة آل مشعل
ذات الوقت ولكن توقيت مختلف
قبل الظهر بقليل
موضي وهيا في المطبخ تتناولان إفطارا متأخرا
هيا وموضي نفسيتهما رائقة تماما بعد أن بالغ راكان في طمأنتهما على مشعل
موضي تسأل هيا باهتمام: ياقلبي ياهيا من يوم جينا هنا وأكلش مهوب عاجبني
مشعل طيب وبخير وانتي مسوية اضراب عن الأكل
هيا بابتسامة: لا والله مهوب عشان مشعل.. بس ماني بمشتهية الأكل صار لي مدة.. طاري الأكل يلوع كبدي.. وهذا أنا أشرب شاي
ثم أردفت بتساءل: راكان مو كنه تأخر في النوم؟؟ مهوب متريق؟؟
موضي بتلقائية وهي ترتشف من كوبها: أصلا طليت عليه الصبح بدري مالقيته
شكله طلع من بدري
هيا بخبث: يا اللي ما تستحين رايحة تطلين على الرجّال..
ثم أكملت بتهكم: عسى ما نسيتي نقابش وعباتش بس؟؟
موضي ترقص لها حاجبيها: لا ما نسيت.. والرجّال رجالي وش حارق بصلتش؟؟
هيا تبتسم: أنتي قلتيها.. رجّالش.. صدق عبيطة..
موضي تبتسم: العبيطة فاتشة خشتها قدامي.. الله يعين مشعل عليش بس
هيا تنهدت: فديت الطاري.. تكفين موضي.. كلمي راكان أسأليه عنه..
وإذا كان ممكن نشوفه
موضي بحنين مشابه: بأسأله عنه.. بس الشوفة ما ظنتي يوافق لا هو ولا مشعل نروح له في مركز التحقيق
هيا بتأفف: أما عيال آل مشعل ذولا كلهم عاهات فكرية
وش فيها لو رحنا نشوفه في مركز التحقيق.. حد بياكلنا؟!!
موضي بابتسامة: والله هذا اللي الله عطانا... ذا العاهات الفكرية..
هيا بحنين عميق: فديت عاهتي الفكرية... ياني اشتقت له.. جعل يومي قبل يومه
موضي (بعيارة): عشتو.. ماعندش سالفة اللي مشعل يطيح رأسش
هيا (بعيارة) مشابهة: نشوف راكان لا طيح اللي في رأسك
موضي تحاول أن تجاريها: وأنتي كل شيء لازم تدخليني فيه أنا وراكان؟!!
هيا تنظر لها نظرة مباشرة: موضي قولي لي أنتي ليش متوترة كذا من راكان؟؟
موضي بوغتت تماما: أنا ؟؟ من اللي قال لش؟؟
هيا بعمق: مايحتاج حد يقول لي.. عندي عيون.. وماعندي حد غيرش أنتي وياه أسوي عليكم رقابة
موضي كأنها تنظر لما خلف هيا وهي تهمس بألم: بصراحة وبيني وبينش
أشوف أني أنا وراكان طرفين غير متكافئين في معادلة الزواج ذي لا شكلا ولا مضمونا
هيا تنهض لتضع كوبها على المغسلة وتغسله وهي تقول باهتمام: والمعنى؟؟
موضي بألم: يعني هو كشحصية وشكل رجّال يستاهل وحدة تكون توازيه
مهوب وحدة مثلي
هيا تبتسم وتعاود الجلوس بعد أن نشفت كأسها ووضعته في الدولاب:
تدرين إن هذا أغرب كلام سمعته في حياتي
بس ما ألومش أنا مريت بحالة مشابهة ومختلفة.. أنا ماقارنت نفسي في مشعل
قارنت نفسي فيكم أنتي وخواتش.. لقيت نفسي خسرانة المقارنة
وأعرف زين ألم المقارنات الفاشلة
موضي باستنكار: وليش تقللين من قدر نفسش.. وش فينا زود عليش؟؟
هيا ابتسمت وهي تقول: قولي الكلام هذا لنفسش
موضي تراجعت لهجتها الحماسية لتهمس بخفوت: شوفة عينش
راكان شكله ومضمونه شيء أكثر من اللي تستحقه وحدة مثلي
هيا تبتسم: صحيح هو وسيم ماشاء الله لكنها وسامة الرياجيل العادية يعني مهوب مثل فارس مثلا
وما أنكر صراحة إن هيبته مع طوله وعرضه ترج شويتين وتخوف
بس أنتي على الطرف الثاني ألف واحد مثل راكان وأحسن يتمناش
أنتي ذهب موضي.. والله العظيم ذهب.. ما أجاملش في وجهش
أنتي من بد خواتش من غير قصور فيهم ومع غلاهم الكبير في قلبي انتي اللي دخلتي قلبي وعششتي وتحكمتي
لش قدرة غريبة إنش تدخلين بين الواحد وروحه.. وتستولين على مشاعره بصورة طبيعية كأنها قدرة طبيعية أنتي تمتلكينها
موضي هزت كتفيها وهمست باستنكار مؤلم: كلام إنشاء
هيا وقفت وتوجهت ووضعت يدها على كتف موضي وهمست من قرب:
لا تخلين حياتش مع حمد تخرب عليش فرصة إنش تبدين حياة جديدة حقيقية
لانه أنتي مع حمد ما عشتي سعادتش بالسكن لنصفش الثاني
أنا لأني جربت هذي السعادة وعايشة فيها أقول لش لا تفوتينها على نفسش
حمد ماكان هو نصفش الثاني اللي الله كتبه لش.. والحين فيه حياة جديدة تنتظرك مع رجّال نادر لا تضيعينها يا موضي..
موضي همست بألم عميق جارح: حمد ما بقى لي حياة أعيشها
ولا بقى فيني أنثى أصلا عشان تعيش ذا الحياة..
**********************
قبل صلاة المغرب
على الكورنيش
الجو بارد ولكن غاية في الانتعاش
فارس وناصر يرتديان لباسين رياضيين ويركضان على الكورنيش
طولهما وألقهما لافت للنظر تماما
فارس يهمس وهو يلتقط أنفاسه: ناصر بسك ركض.. ضغطت على نفسك وأنت توك مركب الساق..
ناصر يشعر بضيق عظيم خانق منذ خرجت مشاعل من بيته وفي عينيها نظرة انكسار نحرت روحه بوحشية
كان بوده أن يوقفها.. يحتضنها..يُسكنها بين أضلاعه
يمسح عن ألق عينيها المتعبتين وجع نظرتها
يقول لها
(سامحي قسوتي أيتها الحمامة الوديعة
ربما هكذا كنا
أنتي حمامة.. وأنا صقر جارح محلق
والحمائم لا تساكن الصقور!!!
انفذي بجلدك مني
انفذي بما بقي من وداعة روحك قبل أن أنتهكها بوحشيتي
أجل أنا متوحش.. متوحش
وإلا من الذي يستطيع أن يقاوم أن يذوب أمام عذوبة أنوثتك إلا متوحش خال من الإحساس مثلي؟!!)
همس لفارس وهو يلتقط أنفاسه بدوره: لفة بعد.. لفة وحدة وخلاص
ابتسم فارس : بس ماشاء الله.. صدق اللي يشوفك مستحيل يصدق إنك تركض كذا على ساق صناعية
ناصر بعمق: يقطع من ناحية ويوصل من الثانية سبحانه عز وجل له ألف حمد وشكر
فارس يتذكر: يالله لفة ويكون المغرب أذن.. نصلي هنا ثم نلحق نرجع أتسبح وألبس وأصلي العشاء وأحضر شوي من عشاء عمي عبدالله..
ثم أطلع العنود واعدها نطلع نتعشى برا
ناصر يستعد للركض وهو يهمس: الله يهنيكم.. تقول قطاوة مطاعم أنت وياها
فارس يبتسم: قل أعوذ برب الفلق.. وعلى الطاري أنت بعد الليلة لازم تطلع أنت ومشاعل تحتفلون بساقك الجديدة بعد عشاك
ناصر بنبرة غير محددة الملامح: مشاعل تعبانة شوي وعند بيت أهلها
فارس بغضب: تدري ماعليك شرهه.. يعني لنا ساعة نركض وماطرا عليك تقول لي إن أختي تعبانة
خلاص بأروح لها الحين
ثم استدرك فارس وهو يقول بشبح ابتسامة: كذا يا نويصر تسبقونا
خيانة.. تزوجنا سوا.. المفروض نجيب عيالنا سوا
ناصر غصبا عنه كح من الحرج وهو يقول: الله يهداك وش عياله.. تو الناس
فارس وهو يخرج مفتاح السيارة من جيبه: صار لكم شهر.. بس بعد خونه أنت وياها
خلني لين أقول للعنود بس..
ناصر بهدوء: يا ابن الحلال والله العظيم مهيب حامل معها نزلة شعبية
فارس هاجمه القلق: ياكثر ما تمرض ذا البنية.. خلاص يالله نروح البيت
أمش معي نتطمن عليها
ناصر ارتاع: أنا.. لا لا.. بأروح بعدين..
فارس بهدوء: يا ابن الحلال تعال معي.. عشان ما تنحرج تدخل البيت بروحك
ثم أردف وهو يقطب جبينه: وإلا لا تكون ما تبي تشوف مرتك؟!!
ناصر اُسقط في يده.. موقفه سيبدو محرجا لو لم يزرها وهي خرجت اليوم مع والدتها وأختها وبدا الوضع أمام الاثنتين طبيعيا جدا
ناصر تنهد: خلاص بأروح البيت أتسبح وألبس ثم نروح سوا
********************
لندن
شقة آل مشعل
بعد صلاة العصر
الساعة الرابعة والنصف عصرا بتوقيت جرينتش
لندن في الشتاء تكون على توقيت جرينتش تماما
وفي الصيف يكون الفرق بين التوقيتين ساعة لأن الساعات تُقدم لساعة للتوقيت الصيفي
هيا وموضي تجلسان في الصالة الداخلية
تتبادلان الحديث
سمعتا صوت باب الشقة يُفتح
هيا بحماس: وأخيرا جاء رجّالش المبجل.. تكفين قومي إسأليه عن مشعل
موضي بحرج: خلي الرجّال يأخذ نفس.. ما يصير أول ما يدخل يلاقيني ناطة في وجهه
هيا تبتسم: أنتي مهوب بتقومين تلبسين عباتش ونقابش؟؟
موضي بتأكيد جازم ومرح في ذات الوقت: أكيد طبعا
هيا بذات الابتسامة: خلاص على ما تلبسينهم يكون خذ نفس وزيادة
موضي قامت لتلبس وهي تقول لهيا: لو أني أنا ما أبي أتطمن على مشعل أو كان مستحيل أروح له وهو ما دق علي
موضي لبست ثم توجهت للمجلس.. طرقت الباب..
جاءها صوته الفخم المثقل بالعمق: تعالي موضي
فتحت الباب وتقدمت لخطوة واحدة لتشعر بحرج كاسح وهي ترى راكان يتمدد على الكنبة وظهره مسند لطرف الكنبة وقدماه الحافيتان تتجاوزان طرف الكنبة الآخر
وأزرار قميصه العلوية مفتوحة بصورة تلقائية ولكنها سببت لها حرجا بالغا وهي ترى جزءا من عضلات صدره بارزا بوضوح
أنزلت عينيها وهمست: كنت أبي أسأل عن مشعل؟؟
راكان بهدوء: مشعل طيب.. تو تحقيقاتهم ما خلصت بس مهيب مطولة إن شاء الله
ثم أشار لمغلف أصفر يقبع على الطاولة أمامه:
وهذي شهادة بنت سلطان صدقتها خلاص.. اخذيها عطيها إياها
موضي لم تتحرك من مكانها وهي تهمس بخجل: بأخذها بعدين
راكان اعتدل في جلسته وتناول المغلف ونهض ليعطيها إياه لأنه فهم أنها تريد أن تبقى محتمية بالباب ولا تريد التقدم ناحيته
موضي تراجعت لتلتصق بالباب تماما وهو يمدها بالمغلف ويهمس بنبرة واثقة توحي بالعتب:
موضي تراني ما أعض
موضي صمتت بحرج بالغ
وهما يتبادلان نظرات مثقلة بسكون عميق والجو بينهما يُشحن بتوتر غير مفهوم
وكأن هناك شرارات عصية على التفسير تدور حولهما
هي تتأمل وجهه الوسيم المشبع بتفاصيل الرزانة وهو يتأمل عينيها المشبعتان بسحر غريب هو خليط من عمق وانكسار
راكان انتزع نفسه من أسر هذا الجو الغريب وعاد للجلوس مكانه بثقة هادئة
وموضي بقيت لثواني يلفها توترها وحرجها
بعدها قالت بخفوت: أحط لك غداء؟؟
قال وهو يعاود التمدد: أبي أنام بس.. قوميني قبل أذان المغرب ولا عليش أمر
***************************
بيت عبدالله بن مشعل
غرفة مشاعل
بعد صلاة المغرب
مشاعل منذ مجيئها من بيتها السابق عند الظهر وهي معتكفة في غرفتها
نزلت قليلا لجدتها عند الغداء
لأن جدتها أصرت أنها ستصعد لها إن لم تنزل هي
ثم عادت للاعتكاف في غرفتها
فما تشعر به من ألم أكبر من احتمالها
تشعر أن مسام جسدها تقطر ألما بقدر ما تشبعت كل خلية من خلاياه ألما ووجعا
أي ذنب مريع ارتكبته حتى تستحق هذه المعاملة من ناصر؟!!
تحاول أن تجد له مبررا ولكنها لا تجد أي مبررات
أ يكون للقسوة مبرر؟!!
أ يكون للتجريح مبرر؟!!
أ يكون لنحر الروح مبرر؟!!
رن هاتفها.. التقطته.. نظرت للشاشة ثم ردت بضعف: هلا فارس
..........................
تعال حياك لغرفتي ماعندي حد
اعتدلت في جلستها وهي تتناول جلالها وتضعه على ذراعيها لأنها كانت ترتدي قميصا قطنيا بدون أكمام
طرقات قوية على الباب
مشاعل بصوت عالي قدر ما يسمح لها ضعفها وطبيعتها: تعال فديتك.. ادخل
دخل فارس
ولكنه لم يكن لوحده..
كان معه شخصا آخر
شعرت حين رأته أن حرارتها المرتفعة أصلا ترتفع
أكثر وأكثر وأكثر!!
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:11 PM
أسى الهجران/ الجزء التاسع والسبعون
بيت عبدالله بن مشعل
غرفة مشاعل
بعد صلاة المغرب
فارس يدخل للغرفة وناصر معه يخفي توتره العارم
مشاعل شعرت بصدمة حقيقية.. فهي كانت تعتقد أن اليوم قد تكون المرة الأخيرة التي ستراه فيها
رغم أساها العميق منه.. وجرحها النازف بسببه
ولكنها لا تستطيع انكار شعورها بفرحة شفافة غزت روحها وهي تراه يتقدم منها بصورة طبيعية جدا وخطوات واثقة ثابتة
سلما كلاهما
ردت السلام بخجل بصوتها المبحوح من المرض وفارس يميل عليها ليقبل رأسها بينما ناصر واقف في مكانه..
لم يكن في غرفتها سوى كرسي واحد لمكتبها
جذبه فارس وجلس عليه وهو يقول لناصر بصورة تلقائية:
أنت اقعد جنب مرتك
ناصر وجد نفسه مجبرا أن يجلس جوارها على سريرها وهي تزيح له مكانا بخجل
ولكن هذا لم يمنع عضده الصلب من الالتصاق بكتفها رغم تحاشي كلا منهما لهذا التلامس
ناصر كان ينظر حوله بتأمل.. لغرفة مشاعل قبل أن تصبح زوجته
ذوقها راق جدا وأنثوي لأبعد حد
غرفتها تشبهها تماما
غرفتها يشيع بها روح عذوبة مصفاة وبهجة احتواء ناعمة
شعر بألم غير مفهوم وهو يلتزم الصمت ونعومة بشرة مشاعل تحتك بعضده وهي تحاول أن تبتعد دون أن يلاحظ فارس..
وكل محاولة تبوء بالفشل..
فارس كان أول من تكلم وهو يقول بهدوء: سلامات ما تشوفين شر
ردت عليه مشاعل وهي تدعك أناملها توترا من هذا الملتصق بها: الله يسلمك
فارس يسألها: وش اللي معش بالضبط؟؟
مشاعل ردت بارتباك ودعكها المتوتر لأناملها يتزايد.. التوتر الذي لاحظه ناصر تماما: نزلة شعبية بسيطة
فارس باستفسار: وش منه؟؟
مشاعل بارتباك أكبر ومفاصلها أبيضت تماما من دعكها لأناملها: تسبحت وخليت الدريشة مفتوحة
فارس باستنكار: أنتي صاحية.. حد يتسبح ويخلي الدرايش مفتوحة وحن في شهر واحد؟؟!!
مشاعل تكاد تذوب ارتباكا وخجلا: عاد اللي صار
ناصر كانت عيناه بدون أن يشعر مثبتة على أناملها التي تكاد تتمزق من دعكها المتوتر لها
مد يده بدون أن يشعر ليديها ليمسكهما بقوة حانية وهو يهمس في أذنها: بسش مشاعل.. قطعتي إيديش
مشاعل شعرت بصدمة كاسحة.. ملمس يديه ثم همساته في أذنها شيئان فوق احتمالها
فارس حين رأى اللمسات ثم الهمسات شعر بالحرج وهو يقف ليخرج ويقول لناصر: أنت خذ راحتك.. أنا أتناك تحت عند جدتي
ناصر بجزع لم يظهر في صوته الهادئ: فارس وقف بأروح معك
ولكن فارس كان قد خرج وأغلق الباب خلفه
مرت لحظات صمت طويلة قطعها همس مشاعل المبحوح:
ناصر خلاص فك يدي.. فارس طلع من زمان
تفاجأ ناصر أنه مازال يمسك يديها كلتيهما بيده.. أفلتها وهو يقف ليجلس على كرسي فارس
والصمت يعود ليسيطر على الجو المشحون بينهما..
وهما يتبادلان نظرات عميقة وكأن كل منهما يريد أن يحفر تضاريس ملامح الآخر في ذاكرته
هي شعرها الحريري القصير يسترسل حول وجهها في هالة تحيط بخديها المحمرين من أثر الحمى
تلف ذراعيها بجلال أبيض وكأنها حمامة بيضاء أنهكها الطيران فحطت أرضا لترتاح فأغتالتها أحزان الأرض
وهو كان متأنقا في ثوب شتوي داكن مع غترة شال.. كانت تنظر حتى لقدميه الحقيقية والصناعية وهما في حذاء جلدي ثمين أغمق من لون الثوب بدرجة أكمل أناقته اللافتة
(هل تأنق هكذا لزيارتي؟!!
من المؤكد لا..
ربما هو ذاهب لمكان ما بعد أن يخرج من هنا
أين سيذهب وعشائه الليلة عند والدي؟؟)
أخيرا تكلم ناصر وهو يهمس بعمق: بيضايقش لو جيت أزورش من وقت للثاني؟؟
عشان أهلنا ما يلاحظون
مشاعل بهتت.. بـــهـــتـــت
فهي مصدومة بعنف بطلبه غير المتوقع وغير المعقول
ردت بألم مصدوم: مافيه داعي ناصر.. دامك ناوي تنحرني.. ليش تطول في السالفة
البهيمة اللي هي البهيمة حرام تعذيبها قبل نحرها.. وأنا بنت عمك.. ارحمني شوي
قل لأهلنا ماصار بيننا توافق وخلاص
ناصر لا يعلم أي جنون وتناقض يسيره: مهوب الحين..
لا يعلم حتى ما السبب الذي دفعه لطلب رؤيتها مرة أخرى..
شعر أن شيئا عميقا في مشاعره انتفض وتحرر فيما يشبه الثورة الحقيقية وهو يراها في مكان آخر غير بيته...
وهو يراها في مكانها القديم قبل أن تصبح زوجته
شعر أن نبضات قلبه تتصاعد بشكل هستيري وهو يتمعن في كل تفصيل من تقاصيلها
ووجودها ينسفه بشكل غير مسبوق عاجز هو عن تفهم غرابته
شعر أنه عاجز عن التنفس بحضرتها.. وقلبه يكاد ينفجر من الألم..
ولكن الغريب أنه يشعر بالحرية أخيرا
يشعر أنه حر فعلا.. ومشاعره تتحرر وناصر القديم يعاود الإطلال برأسه
مشاعل أجابته بعتب عميق مشبع بالألم: حرام عليك تعذبني وتهيني كذا يا ناصر
ناصر وقف ليهرب من أسر مشاعره التي فاجأته واكتسحته في سيل متتال من الصدمات..
والتي شعر بصداع حقيقي وهو يحاول مقاومتها أو حتى مجرد تفهمها..
همس بثقة أخفى خلفها طوفان مشاعره الكاسح: أستأذن.. تبين شيء؟؟
مشاعل باستغراب متألم: أبيك ترسيني على بر.. أنا ماني بلعبة عندك..
ناصر فتح الباب ليخرج وهمس لها هو عند الباب: لو احتجتي شيء دقي علي
مشاعل غاية في الاستغراب..
اليوم عند الظهر طردها من منزله.. وبعد المغرب يأتي لزيارتها وكأن شيئا لم يكن
أي تفكير مجنون يخطر بباله؟!!
وأي غرابة تسيطر على أفكاره؟!!
ولكن ليفكر ما يشاء
فهي على كل الأحوال يستحيل أن تعود له
فإذا كان قد قال (من عافنا عفناه لو كان غالي)
فهي قالت ( لو طلعت من بيتك مستحيل أرجع له)
************************
لندن
مركز التحقيق الرئيسي
مشعل يتمدد وهو ينظر للسقف
نعم هو متجلد لأبعد حد ويعتبر أن ما يمر به هو مجرد أزمة ستمضي
وليس هو من يعجز عن مواجهة الأزمات
ولكن إحساس الظلم إحساس مؤذ
أن يتعرض للاتهام والظلم هو وكل عرقه العربي وكأنهم يتعرضون لحملة اتهام عالمية تحصرهم في زاوية مظلمة
أن تُختزل كل عظمة المسلمين والعرب وتاريخهم العريق في خندق اتهام مفصل جاهز اسمه "الإرهاب"
ويُجند كل إعلام العالم في حملة منظمة مقصودة لتعزيز هذه الصورة وتكثيفها حتى يصبح الإرهاب رديفا لاسم كل عربي ومسلم
لتغطية جرائم حكومات معينة وإبعاد النظر عنها
كل هذا كان مؤذيا لروحه الوثابة المشبعة بالإيمان.. يعلم أن راكان طمئنه أن الوضع مؤقت وسيحل الأشكال
ولكن كم من المظلومين ذهبوا في اتهامات ظالمة وانتهى مستقبلهم على عتبة الظلم الغير قابل للنقاش
ماذا لو اخترعوا له تهمة وخصوصا أنه له سابقة عنف مثبتة في ملفاتهم
لمن يترك أسرته؟؟
سلطان مازال صغيرا.. ووالده رغم قوته ولكنه يزحف للشيخوخة
والدته العميقة الصامتة الحنونة.. هل يُكتب عليها حزن تتجرعه بصمت؟!!
ريم مازالت صغيرة..
وهيا؟؟
هيا لمن يتركها.. لن تحتمل مطلقا.. فهي تعبت من الحزن واليأس والفراق
وشقيقاته المتزوجات من سيقف جوارهن لو تعرضن للضيم من أزواجهن
آلاف الأفكار المؤلمة والهموم تزاحمت في عقل مشعل الذي يحمل هموم غيره قبل همه
تنهد بعمق
ثم نهض ليتناول المصحف الذي أحضره له راكان
ويبدأ في تلاوة عميقة
تلاها دعوات عميقة لله عز وجل أن يفرج همه ويشرح صدره
**************************
قبل المغرب بتوقيت لندن
شقة آل مشعل
هيا بودها أن تقول شيئا ولكنها مترددة
جلست بجوار موضي ثم عاودت النهوض
موضي بغيظ: تراش حولتيني.. في بطنش علم.. خلصيني
هيا بارتباك: خلينا نروح الصيدلية
موضي باستغراب: ليش الصيدلية؟؟
هيا بهمس: يا أختي أنا أدل هنا عدل.. بأطلع أنا وياش شوي ونرجع
أبي لي شغلة
موضي بخبث: اللي هي؟؟
هيا بخجل: تيست حمل
موضي قفزت وهي تصرخ بفرح مجنون: يا الخايسة وتوش تقولين
من متى؟؟ من متى؟؟
هيا بخجل عميق: فضحتيني.. راكان سمع صياحش..
أخر دورة شهرية جاتني في واشنطن تاريخ 13/12
واحنا الحين في أخر شهر واحد.. ودورتي كانت منتظمة مثل الساعة
موضي تضحك بفرحة عميقة: لا وكبدش لايعة عليش.. ومنتي مشتهية الأكل
ودمش ثقيل... يعني حامل بدون شك..
بس مايضر خلنا ننزل ونجيب تست وإلا نروح دكتورة أحسن؟؟
هيا بخفوت: تيست يكفي.. وعقب بأروح للدكتورة لا طلع مشعل.. عشان أسالها عن السفر
موضي بتأثر: فديته مشعل يا هو بينبسط.. لا تقولين له لين يطلع.. خلي فرحته فرحتين
هيا بتأثر مشابه: خله يطلع بس
موضي قامت تلبس عباءتها ونقابها: بأروح أصحي راكان وأستاذنه على ما تلبسين أنتي
موضي توجهت للمجلس.. فتحت الباب بهدوء وأطلت برأسها
كان يتمدد على الكنبة ويده تغطي وجهه همست موضي بهدوء خجل: راكان راكان
راكان أزال يده عن وجهه وصوته الناعس بدا لها مؤلما في رجولته: خلاص قايم قايم
موضي بتردد: ماعليه راكان بأنزل أنا وهيا شوي نبي الصيدلية؟؟
راكان استوى جالسا وهو يقول بثقة: انتظري دقايق ألبس وأوديكم
موضي بارتباك: مافيه داعي راكان.. احنا بنروح مشي للصيدلية القريبة وبنرجع
راكان بذات الثقة والهدوء: موضي قلت انتظري دقايق.. بألبس الحين وعقب بأرجعكم هنا وأروح للمسجد
موضي تراجعت وهي تهمس باستسلام: خلاص منتظرينك..
****************************
بيت فارس
الساعة 11 مساء
فارس والعنود يدخلان غرفتهما بعد عودتهما من العشاء في الخارج
فارس يخلع غترته ويهمس لها بنبرة خاصة: يعني ما سألتي عن المفاجأة؟؟
العنود تخلع عباءتها وترد بخجل: شفتك سكتت.. قلت يمكن نسيت
فارس يبتسم: أنا لو وعدت بشيء ما أنساه
روحي افتحي الدرج اللي جنب سريرنا
العنود توجهت للجارور وفتحته واستخرجت تذاكر سفر منه
ابتسمت: شنو يعني؟؟ بتسفرني؟؟
ابتسم فارس: شنو أسفرش ذي.. لا تكونين هندية هاربة من كفيلها
العنود تبتسم وتقرص خده: ياملغك بس
زين وين بنسافر؟؟
فارس بهدوء: أنتي باقي لش حوالي أسبوعين لين ترجعين للدراسة
واحنا ماسافرنا مكان
والدنيا الحين كلها برد
فأنا قلت يا ماليزيا يا تركيا.. أهون شوي
بس أدري إنش سافرتي ماليزيا كم مرة.. قلت خلاص نروح تركيا ولو أنها أبرد الحين من ماليزيا..
وش رأيش؟؟
العنود تسند رأسها لصدره وتهمس برقة: أي مكان معك حلو
ثم رفعت رأسها وهمست باهتمام صادق: زين وأمي وضحى؟؟ بنخليها؟؟
فارس احتضنها بشدة وهو يتأثر بعمق من اهتمامها بالسؤال عن والدته:
فديت اللي مانست أم فارس
أمي قلت لها وكنت أبيها تروح معنا بعد.. بس هي مارضت
تقول فرصة تقعد عند خالي سعد وعياله.. كاسرين خاطرها
يوم يشوفونها كنها نازلة عليهم من السماء
*************************
الدوحة
مابعد منتصف الليل
بيت ناصر
أطال ناصر السهرة لأنه كان يتجنب عودته للبيت
وكان ينكر حتى على نفسه سبب هذا التجنب
كان يبحث لنفسه عن أعذار غير السبب الحقيقي
أنه لا يطيق فكرة البيت من غير وجودها
ولا يتخيل زواياه دون حركتها العذبة في أرجاءه
دخل البيت بخطوات مترددة
مازالت رائحة عطرها تعبق في الجو أو ربما يتخيل ذلك!!
دخل بخطوات أكثر ترددا للغرفة
ما زالت كل أغراضها موجودة..
عطورها على منضد التسريحة
ملابسها في الدولايب
بعد فترة ما سيختفي كل هذا
بالتأكيد ستأخذ كل أغراضها بعد انفصالهما
انتفض بعنف
"انفصال!!"
ويختفي كل ما يخصها من حياته كأنها سحابة صيف مرت واختفت؟!!
مشوش لأبعد حد.. مازال عاجزا عن مسامحتها على ما فعلته به ليلة زواجهما
ولكنه يحتاجها.. يحتاجها
يحتاجها حتى آخر قطرة في دمه.. وآخر نفس في صدره
أي تناقض يعيشه؟!!
أي تناقض؟!!
تنهد بعمق وهو يخلع ملابسه ثم يتوضأ ويصلي قيامه
تمدد بعدها على سريره وهو يخلع ساقه ويضعها جواره
إنها الليلة الأولى مع ساقه الجديدة
والليلة الأولى بدون مشاعل
ليلة باردة.. لن تدفئها كل سيقان العالم الحقيقية والصناعية بدون تلك الضئيلة الرقيقة
تناول هاتفه.. فهو مستمر في جنونه وتناقضه...
اتصل برقم معين.. جاءه بعد لحظات صوتها مرتبكا متعبا: هلا
ناصر بهدوء: هلا بش.. أشلونش الليلة؟؟
مشاعل بصوت مستنزف من التعب والارتباك: أحسن.... ناصر فيه شيء؟؟
ناصر يهمس بهدوء: مافيه شيء.. حبيت أتطمن عليش.. صحيتش من النوم؟؟
مشاعل بحزن: ما نمت أصلا
ناصر يعدل وضع المخدة وراء ظهره وهو يهمس: وليش ما نمتي؟؟
مشاعل بذات النبرة المثقلة: أعتقد أنت آخر واحد يسأل.. لأنك عارف
ناصر لا يعرف هو نفسه ماذا يريد: ماني بعارف.. عرفيني
مشاعل بألم: ناصر أنت وش تبي مني؟؟
ناصر ببوح حقيقي: تبين الصدق؟؟ والله ما أدري وش أبي.. اشتقت أسمع صوتش فاتصلت بدون تفكير
مشاعل مصدومة: ناصر من يوم أنت رجعت من السفر لك أكثر من 3 أسابيع
وما كنت طايق تكلمني
الحين مشتاق لصوتي؟!!..
ناصر يبتسم رغم غرابة الموقف: أدري شيء غريب.. بس هذا اللي صاير
وتبين تسمعين شيء أغرب؟؟
مشاعل بحذر: اللي هو؟؟
ناصر بعمق: ما أبيش تأخذين شيء من أغراضش.. خليهم عندي
مشاعل باستغراب: ناصر أنا قلت لك لو طلعت مستحيل أرجع.. فايش اللي بيخلي أغ**** عندك؟؟
ناصر يبتسم باتساع: مهوب قلت لش شيء أغرب
مشاعل ابتسمت بتلقائية وهي تشتم رائحة ابتسامته في صوته لتسأله سؤالا أكثر غرابة:
وإذا أنت تزوجت.. أشلون بتبرر للزوجة الجديدة أغ**** وملابسي عندك؟؟
يتمدد ناصر وهو يسند رأسه للمخدة ويحتضن هاتفه وهو يعلم أن الحوار الغريب سيطول
يقول بابتسامة: بأشرط عليها أغراضش تقعد
مشاعل عادت للحزن وهي تهمس: يعني تبي الأغراض وأنت مابغيت صاحبتهم؟!!!
ناصر يمد يده للمكان الخالي جنبه ويلمسه بحنو واشتياق
ثم يهمس بعمق: تدرين إني ماني بقادر أنام وأنتي منتي بجنبي
مشاعل صعقت.. يبدو كما لو كان من يحاورها شخصا آخر غير ناصر الذي عاشت مع قسوته ونفوره طيلة الأيام الماضية
مشاعل بحرج بالغ: ناصر أشفيك الليلة.. منت بطبيعي
ناصر يبتسم: بالعكس أنا الليلة طبيعي جدا.. هذا أنا ناصر مثل ما أعرف نفسي
مشاعل بألم: وناصر اللي طردني من بيته وحياته.. أي ناصر كان؟؟
ناصر بضيق: ناصر الثاني اللي شوفتش في بيته طلعت كل عيوبه
مشاعل بألم: ناصر أنا قلت لك أكثر من مرة أنا ماني براجعة.. فليش تسوي كذا فيني؟؟
ناصر بعمق: وأنا ما أبيش ترجعين.. وماقلت لش روحي لبيت هلش وأنا أبيش ترجعين
مشاعل باستغراب: زين وليش تتصل فيني؟؟
ناصر بابتسامة: وأنتي ليش تردين علي؟؟
مشاعل بخجل: ما أدري
ناصر بإبتسامة: وأنا ما أدري..
همست مشاعل في اتجاه آخر : تعشيت زين؟؟
ناصر بنفي: لا.. ولا حتى تغديت.. الليلة جلست مع الرياجيل على العشا مجاملة لعمي بس ماقدرت أكل
مشاعل بعتب: وزين ليش كذا؟؟
ناصر بصراحة غريبة: متضايق وما أشتهيت أكل
مشاعل بقلق: وش اللي مضايقك؟؟
ناصر بعمق: يعني ما تدرين
مشاعل باختناق موجع: ناصر حرام عليك اللي تسويه فيني
ناصر بأسف عميق: صدقيني ما أقصد أضايقش.. أنا نفسي ما أدري وش اللي فيني
ثم أردف في بوح أعمق:
من يوم طلعتي من البيت وأنا مثل المجنون.. وكل زاوية في البيت تذكرني فيش
لكن في نفس الوقت ما أفكر أبد أرجعش
أدري جنون غير معقول.. بس هذا اللي صاير
أنتي وأنتي قدامي في البيت يرجع لي كل ذكريات نفورش مني.. أحس ما أقدر أسامح أو أتقبل
لكن من لما طلعتي من البيت وذكراش تعذبني..
مشاعل بألم عميق: يعني تبي تعيش مع ذكراي وتشوف أغ**** وتسمع صوتي
لكن أنا كمخلوق حقيقي متجسد لا؟!!
ناصر بعمق: جرحتش.. صح؟؟
مشاعل بعمق مشابه: جرحتني شوي على اللي سويته فيني.. لكن خلاص ماعاد يهم
ناصر بشفافية: أنا آسف والله آسف
مشاعل بشفافيه مشابهة: وأنا آسفة والله آسفة على اللي صار في ليلة .....
قاطعها ناصر بحدة: مشاعل لا تذكريني
مشاعل بارتباك وخجل: أنا آسفة
ناصر يتنهد: خلاص لا تعتذرين.. أنا طولت عليش واجد.. وأنتي تعبانة
صمتت بخجل.. ماذا تقول؟؟ أنها لا تريد أن تنتهي هذه المكالمة الغريبة التي أشعرتها لأول مرة بأنها امرأة متزوجة فعلا
وإن كانت متزوجة بطريقة غريبة
ناصر همس: تدرين إنه بكرة أول يوم دوام عندي
كنت أتمنى أصحى على صوتش
مشاعل بعذوبة: خل تلفونك جنبك وأنا بأصحيك
أي غرابة مستعصية تجمع هذين المخبولين؟!!
ناصر ابتسم: أكيد؟؟
مشاعل برقة: أكيد
ناصر بحنان: خلي بالش من نفسش وتصبحين على خير
مشاعل بخفوت: وأنت من أهله
انتهى الاتصال
ولكن الأفكار بدأت وتعمقت
كل واحد منهم تمدد على سريره وتفكيره في مكان آخر
وشبح ابتسامة تلوح على الشفتين بينما القلب غارق في أساه
مرت دقائق وكلاهما غارق في تفكيره
حتى انتفض هاتف مشاعل إعلانا لرسالة قادمة
تناولت مشاعل هاتفها وأشتعل وجهها احمرارا وهي تقرأ مضمون الرسالة وتهتف في داخلها
(ناصر أكيد استخف.. والله العظيم مهوب طبيعي)
"تدرين إن ريحتش اللي تدوخ معبية مخدتش
والمخدة الحين في حضني
أشم فيها ريحة أميرتي اللي ماقدرت أحضنها
واللي بأموت عشان أحضنها صدق"
****************************
مرت خمسة أيام على الأحداث السابقة
انتهت التحقيقات المكثفة في قضية مشعل
وتأكدوا أن قضيته لا تتجاوز المشاجرة قبل 12 سنة
وهو حينها كان دون السن القانونية لأنه كان في السابعة عشرة
لذا فلا أساس أصلا لمنعه من دخول بريطانيا
والمحامي الذي كلفه راكان بالقضية كان محاميا شهيرا وبارعا
وأستطاع أن يستصدر حكما بإزالة اسم مشعل من القائمة السوداء
والسماح له بدخول بريطانيا دون قيود
لذا فخروج مشعل سيكون من التوقيف سيكون اليوم
وعودة موضي وراكان للدوحة ستكون غدا
وكذلك عودة مشعل وهيا لواشنطن ستكون غدا
هيا تأكدت من حملها.. وذهبت للدكتورة وأجرت فحوصات كاملة حتى تتأكد من وضعها قبل السفر
لأنها علمت أنه لا وقت لديها بعد خروج مشعل من التوقيف لأنها سيسافران فورا في اليوم التالي
هيا وموضي أصبح بينهما مساحة أوسع للبوح
وموضي اكتشفت أن هيا تعرف الكثير عن علاقتها بحمد وضربه لها
وتعرف عن علاج حمد في مصر
مما جعل العلاقة بينهما مفتوحة للحد الأقصى
موضي وراكان مازال الحال كما هو عليه
رفيقا سفر لطيفان شهمان مستعدان لتقديم المساعدة حتى آخر نفس
ولكن بينهما لا شيء خاص مطلقا
سوى خجل موضي في حضرته
واحترامه المبالغ فيه لها
وشرارات غريبة تنطلق حال تواجدهما في ذات المكان!!!!!!!
فارس والعنود مستمعان برحلتهما في اسطنبول
علاقتهما بين حب مصفى وقسوة فارس التي لا تلبث أن تبرز مع أبسط موقف
ولكن العلاقة بينهما تتعمق بتجذر
فارس بات مولعا بها لدرجة الوله الخيالي.. ولكنه يغار عليها بصورة غير طبيعية
والعنود باتت مشاعرها تتعمق ناحيته أكثر واكثر
فرغم قسوته التي تجرحها.. لكنها لا تستطيع أن تنكر أنه يغرقها في بحر مشاعر شديدة العمق والدفء والاحتواء
عائلة آل مشعل في الدوحة لا أحد منهم علم بما حدث لمشعل
إلا مشاعل
فهي اتصلت بموضي وأصرت عليها أن تخبرها لأنها تعلم أن هناك شيء ما حدث لمشعل
أخبرتها موضي وطمئنتها أن الوضع مؤقت وطلبت منها الكتمان
باكينام ويوسف
باكينام مازالت في السكن
يتصل بها يوسف فترد عليه بفتور واقتضاب
(كيف حالك؟)
(بخير)
وتنتهي المكالمة
أما المعضلة الغريبة غير المعقولة فهي وضع ناصر ومشاعل
ناصر يكاد يجن من غيابها.. يفتقدها بوجع غير طبيعي
يكاد يجزم أنه بدأ يقع في غرامها
ولكنه ينكر ذلك على نفسه.. كما يستنكر مجرد التفكير بإعادتها إلى حياته
ورغم هذا وذاك
فهو يهاتفها بشكل متكرر بل ومبالغ فيه
لا ينام إلا على صوتها ولا يصحو إلا عليه
زارها خلال الأيام الماضية مرتين ولكن في لقاءتهما المباشرة
يحضر نوع من الحذر مختلف عن انطلاقهما وهما لا يريان بعضهما
ولا يذكر وجه كل منهما الآخر الإهانة التي وجهها كل منهما للآخر
بيت عبدالله بن مشعل
بعد المغرب
غرفة مشاعل
مشاعل أمام المرآة تتأنق
تدخل عليها لطيفة.. تخلع جلالها وتجلس على السرير:
وش هالحلا؟؟ وين رايحة؟؟
مشاعل بتلقائية: ماني برايحة مكان.. ناصر بيجي الحين
لطيفة باستغراب: مشاعل خلاص تراش مسختيها
كنتي مريضة وسلمتي.. لمتى وأنتي محفية المسكين وراش تلفونات وجيات
ارجعي بيتش
مشاعل بتوتر: بعدني تعبانة
لطيفة باستغراب أكبر: وش تعبانته؟؟ هذا أنتي قدامي كنش حصان
مشاعل تخفي وجهها عن أختها الكبيرة حتى لا تقرأ ملامحها وهي تضع بعض الكحل داخل عينيها
لطيفة نهضت ووقفت خلف مشاعل وهي تنظر لوجهها في المرآة لتقول لها بحزم:
ميشو.. وش صاير بينش وبين ناصر؟؟
ليه منتي ب****ة ترجعين لبيتش؟؟
صار لي كم يوم ألمح لش وانتي تهربين مني
الحين مافيه.. قولي لي
مشاعل تنهدت: إذا أنا دريت وش بيني وبين ناصر.. قلت لش
لطيفة باستغراب: والمعنى؟؟
مشاعل بألم: والله العظيم أني ما أدري.. إذا قدرت ألاقي كلام ممكن يوصف الحال الغريبة اللي أنا وناصر عايشينها قلت لش
لم تكن لطيفة تنوي الاقتناع بكلام مشاعل وكانت تريد الاستمرار في التحقيق لولا أن سلطان دخل عليهم وهو يقول بتقطيب:
مشاعل انزلي.. الشيخ ناصر يتناش تحت في مجلس النسوان
لطيفة تضحك: وشفيك تقولها وانت زعلان
سلطان من بين أسنانه: إيه زعلان.. هي عندنا الحين.. وشو له كل شوي ينط عندنا
لطيفة تقف وتحتضنه: عشانها مرته.. عندك مانع؟؟
سلطان يبتسم: إيه عندي.. مرته في بيته.. الحين أختي وحقتي وفي بيتي
مشاعل أنهت زينتها برشات عطر .. لتقترب من سلطان وتقرص خده وتهمس له لتسكته:
سليطين ترا غلاك ما حد يلحقه.. لا ناصر ولا غيره.. فلا تحاتي
سلطان يضحك: فديت أختي ياناس
مشاعل خرجت ولطيفة تقرص ذراع سلطان وهي تقول له بإبتسامة:
زين مشاعل أختك.. لا أكون أنا أخت الشارع
سلطان يحتضن خصرها ورأسه في صدرها ويقول ببراءة الخبثاء: أنتي أكثر من أختي
أنتي أمي
مشاعل تنزل وهي متوترة نوعا ما.. رؤيته توترها.. عكس اتصاله بها الذي يشعرها بالإرتياح
فتحت باب المجلس ثم أغلقته وراءها
وهو وقف حين دخلت وهو يشبع عينيه نظرا إليها..
سلمت ثم جلست في مقعد قريب منه ولكن بينهما مسافة
همست باهتمام: ليش لابس ثوب أبيض.. مهوب برد عليك؟؟
ناصر يبتسم: وين برد الله يهداش اليوم أول يوم في شهر 2.. البرد خلاص.. الله يذكره بالخير
ابتسمت مشاعل بعمق.. لأول مرة ترى ابتسامته بعد تلك الليلة المشئومة
همست: ليش ما جيت أمس؟؟
همس: جيت قبل أمس.. وأنحرج أنط لكم كل يوم
مشاعل بهمس فيه مساحة شاسعة من الألم: ولمتى واحنا على ذا الحال
أمي تسألني ولطيفة.. وأنا ماعندي جواب
ناصر لم يجبها ولكنه وقف وتوجه للأريكة حيث تجلس.. وجلس جوارها
انتفضت بعنف.. للمرة الأولى يفعلها ويلتصق بها هكذا وبرغبته
كانت ترتعش كعصفور مبلل
وهو يمد ذراعه ليحيط بها كتفيها.. فيزداد ارتعاشها
همس لها من قرب بنبرة عميقة خافتة وهو يلاحظ ارتعاشها : خايفة مني؟؟
************************
لندن
شقة آل مشعل
بعد صلاة العصر
موضي وهيا غاية في التوتر والترقب واللهفة انتظارا لوصول مشعل
وخصوصا هيا التي لديها خبر سعيد تفاجئه به
موضي تهمس بمرح وسعادة: شوفي إذا جاء مشعل روحي داخل
هيا تبتسم: وليش يعني؟؟
موضي برقة: لأنه عندش خبر خاص.. يستحق استقبال خاص
وأخاف تخورونها قدامي
فروحوا انلموا في غرفتكم
هيا تغمز لها: لا تكونين تبين تسكرين علينا.. تروحين لراكان
موضي تبتسم: والله مهوب شغلش.. أنتي مع رجالش.. وش حاشرش بيني وبين رجالي؟؟
هيا بخبث: عشتو.. تطورات.. تطورات يا مويضي.. اليوم رجّالي.. بكرة حبيبي
موضي كحت: وجع هيا يا قليلة الحيا
هيا تضحك: اللي يشوف سحاش من راكان.. يقول سامحيني على الكلمة.. كنش أول مرة تزوجين
موضي تبتسم: مع أنه مفروض أزعل من كلامش.. بس مالي خلق أزعل
وأنا بروحي حاسة كني أول مرة أتزوج
ثم انقلب مزاجها مع التذكر: مع حمد ما عشت حياة زوجية بمعناها الحقيقي
على كثر هو ما كان يتغزل فيني.. عمري ما قدرت أقول له كلمة حلوة وحدة
لا حبيبي.. ولا قلبي.. ولا عيني
أي حبيب.. وأي قلب.. وأي عين!!! وأنا عارفة أنه ممكن يخلي وجهي شوارع بعد ثواني من تغزله فيني..
حمد ماقدر يفتح قلبي لكنه نحره وهو مسكر على مشاعره.. علاقتي معه قائمة على الشفقة والخوف وبس
كنت أشفق عليه وفي نفس الوقت أخاف منه
ولولا عمتي وخالي وغلاهم عندي.. كان مستحيل أصبر عليه لو يوم واحد
هيا جلست جوارها واحتضنت ذراعها وهي تهمس لها بمودة: عطي نفسش انتي وراكان فرصة
موضي بألم: أنا وراكان ما بيننا حتى شبح فرصة.. أنا ماعدت امرأة طبيعية
وماعدت متقبلة إنه رجال يلمسني.. لأنه أصلا ما عندي حتى لا جسد ولا روح ينفعون أي رجّال
هيا باستغراب: موضي أنتي ماعليش قاصر زين ولا أخلاق.. ليش تحطين من قدر نفسش كذا؟!!
موضي بضيق: خلينا نغير الموضوع..
ثم أردفت بابتسامة مصنوعة: مشعل جاي وأنتي وهو والنونو الأهم
ومع انهائها لجملتها كان باب الشقة الرئيسي يُفتح
وموضي توقف هيا وتدفعها لداخل الشقة
وهي تقول بمرح: يالله يالله روحي داخل
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:13 PM
أسى الهجران/الجزء الثمانون
بيت عبدالله بن مشعل
بعد صلاة المغرب
مجلس النساء
لقاء ناصر ومشاعل الغريب
فتحت مشاعل باب المجلس ثم أغلقته وراءها
وهو وقف حين دخلت وهو يشبع عينيه نظرا إليها..
سلمت ثم جلست في مقعد قريب منه ولكن بينهما مسافة
همست باهتمام: ليش لابس ثوب أبيض.. مهوب برد عليك؟؟
ناصر يبتسم: وين برد الله يهداش اليوم أول يوم في شهر 2.. البرد خلاص.. الله يذكره بالخير
ابتسمت مشاعل بعمق.. لأول مرة ترى ابتسامته بعد تلك الليلة المشئومة
همست: ليش ما جيت أمس؟؟
همس: جيت قبل أمس.. وأنحرج أنط لكم كل يوم
مشاعل بهمس فيه مساحة شاسعة من الألم: ولمتى واحنا على ذا الحال
أمي تسألني ولطيفة.. وأنا ماعندي جواب
ناصر لم يجبها ولكنه وقف وتوجه للأريكة حيث تجلس.. وجلس جوارها
انتفضت بعنف.. للمرة الأولى يفعلها ويلتصق بها هكذا وبرغبته
كانت ترتعش كعصفور مبلل
وهو يمد ذراعه ليحيط بها كتفيها.. فيزداد ارتعاشها
همس لها من قرب بنبرة عميقة خافتة وهو يلاحظ ارتعاشها : خايفة مني؟؟
كانت أنفاسه الدافئة تصطدم بخدها لشدة قربه منه
مشاعل أجابته بصدق رقيق: خايفة شوي ومستغربة كثير
ناصر ينهي مرحلة الحذر في لقاءاتهما المباشرة وهو يهمس بنبرة أكثر عمقا:
ولو سويت شيء نفسي أسويه من أول يوم شفتش واقفة على الدرج قبل زواجنا بكم شهر.. يوم جيت أسلم على جدتي مع فارس
بتخافين أو بتستغربين؟؟
مشاعل بتوتر وخجل: ما فهمت
ناصر مد كفه الأخرى ليمسك ذقنها بلطف ويقرب وجهها منه
مشاعل شعرت أن قلبها سيتوقف وهي ترى كيف اقترب منها
لينهي رحلة اقترابه بقبلة طويلة .. عميقة.. مشحونة بالتأويلات والشوق والألم
مشاعل تعطل تفكيرها ومشاعر عميقة تغتالها وهي تستكين لاحتضان ناصر الأول لها.. لقبلته الأولى
ولكن حينما عاد لها تفكيرها انتزعت نفسها منه وهي تهمس بصوت مبهور الأنفاس مشبع بالألم: ناصر أنت ليش تسوي كذا؟؟ ليش؟؟
دامك ما تبيني.. وش ذا الجنون اللي حن نسويه؟؟!!
ناصر مازال هائما في سماواتها.. وانفعال أعمق يهزه بعنف ..ولكنه رد عليها بثبات:
هل أنا سويت شيء حرام أو عيب؟؟
مشاعل بخجل عميق: لا.. بس....
ناصر قاطعها بابتسامة: غريب
مشاعل قامت لتجلس على كرسي لوحدها وهي تهمس بحرج: غريب واجد مهوب شوي
ناصر بمرح يعيده لشخصيته القديمة بالكامل: يعني قمتي من جنبي.. تعتقدين هربتي مني.. كلها خطوتين بيني وبينش..
مشاعل تبتسم: تعبت أسأل وأنت ما تجاوبني.. وش آخرتها؟؟
ناصر قام ليجلس جوارها ويحتضن كفها..ثم يهمس بعمق: والله العظيم أنا ما أدري وش أخرتها
طلعتش من بيتي وعشرتي حررت مشاعري.. وماني بمستعد أرجع أقيدها
*************************
شقة آل مشعل في لندن
موضي في الصالة
يُفتح الباب الواصل بين المجلس والصالة ..ليطل وجهه الحبيب عليها
موضي تقفز وهو يدخل لتتعلق بعنقه وهي تهتف بفرح عميق:
الحمدلله على سلامتك فديتك...
ثم تكمل بمرح: الحبس للجدعان
مشعل يقبل رأسها وهو يقول بود عميق: جعل عيني ما تبكيش يا أخيش
سامحيني..
أدري أني حديتش على أقصاش يوم خليتش تجين مع راكان
موضي بتأثر: فديت قلبك.. لو مهما سويت لك.. والله ما يلحق ذرة في غلاك عندي
ثم أردفت برقة: خليتنا نهذر وفيه ناس ينتظرونك داخل
مشعل بقلق: ليش قاعدة داخل؟؟ لا تكون تعبانة؟؟
موضي بلهجة قلق مصطنعة: إيه تعبانة.. رح لها
مشعل باستعجال: زين بأروح لها.. وترى فيه كلام مهم أبي أقوله لش.. راجع لش
يبي لنا قعدة
موضي تخفي ابتسامتها: أنت الحين رح.. والقعدة لاحقين عليها
مشعل يتوجه للداخل.. لا يعرف أي غرفة.. ولكنه اختار التي وجد بابها مشرعا
وبالفعل كانت هيا تقف وظهرها للباب تنظر مع النافذة للخارج.. وتحاول أن تتحكم بلهفتها الكاسحة
اقترب منها بهدوء حتى وصل خلفها وهي مازالت سارحة
همس بالقرب من أذنها بشوق بالغ: وحشتيني
التفتت هيا بابتسامة شاسعة لترتمي بين ذراعيه وهو يهمس لها بحنان: بدون بكا
هيا وهي تدفن رأسها في صدره.. همست بسعادة: ماني بباكية
مشعل أبعدها قليلا لينظر إلى وجهها.. ثم وضع يده على جبينها ليهتف باستغراب: أشوفش زينة
ليش موضي تقول إنش تعبانة؟؟
ابتسمت هيا: لأني تعبانة
مشعل يبتسم: أول مرة أشوف حد يقول أنا تعبان.. وابتسامته شاقة كذا
هيا بابتسامة أكثر إتساعا: لأنه تعب يونس
مشعل باستغراب: حيرتيني.. وش السالفة؟؟
هيا تقرص خده لتقول بوله: مشكلتك بريء بزيادة.. ما أدري متى بتفهم التلميح من أول مرة؟!!
مشعل يضحك: نعنبو دار عدوينش رجّال داخل على الثلاثين وتقولين لي بريء بزيادة
هيا تبتسم وهي تبتعد خطوة للوراء: يعني لازم أقول لك على بلاطة أنك خلاص بتصير بابا.. تعبت ألمح وأنت ما فهمت
مشعل بهت.. بهت تماما
والكلمات تخرج متقطعة من بين شفتيه والفرحة تخترقه حتى أقصى وريد وشريان ونفس:
أنـ ـا.. أنــ تــ ـي.. أنــ ــا بــ ـابــ ــا
ثم انسابت الكلمات كالشلال من بين شفتيه وهو يمسك عضديها ويهزها بفرح عميق:
تكلمين جد.. والله.. والله؟؟؟ أنتي حامل.. حامل.. أنا بأصير أب يعني؟؟
جد؟؟ جد؟؟
هيا تبتسم من فرحته العميقة: ليه المواضيع هذي فيها مزح
مشعل بسعادة: خلاص ترجعين مع موضي وراكان للدوحة..
تعبت عليش حمل ودراسة
هيا برفض قاطع: ولا تحاول ولا تفكر.. طلعنا من الدوحة سوا.. نرجع لها سوا
وبعدين حبيبي خلاص كل اللي باقي لي كم شهر..
خلني أخلصهم قبل أولد وأنشغل بالبيبي
مشعل بتردد: والله تعب عليش يا قلبي
هيا تضع رأسها على صدره: التعب الصحيح أنه أول حمل لي يمر وأنت بعيد عني
أبيك معي كل يوم بيومه..
وأنا رحت للدكتورة وطمنتي.. وعطتني إبرة مثبت وحبوب.. يعني مستعدة لروحة واشنطن تمام التمام إن شاء الله
***********************
شقة آل مشعل
مشعل يعود لموضي الجالسة في الصالة وابتسامة شاسعة ترتسم على وجهه
موضي تبتسم لابتسامته وهي تهمس: مكتوب على وجهك بابا خايب
مشعل يجلس جوارها وهو يهمس بسعادة حقيقية: أنا بأصير أحسن أب.. خله ياتي بس
موضي تضحك: أشهد أن الولد خرب من الدلع
مشعل بابتسامة: وانتي وش عليش.. خليه يتدلع
موضي بسعادة: فديت قلبه الولد اللي أنا عمته.. مبروك يا مشعل مبروك فديتك
مشعل يدخل مباشرة فيما يريد قوله: وأنتي متى بنقول لش مبروك؟؟
موضي انتفضت بعنف: تو الناس
مشعل بحزم رقيق: لا مهوب تو الناس..
اسمعيني يا موضي عدل
ماحد بجابرش على شيء ما تبينه.. بس اسمعي كلامي للآخر
راكان يقول انه يبي يسوي عشاء وتجين لبيته على طول عقب ما ترجعون الدوحة
موضي وقفت بشكل مفاجئ.. وهي تقول برعب: وشو؟؟
مشعل أمسك كفها بحنان وهو يشدها ليجلسها جواره ويكمل:
اسمعيني.. انتي الحين سافرتي مع راكان وصار لكم تقريبا أسبوع مع بعض
إذا رجعتي للدوحة ورجعتي بيت هلي.. وش تبين الناس يقولون؟؟
موضي بانفعال: مشعل ما اتفقنا على كذا
مشعل بقلق: موضي أنتي ما تبين راكان؟؟
موضي بوغتت: لا مهوب كذا.. بس.........
مشعل يقاطعها: دام إنش تبينه..موعد العرس شيء شكلي ماله معنى
والله يا موضي مهيب زينة تسافرين معه وعقبه تبين ترجعين بيت هلي
أدري إني أنا السبب.. بس خلاص المنطق يقول إنش ترجعين لبيت راكان
موضي بتساءل مفاجئ وحذر: هذا كلامك أو كلام راكان؟؟
مشعل بتلقائية: راكان قال لي.. وأنا وافقته على طول.. لأن الفكرة نفسها كانت تدور ببالي بس ماقدرت أقولها له
موضي بسكون وهي تجد نفسها مجبرة منطقيا على الموافقة: خلاص مشعل مثل ما تبون
مشعل يبتسم: خلاص أنا باتصل في الدوحة يسوون العشاء بكرة في الليل عشان يلحقون يعزمون... معارف راكان واجد
موضي برعب: وليش مستعجل كذا؟؟
مشعل بهدوء: دامك فيها وش أنت تتنيها
طيارتكم بكرة الفجر.. قبل الظهر انتو واصلين الدوحة.. ترتاحون .. وعشاكم في الليل
************************
اليوم التالي
فجرا
طائرة راكان وموضي اقلعت
وبعدها بساعات طائرة مشعل وهيا
وهاهما راكان وموضي يجلسان متجاورين
كل منهما غارق في تفكيره الخاص
ويشعر بضيق خاص وتوجس عميق لحياتهما التي ستبدأ فعليا مع بعضهما الليلة
كلاهما صامت ومعتصم بمقعده الذي يشكل حدود مملكة وجوده الخاص به
والتي يوشك الآخر على اقتحامها
بعد صمت استمر لساعات همس راكان بهدوء: موضي
موضي انتفضت بعنف: لبيه
راكان بثبات واثق: لبيتي في مكة..عطيني رقم حسابش.. أبي أحط مهرش فيه أول ما نوصل الدوحة
موضي بحرج: راكان.. مافيه داعي وش باشتري يعني؟؟ وأنا أساسا عندي فلوس
راكان بحزم: فلوسش لش.. وهذا مهرش وحقش..
خلاص بأخلي مشعل يأخذه من أم محمد دامش مستحية تقولينه
صمتت موضي بخجل
راكان تنهد ثم همس: اسمعيني
عندي شور.. وأنتي بكيفش
موضي بحرج: آمرني.. ولا تشاور
راكان بذات هدوءه المعهود: أيش رايش نسافر الليلة عقب العشاء على طول؟؟
موضي باستغراب: نسافر مرة ثانية.. حجزت لمكان يعني؟؟
راكان يشرح لها : لا بنسافر على السيارة.. نروح دبي مثلا وإلا أبوظبي
أسبوع ونرجع
موضي بارتباك: وليش السفر في هالوقت بالذات؟؟
راكان بابتسامة: بصراحة أنا لحد الحين ماني بفاهم أشلون زواجنا بيكون
وأنتي عارفة إنه بنسكن مع هلي.. ما أبي يبين شيء قدامهم يضايقش
حاب أنه احنا نحط إطار لحياتنا مع بعض ونتفاهم عليه قبل نرجع لهم
وخصوصا أنه أنا حتى غرفتي ما جهزت.. أبي أخليهم يفتحون غرفتي على غرفة ناصر القديمة ويرتبونها ويأثثونها من جديد لين نرجع
موضي تهز رأسها بتوتر: مثل ما تبي راكان
موضي تشعر بضيق عميق.. ولكنها من أدخلت نفسها في هذه الدوامة من البداية.. وماعادت تستطيع التراجع
مجبرة أن تعيش حياة مجهولة تنتظرها مع راكان..
حين طلبت من راكان أن يتزوجها.. لم تفكر أن هذا الأمر هو زواج فعلا قد تطول مدته لسنوات..
فكرت فيما سيحدث لحظتها.. خانتها كل منطقيتها لرسم تراتبية حقيقية للأحداث المتوقعة..
ستصبح زوجته فعليا غدا في إتفاق زواج صوري لا تعلم كم قد تطول مدته
أو كيف ستتعامل مع راكان فعلا؟!!
*********************
الدوحة
الجو مشحون تماما لدى عائلة آل مشعل
فخبر عودة راكان وموضي واحتفال العشاء أحدث فوضى ترتيب.. تحملت معظمها لطيفة كالعادة
التي بدأت بالتجهيز بالعشاء والاستعجال في الحجز.. مشعل اتصل بها البارحة وأبلغها..
وزوجها مشعل أعطاها بطاقته المصرفية وطلب منها أن تصرف منها بكامل حريتها
أنهت حجز العشاء والمضيفات والحلويات والضيافة وبدأت في توجيه الدعوة لقريباتهن
أما ما أنهكها فهو أن تجد خبيرة تجميل توافق على حجز متأخر كهذا.. ولكنها وجدت في النهاية
واليوم تريد أن تذهب لتشتري لموضي بعض الأغراض على عجل
أهمها فستان لليلة.. وملابس وغيارات تكفيها لأسبوع أو اثنين على الأقل
لذا قررت أن تخرج مبكرة وتأخذ معها مشاعل ومعالي وعلياء وعالية حتى يتفرقن ويستغللن الوقت في أن تشتري كل واحدة منهن أشياء معينة
وصنعت لكل واحدة منهن قائمة محددة..
علياء وعالية الأحذية والحقائب
معالي العطور والمكياج
ومشاعل التايورات والملابس والجلابيات
ولطيفة تتفرغ لاختيار الفستان واكسسوراته إضافة لملابس النوم والعبايات
بينما عشاء الرجال تكفل به ناصر ومشعل
كل شيء بدأ تجهيزه على عجالة
وهاهما العريسان يصلان للدوحة.. ويتوجه كل منهما لبيت أهله حرا للمرة الأخيرة
***************************
موضي وشقيقاتها في غرفتها
بعد صلاة الظهر
لطيفة كعادتها تدور كإعصار نشيط رقيق .. مهتمة بكل التفاصيل
وهاهي تهتف باستعجال: يالله موضي أنا حاجزة لش كورس سريع في الصالون
بعد ساعة
يا الله ترجعين تأخذين شاور وتصلين المغرب.. بتكون الكوافيره اللي بتسوي لش الشعر والمكياج واصلة
موضي بحرج: لطيفة وش ذا كله الله يهداش؟؟
مشاعل كانت من ردت وهي تبتسم: يأختي أنتي عروس.. لازم تعدلين
موضي التفتت لمشاعل وهي تبتسم: وعروسنا حرم الأستاذ ناصر وش أخبارها؟؟
مشاعل صمتت بحرج وكانت لطيفة من أجابت بنبرة بها غضب:
أختش الشيخة مشاعل.. صار لها أسبوع هنا عند أمي.. أول كانت مريضة.. والحين ما تبي ترجع
مع أن المسكين كل شوي يتصل وكل يوم جاي يزورها
موضي التفتت لمشاعل باستغراب: ميشو شاللي صاير بينش وبين ناصر؟؟
مشاعل بحرج: موضي الليلة ليلتش.. خليني أنا وناصر على جنب
موضي بإصرار: لا مافيه.. قولي لي
لطيفة بدورها همست بإصرار: حتى أنا أبي أعرف.. وأنتي أظني عارفة إنه مستحيل وحدة منا يطلع منها سر لش
مشاعل تنهدت: والله العظيم ما أدري.. في بيته ما كان طايقني.. وهو اللي قال لي روحي مع أمش ولا ترجعين
ومن يوم جيت هنا وهو متغير 180 درجة.. أو بالأصح رجع لشخصيته الطبيعية اللي قبل... واللي أنا ما عشتها معه
الحين تصدقوني لو أقول لكم.. قاعدين نعيش حب جديد.. كل واحد يكتشف الثاني..
الغريب إني أنا قلت له إني مستحيل أرجع بيته عقب ما طردني منه
وهو يقول لي أنا ما أبيش ترجعين أصلا
وش آخرتها بيننا أنا ما أدري..
لطيفة بصدمة: أنتي ورجالش صاحين وإلا مجانين؟؟
تبين أقول لمشعل يكلمه؟؟
مشاعل برجاء جازع: لا لطيفة تكفين.. ما أبي حد يعرف باللي بيني وبين ناصر
موضي باستغراب عميق: بس الوضع اللي انتو فيه وضع غير طبيعي
مشاعل تريد انتهاء الحديث: كثير أزواج يعانون أوضاع غريبة
ومشكلتي أنا وناصر حن بنحلها.. لا تشغلون بالكم فيني
خلنا الحين في موضي
************************
بيت محمد بن مشعل
قبل صلاة العصر
أم مشعل متوترة للغاية
مريم تبتسم وهي تحتضن كف والدتها: يمه وش فيش متوترة كذا؟؟
أم مشعل بتوتر: أخيش هذا جلطني
يبي يفشلنا في موضي.. حتى مكانهم مارتبناه بعد
مريم بحنان: يمه راكان بيسافر الليلة
ومكانهم بنرتبه على راحتنا
ويقول إنه بيقول لمشعل يغير الديكور كامل
أم مشعل باستفسار: متى قال لش؟؟
مريم برقة: قبل شوي قبل يطلع يرتاح
أم مشعل بارتياح: إيه كذا زين.. أنا ما ودي موضي تحس إنها أقل من غيرها
مسكينة راحت معه عشان تعب مرت أخيها
وعقبه انغصبت على ذا العجلة..
مريم بمحبة عميقة: إذا الغصيبة على راكان.. ياحظها اللي غصبت
أم مشعل تبتسم: عشانه أخيش
مريم بعمق: لا والله إنه يستاهل أبو محمد.. ومثله نادر.. جعل يومي قبل يومه
أم مشعل بحنان: العمر الطويل لش في الطاعة.. وجعلني أشوف عيالش
ودام حن في الطاري.. ترا مشعل كلمني البارحة
يقول سعد يبي العرس نص شهر 5 إذا خلصتي دوامش.. وش رأيش؟؟
مريم صمتت بخجل
وقلق عميق ينتابها.. وخوف أعمق يغتال مشاعرها من حياتها المقبلة مع سعد
أم مشعل تبتسم: توكلنا على الله.. بأقول له مافيه مانع..
**********************
تركيا
اسطنبول
أوتيل جيلان انتركونتنتال القريب من ساحة التقسيم الشهيرة
بعد صلاة العصر
توقيت اسطنبول الصيفي ذات توقيت الدوحة ولكن الشمس تغرب في وقت متأخر بين الثامنة والثامنة والنصف مساء
كانت العنود تلبس استعدادا للخروج
بينما فارس الذي كان قد انتهى من ارتداء ملابسه يقف في الشرفة يتحدث في هاتفه
حينما أنهى المكالمة عاد للعنود وعلى وجهه ابتسامة شاسعة
كانت العنود ترتدي نقابها وهي تهمس له: الله يونسك بالعافية
فارس بذات الابتسامة: ويونسش
وإذا دريتي استانستي بعد
العنود باستفسار: أدري عن ويش؟؟
فارس يبتسم: الليلة بيسوون عشاء لراكان وموضي.. وخلاص موضي بتصير من سكان بيت هلش
العنود شهقت: وشو؟؟ وشو؟؟ الخونة... وبدون ما يسوون عرس..وبدون ما ينتظرونا حتى
فارس يحتضن كتفها وهو يربت عليه: خلي الناس ينبسطون..هم مربوطين فينا؟!!
العنود بضيق عميق: كان ودي أكون معهم.. هو راكان بيتزوج كل يوم
فارس قبل رأسها وهمس لها بحنان: ياقلبي المهم التوفيق.. وهذا مجرد عشاء بسيط جاء بدون تخطيط
والحين نكلم راكان ونبارك الله
***************************
بعد المغرب
بيت عبدالله بن مشعل
الترتيب على أشده بين حديقة البيت حيث ترتب الطاولات والمقاعد
وبين داخل البيت حيث يتأنقن الصبايا
يرن هاتف مشاعل
تبتسم موضي: لا تقولين إنه ناصر..
تهز مشاعل رأسها وهي تبتسم وتقوم لتكلمه
وموضي تضحك: قولي له يثقل شوي.. هذي ثالث مرة يتصل خلال ذا الساعة والنص اللي قعدتيها معي
مشاعل تبتعد لتذهب لغرفتها وتغلق عليها الباب: هلا ناصر
ناصر بمرح: هلا بعيون ناصر وقلبه
كحت مشاعل بحرج لأول مرة يتغزل بها بشكل صريح هكذا.. ثم صمتت
ناصر بنفس النبرة المرحة: أحلى كحة سمعتها في حياتي.. وعقب الكحة ياقلبي؟؟
مشاعل بحرج أكبر: ناصر الله يهداك وش فيك؟؟
ناصر بابتسامة: الحين اللي يقول لمرته كلام حلو.. يكون فيه شي؟؟
مشاعل تبتسم: أنت متصل وأنت عارف إني مشغولة عشان تقول لي كلام حلو؟!!
ناصر برجاء لطيف: لا عشان أطلب طلب من حبيبي الحلو
مشاعل بحذر: أي طلب؟؟
ناصر بمناشدة عذبة: أبي أشوفش عقب العشاء.. باشوف شكلش
مشاعل بحزن رقيق: تبي تشوفني بلبس المهرجين وأنا مصبغة وجهي بعشرين ألف لون؟؟!!
ناصر شعر بلوعة ومرارة عميقتين: آسف ياقلبي.. والله آسف.. أنتي لازم تطلعين كل موقف بايخ سويته معش من عيني
مشاعل شعرت بحرج من أريحيته ولطفه: ما أقصد ناصر آسفة
ناصر عاد للابتسام: يا كثر ما نتعذر من بعض.. ترا ماحنا في مدرسة
ثم أكمل: ها أشوفش؟؟
مشاعل بخجل: ما أدري السالفة محرجة.. والوقت بيكون متاخر
ناصر يستعد لانتهاء المكالمة: أنا بأسكر فيه عمال جايين للترتيب
وأنتي شوفي لي حل.. لو ماشفتش الليلة بيصير لي شيء
أهون عليش يعني؟؟!!
*************************
بعد صلاة العشاء
مجلس آل مشعل
هاهو راكان يجرب البشت الأسود كمظهر عريس
دون إحساس فعلي بمشاعر العريس
لا ينكر أن هناك شعور بسعادة ما وهو يرى الكثير من أصدقائه ومعارفه الذين ملئوا المجلس الضخم عن آخره
ولكن هناك شيء يرفض التحرك داخل قلبه
تنهد بعمق.. (كيف يتحرك الأموات؟!!)
بعد العشاء
ومغادرة الكثير من الضيوف كان مشعل شقيقه يجلس جواره
همس له راكان بهدوء: أبي منك خدمة يابو محمد
مشعل بهدوء: آمر يابو محمد اس 2
راكان بذات الثبات: أبيك تفتح غرفتي على غرفة ناصر
وتعيد ديكورها وترتيبها وفرشها خلال أقل من أسبوع
تقدر؟؟
مشعل يبتسم: أفا عليك يا أخيك.. لو تبي خلصتها في 3 أيام
ثم أردف: بس منت بشايف إنك مستعجل على سالفة السفر
انتظروا لبكرة
راكان بهدوء: لا مستعجل ولا شيء.. بنسافر نغير جو لين تخلص غرفتي
أنا حتى الحجز للأوتيل خلصته اليوم العصر
***********************
على الجبهة الأخرى
جبهة العروس المتوترة
كانت موضي متألقة جدا في فستان ذهبي ضيق.. ليس فستان عروس
لكنه يوحي بأجواء العروس
اختارته لطيفة لأنها تعلم أن موضي يستحيل أن تلبس فستان عروس
لكنها في ذات الوقت أرادت إشعار راكان حين يراها أنها عروس فعلا
لطيفة ومشاعل أنهيتا ترتيب حقيبتها وأغراضها
لأنهما علمتا أنهما سيسافران فورا بعد العشاء
ولكن مالم تتوقعاه أن راكان رفض أن يدخل ليرى موضي ويجلس معها
بحجة أنه مستعجل
الأمر الذي أراح موضي على عكس توقع شقيقتيها وضيقهما
فراكان وموضي كلاهما متوتران من مظهرهما أمام الجمهور الذي سيشاهد مسرحيتهما
التي بدءآ بتمثيلها..
وفي حدود الساعة الحادية عشرة
كان راكان يقف بسيارته خارجا
وموضي خلعت فستانها لترتدي طقما خفيفا
وتمسح مكياجها على عجل.. فمكياجها الصارخ لا ينفع للمرور عبر الحدود
ولكن الوقت لم يسعفها لفك تسريحة شعرها
لبست عباءتها وخرجت له
لتجد والدها وسلطان معه
باركا لها بعمق وهما يسلمان عليها
والدها احتضنها وهمس في أذنها بعمق: حلفتش بالله عز وجل إنش ماتدسين علي لو ضايقش راكان في يوم
مثل ما دسيتي علي اللي حمد كان يسويه فيش.. ترا لحد الحين السالفة موجعتني يا أبيش
ووالله ما أسامحش لو دسيتي علي مرة ثانية
موضي همست في أذنه بتأثر عميق: جعلني ما أبكيك.. أنا متأكدة إنه راكان عمره مايضايقني بشيء
ثم ألتفت لراكان الذي كان واقفا بكامل أناقته وهيبته وقال له بحزم أبوي:
وصاتك موضي ياراكان.. موضي ما توجع كبد حد
طالبك ما توجعها يوم
راكان برجولة خالصة: موضي في عيوني وفوق رأسي.. ازهلها إنها ما تضام عندي وربي شاهد علي
موضي تشعر أن كل هذا كثير عليها وهي عاجزة عن مجرد رفع عينيها للنظر لراكان
راكان همس لها : يالله موضي اركبي
سلطان فتح لها الباب الأمامي وهي وقفت لتحتضنه بشدة
ثم تجلس بجوار راكان
وتوتر عميق بعمق الموقف الذي تعيشه يغتالها ويبعثر مشاعرها
وسيارة راكان تنطلق بهما
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:15 PM
أسى الهجران/ الجزء الحادي والثمانون
سيارة راكان التي تخرج من الدوحة متجهة لطريق سلوى
استحكم الصمت بين الطرفين منذ انطلاق السيارة
ومشاعر غامضة عميقة يحوطها ستار حديدي من احترام وتبجيل تكبل راكبي السيارة تجاه بعضهما
السيارة تنطلق في عتمة الليل وظلامه
ليبدآن سويا حياة تبدو معتمة غير معروفة التفاصيل
كلا الطرفين إنسان رائع مفعم بالإنسانية بكل معناها الحقيقي
نذر نفسه لسواه.. ولم يعش يوما لنفسه
بددا سعادتهما من أجل سعادة الآخرين
كان اهتمامهما بنفسيهما في ذيل أولويات كل منهما
كل شيء كان يأتي أولا
ليأتي راكان وموضي في آخر القائمة
قلة من البشر من تعرف هذا النوع من الإيثار النادر
الذي يستجلب إلى عمق الروح نوعا مختلفا من السعادة مقرون بعمق إنساني متجذر في الحنايا
{ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}
راكان ضحى بحبه وسعادته ليكفل أيتاما ويحفظ سمعة والدتهم
وموضي ضحت بسعادتها لتحفظ تماسك عائلتها وتحافظ على مشاعر عمتها وخالها
وشفقة بحمد المريض الذي رجت أن صبرها عليه سيدفعه يوما للعلاج
وهاهما المثقلان بالأسى الدنيوي والعظمة الإنسانية
ينطلقان ليبدآن حياتهما سويا
حياة مجهولة
لا يعرفان حتى كيف سيكون شكلهما وتعاملهما في إطار هذا الزواج الصوري أمام أعين أهلهما
كلاهما يحمل للآخر مشاعر احترام عميق.. ومشاعر ود دافئة هي أقرب للود الأخوي
ولكن هل تكفي هذه المشاعر الرسمية لاستمرار حياتهما معا؟!!!
قد يكون الاحترام أحيانا أقوى من الحب
وعشرات من الزواجات الناجحة قامت على احترام متبادل قد يخلو من الحب كما يُفهم بمعناه المشتعل بالشوق والولع
السكينة.. الرحمة.. الود.. التقدير.. الاحتياج... مصطلحات قد تفي بمتطلبات حياة زوجية ناجحة
ولكن هل هذه المصطلحات تكفي راكان وموضي وقلبيهما المشبعين بالأسى؟!!
ظل الصمت شعار الزوجين الجديدين طوال المئة كيلومتر الأولى الفاصلة بين الدوحة ومنفذ (أبو سمرة) الحدودي
كلاهما غارق في أفكاره الخاصة
نقاشات بسيطة في المركزين الحدودين
ثم حينما تجاوزا سلوى لأول طريق الإمارات
همست موضي بخجل:
راكان أقدر أشيل نقابي وشيلتي .. أبي أفك شعري
الساعة الحين وحدة الليل والطريق مغدر وماحد يشوفني
ورأسي يوجعني من الشباصات اللي فيه
شعور ما.. شعور غامض انتاب راكان
هل يرى وجهها أخيرا؟؟
لا ينكر أنه في لندن تمنى أمنيات غير مفهومة أن يفاجئها يوما بدون نقاب
ليرى كيف أصبح وجهها الذي لم يرَ تقاطيعه منذ كانت في الخامسة عشرة
وفي ذات الوقت شعر بالتوجس الغريب وهو يتمنى ألا يراه
فمهما يكن.. فذاك الوجه الفتي كان الوجه الوحيد الذي سكن أحلامه
مازال كل تفصيل من تفاصيل تلك الصبية المراهقة محفورا في أعماقه
فتلك الصبية هي كل مابقي له من أحلام صبا اندثر.. وتمنيات عاشق عشق ولم يطل
لأن موضي الصبية كانت له.. ولكن موضي المرأة لم تكن له
وإن كان انتزع موضي زوجة حمد من قلبه
فذكرى موضي المراهقة بقيت تسكن ديوان شعر مغبر اصفرت أوراقه
ولكن أيام لندن مرت دون أن يراها
وتمنياته وتوجسه.. أمنياته وأمنياته المضادة.. تؤجل حتى اليوم
همس لها راكان بهدوء عميق لا يكشف مايدور بتفكيره:
براحتش
موضي بدأت بفك شيلتها ونقابها
راكان شعر أن حركتها ألهته عن الطريق وهو يسترق النظرات لحركات أناملها التي تتحرك بتوتر وخجل.. ورشاقة ناعمة
فكت نقابها وطوته بجوارها
ثم أنزلت شيلتها على كتفيها
وهي تفك شعرها الذي ألمتها المشابك فيه.. فهو كان مرفوعا في شنيون غير معقد للخلف في لفات ناعمة دون تشابك
انهت مهمتها وهي تنثر شعرها على كتفيها بعفوية وتدلك فروة رأسها
راكان كان عاجزا رؤيتها بشكل واضح بسبب عتمة الطريق
ولكنه لاحظ بوضوح انثيال شعرها الكثيف على كتفيها
شعر بألم غير مفهوم
وكأن كل هذا كثير.. كثير عليه
همس لها بهدوء: موضي لفي شعرش وألبسي شيلتش
كره أن عينا ما خائنة متطفلة قد تلمح شبح شعرها يغفو على كتفيها
ليس شعورا خاصا بقدر ما هو إحساس بالتملك ربما!!!
موضي شعرت بالحرج وهي تجمع شعرها وتدخله تحت شيلتها
وتلف شيلتها حول وجهها الذي مازال لم يرَ تفاصيله بعد
شعر بحرجها ..فحاول تغيير الجو المشحون حولهما
سألها بمودة: تسمعين شيلات؟؟ (الشيلة: قصيدة تُجر بالصوت فقط دون أي نوع من الموسيقى)
ابتسمت: أكيد
أدخل قرصه المرن الـ cd المفضل
كانت شيلة (الله يسامحني) لتركي الميزاني بصوته العذب تتعالى بشجن عال
كان راكان يبحر في عالمه الخاص وهو يردد القصيدة مع الميزاني بصوت خافت وهو لا يعلم لماذا اختار هذه القصيدة الموجعة الرائعة بالذات
همست موضي بعذوبة تلقائية: تعرف تشيل؟؟
فأجابها بتلقائية مشابهة: أعرف
موضي بخجل: أنا أمزح
اعتقدت أنه يسخر من سؤالها
فهي لم تسمع مطلقا أن راكان يعرف لجر القصائد
ولا تتخيل أن راكان بمكانته ورزانته قد يجر القصائد أمام أحد
راكان أجابها بإبتسامة: وأنا أتكلم جد
موضي هزت كتفيها بتعجب: عمري ماسمعت إنك تجر قصايد أو تشيل
ابتسم راكان: أخيش مشعل هو جمهوري الوحيد
ماعمري جريت قدام أحد.. ولا أحد يعرف
زين شكلي والشيبان يقولون: ياراكان جر لنا شيلة.. وأنا قاعد في المجلس وسط الرياجيل!!!
لا والله ولا عمرها بتصير إن شاء الله
شعرت موضي بشجن عميق أنه يأتمنها بهذه السرعة على سر لا يعرفه حتى أشقائه
وراكان لا يعرف ما الذي دفعه لاخبارها بشيء لا يعرفه أحد عنه
ولكن في أعماقه كان يحضر خاطر يقول: إذا كانت حفظت سر زواجي
الذي لا أعلم حتى الآن كيف علمت فيه
فهي لكل أسراري أحفظ
موضي ابتسمت: فعلا ما أتخيل شكلك تجر وسط المجلس بهيبتك اللي تخوف
راكان بعمق: تشوفيني أخوف يا موضي؟؟
انتفضت موضي للسؤال المباغت ولكنها أجابت برقة: هيبتك تجبر على إلتزام الحدود
وأجمل أنواع الخوف اللي يكون مصدره الاحترام مهوب التخويف
ابتسم راكان: حكيمة يعني؟؟
ابتسمت موضي: بس ما أدعي
كان راكان يحاول لسبب يجهله اصطياد شيئا من ملامحها فلا يفلح
خيال انحناء أنفها.. حركة شفتيها هو كل ما استطاع أن يلمحه في خضم من الضبابية
حاول التلهي عن تفكيره هذا وهو يعود للابتسام ويهمس: وصاحب الهيبة والاحترام يقول تحبين تسمعين نفس الشلة بصوته؟!!
شعرت موضي بألم حاد ورائع وهو يحاول إدخالها في حدوده التي هي تهابها
وتوجس أكبر لما بعد دخول هذه الحدود
فهذا الرجل تحمل له من الاحترام الكثير.. الكثير
ورحلتهما إلى لندن عرّفتها عليه عن قرب.. كل مافيه يدفع لسيل كاسح من الاحترام والتقدير
تفكيره.. كلامه.. تصرفاته... وحتى صمته!!!
أجابته بخجل: براحتك
بدأ راكان بجر قصيدة (الله يسامحني) بطريقته الخاصة..
وبعمق صوته الممتلئ بعبق الرجولة.. والمؤلم حقا هو مضمون القصيدة ذاتها:
الله ولا الهاجس اللي ما يريحني
اسهر عيوني وعناني وعنيته
أحاول أخفيه مير الحزن يفضحني
متمركز(ن) بالحشا كن الحشا بيته
ياللي تعاتب غموضي لا توضحني
ما باقي في الخفوق إلاَّ تناهيته
أصافح الهم قبل إنه يصافحني
وأحب خشمه وأردد في الخفا ليته
ليته قبل لا تزل خطاي ينصحني
وإلا يريّح خفوقي من عفاريته
والغالي اللي عليه الشوق ذابحني
أقفى به الوقت ما جاني ولا جيته
يا سيد الغيد قبل أقول لك بحني
بخبرك عن كلام (ن) عنك خفيته
تدري وش أكبر خطاي الله يسامحني؟
اقفايتي عنك وأنت اللي تمنيته
وهذا هو اللي معذبني وجارحني
أقول ابنساه وأنا ما تناسيته
موضي أبحرت مع صوته في عالم آخر.. آخر.. عنفوان صوته وجبروته ورجولته وحنانه
لصوته فضاءات من شجن شاسع..
وآفاق من وجع مستشرٍ
ومساحات من رجولة رحبة
وامتدادات من جبروت حنون لا يشبه أحدا سواه...
انتهى راكان من الشيلة وموضي صامتة
ابتسم: شكله الجمهور غير **** وبننحذف بالطماط
موضي انتفضت بعنف لأنه أخرجها من صومعة إحساسها الخيالي بصوته..
وإحساسها الأعمق بما هو خلف الصوت.. مضمون القصيدة وإيحاءات صوته بتغير المعاني..
ولكنها ابتسمت وهي تهمس بصدق شفاف: والله الجمهور مبهور ووده يصفق ويرميك بالورد
ثم أردفت وهي تسأل بحرج عما شعرت أنه يرشح من خلف الصوت:
لو سألتك سؤال خاص ما تزعل مني؟؟
راكان بهدوء راقٍ: إسألي.. ولا عمرش يوم تستأذنين يا موضي قبل السؤال
موضي بعمق: أنت حبيت قبل يا راكان؟؟
راكان بوغت تماما.. المباغتة قلبت كيانه!!
تنفس بعمق ثم همس ويداه مثبتتان على المقود: وأيش اللي خلاش تسألين؟؟
موضي بحرج: شيلتك للقصيدة كنت حاسة إنك قاصد كل حرف فيها خصوصا البيت اللي يقول:
تدري وش أكبر خطاي الله يسامحني؟
اقفايتي عنك وأنت اللي تمنيته
حسيت إنه طالع من قلبك جد.. وفيه رنة حزن توجع
راكان صمت كان مبهوتا..مصعوقا.. للمرة الأولى يكون مرتبكا
(مازلنا في الساعات الأولى من زواجنا الفعلي وبدأت بدك حصون كل أسراري الدفينة)
كيف علمت أنه شعر فعلا أن أكبر ذنوبه هو تركها لحمد
وكيف شعر بعظم هذا الذنب حين علم بضرب حمد لها
مازال يتذكر حين جلس على حاجز الكورنيش الحجري ذلك اليوم يمزقه ألمه عليها
وهو يرجوها أن تسامحه.. لأنه كان سببا لمأساتها حين تركها لحمد
الذي لم يحترم جسد حبيبته السابقة وروحها فمزقهما ضربا وإهانة
كثيرا ما سُئل راكان هذا السؤال.. (هل أحببت أو تحب؟؟) كرد فعل على رفضه القاطع للزواج
وأكثر من كان يسأله مشعل ومشعل
ولكنه كان يرفض أن يجيب ..
ولكن مع سؤال موضي له وجد نفسه يهمس كأنه يحادث نفسه: حبيت ولا طلت.. راحت حبيبتي علي
موضي شعرت بألم غريب..غريب وعميق
لم يكن ألم غيرة ولكنه ألم مساندة.. أن هذا الرجل العظيم المتفاني حين أحب لم يستطع أن يسعد بحبه
همست موضي بابتسامة رقيقة: أكيد إنها الخسرانة
راكان يهز كتفيه: ويمكن أنا الخسران
موضي بعمق: مستحيل.. أي مره خسرتك وخسرت حبك أكيد هي الخسرانة
صمت راكان بدا له الموقف أكبر من كل الكلمات..
نعم قد يكون الحب انتهى من قلبه.. ولكنه كان حبا كبيرا بقيت له ذكرى عظيمة مازالت تتغلغل في ثنايا الروح..
وللذكريات سحر لا ينفذ.. وحضور لا ينتهي
قد تتلاشى الأجساد وحتى الأرواح.. وتبقى الذكرى باقية في كل الأمكنة المشبعة بما يستحضرها
كانت موضي من همست: وباقي لها في قلبك مشاعر؟؟
راكان بصدق: باقي لها الذكرى الحلوة وبس
بعدها الحب كله اندفن ولا عاد له قيمة
موضي بتلقائية هزت راكان بعنف: ياحظها اللي قدرت على قلبك حتى لو مابقى لها إلا مجرد الذكرى
كفاية إنها ذكرى في قلب راكان
وبداخلها كانت تردد:
(أي أنثى تلك التي استطالت إلى هامتك الرفيعة؟!!
أي أنثى تلك التي أسعدتها الأقدار بانتزاع قلبك؟!!
أي أنثى هذه التي استطاعت أن تروض مشاعرك لتمتلكها؟!!
حتى وإن كان لم يبقَ لها إلا الذكرى
فتكفيها هذه الذكرى
يكفيها فخرا أن تكون حب راكان الوحيد
ليتني أستطيع أن أتجرأ أن أساله عنها
أتمنى أن أراها
أتعرف عليها
أشبع عيني نظرا إلى هذه الأنثى الاستثنائية التي استطاعت تطويع قلب هذا الرجل الاستثنائي)
ابتسم راكان رغم تأثره العميق: ما تشوفين إنش معطيتني أكبر من حجمي؟؟
ابتسمت موضي: وماتشوف إنك متواضع زيادة عن اللزوم؟؟
راكان يتجه بالحديث لمنحنٍ أكثر خطورة: تحبين تسمعين وحدة من قصايدي فيها؟؟
"هل تعبث بالنار يا راكان؟!!
إلى أين ستقودك مغامرتك الخطيرة هذه؟!!!"
موضي ابتسمت: وحدة؟؟
ليه أنت كم وحدة كاتب لها؟؟
راكان بابتسامة شاسعة وهو يتكلم معها بإريحية: كاتب لها ديوان كامل
موضي بهمس: ياحظها..شكلها أكثر نساء العالم حظ...سمعني وحدة على ذوقك
راكان بدأ بجر قصيدة من قصائده فيها
ولكنه اختار قصيدة بدون ذكر اسمها فيها
لأن كثيرا من قصائده الأخرى اسم موضي منصوص فيها
كان شيئا غريبا وإحساسا أغرب
أن يلقي قصيدة أمام ملهمته في القصيدة.. أن تسمع القصيدة من كُتبت فيها.. دون أن تعلم أنها المقصودة
وحتى وإن كان كلاهما ..المعشوقة والقصيدة.. مابقي منهما إلا الذكرى
موضي كانت مذهولة تماما
توقعت حين قال لها أنه يقول الشعر.. أن يكون شعرا بسيطا للتعبير عن مشاعر وقتية
ولكنها صُدمت أنه كان شاعرا ومجيدا.. وشعره مشبع بأحاسيس عميقة
شعرت أن قصيدته تصب في عمق نقطة مجهولة من قلبها المنحور وجعا
همست موضي بعد أن انتهى تحليقها مع القصيدة: كنت تحبها ذا الحب كله؟؟
راكان بهدوء: هذا أنتي قلتيها.. كنت
كنت أحبها
(كنت تحبها؟؟!! كنت!!
كم هي موجعة هذه الكلمة
لِـمَ مثلك يحب ولا ينال حبه؟!!
ومثلي لا يعرف للحب لونا أو نكهة؟!!)
موضي باستغراب: تدري أول مرة أدري إنك تكتب شعر لا وبذا المستوى العالي
يظهر إن الليلة ليلة المفاجآت.. وأنت رجل المواهب المتعددة
راكان بهمس هادئ: قلة اللي يدرون إن أكتب شعر
موضي بابتسامة: يعني أفتخر إني وحدة من ذا القلة
راكان بنبرة خاصة: انتي كنتي من أقل القلة اللي عرفوا بأمر أخطر.. زواجي من مرت محمد
موضي صمتت
وراكان يستكمل حديثه: يا ترى أقدر أعرف أشلون عرفتي
ولو مابغيتي تقولين براحتش
موضي هزت كتفيها وابتسمت: عادي وليش ما أقول لك
أنا شلت السر هذا وحفظته فوق سبع سنين..
راكان باستغراب: يعني من أول ما تزوجت
موضي بتأثر بالغ: وما تتخيل أشلون كنت خايفة عليك إنه حد يدري
كنت أعرف إنه أهلنا مستحيل يتفهمون تصرفك ..
وخفت إن قصة عمي سلطان ترجع تكرر معك...
ويا الله اللي سويته خلاك تكبر في عيني أكثر مع أنك طول عمرك كبير
بس معرفتي للموضوع خلتني أحس إن عظمتك وشهامتك مالهم حد
حسيت إني فخورة فيك فعلا.. وأفتخر أنه في عروقنا يمشي نفس الدم
شعر راكان بألم عميق.. عميق.. لا حدود لتجذره في روحه
هو أبى أن يخدعها بإخفاءه خبر زواجه عنها لذا تركها تذهب لحمد
بينما هي كانت تعرف بخبر زواجه فعلا
أي ظلم فادح ظلمه لنفسه وظلمه لها؟!!
وتأثر بعمق أنها فكرت فيه هذا التفكير المشبع اهتماما ومؤازرة..
و شاركته في خوفه الأعظم..
أن تتكرر مأساة عمه سلطان معه
(أي قلب شاسع تحملين؟!!
وأي حاسة مرهفة تتمتعين بها؟!
الإنسانية في حضورك محض شبح باهت
كيف تظهر أمام رهان عظيم للإنسانية تمثلينه؟!!
هأنا أكتشفك كأنسان أفتخر بمعرفتي له
بعد أن فقدت اهتمامي بكل عالم الإناث
بعد أن فقدتكِ أنتِ كأنثى)
خطر لراكان خاطر ما.. خاطر ماعاد له معنى.. ولكن هي حاجة في النفس
همس لها: موضي لو كنت خطبتش وقتها وأنتي عارفة إني متزوج
كنتي توافقين علي؟؟
موضي شعرت أن صاعقة نارية شطرتها نصفين ولكنها ردت بثقة:
اللي تردك تكون مجنونة
راكان بهدوء: أنا ماسألت بشكل عام ..أنا أسألش أنت
موضي بحزن عميق: أنت وقتها مثل ما أنت الحين.. شيء فوق أحلامي
لكن وقتها وبصراحة.. لا طبعا كان مستحيل أرفضك
مالي وجه أصلا أرفض.. مين يجيها راكان وترفض
لكن لو كان الأمر بيدي.. أنقي لك أحسن بنت في الدوحة
راكان شعر أن الحزن بقلبه يتجذر يتجذر ويتجذر.. يشعر أنه أضاع أجمل أحلامه وبدد سعادته دون سبب فعلي
فهي كان لديها استعداد أن توافق عليه مع معرفتها بزواجه
بل كانت فخورة به وترى في زواجه عظمة وشهامة
ولكن ماعاد للندم معنى
فما مضى مضى.. وهذا هو ما كتبه الله له
همس لها بهدوء: موضي للمرة الأخيرة أسمح لش تقللين من نفسش قدامي
وأظني إني قلت لش قبل سالفة أتزوج أو ما أتزوج ما أبيش تفتحينها
موضي بألم: والله راكان حرام تضيع شبابك هدر
خل نشوف لك وحدة تستاهلك
راكان بنبرة غضب: موضي لا تخليني أعصب
أنا نادرا جدا جدا ما أعصب لكن ينطبق علي احذر الحليم إذا غضب
الله لا يوريش زعلي.. بتمنين عمرش ما شفتيه
موضي بارتباك: ما أقصد راكان
راكان يعود لهدوءه: خلاص خليني من موضوع الزواج الثالث ونرجع للأول أشلون عرفتي؟؟
مضي كانت على وشك إخباره بالحكاية ولكنها رأت شيئا أمامها فصرخت:
أرانب
راكان باستغراب: وشو؟؟
موضي بجذل حماسي: شفت أرانب على الشارع.. تبي توقف؟؟
راكان بحماس: نتنور؟؟ تعرفين؟؟
موضي بحماس مشابه: أفا عليك.. أنا اللي أعرف
(التنور: الصيد بالإضاءة)
راكان لف سيارته ودخل بها إلى المنطقة الصحراوية الموزاية للشارع
حيث رأت موضي الأرانب تفر
الصيد من الهوايات التي تنغرس بعمق في روح هاويها
وكثير من الصيادين قد يصطاد ويعاود إطلاق ما اصطاده
لأن هدفه ليس تجميع الفرائس ولكن الاستمتاع بالمطاردة المركزة
وهذا ماخطر ببال راكان
يتسليان قليلا بمطاردة الأرانب.. ولو اصطاد شيئا سيعاود إطلاقه
وفي هذا تشارك عميق لهما في هوايته التي يحبها
راكان أوقف السيارة
ووجه إنارتها للجحور ونزل
موضي نزلت خلفه
ولكنها قبل أن تصل إليه سمعته يقول بهدوء ساكن وأمر حاد:
موضي ارجعي السيارة وسكري على روحش
وإياني وإياش تنزلين لو مهما صار لي
نظرت ناحيته برعب متوحش واستغراب عميق
فالمنطقة هذه قد تكثر بها الثعالب
ولكن
ليس الذئاب..
ليس الذئاب...
فمن أين أتى هذا الذئب الضخم المخيف
الذي كان لعابه يسيل بشكل مرعب
وهو يستعد لغرس أنيابه في جسد راكان الأعزل من كل سلاح؟؟!!
#أنفاس_قطر#
.
..
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:18 PM
أسى الهجران/ الجزء الثاني والثمانون
كانت موضي تنظر برعب حقيقي للمشهد أمامها وقلبها يكاد يقفز من بين جنبيها
كان المشهد أشبه ما يكون بمشهد سينمائي مثير وخصوصا مع إضاءة أنوار السيارة القوية للمشهد
ولكن المأساة أنه كان مشهدا حقيقيا.. ويحصل أمام عينيها
كانا ذئبين وليس واحدا
كلاهما يتحفز للهجوم
الذئب بذكائه المعروف كان يدرس راكان ليجد نقطة الضعف لينقض منها
وراكان تتحفز مشاعره للحد الأقصى ليعرف من أين سيهجم الذئب عليه
الذئب يخشى من لا يخشاه.. ويقتات من رعب الآخرين
لأن الخائف يتوتر ويضعف ويصبح فريسة سهلة له
والذئب كان متيقنا أن راكان ليس خائفا مطلقا منه وراكان يقف أمامه واثقا في وضعية قتالية مستعدة
ولكن الذئب كان لا يشغله شيئا سوي التفكير بكيف يصل إلى راكان
بينما راكان كان مشغولا بشيئين.. الدفاع عن نفسه.. والخوف على موضي
وخوفه عليها كان في أول أولياته
وحينما يتمزق التفكير ويتشتت بين عدة أشياء يقل الانتباه
لذا حينما صرخ راكان في موضي للمرة الثانية: موضي للسيارة بسرعة
انتهز الذئب الفرصة النادرة لتشتت راكان الذي أشعر الذئب نفسه بصعوبة مباغتته
لذا استغل هذه الفرصة وهجم دون تردد وهو يعتلي صدر راكان
وراكان يحاول خنق الذئب بيديه العاريتين
ولكن الذئب أمال رأسه وهو يغرس أنيابه في كتف راكان رغم أن الذئب كان يخطط لغرسها في عنقه
راكان كان يحاول إبعاد رأس الذئب
وهو مازال في محاولته لإبعاده
رأى الذئب يطير بعيدا
وهو يهرول مبتعدا متخبطا ويعوي بألم
راكان وقف مدهوشا وهو يمسك كتفه حيث ينبثق الدم بغزارة
كانت موضي تقف أمامه
وبيدها عصاه الضخمة التي كان هو ذاتها قد نسيها
كانت أنفاسها تعلو وتهبط.. وجهها محمر.. وعيناها ممتلئان بالدموع
كان راكان يفتح عينيه ويغلقهما كما لو كان غشيهما إشعاع أعماه
بدت له موضي كما لو كانت تشع..
تـــشــــع!!!
تشع بكل معنى الكلمة!!!
محاطة بهالة نور غير مفهومة
وهي تبدو كما لو كانت جزءا من لوحة فنية نادرة الوجود ونور السيارة يشع خلفها
حينها رأى وجهها
رآه بوضوح
بدت له وفي عينيه جميلة إلى حد الوجع
عذبة إلى حد الحلم
ناضجة إلى حد الهلوسة
أجمل مما يتذكر وأعذب وأنضج
جميلة كزهرة ربيع ندية متفتحة البتلات
عذبة كنسائم أوائل الشتاء
ناضجة كفاكهة صيف مرتوية ومغلفة بالسكر
بــاخــتـصــار
بدت له كمعجزة مذهلة!!!
موضي ألقت بالعصا وهي تركض ناحيته
وهي تضع يدها فوق يده التي تغطي جرحه وتهتف بقلق عميق وصوتها يختنق:
راكان أنت طيب؟؟
راكان شعر بملمس نعومة يدها فوق يده يختلط بحرارة دمه المتدفق بغزارة
كان إحساسا غريبا.. وعميقا.. وموجعا بشفافية.. موجعا بحق
رد عليها وهو يتماسك: طيب.. عضة بسيطة.. بس أخاف إنه الذيب يكون مسعور لازم أروح أقرب مركز صحي يعطوني 21 إبرة
موضي باستعجال وهي مازالت تضغط على جرحه: أقرب مركز الحين البطحاء.. خلنا نروح
كانت تزيح خصلات شعرها عن وجهها بظهر كفها.. فتلطخ وجهها بقطرات من دمه
كان إحساسا خياليا مشبعا بالشجن وهو يرى تفاصيل وجهها الملطخ من هذا القرب.. وفي هذا الموقف بالذات..
شعر برغبة عارمة أن يقيس كل تفصيل من تفاصيلها بالمسطرة
يتحسس هذه التفاصيل ليتأكد هل هي حقيقية فعلا
لأنه شعر أنه كل مابها أكثر من مثالي.. أكثر من رائع
كل مابها يدفع إلى أقصى درجات الإعجاب حتى التفجر والتشظي والانشطار!!!
راكان يريد أن يهرب من جنون أفكاره التي فسرها بمجرد إعجاب آني.. مجرد إعجاب رجل عابر بامرأة ما
فسألها: أنتي شلون عينتي العجراء؟؟؟
موضي تتنهد قلقا عليه: قلت لنفسي إذا أنت مشعلي أصيل لازم ألاقي تحت سيتك يا عجراء يا ليور
ابتسم راكان رغم ألمه: وأشلون طيرتي الذيب كذا.. لا تكونين كنتي تشتغلين في الصاعقة؟؟
موضي بألم: ولك بال تمزح بعد.. خلنا فيك
موضي حينما صرخ بها راكان لتعود للسيارة رجعت وهي تركض وفي بالها شيء واحد
أن تبحث في السيارة عن آلة دفاع ثقيلة تنفع لإبعاد الذئب
ولأنها تعلم أن والدها ومشعل وفارس وحتى مشعل زوج لطيفة جميعهم يحتفظون بآلات كهذه تحت مقعد السائق
فكانت شبه متأكدة أنها ستجد عند راكان
لذا استخرجتها بسرعة وعادت لراكان وكان الذئب وقتها يغرس أنيابه في كتف راكان
استجمعت موضي كل قوتها لتودعها ضربة قوية وجهتها لرأس الذئب مباشرة
تعلم أنها لن تفلح في قتله.. ولو كان من وجه الضربة راكان مثلا كان سيصرعه مباشرة
ولكن ضربتها كانت قوية كفاية لإخافة الذئب وإبعاده
وصلا للسيارة راكان همس بهدوء يخفي ألمه: العضة في كتفي اليمين.. ويدي اليمين كلها ماني بقادر أحركها
ما أعتقد إني بأقدر أسوق
موضي بثقة: أنا بأسوق.. وتكفى ما تقول لا
راكان باستغراب: تعرفين تسوقين؟؟
موضي بقلق عليه وهما يصلان للسيارة: يعني تبي رفقتي لفارس تطلع على الفاضي.. علمني السواقة والرماية بعد..
راكان يبتسم رغم أن الموقف ليس موقفا للابتسام: والله منتي بهينة يا موضي اللي قدرتي على فارس مع شدته وخليتيه يعلمش
موضي تذوب قلقا: خلنا من فارس...تكفى راكان خلني أوديك المركز
راكان بقلق: يا بنت الحلال.. حن في السعودية.. أشلون لو شافنا حد وأنتي تسوقين
موضي برجاء عميق: ماحد بشايفني
الحين الدنيا ليل وماحد بشايفنا
وإذا وصلنا للمركز ونزلنا قل إنك أنت اللي كنت تسوق
راكان وهو يتجه للباب المجاور للسائق: خلاص يا بنت الحلال.. توكلي على الله.. أنتي سواقنا اليوم
*********************
قبل ذلك
بيت عبدالله بن مشعل
جميع الضيوف غادروا
مشاعل كانت تصعد لغرفتها
تريد تبديل ملابسها.. صلاة قيامها والنوم
فهي كانت مرهقة بشدة
رن هاتفها
تنهدت وهي تتذكر.. فهي كانت قد نسيت ناصر وطلبه
ردت بخجل: هلا ناصر
ناصر بمرح: هلا والله بصادقة الوعد
مشاعل تبتسم: لا تكذب علي... ما وعدتك بشيء
ناصر بعمق: بس أنا وعدت روحي.. وأنا وأنتي واحد
وأنا قاعد الحين على الكراسي في الحديقة.. انزلي لي
مشاعل بصدمة: أنت مجنون.. وش تبي هلي يقولون علي؟؟.. حركات مراهقة
ناصر يبتسم: والله العظيم توني أستأذنت عمي.. خليتيني مثل طلاب المدارس
وكنش خطيبتي مهوب مرتي
مشاعل بتردد: زين بأنزل.. بس بشرط
ناصر بحنان: تشرطي مثل ما تبين ياقلب ناصر
مشاعل بخجل: تلزم حدودك.. وماتسوي مثل آخر مرة شفتك فيها
ناصر برجاء: قلبي مشاعل لا تصيرين صكة
مشاعل بحزن: الحين أنا كنت عندك في بيتك وماباقي إلا أرمي نفسي عليك
وأنت قرفان مني
الحين في بيت هلي تبي تحرجني؟!!
ناصر بحزن مشابه: خلاص يا قلبي.. أبي أشوفش بس.. مشتاق لش
وماني بمسوي شي.. وعد
**************************
مركز البطحاء الصحي
قبل أذان الفجر
غرفة الاستراحة
تم تنظيف جرح راكان وتضميده
كما تم إعطائه 21 إبرة مضادة للسعار.. خوفا أن يكون الذئب مسعورا
هاهو يتمدد بصدره العاري والضمادات على كتفه
وهاهي موضي تجلس عند رأسه
وهو يفتح عينا ويغلق الأخرى
همست موضي عند أذنه بحنان: راكان أشرايك أتصل بفارس يجينا؟؟
راكان همس بهدوء مرهق: لا مافيه داعي
موضي بقلق: أنت تعبان.. خلنا نرجع للدوحة
راكان يهمس: ماني بمغير مخططاتي عشان شي مايستاهل.. أنا الحين أحسن
وحن الحين صرنا في البطحاء
والمركز السعودي على بعد دقيقة
بأسوق 5 دقايق لين الغويفات المركز الإماراتي
وبأخلي سيارتي هناك.. وبنأخذ تكسي لدبي
وهناك بنستخدم التكاسي .. وكلها يومين وأكون تمام
بس الحين جيبي لي ثوب من شنطتي من السيارة ولا عليش أمر
بدل ثوبي اللي تشقق
***********************
حديقة بيت عبدالله بن مشعل
بعد منتصف الليل
ناصر يجلس على أحد المقاعد التي كانت معدة لاحتفال العشاء
ومشاعل كانت تقترب بتردد وارتباك
مشاعل لم تكن مرتاحة مطلقا لهذه التصرفات التي باتت تشعرها بالحرج من أهلها
فلا هي بالغاضبة منه.. ولا هي من عادت معه
ووالدها مازال معتصما بالصمت.. حتى لا تشعر أنه متضايق منها
وتفكير عبدالله يتجه إلى أن ربما مشاعل هي من تريد البقاء عند أمها
لأنه يرى أن ناصر يأتي لزيارتها وهاهو الليلة يستأذنه لهذه الزيارة
لذا قرر أن يمنحهم عدة أيام قبل أن يتدخل لحل المشكلة هو ومحمد الذي لاحظ هو أيضا
بل تجاوز الملاحظة للغضب وهو يعنّف ناصر الليلة بعد عشاء زواج راكان:
ناصر ما تشوف أنك مسختها... لمتى ومرتك عند أهلها؟؟
ناصر انتفض من المباغتة غير المتوقعة: مشاعل تعبانة شوي وتبي ترتاح عند أمها
محمد بنبرة غضب: والله البارحة شايفها عند أمي ومافيها إلا العافية
رد مرتك ياولد.. وبلاها حركات دلع النسوان اللي مالها معنى
ولا تصير كمخة ومرتك تمشي شورها عليك...
بنت عمك لها القدر والحشيمة والغلا.. بس لا تخليها تقلل من قدرك أنت
ناصر تضايق بالفعل أن يكون هو سبب المشكلة ويتجه الاتهام لمشاعل
برأسه تفكير معين يتمنى أن توافقه مشاعل عليه
مشاعل وصلت بخطواتها الرقيقة المترددة وناصر غارق في أفكاره
وصلت وهو مازال غير منتبه.. همست برقة: نحن هنا
ناصر انتفض ثم ابتسم وهو يمعن النظر في طلتها الملائكية والمثيرة في آن
فستانها بلونه الأزرق الملكي مع الدانتيل الفضي
شعرها المجعد.. ظلالها الدخانية.. ثم شفتيها الملونتين بأحمر شفاة زهري فاتح يتلألأ برونق خاص
ابتسم ناصر: هلا والله في ذمتي باللي هنا..
وهنا ( قالها وهو يشير إلى قلبه)
وش هالزين؟؟!! خليتي لباقي الحريم شيء من الزين؟!!
ثم أردف: عادي أقول لش اقعدي جنبي وإلا يدخل ضمن الاتفاق؟؟
مشاعل توجهت لكرسي يبعد عنه بمسافة كرسي وجلست وهي تبتسم:
نعم... يدخل ضمن الاتفاق..
ناصر ابتسم: زين ما فشلت روحي.. كنت أبيش تجلسين في حضني أصلا
مشاعل كحت من الحرج بشكل فعلي وهي تقول بحرج: ناصر تحشم.. وش اتفقنا عليه؟؟
ناصر بخبث عميق: بس ما اتفقنا تكونين حلوة كذا.. أنا ما استحمل
تبين أتحشم طاوعيني في اللي أقوله لش.. لأنه الشيبة العود غسل شراعي اليوم.. ويقول إنش مشيتيني على شورش
فأنا عندي راي..
مشاعل بحذر: راي وشو؟؟؟ وش ذا الكلام اللي عمي يقوله؟؟ أنا اللي مشيتك على شوري؟!!
*************************
واشنطن دي سي
شقة مشعل
باب الشقة ينفتح
وهيا ومشعل يدخلان
هيا تدخل وتلقي بنفسها جالسة على الأريكة
ومشعل يُدخل الحقائب التي كان حارس البناية يصفها عند الباب من الخارج
حتى انتهى
أغلق الباب ثم جلس جوار هيا وهو يضع ذراعه على كتفيها ويهمس لها بحنان:
تعبانة ياقلبي؟؟
هيا وضعت رأسها على كتفه وهمست باختناق: مشتاقة لهلي
احتضنها مشعل وهمس بتأثر: فديت المشتاقين يا ناس
خلاص يا بنت الحلال مشتاقة رجعتش الدوحة
رفعت هيا رأسها: واخليك ترجع بروحك
لا والله.. ولا تحاول.. أنا دارية تبي تخلص مني
مشعل وقف ليدخل الحقائب وهو يقول باهتمام:أنا حانش بس..
اسمعيني زين ..لا تسوين أي شيء
أنا بأتصل الحين في مكتب الخدم.. يرسلون لنا وحدة تنظف وتساعدش في الشناط
هيا برفض: مافيه داعي حبيبي
مشعل بحزم: لا حبيبتي أنتي مهوب مثل اول.. تبين تشتغلين في البيت بعد؟؟
كفاية عليش الحمل والدراسة
نخليها تجي في النهار تغسل وترتب.. وفي الليل ترجع لبيتها مثل طريقتهم هنا
هيا نهضت وهي تقول بحب: جعلني ما أذوق حزنك يا قلبي
ثم أردفت: خلني أتصل في باكينام.. أشوف أخبار العروس
***********************
دبي
الصباح
فندق الماريوت/ شارع أبي بكر الصديق
راكان وموضي يصلان جناحهما الضخم.. ورغم ضخامته ولكنه ليس مفصولا بحواجز أو أبواب
بل مفتوحة أقسامه جميعها على بعضها
الاثنان كانا مستهلكين من الإرهاق والتعب وفي حالة مزرية
كان منظرهما مريبا وهما يدخلان إلى بهو الفندق يترنحان من التعب
ولكنهما لم يكونا يفكران بشيء سوى الاستحمام والنوم
راكان بعد دخولهما للجناح ورؤيته لنظامه: تبين نغير الجناح؟؟
موضي بتعب: مافيه داعي راكان.. والله ما أقدر أتحرك يالله أتسبح وأنام أقوم لصلاة الظهر
راكان بصوت مرهق: أنا أبيش تكونين مرتاحة
موضي تبدأ بخلع نقابها وعباءتها كدليل على اقتناعها بالغرفة رغم أنها غير مقتنعة
ولكنها تعلم فنادق دبي وازدحامها
وخصوصا أنهما مازالا في فترة عطلة منتصف العام
ويستحيل ان يجد حجزا بديلا
ولا تريد أن تبدو أمام راكان متطلبة أو مهزوزة أو متوترة من تواجدها معه
راكان بدأ بمحاولة خلع ثيابه.. رغم صعوبة المحاولة عليه ولكنه نجح في المهمة بينما موضي كانت مشغولة بفتح حقيبتها التي رتبتها شقيقتاها
استخرجت فوطتها وروبها وبيجامة حريرية وجدتها بصعوبة بين أكداس ملابس شعرت بالصداع وهي تراها وتغلق الحقيبة خوفا أن يراها راكان
ثم ألتفتت له لترى إن كان يحتاج للمساعدة ولكنها وجدته خلع ثوبه
همس لها: تسبحين؟؟
موضي باهتمام: لا أنت أول.. عشان ترتاح
راكان توجه للحمام.. همست موضي بحرج: تبي مساعدة؟؟
راكان بابتسامة: لا مشكورة.. بأعرف اسنع روحي
كان ينظر لها بتمعن
البارحة أعتقد أنه كان يهلوس حين رآها شيئا أشبه بالحلم وظن أن هلوساته ناتجة عن الموقف الغريب الذي وضعا فيه
ولكنه يراها الآن في ضوء النهار ..بوجهها المتعب وبقايا آثار كحل يسكن أهدابها.. ومازال يراها ذات الحلم وبصورة أعمق وأكثر وجعا
ولكنه مقتنع تماما أنه ناتج عن أنها المرة الأولى التي يقترب من امرأة إلى هذه الحد..مجرد سحر وقتي قابل للتبخر والذوبان
موضي قاطعت تأمله وهي تهمس بحرج: راكان تبي أجيب لك شيء؟؟
راكان انتفض ولكنه همس بثبات: لا مشكورة.. بأروح للحمام
موضي باحترام: خلاص بأطلع لك ملابس على ما تخلص
************************
شقة مشعل /واشنطن دي سي
غرفة هيا
باكينام وهيا في الغرفة تتحدثان
هيا بغضب: تدرين إنش مجنونة
باكينام بحزن: هيا ما تعاتبنيش.. اللي إيدو في الميه مش زي اللي إيدو في النار
هيا مستمرة في غضبها: بس أنتي خليتيني في النار
لأنه ولد عمتي هو سبب المشكلة
يعني شنو كان بينقص عليش لو قلتي له الحقيقة
يعني أنتي مرتاحة الحين وهو يشك فيش؟!!
باكينام تبتسم رغم أن عينيها بدأتا تغيمان بالدموع:
مال الإريال عندك مش مزبوط.. الوشوشة عالية أوي
بئيتي تتكلمي زي الدكتور مَشعل تمام.. وهو بيئول لي كل ما يشوفني:
أشلونش؟؟ وكيف حالش؟؟
ابتسمت هيا: مافيه تهربين من السؤال
أنتي عارفة إنه هذا كلام باباتي
وأنا مبسوطة بالرجوع لقواعدي سالمة
خلينا فيش الحين
أنا بأكلم يوسف وأقول له كل شيء
إنه حمد ولد عمتي أنا.. وإنه أنا اللي طلبت منش تزورينه
باكينام بجزع: حلفتك بربنا ما تعمليها
والله لأكون زعلانة منك عمري كله
هيا بحزن: يعني عاجبش حالش كذا.. أنتي ذبلتي مرة وحدة
وأنتي عارفة إنش تحبينه من أيام ما كنتي تظنينه جرسون وتكابرين
الحين يوم صار زوجش.. عاجبش تعذيب النفس ذا؟؟
باكينام بنبرة عميقة: زي ما كنتي بتعزبي نفسك وبتعزبي مشعل وأنتي بتموتي في الأرض اللي بيمشي عليها
الوحدة منا بتشوف مشكلة التانية بسيطة.. بس الإحساس اللي جوا هوا اللي بيدبح
آه أنا بحب يوسف وهأموت عليه كمان..
بس هو ما بيحبنيش.. هو حب فكرة أنو أنا أبئى ليه
وما كنش عندي مانع أكون ليه ولأخر نفس عندي
بس إيه اللي لئيته منو؟؟
شك؟؟.. شك؟؟.. أنا يا هيا.. أنا؟؟
أنا يشك فيني إني بأخونه؟؟
أنتي أكتر وحدة عرفاني.. حتى أئبل ما أتحجب عمري ماكنش ليا أي علائة بشب
هأعملها بعد ما تحجبت وبئيت على زمة راجل
خليه يتحرء بشكه زي ما حرق ئلبي
هيا تتنهد: والحل؟؟ عاجبكم حالكم؟؟
باكينام بحزن عميق: أنا عاوزة أتطلء بس هو مش ****
هيا تبتسم: أنا وأنتي مجانين.. تذكريني بنفسي لما طلبت الطلاق من مشعل
أطلب الطلاق وأنا ما أبغيه.. ولو كان طاوعني في جنوني
كان جنيت صدق وقتها
والحين يوسف لو طاوع جنانش وطلقش.. ماحد بيندم غيرش
باكينام ببوح عميق مشبع بالوجع: واحشني أوي
والله واحشني
الندل الحقير والله باحبه.. باحبه.. بس هو ما يستاهلش
عاملني زي الحيوانة.. خد مني اللي هو عاوزه وبعدها سابني زي الزبالة اللي الواحد ئرفان منها
أنهت عبارتها الموجعة ثم ارتمت في حضن هيا تنتحب بألم شاسع لا حدود له
هيا احتضنتها وهي تتنهد وتربت على ظهرها
وتشعربألم عميق.. مساندة لبكينام التي لم ترها بهذا الضعف إلا بعد معرفتها بيوسف!!
************************
بيت عبدالله بن مشعل
الصباح الباكر
مشاعل مازالت عاجزة عن النوم من بعد مقابلتها البارحة مع ناصر
تعلم أن الآن وقت نهوضه لعمله.. بودها أن تتصل به لتتأكد إن كان قام لعمله كما كانت تفعل طيلة الأيام الماضية
ولكن ربما كان لم ينم أساسا مثلها.. كما أنها لا تستطيع مواجهته بعد أن استلت ابتسامته برفضها لعرضه الذي عرضه عليها البارحة
شعرت وقتها وحتى الآن بحزن عميق يدمي فؤادها وهي ترى وجهه يكفهر وحاجبيه ينعقدان وهو ينهض دون أن يضيف كلمة واحدة
ليغادرها ويتركها مشبعة بالألم.. والأسى
كانت غارقة في أفكارها التي انتزعها منها رنين هاتفها
التقطت الهاتف تسللت ابتسامة دافئة لوجهها وهي ترى اسمه..
ردت بهمسها الخافت الذي يعذبه: الو
صوته المرح المشبع بالدفء: ليش ما اتصلتي تصحيني كالعادة؟!!
مشاعل بخجل حزين: خفت تكون زعلان عشان اللي صار البارحة
ناصر بنفس النبرة المرحة: وأنا فعلا زعلان.. بس شأسوي؟؟
صوتش صار مثل كوب القهوة.. لو ما سمعته أول ما أصحا.. بيظل رأسي يوجعني
مشاعل ببوح مفاجئ: تدري إنه كل يوم أحبك أكثر من اليوم اللي قبله
ناصر صمت.. كان مبهوتا مصعوقا.. وكلمة (أحبك) تبعثر مشاعره بعنف كاسح
ولكن صمته لم يستمر سوى لحظات وهو يرد عليها بعمق خاص:
وأنا والله العظيم مهوب بس أحبش.. أنا أعشقش.. وأذوب فيش
مشاعري ناحيتش تفجرت بشكل صار يخوفني
أنا مرعوب إني ممكن أصحى يوم وما أصحى على صوتش
ما أصحى على أمل إني بأصحى يوم والاقيش في حضني
خلاص مشاعل يا قلبي.. والله العظيم إني تربيت وتبت.. ارجعي لي
حرام تعذبيني كذا.. لذا الدرجة أهون عليش
وافقي على اقتراحي اللي اقترحته عليش البارحة
مشاعل بألم: جرحك بقلبي بعده طري.. وطردتك لي من بيتك ترن في أذني
**************************
دبي
فندق الماريوت/ جناح راكان موضي
موضي لم تخرج من الحمام حتى نشفت شعرها وفردته بالمجفف الكهربائي
خجلت أن تخرج لراكان بروبها وفوطتها
كما تشعر بالخجل من أن يراها الآن ببيجامتها الحريرية
تنهدت بعمق وهي تخرج
(لازم أتعود عليه
أنا اللي ورطت نفسي في ذا الزواج
على الأقل أحاول ما أحرج راكان وأقيد حريته بذا الخجل
اللي مدري من وين ركبني)
حين خرجت كان راكان يتمدد على الكنبة في غرفة الجلوس
رغم أنها رأته عار الصدر أكثر من مرة اليوم إلا أنها مازالت تشعر بخجل متعاظم من الالتفات ناحيته
همست بدون أن تقترب: راكان أنت نام على السرير
أنا بانام مكانك
راكان بهدوء وهو يسترخي استعدادا للنوم مع شعوره المتزايد بالتعب:
لا موضي أنا بانام هنا.. مكاني مريح بس جيبي لي غطا ولا عليش أمر
موضي أحضرت له الغطاء وهي تتعثر في خطواتها
فردت الغطاء لتغطيه به.. بدأت من قدميه حتى أوصلت الغطاء لكتفه
حينها أمسك راكان بكفها
انتفضت بعنف ويده الضخمة الدافئة تحتوي كفها
همس لها بحنو وتقدير: ما شكرتش اليوم
مشكورة يا موضي مشكورة
ثم أفلت يدها
انتهى التلامس الجسدي ولكن مفعوله الروحي لم ينتهِ بل بدأ بالتعمق
وخصوصا عند موضي
التي كانت دائما تشعر بالرعب من كل لمسة من حمد
ولكنها الآن تشعر بعبق لمسة مختلفة دفعت شيئا من الإحساس بالأمان في روحها
راكان تمنى لو تجاوز احتضان كفها إلى تقبيل أناملها
فهو يشعر بامتنان عميق ناحيتها
وهذه القبلة لو حدثت ليست سوى تعبيرا عن امتنانه لها على طريقة الإزواج.. ليس إلا!!!!!!
موضي توجهت للسرير وهي تحتضن كفها
تمددت وتغطت
وهي مازالت تحتضنها
***************************
الدوحة
بيت مشعل بن محمد
الساعة 11 صباحا
لطيفة تعيد ترتيب ملابس بناتها في غرفتهن والاثنتان بجوارها يساعدنها حينا ويلعبن حينا
رن هاتفها.. التقطت الهاتف وابتسمت: هلا شيخة
لحقتي تشتاقين لي.. توش شايفتني البارحة في عشاء موضي
شيخة بمرح: آه لا تذكريني بموضي.. ماشاء الله عليها البارحة كانت تهبل
تحسرت على وخيي رويشد.. اللي قاعد قدامي بوجهه المصفوق يقطع الخميرة من البيت
لطيفة تضحك: أمحق أخت.. الحمدلله منتي بأختي
شيخة تضحك: ياحظش يصير عندش أخت تنكة عسل.. وكيس سكر.. ودرام شكولاته
كل شيء عندنا احنا المتان راهي وبالكوم
لطيفة تبتسم: زين أنا لاهية الحين.. أرتب.. بأكلمش بعدين
شيخة بمرح: يا أختي حد قال لش ميتة على وجهش.. أنا أصلا ناسيتش
بس شفت رجالش في الجريدة طريتي علي
قلت أكلمش
لطيفة تبتسم: مشعل طالع في الجريدة اليوم؟؟ ماقال لي
شيخة تبتسم: ماشاء الله تبارك الله جعل عيني ماتضره
أطول واحد في كل اللي معه... صدق رزة
وإلا اللي جنبه.. صدق نسوان ماعاد يستحون..
زين كسران خشم ذا العوبا
لطيفة كانت تبتسم مع الشطر الأول من حديث شيخة
ولكن وجهها بدأ يكفهر مع الشطر الثاني
ثم همست بنبرة اعتيادية: خلاص بأشوفها إذا خلصت شغلي
بينما هي كانت تنهي المكالمة وهي تنزل ركضا للأسفل بسرعة
حتى تنظر للجريدة التي لم تتصفحها أصلا
تناولت الجريدة وهي تقفز للملحق الاقتصادي حيث تتوقع وجود صورة مشعل
نظرت لمجموعة الصور الملتقطة في حفل لغرفة التجارة والذي دُعي له غالبية أصحاب الشركات الكبيرة في قطر
كان مشعل يظهر في ثلاث صور مختلفة
وفي كل الصور كانت تقف سيدة أنيقة غاية في الجمال إلى جواره
شعرت لطيفة بغضب غيرة هادر يتصاعد في روحها غصبا عنها وهي تتعرف على صاحبة الصورة
(يعني يا مشعل
مهوب صورة ولا صورتين
في كل الصور لازقة جنبك)
ولكنها حاولت التحكم في أعصابها وهي تتوجه لتتوضأ لصلاة الظهر
حتى تهدئ روحها
فالوضوء يطفيء الغضب كما يطفئ الماء النار
لطيفة بعد أن صلت الظهر ودعت الله مطولا أن يهديها ويلهمها العمل الصائب
قررت ألا تثير موضوعا قد يكون في رأسها هي لوحدها
لأن مشعل خلال الفترة الأخيرة كلها كان لا يتوانى عن إظهار حبه لها
فلا تريد أن تبدو صغيرة العقل ومحدودة التفكير بينما مشعل لم يبدر منه مطلقا ما يضايقها
***********************
مبنى إداري ضخم في أحد شوارع الدوحة الرئيسية
تحمل واجهاته الزجاجية اسم شركة شهيرة
في أضخم غرفة في المبنى.. كانت تستعد للقيام عن المكتب الفخم الذي يقبع في صدر الغرفة الشديدة الفخامة والبالغة الأناقة
فهي كانت تستعد للمغادرة وهي تنظر للمرآة وتعدل عباءتها ولف شيلتها حول وجهها الجميل وترتدي نظارتها الشمسية
سكرتيرتها ترتب مجموعة من الأوراق لتعطيها لها لتراجعها مرؤوستها في البيت
ثم همست باحترام بالغ: مائلتي الي .. أي شركة ننطيها إنشاء المجمع الجديد؟؟
منشان جهز لوراء
ابتسمت ابتسامة شاسعة كشفت عن صف اسنان جذاب: شركة المشعل طبعا
السكرتيرة بلهجة عملية: هني صحيح شركة منيحة وشغلون منيح ومواعيدون بيرفكت.. بس فيه شركات عملت لنا سعر أئل وبنفس المستوى
تناولت حقيبتها لتخرج وهي تهتف بلهجة الأمر التي اعتادتها: قلت شركة المشعل
نفذي بدون نقاش
***************************
تركيا
جزيرة الاميرات في بحر مرمرة بالقرب من أسطنبول
كان فارس والعنود يطوفان الجزيرة الشهيرة على عربة تجرها الخيل.. فهذه الجزيرة لا توجد بها سيارات مطلقا
كان فارس يجري اتصالا مهما والعنود صامتة حتى ينهي اتصاله الذي أثار فضولها
فارس كان ينهي المكالمة بابتسامة شاسعة: الله يبارك فيك.. ومشكور
..................
مع السلامة
العنود تبتسم: فرحني معك
فارس تناول يدها وطبع على ظاهرها قبلة عميقة وهو يهمس بسرور شفاف:
ترقيت يا وجه الخير.. شفتي وجهش أشلون حلو علي
صرت وكيل نيابة أول.. يعني كلها شوي وأصير رئيس نيابة
العنود بفرحة عميقة احتضنت كفه وهمست: مبروك ياقلبي مبروك
تستاهل..
فارس يبتسم: الله يبارك فيش
العنود برجاء حقيقي: وإن شاء الله إنه شغل المشاركة في المداهمات خلص؟؟
فارس بذات الابتسامة الدافئة: أكيد أقل من أول.. وهو على العموم نادر ما يحتاجونا في المداهمات
العنود تبتسم: عقبال ما نخلص منها يارب يا كريم.. زين تبينا نرجع الدوحة؟؟
فارس بهدوء: وليش نرجع.. قرار الترقية طلع وأنا في أجازة.. وبينتظرني لين أرجع
***********************
دبي
جناح راكان وموضي
قبل صلاة الظهر بقليل
موضي نهضت من نومها قبل راكان..
تشعر بالحيرة.. ماذا ترتدي؟؟ كيف من المفترض أن تبدو أمام راكان؟؟
تتأنق؟؟
كيف سيتفهم تأنقها؟؟
دعوة مبطنة؟؟ إدعاء؟؟ فراغ داخلي؟؟
تلفها الحيرة فعلا!!
وإن لم تتأنق.. كيف سيفهم ذلك؟؟
إهمال منها؟؟ عدم احترام له؟؟ انعدام في الذوق؟؟
في الختام قررت أن تلبس بشكل اعتيادي دون تفريط أو إفراط
توضئت أولا ثم فردت شعرها بشكل مرتب
ثم ارتدت طقما مكونا من تنورة مشجرة طويلة باللون الذهبي والتركواز.. وبلوزة ضيقة بكم طويل باللون التركواز ومغلقة تماما.. فأكثر ما تخشاه ظهور أجزاء معينة من جسدها
ثم وضعت بعض الكحل وأحمر شفاه بلون فاتح فقط
تشعر بتوتر ملحوظ للتحدث مع راكان بعد كل أحداث الأمس
لا تعلم ماذا أصابها.. ولكن هذا القرب من راكان بات يوترها ويرفع تحفزها ويبعثر أفكارها
لا تريد أن تضايقه بأي شكل
وتتمنى لو تستطيع إسعاده بأي طريقة
لذا كان طلبها المتكرر له أن يتزوج من أخرى
أخرى تناسبه وتستطيع أن تسعده وأن تكون أما لأولاده
(زوجة لراكان؟؟
وأم لأولاده؟؟
وأنا كيف سيكون وضعي؟؟
عشت مسحوقة أولا
ثم مهمشة ثانيا
وراكان كيف سيتعامل مع زوجته الأخرى؟؟
هل سيكون رقيقا معها كما هو رقيق معي؟؟
هل سيبتسم لها ابتسامته الدافئة؟؟ ويحدثها بصوته العميق الساحر الذي يتسلل لعمق الروح؟؟
هل؟؟ وهل؟؟ وهل)
كانت موضي تغرق في خضم أفكار تشعرها بضيق غير مفهوم
وكأن هذه الأفكار مشنقة تخنق روحها وتستجلب أوجاعها
ومع ذلك هي مستعدة بصدق حقيقي أن تمضي فيها من أجل راكان
لأنها ترى أنها لا تناسب راكان أولا
وهو مجبر عليها ثانيا
كل هذه الأفكار المتناقضة كانت تخنقها.. تخنقها
كانت أمام المرآة تنظر لنفسها وهي غارقة في أفكارها
نظرت للساعة كان وقت الأذان
التفتت لتوقظ راكان ولكنها فوجئت أنه كان مستيقظا وينظر ناحيتها
ابتسمت بارتباك: صباح الخير
راكان بصوته العميق: صباح النور
موضي بذات الارتباك: صاحي من زمان؟؟
راكان بهدوء عذب: توني صحيت
(استيقظ من أكثر من خمس دقائق قضاها في مراقبة موضي
التي كانت تتأمل نفسها في المرآة
ومعها راكان يتأمل فيها)
موضي باهتمام حقيقي رقيق: أشلونك اليوم؟؟
راكان بابتسامة وهو يلمس الضمادة على كتفه: الحمدلله زين
أصلا السالفة كلها بسيطة.. الله سبحانه أنعم علي بجسم كنه طوفة على قولت فارس
بعد طوفة تتأثر من عضة.. طوفة ما منها فايدة
موضي باستنكار تلقائي: قل ماشاء الله..
راكان يبتسم: خايفة أنظل روحي يعني؟؟
موضي بحرج: العين حق..
راكان كان ينظر لها بتمعن وهي تقف لتتوجه ناحيته ثم تقف على بعد خطوتين وهو يهمس لها: عسى نمتي زين؟؟
موضي تبتسم: الحمدلله
راكان يتذكر شيئا: موضي تراني حطيت مهرش في حسابش أمس بس نسيت أقول لش
موضي صمتت وحرج بالغ يكتم على روحها.. (يعطيها مهرا وهي من خطبته بالمعنى الفعلي؟!!!!)
حلولت تجاوز خجلها وهي تهمس باحترام: تقوم توضأ؟؟
راكان ينهض بتثاقل ويهمس بهدوء: قايم
موضي تهمس برقة: خلاص بأطلع لك ملابسك وبأكويهم.. أنا جايبة مكواة معي
راكان يبتسم: أنا ما تعودت على الدلال.. بعدين تخربيني
موضي بابتسامة غاية في العذوبة: إذا أنت ما تدلل وتحط رجل على رجل بعد
ماحد يستاهل الدلال عقبك
******************************
بيت سعد بن فيصل
الساعة الثانية ظهرا
سعد يدخل إلى بيته عائدا من عمله
فوجئ بأصوات عراك عالية تصدر من الأعلى
كان صوت فيصل وفهد يتعاركان.. وصوت عمتهما أم فارس تحاول فض الاشتباك
سعد ركض للأعلى بخطوات واسعة ليصل لغرفة فهد حيث صوت العراك
ليصرخ بصوت حازم: بس
عم الهدوء المكان
اقترب بخطوات ثابتة ليسأل شقيقته بحزم: وش اللي صاير؟؟
أم فارس تتنهد: والله ما أدري يا أختك.. أنا كنت أرتب ثيابك في حجرتك سمعت صوت الهدة
جيتهم لقيتهم كنهم ديكة يتهادون وعيوا يتخلصون
سعد نظر لفيصل بحزم: أنت قل لي وش اللي صار
فهد كان من قاطع بخوف: أنا بأقول لك يبه
سعد بحزم عميق: فهيدان أنا أكلم أخيك الكبير.. تسكت لين أسألك
فيصل نظر لفهد بعتب ثم همس باحترام: بأقول لك بروحنا يبه
سعد بحزم: لا قل لي الحين.. مافيه حد ندس عليه.. الهدة بينك وبين فهد
وعمتك وضحى كانت حاضرة
فيصل بخجل: عينت فهيدان يسوي شاتنغ مع بنات.. عصبت عليه.. وهو يقول لي مالك دخل
سعد بدهشة: نعم؟؟ فهيدان؟؟ وشاتنغ؟؟ وبنات؟؟
فهد انخرط في البكاء: والله يبه ماقلنا شي.. سوالف عادية.. روح للكمبيوتر وشوف... المحادثات كلها محفوظة
سعد تنهد بعمق: وضحى أنتي وفيصل ولا عليش أمر.. اطلعوا وسكروا الباب وراكم
فهد وقف مرعوبا وهو يشعر بذنبه.. سعد تنهد للمرة الألف وهو يهمس بثقة لفهد وهو يجلس على سرير فهد: تعال اقعد جنبي
فهد تقدم بخطوات مترددة وجلس
سعد بحزم مخلوط بالحنان: اسمعني يا أبيك.. أنا عمري ماضنيت عليكم بشيء
واللي تبونه أجيبه لكم.. ومعطيكم ثقتي فيكم لأني أعدكم رياجيل
والمثل يقول: من أمنك لا تخونه ولو كنت خوان
وأنا إبيك.. ومعطيك الثقة كلها.. يكون ردك علي إنك تخون ثقتي
فهد بضعف: والله العظيم يبه سوالف عادية
سعد بحزم: الخطأ ما ينتصغر ولا يتجزأ.. إنك تكلم بنات مهما كان نوع الكلام غلط
ما قلت لك لا تسولف مع عيال من سنك.. ومن يوم جبت لك الكمبيوتر وأنا معطيك ذا التنبيهات
يعني كل شيء واضح قدامك
لا واللي زاد وغطا.. إنك يوم سويت الخطأ تكابر وتهاديت مع أخيك الكبير عشانه يبي مصلحتك
فهد بأسف لا يقصده بحذافيره: خلاص يبه آسف وماني بمتعودها
سعد بحزم أبوي: يا سلام عليك.. وتعتقد كذا خلاص..
أول شيء تروح تعتذر لفيصل
وعقب بأقول لك وش عقابك؟؟
فهد بتأفف: ما أبي اعتذر له.. هو مهوب أبي عشان يتحكم فيني
سعد بغضب حقيقي: نعم يافهيدان.. ما سمعت.. عيد
فهد بخوف من نبرة غضب والده التي لم يعتدها: خلاص خلاص الحين بأعتذر له
سعد ينادي بصوت عالي: فيصل.. فيصل
ثم ألتفت لفهد وهو يقول له: تعتذر له الحين قدامي
فيصل فتح الباب وأطل برأسه وهو يهمس باحترام: لبيه يبه
سعد بحزم: تعال فهيدان يبي يعتذر لك
فيصل بخجل: مافيه داعي يبه.. أنا أصلا ماني بزعلان
سعد يلتفت لفهد وهو يهمس بعضب: لا بيعتذر لأنه عارف أنه غلطان
فهد لوى شفتيه وهو يقبل رأس فيصل ويقول ببرود: آسف
سعد تنهد بعمق.. تصرفات فهد في الفترة الأخيرة باتت تقلقه.. فهو عنيد جدا
ومعاركه مع فيصل ازدادت مؤخرا
مازال مطمئنا إلى أنه يخشاه هو فقط.. ولكنه لا يحترم شقيقه الأكبر منه رغم أنه يعلم يقينا حبه الكبير لشقيقه
ولكنه يعلم أنها بداية مرحلة المراهقة المتعبة.. فيصل مر بما يشبه ذلك قبل عدة سنوات
ولكن وضع فيصل كان أهون بكثير... ففيصل كان أكثر اتزانا وتهذيبا
التفت لفهد وهو يقول له بحزم: ترا طول لسانك وقلة حياك مهي بطايفة علي.. أنا سكتت لك.. حسبتك رجال كفو وبتحشم أخيك اللي أكبر منك
لكنك زدت الخطا بخطا
والحين كمبيوتر مافيه.. الكمبيوتر بأشيله وأحطه في المخزن.. ولا أنت بشايفه طول ذا الفصل
فهد بجزع: لا يبه تكفى.. كله ولا كمبيوتري.. أشلون أسوي مشاريعي
سعد يرفع حاجبه: يا سلام عليك يا بو مشاريع
عندك مشروع.. تسويه على كمبيوتر فيصل وتحت عينه
عشان تعرف الكمبيوترات ليش سووها.. سووها للفايدة مهوب لقلة الحيا
والشيء الثاني يا ويلك لو طولت لسانك على أخيك الكبير مرة ثانية
إذا شفت إنك رجال كفو.. أبشر بكمبيوتر جديد أحدث طراز.. بس مهوب ذا الفصل
ذا الفصل كله أنت معاقب لين أشوف فعايلك ونتايجك اللي تسر
فهد انكب على سريره يبكي.. وسعد ينزع أسلاك جهاز الكمبيوتر
ثم يأخذه للأسفل ويضعه خارجا.. وينادي أحد صبيان المجلس
ويطلب منه أنه يضعه في كيس كبير ويضعه في المخزن
ثم يعود للداخل وهو يشعر بهم كبير
يحتاج إلى من يعاونه فعلا.. مشاكل أولاده تزداد
وفهد بالذات يقلقه لأبعد حد
فهل كان مصيبا حين قرر أن يكمل حياته مع ضريرة لن تستطيع أن ترى أخطاء أولاده حين تحدث
تنهد بعمق.. والهم يحاصره أكثر وأكثر وأكثر
*************************
بيت جابر بن حمد
بعد الغداء
معالي تدخل على شقيقتيها في غرفتهما.. وجهها على غير العادة لا يحمل ابتسامته المعتادة
تمددت على سرير عالية بصمت
عالية اقتربت وجلست جوارها وهي تداعب شعر معالي بحنان
وعلياء التي تجلس على سريرها هي من همست: معالي وش فيش فديتش
شكلش متضايقة
معالي بحزن: عاجبكم حال أمي؟؟
كل مالها في النازل
عالية كفت يدها عن شعر معالي وهي تهمس بألم: مهوب عاجبنا بس وش نسوي
معالي بهدوء: حمد صار له أكثر من 4 شهور غايب.. وما يكلمنا إلا بالقطارة
وأمي شوفت عينكم.. تصّبر.. بس حن عارفين إنها تعبانة
أنا خايفة على أمي
علياء برعب: تكفين معالي لا تخوفينا عليها
معالي بحزم: شوفو المرة الجاية إذا اتصل حمد اللي منكم بترد عليه
تقول له يرجع فورا..
تقول له أمي تعبانة.. لا أبو ذا الدورة اللي بتخليه يبعد عنا كذا
************************
واشنطن
الساعة 9 صباحا
سكن باكينام
باكينام تنزل على عجل للحاق بمحاضرتها
كانت تتوجه بسرعة للباب لذا لم تنتبه للجالس في البهو ينتظرها
حين وصلت للباب كانت هناك يد قوية تطبق على معصمها
وصوت دافئ يهمس لها من قرب: مستعجلة كده على فين؟؟
انتفضت بعنف وقشعريرة حادة تهز عمودها الفقري
(الحقير.. تذكر أن يزورني أخيرا
كم مضى لم أره.. أكثر من أسبوع
كم اشتقت إليك!!
أكره اشتياقي لك
وأكره نفسي أكثر لأني أشتاق إليك
أكره روحي التي تأبى الإنسلاخ عن عوالمك
أكره اضطراب عواطفي وأنت جواري
أكره مناداة دقات قلبي لك وهي تتقافز بجنون حين أراك
أكره رغبتي الغبية في الارتماء بين ذراعيك
وأكره نفسي ألف مرة.. أكره نفسي الغارقة في غرورها الزائف
وهي تأبى التنازل لتعترف لك أنه لا يوجد في القلب سواك
ولم يوجد به يوما سواك
فهذا القلب التعس لم ينفتح إلا لك.. ولم يعرف هوى أحد سواك)
باكينام نحت ثورة مشاعرها الموجعة وهي تهمس له ببرود:
عندي محاضرة وهاتأخر عليها
يوسف يمسك بعضدها وهو يشدها خارجا ويقول بثقة:
امشي معايا هنمشي لحد الجامعة.. ونتكلم
*********************
بيت عبدالله بن مشعل
بين العصر والمغرب
الصالة السفلية
لطيفة ومشاعل يدور بينهما حوار حاد نوع ما
لطيفة بغضب: وليش ماوافقتي على كلام ناصر؟؟ عاجبش حالكم كذا؟؟
مشاعل بمناشدة عميقة: لطيفة تكفين ما تضغطين علي
أنا صحيح أبي ناصر.. بس مجروحة منه.. صدقيني لو رجعت له
وأنا قلبي ينزف منه كذا.. بتكون رجعة فاشلة من أساسها
هو ما نسى اللي سويته فيه ليلة عرسنا وظل يحاسبني عليه
وأنا ما نسيت اللي سواه فيني عقب رجعته وأخاف أحاسبه عليه
لطيفة بغضب متزايد: خبلة.. وما تخَلَين على كيفش.. بس دواش عندي يا مشاعل
مشاعل وقفت وهي تستعد للمغادرة وتقول بغضب رقيق: أنا غلطانة إني قلت لش
مشاعل غادرت ولطيفة تناولت هاتفها وهي تغادر لمجلس النساء وتتصل برقم معين
فور أن رد عليها الطرف الآخر باحترام عميق: هلا والله حيا الله أم محمد
لطيفة بود واحترام: حياك الله ناصر.. أبيك في موضوع مهم كان وقتك يسمح
ناصر بنخوة: آمري.. أفا عليش يا أم محمد الوقت كله لش يا أخيش
لطيفة تنهدت بعمق: عشان موضوعك أنت ومشاعل والاقتراح اللي قلته لها
#أنفاس_قطر#
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:20 PM
أسى الهجران/ الجزء الثالث والثمانون
واشنطن
طرقات منطقة جورج تاون
بين سكن باكينام وجامعة جورج تاون
خطوات مثقلة تنقل باكينام ويوسف
ومشاعر ثائرة مكتومة تهدر بين الاثنين
كانت باكينام من بدأت الكلام وهي تهمس ببرود: نعم يوسف عاوز إيه؟؟
يوسف يتمنى لو يمسك بكفها يحتضنها بين أنامله وهما يمشيان..
فهو يكاد يجن شوقا لها
ولكنه لا يريدها أن تغضب وترفض أن تتفاهم معه ..هو قادم للكلام معها
همس لها بهدوء: مش كفاية وترجعي لبيتك خلاص
باكينام بهدوء يخبئ خلفه كثيرا من الألم: وأنا ئلت لك مش راجعة
وطلئني.. العشرة بيننا مستحيلة
يوسف بعمق: باكينام بلاش جنان.. طلاء مافيش طلاء.. ارجعي للبيت
عيب عليكي اللي بتعلميه.. همّا بنات الأصول بيعملوا كده؟!!
باكينام بألم: انته اللي خليتني أعمل كده
أنت نسيت عملت فيا إيه أول يوم جينا واشنطن
يوسف صمت..
بدت له الذكرى غائمة وجميلة وعميقة وموجعة وكريهة في آن
تمنى أن يعيد تسجيل الذكرى كأجمل أحداث حياته
وتمنى أن يلغيها من ذاكرته كأسوأ أحداث حياته
استمرا يمشيان معا يلفهما الصمت.. كلاهما تمنى أن يطول هذا المشوار ويطول ويطول
ولكنهما وصلا أمام مبنى كلية باكينام
وقفا كلاهما وهما يتبادلان نظرات عميقة
حينها همس يوسف: ها باكينام.. ترجعي معايا لبيتك النهاردة؟؟
باكينام أشاحت بوجهها وهي تهمس بألم: ما تحاولش.. مستحيل
حينها مد يوسف يده ليدها.. احتضنها.. ليبعث دفء يده في يدها قشعريرة حادة جارحة
ثم يترك يدها معلقة في الهواء تعاني بردا مفاجئا موجعا
ويرتحل مغادرا وفي رأسه تفكير ما
لو كان يوسف في مصر لاستطاع إرجاعها بالقوة.. ولكنه هنا في أمريكا لا يستطيع.. لذا لابد أن يلجأ للحيلة
وكل شيء مباح في الحرب والحب
باكينام كانت تنظر بألم لظهره العريض وهي تشعر برعب حقيقي أن تكون هذه المرة الأخيرة التي تراه فيها!!!
***********************
بيت عبدالله بن مشعل
مشاعل غادرت ولطيفة تناولت هاتفها وهي تغادر لمجلس النساء وتتصل برقم معين
فور أن رد عليها الطرف الآخر باحترام عميق: هلا والله حيا الله أم محمد
لطيفة بود واحترام: حياك الله ناصر.. أبيك في موضوع مهم كان وقتك يسمح
ناصر بنخوة: آمري.. أفا عليش يا أم محمد الوقت كله لش يا أخيش
لطيفة تنهدت بعمق: عشان موضوعك أنت ومشاعل والاقتراح اللي قلته لها
ناصر تفاجئ فهو لم يتوقع أن مشاعل قد تخبر أحدا باقتراحه لها
والاقتراح كان ببساطة.. إن كانت عودتها لبيته مرفوضة
فلتكن عودتها لبيت والده
ويتبادل هو وراكان الأماكن
مشعل حاليا يعيد ترتيب غرفة راكان بعد أن فتحها على غرفة ناصر
فاقترح عليها أن ينتقلا هما لقسم راكان
وراكان وموضي ينتقلان للقسم المستقل/ قسم ناصر بحجة أنهما الأكبر ويستحقان مكانا مستقلا لهما
ولكن مشاعل رفضت اقتراحه
وقالت: أنها حين قالت أنها يستحيل أن ترجع لبيته لم تكن تعني بيته تحديدا
ولكنها تعني العودة لحياته ولعشرته
وهو من أرخصها وطردها واستمر يشدد على رفضه لعودتها
فما الذي تغير الآن؟؟
ناصر رد على لطيفة بهدوء: مشاعل قالت لش؟؟
لطيفة بهدوء عميق: ناصر أنا أعرف كل شيء.. وتأكد إن مشاعل ما قالت لي إلا عقب ماضاقت بها
وتأكد إن اللي بينكم سر ما حد بعارفه
ناصر بهدوء يخفي وراء أمله: يعني تقدرين تقنعنيها؟؟
لطيفة بهدوء: خلك الحين من اقناعها.. أول ما يخلص مشعل الشغل في بيت هلك
أنا بجي وبأنقل أغراض مشاعل هناك
وأغراض موضي وراكان بأنقلها لبيتك
والباقي خله علي
***********************
دبي
جناح راكان وموضي
بعد صلاة العصر
موضي وراكان تغديا في جناحهما لأن وضع راكان مازال لا يسمح له بالخروج
دار ويدور بينهما حديث شيق عذب
فقد قضيا الساعات الماضية في الحديث وهما يكسران حاجز الرهبة
راكان يبتسم: وصدق أنتي اللي مسويته؟؟
موضي تبتسم: ليش بأكذب عليك يعني؟؟
راكان باستنكار رقيق: لا والله محشومة.. بس مفروض خذتي ثمن التصميم على الأقل
موضي بعذوبة: تصميم الموقع كان هدية مني لهم..
ثم أردفت بحماس وهي يخطر ببالها شيء ما: إشرايك أسوي لك موقع شخصي؟؟
راكان باستغراب: أنا؟؟
موضي بحماس: وليش لأ.. بطل رماية وبطل شطرنج.. بأسوي لك موقع بروفشنال.. أقل من ظفرك سوو لهم مواقع
راكان يبتسم: لا يا بنت الحلال.. أكثر شيء أكرهه الاستعراض على غير معنى
موضي برقة: حتى لو استعرضت نفسك.. تستعرضها على حق
راكان يعدل جلسته على الأريكة وهو ينظر بعمق لموضي التي تجلس لوحدها على كرسي منفرد
همس بعمق: موضي بلاها نبرة التقديس ذي.. مهيب عاجبتني
موضي بحرج: ما أقصد راكان أضايقك
بس جد راكان من يوم أنا صغيرة وأنا أشوفك شيء كبير
راكان باستفهام: كبير بأي معنى؟؟
موضي بعمق: كبير بأكبر معنى.. أشوفك شيء مثل الأساطير اللي فوق مستوى البشر العاديين
راكان ضحك: عاد أساطير مرة واحدة.. خليتيني هركليز
موضي بابتسامة رقيقة: شنو هركليز؟؟ هركليز ولا شيء عندك
راكان بثقة: موضي مافيه داعي تحطين كل ذا الحواجز بيننا
تعاملي معي بطبيعية
أنتي كنتي تشوفيني شيء كبير
وأنا كنت أشوفش بشكل معين
لكن كل الرؤيتين انتهت
خلينا نتعامل مع بعض بطبيعية
موضي ببوح مؤلم: بس أنا ماعدت طبيعية
وصل الحديث للنقطة المنتظرة والنقطة التي حاول الاثنان الوصول لها
وفي ذات الوقت تلافيها
حياتهما معا.. كيف ستكون؟؟
راكان تنهد: أشلون غير طبيعية؟؟
موضي بحرج: قلت لك قبل.. ماعاد عندي قدرة للتواصل مع رجل بالصورة الطبيعية ولا أتقبل لمس رجل لي
راكان هز كتفيه: وأنا أصلا فقدت اهتمامي بالجنس الثاني من سنين
يعني ماراح أضايقش بشيء ولا أطالبش بشيء
موضي بعمق: وتعتقد إنه وضع طبيعي نعيش فيه اثنينا؟؟
راكان ابتسم لها بتشجيع: مادمنا اثنينا مرتاحين ماعلينا من حد
************************
ذات الليلة مساء
بيت مشعل بن محمد
مشعل يعود للبيت
كان شكله مرهقا تماما.. فهو بين أعماله وبين قسم راكان الذي يريد انجازه في وقت قياسي
كانت لطيفة تجلس على الأريكة تقرأ في كتاب استعدادا للفصل الدراسي القادم
دخل مشعل وسلم.. ألقى بغترته ثم جلس جوارها ليتمدد ويضع رأسه على فخذها
لطيفة تحرك شعره برقة وتهمس له بحنان: تعبان حبيبي؟؟
مشعل بإرهاق: والله ميت من التعب
لطيفة بعذوبة: تبي أجيب لك شيء؟؟
مشعل بمودة : خليش جنبي وبس
مضت لحظات صمت همست بعدها لطيفة بلهجة حاولت أن تكون تلقائية تماما:
عندكم ذا الأيام شغل مع شركة فاتن الفرج؟؟
مشعل تناول كفها واحتضنها وهو يقول بعفوية: خلصنا لهم مجمع وبنبدأ في الثاني
ليه تسألين ياقلبي؟؟
لطيفة تنهدت بعمق وهي ترسم ابتسامة على وجهها: لا حبيبي أسأل عادي
مشعل نهض وهو يقول بتثاقل: بأقوم أتسبح وأصلي قيامي
لطيفة ابتسمت: وأنا بأروح أسوي لك شاي أخضر
ثم أردفت: قسم راكان متى بتخلصه؟؟
مشعل يصل باب الحمام ويهمس لها بهدوء: أحاول أخلصه قبل يجون بكم يوم
يعني 3 أيام إن شاء الله وأخلص
****************************
دبي
الساعة 10 مساء بتوقيت الدوحة/11 بتوقيت الإمارات
جناح راكان وموضي
الليلة الأولى الفعلية التي يقضيانها كزوجين في مكان مغلق عليهما
اليوم لم يخرجا مطلقا من الجناح
ولكن راكان طلب من ادارة الفندق أن ترسل له طبيبا ليغير له على جرحه
ويعطيه بعض المسكنات لأنه يشعر بألم مبرح في سُرته
حيث تم إعطائه الإبر جميعها في سُرته.. فإبر السعار تُعطى في السُرة إذا كان المريض يحتمل لتعطي نتيجة أسرع..
وراكان وافق أن يأخذها جميعها في سُرته
والبارحة رفض أن تبقى موضي معه وهم يعطونه الإبر..
فلم تعلم بمقدار الألم الذي تعرض له
ولكنها فجعت اليوم وهي تعلم أنه أخذ جميع الإبر في سُرته دون أن يبين لها شيئا من آلامه.. رغم أنه منذ البارحة وهو يعاني من الألم
ولم يطلب الطبيب إلا بعد أن وصلت آلامه منتهاها
وهاهو الآن يتمدد على كنبته وهو يفتح عينا ويغلق الأخرى بعد أن أعطاه الطبيب إبرتين مسكنتين وبدأ يشعر بالخدر في كل جسمه
موضي كانت تجلس قريبا منه على مقعد منفرد وهي تشعر بقلق مر عليه
راكان همس لها بصوت ناعس: موضي قومي لفراشش
موضي برجاء عميق: راكان أنا بفرش لي فراش على الأرض قريب منك
راكان برفض حاد قدر ما يمنحه صوته المرهق: لا والله العظيم ما تنامين إلا على فراشك.. وهذا أنتي قريب.. إذا بغيت شيء دعيتش
موضي بعذوبة: خلاص بأقعد عندك لين تنام.. ثم بأصلي قيامي.. وأنام.. وعد
راكان بصوت دائخ تماما: قوميني قبل الفجر عشان أصلي قيامي.. تكفين
ماصدقت ارتاح من الوجع عشان أنام
**************************
اليوم التالي
بعد صلاة العصر بقليل
ناصر يخرج من البيت وهو متوجه للتدريب حيث تواعد على الالتقاء مع حسن
رأى سيارة بيت عمه عبدالله تخرج
كان سلطان يجلس بجوار السائق
وفي الخلف تجلس امرأة.. ولأن ناصر يعلم أن كل من في منزل عمه هم محارم له
تمعن في المرأة وقلبه ينبئه بشيء
شعر بغضب متصاعد وهو يتصل بمشاعل
فور ردها عليه همس بغضب من بين أسنانه: وين طالعة يا الشيخة بدون ما تعطيني خبر؟؟
مشاعل بحرج: بأروح الجمعية أجيب شوي أغراض للبيت.. حبيت أكفي أمي
وسلطان معي
ناصر بذات الغضب وهو يقف أمام سيارة عمه ليمنعها من التحرك: انزلي أنا بأوديش
وياويلش تسوينها مرة ثانية وتطلعين من غير أذني
سلطان عقد ناظريه وهو يرى سيارة ناصر تعترض طريقهم أخرج رأسه وهو يحاول أن يتحدث بأدب:
عسى ما شر يابو محمد؟؟ وسع خلنا نطوف
ناصر بهدوء: كثر الله خيرك يا سلطان.. مشاعل بتروح معي
سلطان حينها غضب فعلا وهمس بغضب مكبوت: مالك لوا يابو محمد.. منت بمنزل أختي مني عشان تركبها سيارتك
ناصر غضب فعلا وهو ينزل من سيارته بلباس الفرسان الأنيق
مشاعل تشعر بالرعب من هذا العراك غير المتوقع ودقات قلبها تتصاعد بعنف
همست لسلطان بخفوت: سلطان عيب عليك.. بأنزل أروح مع ناصر
سلطان بغضب: والله ما تنزلين.. ولو نزلتي والله عمري كله ما أسلم عليش
ناصر اقترب من نافذة سلطان وهو يقول بغضب: نعم يا سليطين تراني ما سمعتك
سلطان باحترام رغم غضبه: أولا اسمي سلطان يابو محمد.. وثاني شي عيب عليك تنزل أختي مني.. منت بشايفني رجال
لو أنها مع مشعل كان نزلتها منه؟؟ وإلا أنا ما أنا بتارس عينك؟؟
ناصر لم يستطع إلا أن يبتسم من ردة فعل سلطان التي أثارت إعجابه برجولته المبكرة:
محشوم يابو عبدالله.. وكفو وألف كفو
خلاص توكلوا على الله
ثم عاد لباب مشاعل التي اطمئنت وهي ترى انتهاء المعركة على خير ولكنها لم تنتبه أن ناصر سيفتح بابها وهي متسندة عليه
فتح ناصر الباب ووكادت أن تسقط مشاعل لولا أنه سارع لسندها
تسارعت دقات قلبها من قربه الذي بات يعذبها
ذلك القرب البعيد.. أسوأ أنواع البعد والقرب
فلا هو بالقرب الذي يريح الفؤاد.. ولا هو بالبعد الذي ينهي حبائل الأمل
ناصر بهمس مرح دافئ: سلامات
مشاعل تتأخر قليلا وهي تهمس بحرج: ما انتبهت إنك بتفتح الباب
أخرج ناصر محفظته وهو يمدها ببطاقته: مامعي الحين كاش يكفي.. بأرسل لش رقمها الحين وخلي البطاقة هذي معش
عندي غيرها
مشاعل بحرج فعلي: مافيه داعي ناصر
ناصر يحتضن كفها بقوة وتملك وحنان وهو يشد كفها للأسفل حتى لا يلحظهما سلطان وهو يهمس لها: لا تراديني.. خذيها
سلطان كان من قاطع لحظاتهما الخاصة وهو يقول بلباقة مصطنعة: تأخرنا يابو محمد
ناصر أغلق الباب وهو يقول : السموحة يابو عبدالله... توكلوا على الله
مشاعل كانت تحتضن البطاقة في يدها.. ومشاعرها متناثرة ومبعثرة..
إحساسها بناصر بات يعذبها ويجرحها ويشجيها ويستجلب كل أشكال المشاعر المتناقضة إلى روحها
بينما سلطان كان (يتحلطم) على ناصر بعبراته التي اعتادتها منه
كانت تسمع بعضها وتغفل عن بعضها الآخر:
رجالش ذا يفقع المرارة..
شايف حاله.. لا وجاينا بلباس الفروسية.. يعني شوفوني ما أزيني
مزيون طل..
لا وكان يبي ينزلش من السيارة اللي ما يستحي
لو أنه سواها.. والله لأشتكيه عند عمي محمد
استمر سلطان في ثرثرته المعتادة ومشاعل تحلق في عالمها الخاص حتى انتزعها منه رنة رسالة تصل هاتفها
فتحت الهاتف:
" رقم البطاقة ××××
.
.
وحشتيني والله العظيم
بغيت أخورها من قلب قدام سليطين"
ابتسمت وهي ترد عليه:
" أول مرة أشوفك بلبس الفرسان على الطبيعة
لا تعليق"
" لا تعليق
أفهمها شيء سلبي؟؟
أو شيء إيجابي؟"
"تك.. تك.. تك
هذي دقات قلبي
ماني بقادرة أسيطر عليها
تكون الشوفة برأيك سلبية أو إيجابية؟؟"
ابتسم بعمق وخبث شفاف وهو يكتب رسالته الأخيرة
" إذا رجعت من التدريب
مريت أسلم على جدتي
وقتها أشوف عيونش
وأسمع دقات قلبش
و أعرف شوفتي سلبية أو إيجابية"
********************
دبي
جناح راكان وموضي
بعد صلاة العشاء بحوالي الساعة
موضي تشعر بقلق عميق على راكان
فهو خرج من حوالي ثلاث ساعات للتغيير على جرحه ولم يعد بعد
كانت تريد الذهاب معه ولكنه رفض وقال أنه لن يتأخر
واتصلت به عدة مرات وكان يرد ويطمئنها
ولكنها كانت قلقة من تأخره غير المبرر وتخشى أن يكون قد تعب ولا يريد إقلاقها
اليوم صحا مبكرا وكان وضعه أفضل بكثير.. ولكنها تخشى أن يكون يتألم كما كان البارحة دون أن يخبرها
موضي قفزت وهي تسمع صوت الباب يُفتح
هتفت بقلق وهي ترى راكان يدخل: أشفيك تأخرت الله يهداك؟؟
راكان ابتسم وهو يخلع غترته ويلقيها على الأريكة ويرفع كيسا بالغا الفخامة في يده: رحت أجيب شغلة
موضي باستغراب: شغلة؟؟
راكان جلس على الأريكة وهو يهمس بهدوء: تعالي اقعدي جنبي
موضي اقتربت بحرج وهي تجلس جواره وتجعل بينهما بعض مسافة
راكان وضع الكيس الذي قرأت عليه اسم محل مجوهرات شهير جدا على رجليها وهمس لها بمودة: افتحيه
موضي بحرج: وش هذا ياراكان؟؟
راكان يبتسم: افتحيه وشوفي
موضي فتحت التغليف الفخم بتردد لتجد علبة مجوهرات جلدية بالغة الرقي فتحتها بأنامل متوترة لتجد بداخلها قلادة كارتير ألماسية بالغة الفخامة والأناقة
موضي بخجل حقيقي: كثير راكان.. والله العظيم كثير.. وبعدين مالها مناسبة
راكان مد يده للقلادة وتناولها: ماني براد على كلامش اللي ماله معنى
ممكن ألبسش أشوفها عليش
موضي كان بودها أن ترفض ولكنها لم ترد أن تبدو قليلة التهذيب أمام لطف راكان
لأنها تعلم أنه لم يطلب تلبيسها إياها إلا من باب الذوق
همست بخجل: أكيد ممكن
راكان فك قفل القلادة وهو يقترب من موضي ليلبسها إياها
راكان كان يتصرف بطبيعية وإحساسه بها كان تلقائيا وعاديا
ولكن موضي شعرت بارتفاع درجة حرارتها وهي تشعر بحرارة أنامله على نحرها وعنقها
كانت تعصف بها مشاعر توتر غير طبيعية مصدرها الأول خوفها أن يلاحظ الأثر بالقرب من كتفها وهو يقترب من حدوده
راكان أنهى مهمته وهو يهمس بإعجاب حقيقي وطبيعي: حلو عليش تلبسينه بالعافية
موضي همست بتوتر: مشكور.. حلت دنياك
راكان مد يده بعفوية ليعدل وضع العقد على طرف جيبها من اليسار
حينها انتفضت موضي بعنف وهي تقفز وتضم جيبها بأطراف أصابعها وتغلقه وهي ترتجف وتبتعد
راكان استغرب ردة فعلها المفاجئة التي أشعرته بالحرج
همس بهدوء لبق: آسف موضي.. والله ماقصدت شيء
موضي لم ترد عليه وهي تتوجه للمكتب البعيد وتجلس عليه
راكان تنهد بعمق وهو يحترم صمتها ورغبتها في الاختلاء بنفسها
لا يستطيع أن يلومها.. فهي نبهته أنها ماعادت تتقبل لمسات رجل
ولكن لمسته كانت مجرد لمسة إنسانية ليس بها أي شعور خاص
فهو أيضا ماعاد في حاجة إلى ملامسة امرأة
بعد أن تبخرت آماله ومعها فتاة أحلامه قبل سنين
#أنفاس_قطر#
.
.
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:21 PM
أسى الهجران/ الجزء الرابع والثمانون
مضى حوالي أسبوع على الأحداث الأخيرة
وبدأ الفصل الدراسي الثاني
فارس والعنود عادا من السفر
وعادت العنود لجامعتها.. وفارس لعمله
علاقتهما تعمقت كثيرا.. وفارس يحرز تحسنا ملحوظا في سيطرته على قسوته
ولكنه فاشل جدا في السيطرة على غيرته على العنود
ولكن وضعهما بشكل عام مستقر جدا وهما يستمعان لأبعد حد بحياتهما معا
مشعل ولطيفة كذلك وضعهما مستقر
أولادهما عادوا للدراسة وكذلك عادت لطيفة
ومشعل أنجز قسم راكان ولطيفة أنهت مهمتها المتعبة في نقل أغراض الفريقين وترتيبها
ولكن الصدمة الحقيقية التي أفسدت مخططات لطيفة وناصر أن مشاعل أخبرت والدها قبل حوالي أربعة أيام
أنها على خلاف مع ناصر ولا تريد العودة له في الوقت الحالي
ناصر غضب منها كثيرا.. ليس لأنها أخبرت والدها فهو ذاته أخبر والده حين سأله قبل أيام لمَ لم يُرجع زوجته بعد.. أن بينهما خلافا بسيطا سيحلانه بنفسيهما
ولكن غضبه العميق كان لأنها رفضت العودة له
لم يعاود الاتصال بها أو رؤيتها من حينه
وكلاهما يكادان يجنان شوقا ولوعة
وعبدالله ومحمد حاولا إقناع مشاعل بالعودة ولكنها رفضت
مشعل وهيا.. مستغرقان في الدراسة
هيا تعاني من الوحم ومرهقة قليلا.. لكن مشعل يغمرها بحنانه واحتواءه
ويخاف عليها من كل شيء.. ولو استطاع أن يحملها عن الأرض لحملها
باكينام ويوسف
لم يريا بعضهما خلال الأسبوع المنصرم
ولم يعاود يوسف الاتصال بها
وباكينام تشعر بألم عميق جارح متعمق لأنها اعتقدت أن ظنها صدق
وأن المرة الأخيرة كانت المرة الأخيرة التي تراه فيها
تنتظر برعب خبر طلاقها
بينما يوسف أنهى تنفيذ مخططه وينتظر نقطة الصفر فقط
موضي وراكان هما حالة الغرابة الجديدة
غرابة ومنطقية في آن
الاثنان يتعاملان مع بعضهما بشفافية مطلقة
عدا في موضوع حرج موضي البالغ أن يلمح راكان أي جزء من جسدها يتجاوز شعرها ووجهها وكفيها
قضيا الأسبوع المنصرم كصديقين حميمين في رحلة استجمام معا
كلاهما يستمتع برفقة الآخر وحديثه لأبعد حد
بينهما تفاهم مدهش.. وبدآ ينهيان جمل بعضهما
هذه حالة تحدث للمتزوجين بعد سنين.. ولكنها بدأت تحدث معهما من الأسبوع الأول
بعد أن تحسنت إصابة راكان لم يتركا مكانا في دبي لم يزوراه معا
لا يفترقان مطلقا إلا حينما يذهب راكان للصلاة في المسجد ويعود لها فورا
كلاهما بدأ بتفهم طباع الآخر وما يحب وما يكره
موضي انطلقت في الحديث مع راكان ومشاعر ود عميقة تتكون في قلبها ناحية راكان.. ولكنها لم تحاول مطلقا جذبه كرجل لها
بينما راكان يتعامل معها بطبيعية بعد أن نحى مشاعره منذ سنوات ومازال مستمرا في تنحيتها
في حالة موضي.. موضي لم تجرب الحب مطلقا.. ورجل في شخصية راكان يستطيع تفجير الحب في قلب أي أمرأة تعاشره..
فكل ما على موضي أن تفعله أن تسمح لقلبها المغلق بالانفتاح.. وأن تدع راكان يداوي جروح روحها بحنانه واحترامه لها
ولكن حالة راكان أكثر صعوبة.. فراكان جرب الحب وتعمق فيه حتى تغلغل في كل خلاياه.. لكن حبه انتزع منه.. فمات قلبه..كما كان يكرر دائما..
تستطيع إنقاذ الجريح.. ولكن كيف تحيي الأموات؟!!!
***************************
بيت فارس بن سعود
غرفة فارس والعنود
الساعة 8 ونصف صباحا
العنود مازالت نائمة.. بالكاد استطاعت أن تصحو مع فارس قبل أن يذهب لعمله وعادت للنوم
ويُفترض أنها صحت قبل الآن.. لأن محاضرتها الساعة التاسعة
وسائقة مريم تنتظرها في مطبخ بيت فارس منذ أوصلت مريم لعملها وعادت لكي توصل العنود للجامعة
هاتفها يرن ويرن.. تسمعه ويبدو لها أنها تحلم
السائقة تتصل بها.. وفارس يتصل بها
ومريم اتصلت بها لأنها قلقت عليها حين أخبرتها السائقة أنها لم تنزل عليها ولم ترد على اتصالاتها
فارس اشتعل من قلقه عليها فهي منذ قامت لصلاة الفجر ثم معه لعمله وهي تبدو خادرة تماما
اتصل بوالدته وطلب منها أن تصعد لتراها
وهاهي أم فارس تفتح باب غرفتهما بحرج.. كانت تسمع صوت هاتف العنود يرن
تجاوزت الصالة لغرفة النوم.. وجدت العنود مستغرقة في النوم
اقتربت منها وهزتها بلطف: العنود يأمش .. وش فيش؟؟ ما تسمعين ذا التلفون اللي انفرى جوفه من الصياح
العنود بصوت متعب: اسمعه واحسب روحي اتحلم..
أم فارس بقلق: أنتي تعبانة يأمش؟؟
العنود بإرهاق: مافيني حيل ومكسلة بالمرة
أم فارس ابتسمت بسعادة حقيقية وخاطر أمنية غالية يهب على روحها وهي تساعد العنود على النهوض وتقول بحزم:
قومي نروح الدكتورة
العنود بكسل: مافيه داعي.. أبي أنام بس
حينها رن هاتف أم فارس: هلا يأمك
.....................
هذا أنا عندها.. شكلها تعبانة.. أبي أوديها الدكتورة بس هي مهيب ****ة
................
هاك.. كلمها
العنود تناولت الهاتف لترد بصوتها المرهق: هلا
فارس بقلق: ليه حبيبتي ما تبين تروحين الدكتورة
العنود: مافيه شيء يستاهل.. بأنام شوي وبأقوم زينة
فارس بحزم: تخلين أمي توديش ؟؟ أو بأجي أنا بنفسي أوديش
العنود برقة: خلاص.. خلاص.. بأروح مع أمي وضحى
************************
دبي
جناح راكان وموضي
الصباح
موضي أمام المرآة تمشط شعرها
وراكان يتصفح جريدة الصباح
فور أن أنهت موضي مهمتها توجهت للجلوس مع راكان الذي نحى الجريدة جانبا وهو يضعها بجواره ويبتسم لها
موضي ابتسمت: في وجهك حكي.. آمر
راكان بابتسامة: صايرة خطيرة.. ماعاد أقدر أخبي عليش شيء
موضي تهز كتفيها وهي تبتسم بعذوبة: شأسوي وأنت واحد مكشوف كذا
راكان بعمق: عمري ما كنت مكشوف..وإسالي أخيش مشعل.. أنا هو ربع من عادنا بزران
بس أنتي اللي عندش قدرة مذهلة إنش تقريني كأني كتاب مفتوح قدامش
موضي بحرج: لا تبالغ
راكان يبتسم: وانتي تعرفين إني أزعل من تقليلش لقدرش
موضي ابتسمت: خلاص خلنا من إنك تمدحني وأنا أسوي روحي متواضعة خرطي
وقل لي وش اللي في خاطرك؟؟
راكان باستفسار عميق: أبي أعرف اشلون عرفتي بزواجي من مرت محمد
صدقيني المعرفة نفسها ما تهمني.. لأنه يمكن أنا نفسي كان قلت لش
بس أبي أعرف أشلون عرفتي
موضي ابتسمت: من مرت محمد نفسها
**************************
بيت عبدالله بن مشعل
الصالة السفلية
الصباح
الجدة هيا أمام قهوتها الصباحية ومشاعل معها تصب لها
الجدة بعتب: لين متى وأنتي عندنا؟؟
مشاعل بابتسامة مغتصبة: افا يا أم محمد.. زهقتي من مشاعل حبيبتش
الجدة بعمق: مشيعل يأمش أنتي عارفة إن غلاش عندي غير.. وأحزن ما جاني يوم رحتي وخلتينا
بس يأمش السنع سنع.. وناصر ولد عمش.. وعيب عليش تخلينه ذا كله.. صار لش أكثر من أسبوعين عندنا
يأمش حتى لو ناصر غلط عليش.. المرة الأصيلة تدمح زلة رجالها وخص إن ناصر كان مستوجع من اللي صار له
فإذا أنتي ما داريتيه ودورتي اللي في خاطره.. فتربيتي لش مالها خانة
مشاعل قفزت وهي تجلس عند قدمي جدتها وتحتضن كفها وتغمرها بقبلاتها وتهتف برجاء عميق:
تكفين يمه ما تقولين كذا
وإذا ناصر كان مستوجع.. فأنا الحين مستوجعة
خليني يمه شوي.. تكفين ما تلحين علي.. وإن شاء الله مايصير إلا خير
جدتها انتزعت يدها واحتضنت رأس مشاعل وهي تقول لها بحنان:
أنا ما ابغي لش إلا الزين.. وناصر والله ما يستاهل منش ذا الجفا
مشاعل تنهدت بعمق وهي تصمت
حينها أردفت جدتها وهي تسألها باهتمام: زين علمتيه إنش بتروحين اليوم للمدرسة التي طالبتش؟؟
مشاعل بحرج وجزع: لا
جدتها بغضب: لا كذا مهوب سنع.. قومي كلميه وترخصي منه
مشاعل بحرج وخجل شديدين: ما أقدر يمه.. استحي
جدتها بغضب: يعني ما استحيتي من عمش وأبيش وهم يترجونش البارحة ترجعين لبيتش
والحين مستحية تكلمين ناصر
مشاعل بحزن: يمه تكفين ما توجعيني كذا
مشاعل مازالت لم تتجاوز ألم البارحة وهي تجلس كالتلميذة المذنبة امام والدها وعمها.. اللذين ترجياها طويلا أن تعود لزوجها
ولكنها بقيت صامتة.. ثم انهمرت دموعها بصمت وهي تهمس بجملة واحدة
(تكفون لا تغصبوني على شيء ما أبيه)
الدموع كانت سلاحها الناجح.. فرجال آل مشعل قلوبهم القاسية لا يلينها الحديد ولكن تذيبها دموع امرأة
لذا تنهدا بعمق وهما يغادران ويهمسان لها بحنان:
خذي وقتش وفكري.. لكن حطي في بالش إن المره مالها إلا رجّالها
جدتها تنهدت: قومي عطيني إياه.. أنا بأكلمه.. لازم تستأذنينه.. وإلا تبين تشتغلين من وراه؟!!
مشاعل تناولت هاتف المنزل.. واتصلت برقم ناصر الذي تحفظه أكثر مما تحفظ اسمها وناولت جدتها السماعة
ناصر وقتها كان في مكتبه في مقر عمله.. حين رأى رقم هاتف منزل عمه توتر نوعا ما.. ولكنه حين سمع صوت جدته ابتسم وهو يهمس بمرح:
هلا والله بالغالية.. هلا والله بشيخة النسوان كلهم وأزينهم
جدته ابتسمت: ولو أنك كذوب.. بس ماعليه.. امدحه وخذ عباته
ناصر يضحك: أفا يا ذا العلم.. أنا كذوب..
الجدة بحنان: كذوب شوي مهوب واجد.. أشلونك اليوم يأمك؟؟
ناصر باحترام: طيب.. ذيب ولد جدتي الذيبة.. أنتي أشلونش جعلني الأول؟؟
الجدة بذات اللهجة الحنونة: طيبة ياولد جدتك.. جعل عين جدتك ما تبكيك
ناصر بحنان: وش ذا النهار المبارك اللي تصبحنا بصوتش
الجدة بحزم رقيق: كنت أبي أستأذن لمشاعل.. مشاعل طالبينها مدرسة وتبي تروح لهم اليوم
ناصر حين سمع اسم مشاعل أحس بما يشبه الدوار في رأسه والأعاصير في قلبه
ولكنه رد عليها بثبات: وليه هي ما كلمتني؟؟
الجدة بعفوية: مستحية
ناصر بحزم: هي تكلمني تستأذني.. وعقبه أشوف أرخص لها وإلا لأ
جدتها مدتها بالسماعة وهي تقول بحزم: هاش كلمي رجالش.. وأنا بأقوم أتوضأ أصلى الضحى
مشاعل كانت تشير لا.. ولكن جدتها حلفت عليها أن تكلمه
مشاعل تناولت السماعة بتردد وهي تكاد تذوب خجلا
همست بصوت خافت: ألو
*************************
بيت مشعل بن محمد
الصباح
أبناء لطيفة ذهبوا لمدراسهم ومشعل ذهب لعمله
ولطيفة كانت تستذكر في غرفتها تنتظر قيام جود من نومها
رن هاتفها.. تناولته.. ابتسمت وهي تهمس برقة: هلا حبيبي
مشعل بحنان: أنا خلصت الأوراق اللي تبي توقيع
أشرايش نروح السيتي.. نتريق في ريشو.. ونلاعب جود شوي
وعقب نرجع البيت على صلاة الظهر
لطيفة بعذوبة: ومن يعيي من خوتك؟!!
مشعل بحزم اعتيادي: خلاص تجهزي وصحي جود ولبسيها.. ساعة وأكون عندكم
لطيفة تجهزت وجهزت جود التي كانت سعيدة بهذه الطلعة الصباحية المفاجئة التي ستكون هي أميرتها في غياب أشقائها
وهاهما تنزلان لمشعل الذي جاء على الموعد تماما
انطلقت السيارة ومشعل يتحادث مع لطيفة وهما ينظران من حين لآخر لجود المثبتة على مقعدها الخاص في الخلف
بعد دقائق رن هاتف مشعل.. رد بتلقائية واحترام: هلا أم علي
....................
لا والله ما أقدر سامحيني
.....................
طالع مع الأهل
.....................
السيتي سنتر (بدا عليه الضيق من مطاردة الطرف الآخر له بالأسئلة)
.....................
لا والله ماني براجع للشركة إلا العصر
.....................
مافيه شيء ضروري
.....................
خلي سكرتيرتش ترسلها بالفاكس لسكرتيري ومايصير إلا اللي يرضيكم
....................
مع السلامة
لطيفة عرفت من المتصلة.. شعرت بضيق عميق.. فهذه ليست المرة الأولى التي تطارد مشعل بالهواتف
بل وصدف أن رأتها لطيفة عدة مرات وكأنها تتعمد أن تظهر نفسها أمام لطيفة
تعلم أن مشعل قد يكون لم ينتبه لحركاتها وهو يتعامل مع العديد من سيدات الأعمال
ولكن حركاتها لم تطف على الحاسة السادسة لأمرأة مثلها بدأت تشعر بالخطر من اقتحام حصونها الخاصة
لطيفة تشعر بالقلق منها منذ أكثر من عام.. حتى حينما قال لها مشعل أنه سيتزوج.. كانت هي من قفزت لمخيلتها
فهي سيدة قوية وجميلة ومن عائلة معروفة.. ليس لديها سوى ابن واحد هو علي من زوجها الراحل..
مازالت في أواسط الثلاثينات وتتمتع بجبروت تلقائي مثير
رأتها لطيفة للمرة الأولى الصيف قبل الماضي في باريس مع ابنها في ديزني لاند
بدا للطيفة أن هذه المقابلة لم تكن صدفة مطلقا لأن مشعل أخبرها بتلقائية أنه من أخبرها بتواجدهم فيها حين اتصلت به فاتن
ولكن لطيفة رأت أن مشعل لم يتجاوز مع هذه الدخيلة الاحترام العادي
ثم أخذ عائلته وغادرها رغم أنها كانت تلمح برغبتها أن تبقى مع مشعل وعائلته
لذا لطيفة حاولت أن ان تحترم علاقات مشعل العملية وتنحيها جانبا عن حياتهما الشخصية
ولكن الجديد أن علاقتها الآن بمشعل ازدادت تعمقا
وأصبحت متيقنة أنه كله لها قلبا وقالبا.. ولن ترضى بتعدي أي أنثى على ماهو لها
لطيفة غارقة في أفكارها بينما مشعل يوقف سيارته
همس مشعل بابتسامة: اللي ماخذ عقلش.. وصلنا
لطيفة تبتسم: ماحد ماخذ عقلي غيرك
نزلا.. ومشعل يحمل جود حتى دخلا للداخل ثم أمسك بكفها الصغيرة بحرص وحنان
رن هاتف مشعل..
كانت هي للمرة الثانية بصوتها الأنيق الواثق: آسفة أبو محمد على الإزعاج
بس جد لازم توقع على الأوراق الحين عشان نلحق البنك قبل الظهر
تنهد مشعل بضيق: خلاص ساعة وأرجع للشركة وأوقع الأوراق
فاتن بهدوء: لا ما نبي نخرب عليك طلعتك.. أنا وسكرتيرتي جريب منكم
ممكن نييب لك الأوراق توقعها
مشعل بهدوء عملي: مافيه داعي أم علي.. الشغل شغل.. ومكانه في الشركة
وأنا ما أحب أخلط حياتي الخاصة بشغلي
فاتن بذات نبرتها الواثقة: لكل قاعدة استثناءات ومانبي نخرب على أم محمد طلعتها وياك..
أصلا خلاص احنا نوقف في مواقف السيتي.. وياينكم
****************************
واشنطن دي سي
سكن باكينام
مساء
باكينام تعود للسكن كانت مرهقة تماما ومستنزفة
وتشعر بالانطفاء تماما
ولكن ما أن تجاوزت المدخل ورأت العينين البنيتين الدافئتين
حتى تحول الارهاق إلى تحفز
والانطفاء إلى اشتعال مدو
و عصافير الفرحة تحلق في أسراب شاسعة في سماوات روحها وهي تراه بعد كل هذا الغياب
ولكن كل هذه المشاعر اختفت خلف قناع برودها وهي تقترب منه
بينما هو نهض فور رؤيتها وهي تهمس له ببرود جليدي هو سر انجليزي عتيد:
مشرفنا بالزيارة ليه؟؟
يوسف بنبرة جدية لأبعد حد: بسرعة معايا للبيت
أنّا صفية وفيكتوريا هيوصلوا المطار بعد شويه
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:23 PM
أسى الهجران/ الجزء الخامس والثمانون
دبي
جناح موضي وراكان
راكان باستفسار عميق: أبي أعرف اشلون عرفتي بزواجي من مرت محمد
صدقيني المعرفة نفسها ما تهمني.. لأنه يمكن أنا نفسي كان قلت لش
بس أبي أعرف أشلون عرفتي
موضي ابتسمت: من مرت محمد نفسها
راكان بدهشة عميقة: نعم؟؟
موضي ضحكت: بسم الله عليك.. وش فيك تروعت؟؟
راكان ابتسم: وش تروعت ذي..راكان ما ينقال له تروعت... تفاجأت طال عمرش في الطاعة ..
من وين عرفتي مرت محمد؟؟
موضي تهز كتفيها: مجرد صدفة.. والحمدلله إنها كانت أنا.. ماكان حد غيري
راكان يبتسم: ممكن شوية تفاصيل يا شهرزاد
موضي تبتسم: حاضرين يا شهريار.. بس المهم الأمان.. مهوب ما تعجبك الحكاية تقوم تنادي مسرور يقص رقبتي
راكان بعمق رقيق: سلامة رقبتش.. ماعنده سالفة اللي يقص جيد الغزال
موضي كحت من الحرج: كنك تغازلني؟؟
راكان ضحك: ليه هذا هو اللي يسمونه الغزل.. ماعندي خبر
موضي ابتلعت حرجها وهي تعلم أنه يجاملها ليس إلا: خلنا من مجاملاتك يالشاعر
خلني أقول وين شفت مرت محمد
قبل حوالي سبع سنوات كنت سنة ثانية جامعة
وكان جاي لنا خدامة جديدة.. ولطيفة كانت نفاس بعبود وأمي عندها
فأنا رحت أودي الخدامة للقومسيون الطبي عشان يسوون لها فحص
واحنا قاعدين ننتظر شفت المرة اللي جنبي معها بطاقتك فوق أوراقها
بصراحة استغربت فسألتها: من هذا؟؟
جاوبتني بعفوية: زوجي
أنا مثل اللي انضربت على رأسي .. سألتها: متأكدة؟؟
المرة وقتها ارتبشت وعرفت إني عرفتك.. فهي سألتني: أنتي من؟؟
قلت لها: بنت عم اللي أنتي تقولين إنه زوجش
المسكينة والله تلخبطت.. وهلت شريطها كامل.. إنه أنت متزوجها على الورق بس عشان عيالها وبس..
وأنها جاية تخلص فحص خدامة أنت جايبها لهم باسمك
وصارت تعتذر وتعتذر..
أنا قلت لها: دام الرجال مسوي فيكم خير.. المفروض تصيرين أحرص عليه
هالمرة صدفتيني أنا.. وأنا مستحيل أقول لأحد
لكن الدوحة صغيرة وبكرة تصدفين حد غيري يعرف راكان.. وش بتسوين وقتها؟؟
المسكينة حلفت لي إنها ماعاد تقول لأحد إنك زوجها في مكان عام.. اللي يهمها جيرانها ومعارفها.. وهم يدرون
وهذي السالفة كلها
موضي أنهت حكايتها وهي تبتسم..
بينما راكان كان في غاية التأثر لأسباب عديدة..
همس بعمق: ومن وقتها تدرين وما قلتي لأحد؟؟
موضي بتلقائية: وليش أقول لأحد
يعني أنت تستر على بنت الناس وعيالها أجي أنا وأفضحك
راكان بهدوء آسر: تدرين إنش عظيمة يا موضي
موضي بخجل: وتدري إنك تستخدم ألفاظ فضفاضة زيادة عن اللزوم
راكان يبتسم: أنا ما أعرف أجامل ولا أنافق ولا أنفخ ريش ولا أمسح جوخ
بس جد موضي أحس كل الكلام ما يوفيش حقش علي
حفظتيني وحفظتي سري.. ولو كنتي كشفتيه ما كان عليش لوم
أنت كنتي بنت صغيرة.. والمنطق كان يقول إنش بتخافين وتبلغين أمش على الأقل
موضي تبتسم: ودام قلت لك سري.. ليش ما تقول لي سرك
دام إن السرين كلهم انتهوا
وسر بسر ونكون خالصين
راكان بحذر: أي سر؟؟
موضي بعذوبة: اللي كنت تحبها.. نفسي أعرفها بس
لو ما حبيت تقول براحتك.. أنا بس نفسي أعرف اللي قدرت على قلبك
اكفهر وجه راكان وهو يقول بهدوء: اسمحي لي موضي
أحب أحتفظ باسمها لنفسي
موضي شعرت بضيق ما..
عميق ربما.. حاد ربما.. اعتيادي ربما.. غير طبيعي ربما
مادام يرفض أن يخبرها باسمها مع أنه بات يعرف إن موضي هي موضع ثقة ولن تفشي له سرا
فهذا يعني أنه بقي لها شعور ما في قلبه
وأنها مازالت تتلحف بغشاء فؤاده في أحد الزوايا التي يحاول تناسيها
موضي حاولت رسم ابتسامة فاشلة على شفتيها : براحتك راكان.. أنا آسفة جد
راكان نظر لها بتعمن وهي تشيح بناظريها همس بهدوء: طالعيني موضي
موضي رفعت عينيها له.. وهو همس لها بثبات عذب: زعلتي صح؟؟
موضي ابتسمت بعذوبة مثقلة بالشجن: مازعلت والله العظيم.. يمكن تضايقت
أدري أنك كاشفني.. فما فيه داعي أنكر
ولا تقول لي ليه تضايقتي لأني ما أدري بالتحديد
يمكن أكون كرهت إنك مهوب قادر تأتمني على سرك
بينما احنا صرنا أصدقاء بالمعنى الفعلي
راكان ابتسم: واحنا فعلا أصدقاء وأكثر .. عمري ماحسيت بالراحة وأنا أتكلم مع حد مثل راحتي معش
بس بلاها تنبشين في ذا الموضوع يا موضي
موضي ابتسمت: خلاص راكان.. ما يهم.. خلك من حساسية النسوان
متى بنمشي بكرة؟؟
راكان بهدوء: بكرة إن شاء الله نتغدى .. وأسوي شيك آوت ونمشي
*****************************
بيت عبدالله بن مشعل
الصالة السفلية
مشاعل تجلس مع جدتها التي كانت تحادث ناصر في الهاتف
جدتها مدتها بالسماعة وهي تقول بحزم: هاش كلمي رجالش.. وأنا بأقوم أتوضأ أصلى الضحى
مشاعل كانت تشير لا.. ولكن جدتها حلفت عليها أن تكلمه
مشاعل تناولت السماعة بتردد وهي تكاد تذوب خجلا
همست بصوت خافت: ألو
ناصر تنهد بعمق وهمسها يصب في أعمق نقطة في قلبه.. رد بهدوء: هلا
مضت دقيقة صمت.. قطعها ناصر وهو يقول بحزم: وين المدرسة التي تبين تروحين لها؟؟
(رغم أنه كان يتمنى أن يقول لها:
اشتقت لك
بل أكاد أجن من شوقي
أما لهذا الهجر من آخر
أما لهذا العذاب من نهاية؟!!)
مشاعل تشعر أنها تختنق بكلماتها وهي تجيبه: اللي ورا بيتنا بشوي
(رغم أنها كانت تتمنى أن تقول له:
ألا تأتي لزيارة جدتي حتى
أراك لو من بعيد
أشعر بالاختناق بعيدا عن أنواءك
أشعر بالضياع بعيدا عن موانئك
أشعر أنني أذوي بعيدا عن شمسك وظلالك)
ناصر بهدوء: بس أنتي منتي بحاجة للشغل الخير واجد
مشاعل بحرج: الشغل حاجة نفسية قبل ما يكون مادية
ناصر بذات الهدوء: زين أنا بجي أوديش
مشاعل بجزع: لا ناصر لا.. يعني توهم عمي وأبي عندي البارحة يبوني أرجع وما رضيت.. اليوم أروح معك
ناصر ببرود: زين إنش فتحتي الموضوع بنفسش
ما تشوفين إنها كبيرة واجد تردين شيبان آل مشعل الكبار
على الأقل احشمي شيباتهم
مشاعل بألم: وأنت ما حشمتني قبلها
ناصر بغضب: وأنتي ما حشمتيني لا أول ولا تالي
مشاعل بألم عميق: ناصر مافيه داعي نفتح جروح بعض.. أنا عشان كذا ما أبي أرجع
كل واحد منا مجروح من الثاني.. أخاف عند أقل خلاف بيننا كل واحد يفتح للثاني الدفاتر القديمة
خلنا الحين في موضوع المدرسة
عندي مقابلة.. نص ساعة بس وأرجع..
ناصر يستعيد بروده: أنا أوديش.. أو مافيه روحة
مشاعل توترت بشدة.. ستكون المرة الأولى التي تركب معه في سيارته
وهما أمام الناس بينهما خلاف كبير
وبالفعل بينهما ما هو أكبر من مجرد خلاف
جرح عميق متجذر
همست بمناشدة عميقة: تكفى ناصر لا تعقدها
ناصر بعمق: أنتي عقدتيها قبلي
مشاعل تنهدت بعمق: بس توديني للمدرسة وترجعني بيت إبي
ناصر بغضب: لا تشرطين علي
مشاعل بخفوت: لا حول ولا قوة إلا بالله
خلاص ناصر هونت.. ما أبي المدرسة.. ولا أبي الوظيفة
ناصر بحزم: نص ساعة وأكون عندش.. ولو ما نزلتي لي.. طلعت لش
************************
الدوحة
سيتي سنتر
مشعل يلتفت للطيفة: انا آسف ياقلبي.. بس هذي أم علي ، فاتن الفرج
تعرفينها... تبي تجيب لي أوراق أوقعها.. يضايقش؟؟
شغلة دقيقتين بس
رغم أن لطيفة تجاوزت الإحساس بالضيق للغضب الفعلي لكنها همست بهدوء وهي تسيطر على غضبها:
خلاص خلنا نروح الكوفي.. وتجينا هناك.. مايصير توقعون الأوراق في الممرات
كان يدور تفكير ما في رأس لطيفة.. فهي تعلم أن تلك الحية الخبيثة لم تحضر إلا لتعلن وجودها أمامها
وهي مستعدة لها
مشعل ولطيفة توجها لريشو المقهى كان خاليا تماما
أخذا زاوية منعزلة ولطيفة تعطي ظهرها للمدخل ثم تهمس بهدوء: ممكن أحط نقابي مشعل؟؟
مشعل باستغراب: غريبة مهيب عوايدش
لطيفة بعفوية مصطنعة: أشوف الكوفي فاضي.. وبعدين أنت اللي وجهك للباب لو حد دخل نبهني
والجرسونات ناد لنا وحدة من البنات
مشعل بعفوية: براحتش
لطيفة قررت أن تلجأ لسلاح جمالها هذه المرة.. حتى تعلم هذه المتطفلة أن أم محمد ليست بالخصم السهل
ففاتن لم ترَ مطلقا وجه لطيفة.. ففي كل مرة كانت تراها بنقابها حتى في باريس
فإن كانت لا تعرف شخصيتها وكيف هي قادرة على احتواء زوجها
فعلى الأقل فلتريها أن الله أنعم عليها بنعمة الجمال التي تكفي لملء عين مشعل
حتى وإن كانت حقيقة لم تملأ عين مشعل إلا في الفترة الأخيرة فقط
لطيفة أخرجت مرآتها وتأكدت من شكلها ثم من ترتيب ابنتها
ومشعل يهمس لها بإعجاب: البنت وأمها كل وحدة تقول الزود عندي
لطيفة ابتسمت: مهيب واسعة شوي.. ضيقها عشان أصدق
مشعل يضحك: اللي يكذب يروح النار.. وأنتي وجودي أحلى من شافت عيني
وهو مستغرق في حديثه المرح مع لطيفة كانت فاتن تصل ومعها سكرتيرتها بعد أن أخبرها مشعل بمكانهما
اقتربت بهدوء وهي تسلم باحترام وذوق
لطيفة وقفت لها وهي تصافحها وترحب بها بدفء محترف
فاتن شعرت بصدمة حقيقية... فهي لم تتوقع أن زوجة مشعل قد تكون بهذا الجمال المبهر
ولكن انفعالها لم يظهر مطلقا على وجهها وهي تهتف بمهنية راقية:
جاكلين عطي أبو محمد الأوراق يوقعها ما نبي نخرب قعدته مع هله
فاتن بالنظرة الموضوعية الطبيعية.. ليست بالشخصية السيئة مطلقا.. فهي امرأة ناجحة وواثقة.. لها سمعتها الممتازة في السوق تعاملا مهنيا وأخلاقيا
ولكنها امرأة تعرف ماذا تريد تماما.. وتصل إليه
فهي تريد والدا قويا لابنها.. يربي ابنها كرجل حقيقي
وفي كل من عرفت من رجال.. كان مشعل هو الأنسب في نظرها
ولكن مشعلا لم ينتبه إليها.. أو ربما انتبه وادعى عدم الانتباه وحصر علاقته بها في العمل فقط
فاتن أخذت الأوراق بعد أن وقعها مشعل... وغادرت
ولطيفة تشعر بالارتياح العميق وهي تظن أنها ربحت المعركة
بينما المعركة لم تكن بدأت بعد.. بل هي على وشك الاندلاع
***************************
مركز طبي خاص/ الدوحة
أم فارس والعنود تجلسان أمام الطبيبة... أم فارس كانت شبه متأكدة أن العنود لابد حامل
ونقلت إحساسها للعنود وهي تسألها باهتمام وهما في الطريق عن آخر دورة شهرية
الاثنتان تشعران بتوجس سعيد مفعم بالأمل.. وخصوصا أم فارس التي نذرت حياتها لهذا الولد الوحيد.. لفارس
كم هي مشتاقة لرؤية صغاره.. أحفادها
بداخلها كم كبير من الحب ينتظرهم.. ينتظر وجووهم وأناملهم الصغيرة
تكاد تحلم الآن بملمس هذه الأنامل الزبدية بين يديها منذ الآن
تحلم بخطواتهم الأولى وأسنانهم الأولى وكلماتهم الأولى
تحلم برائحة فارس فيهم.. نظرة عينيه وابتسامة الرائعة
تتمنى أن يأخذوا من عبق روح والدهم وجمال أمهم..
مرجلة آل مشعل إن كانوا فتيانا.. آصالة عماتهن بالرضاعة إن كن فتيات
تريدهم أن يجمعوا كل الصفات المميزة.. تريدهم الأروع
أو ...
بالأحرى تريدهم كيف كانوا.. وكيف كان شكلهم
حتى وإن كانوا الأبشع بين الأطفال
يكفيها أنهم أبناء فارس
العنود كانت تشعر بتوجس مثير رقيق عذب
قطعة من فارس تنمو في أحشائها؟!!
تمازج روحيهما وخليط صفاتهما
هل سيشبه فارس؟؟ أم سيشبهها؟؟
هي تريده يشبه راكان إن كان فتى
وتشبه لطيفة إن كانت فتاة
يا الله لا تستطيع الصبر حتى يصبح جسده الصغير بين يديها وفي أحضانها
انتزع الاثنتان من أفكارهما صوت الطبيبة الهادئ:
نقص بي12 .. هو اللي مسبب الخمول واضطراب الدورة الشهرية
أم فارس شعرت بصدمة موجعة نسفت أبراج أحلامها
تعلم أنهما لم يتجاوزا شهرين بعد منذ زواجهما ومازال الوقت مبكرا
ولكنها كانت قد بنت أحلاما عريضة.. وانهيارها كان موجعا لها
همست أم فارس بخفوت بينما العنود غارقة في صدمتها الرقيقة: نعم؟؟
الطبيبة بذات الصوت الهادئ: البي12 عندها 300 والطبيعي من 450 ل900
تبي لها كورس علاج مكثف
10 إبر كل ابرة بقوة 500 يوم ورا يوم
وبعدين 4 ابرة بقوة 1000 مرة في الأسبوع
وبعدين من الأفضل تأخذ ابرة بقوة 1000 مرة كل شهر بشكل دوري
أم فارس باهتمام: والنقص هذا يأثر على الحمال؟؟
ابتسمت الطبيبة: لأ إن شاء الله
بس هالفيتامين أساسي في تكوين خلايا الدم الحمراء والحمض النووي
ومهم جدا أنه يكون في المستوى الطبيعي وقت الحمل عشان نضمن أطفال أصحاء خالين من التشوهات بإذن الله
الطبيبة استغرقت في كتابة الوصفة الطبية بينما كانت أم فارس تهمس للعنود بابتسامة وتقول لها كلام لا تقصده بحذافيره:
الشهر بداله شهور.. وانتو توكم معاريس وصغار.. استانسوا الحين ولاحقين على غثاء البزران
*********************************
واشنطن دي سي
بيت يوسف
باكينام تدخل البيت ويوسف يدخل قبلها يحمل حقيبتها وفي عينيه نظرة انتصار واضحة
باكينام صُدمت وفُجعت ويوسف يلقي الخبر على مسامعها
رتبت حقيبتها على عجل وهي تشعر بثقل المهمة على قلبها
وطوال الطريق وهي تتحاشى النظر إليه أو حتى محادثته
وهاهي تدخل بيته كأنها تُقاد إلى قبرها
همست وهي تتجاوز الباب بحرج حقيقي: وممكن أعرف أنّا وفيكتوريا جايين ليه؟؟ وإزاي ما يبلغونيش؟؟
يوسف بنبرة اعتيادية: شكلهم عاوزين يعملوها سربرايز
باكينام بتصميم: بس اسمعني أول ما يسافروا أنا هأرجع للسكن
يوسف بهدوء رغم التماع نظرة الخبث في عينيه: لما يسافرو يحلها الحلال
ثم أردف باهتمام: أنا ئلت لماريا تجهز لهم أوضة الضيوف اللي تحت
شوفي هي عملت إيه.. وعملت إيه للعشاء
عشان تباني ئدامهم إنك عارفة كل حاجة
وأنا رايح المطار أجيبهم
***************************
بيت جابر بن حمد
الصباح
أم حمد مريضة اليوم.. فهي باتت تمرض كثيرا الفترة الأخيرة
عالية من بقيت عندها اليوم.. وعلياء ومعالي توجهتا للمدرسة
حينما رن هاتف البيت سارعت لإلتقاطه فهي وشقيقتيها ينتظران اتصالا غاليا على قلوبهن منذ فترة
وكثيرا ما خاب ظنهن في المتصل حين لا يكون حمد الذي لم يتصل منذ أكثر من ثلاثة أسابيع
الفتيات الثلاث يشعرن بحزن عميق وخوف أعمق
غياب حمد جعل والديهما يكبران كثيرا.. وخطوط الهم ترسم علامات غائرة على وجهيهما وروحيهما
لو حدث لوالديهما شيء وحمد غائب.. فمن لهن؟؟
إحساس ضياع يلف أرواحهن المراهقة القلقة
التقطت السماعة بتوتر وهي تهمس: الو
حين سمعت صوته الدافئ يهمس بمرح: أي وحدة في الغزلان الثلاثة أنتي؟؟
انهارت مشاعرها المثقلة
وانخرطت في بكاء حاد وهي تشهق بعنف
حمد شعر برعب كاسح وهو يصرخ: وش شفيش؟؟ حد منكم صار عليه شيء؟؟
عالية تشهق: لا والله كلنا طيبين.. بس اشتقنا لك.. تكفى حمد ارجع خلاص
تكفى
حمد برعب: عطيني أمي أكلمها.. أبي أتطمن عليها
عالية بتوتر وصوتها يهتز: أمي تعبانة شوي ومتمددة في غرفتها
حمد بغضب مختلط بالقلق والتوتر: عالية خلصيني.. أمي وش فيها؟؟
عالية بصدق وكلماتها تنثال بوجع: والله تعبانة شوي بس..وإن شاء الله إنها طيبة
أمي مشتاقة لك يا حمد.. حتى إبي مشتاق لك واجد ولا يبين
وأنا وخواتي
حمد حن مالنا غيرك.. لمتى وأنت مخلينا
حالتنا حالة عقبك
حمد شعر أن روحه تتمزق.. هتف لها بحزم: خلاص قولي لأمي وأبي إني راجع قريب.. قريب
#أنفاس_قطر#
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:24 PM
أسى الهجران/ الجزء السادس والثمانون
رجلان اثنان يجتاحهما شوقهما واحتياجهما لنصفهما الآخر
مثقلان بالأسى والأذى
ومصدران للأسى والأذى
يحتاجان لحيلة ما لخلق الحصار.. وإعادة الحوار
لِـمَ لا؟؟
كل شيء مباح في الحب والحرب
فكيف حينما يكون هو الحب المباح والمتاح والمحال؟!!!!!
**********
واشنطن
بيت يوسف
يوسف غادر البيت بعد أن وضع حقيبة باكينام في غرفته
وهاهي باكينام تصعد بخطوات مترددة
وصلت للغرفة.. جالت فيها بعينيها..
ليلة واحدة قضتها في هذه الغرفة
ليلة واحدة بذكريات قرن كامل.. ألما ووجعا ويأسا
ماذا وجدت من يوسف إلا الإهانة والتجريح ؟!!
كل ما يرتبط بيوسف يجرحها لأبعد حد
ويشجيها لأقصى حد
ويهزها بلا حد
اقتربت أكثر
قميصه ملقً على السرير..تناولته
قربته من أنفها وهي تستنشق رائحته بعمق
عبق رائحة يوسف!!!
احتضنت القميص وهي تشعر أن جروح قلبها لا تتوقف عن النزيف
فهل لهذا النزف من آخر؟!!
وهل لأوجاعها من نهاية؟!!
انتزعها من الموقف رنين هاتفها
انتفضت بعنف وهي تلتقطه..
تنهدت وهي ترد: خوفتيني يا بت يا هيا
هيا بمرح: بسم الله عليش.. وينش؟؟ أنا في السكن
ومشعل راح وخلاني
بتجين أو أتصل فيه يرجع علي
باكينام بحرج: أنا في بيت يوسف
هيا انفجرت ضاحكة: نعم.. نعم.. عيدي ما سمعت
باكينام بغيظ: بلاش عبط يا هيا.. أنا مش نئصاكي
هيا مازالت تضحك: لا جد جد.. قولي لي أشلون صادش يوسف وسحبش لبيته
ثم أردفت هيا بخبث: أو يمكن أنتي تبين تنصادين
باكينام بغيظ أكبر: بس يا عبيطة.. أنا صفية وستي فيكتوريا جايين لواشنطن
عاوزاهم يجوو يلائوني طافشة من بيت جوزي وأنا ماليش تلات أسابيع متجوزة
هيا بصدمة: جداتش كلهم جايين.. فيه اجتماع للامم المتحدة بيصير في واشنطن؟؟
باكينام تضحك باصطناع: زريفة أوي يا بت
ما تنسيش لازم تيجي تسلمي عليهم
هيا تبتسم: أكيد بدون ما تقولين.. خليهم الحين يرتاحون.. وبكرة بأخذ منش العنوان وأخلي مشعل يجيبني
*************************
بيت عبدالله بن مشعل
باحة البيت الأمامية
الساعة 9 صباحا
سيارة ناصر تتوقف في الباحة
ومشاعل تنزل بعباءتها ونقابها بخطوات مترددة ثقيلة
يغمرها طوفان من الخجل والارتباك............ والشوق
وقفت بجوار سيارة ناصر
ناصر أنزل الزجاج وهو يهمس بحزم: اركبي
مشاعل توجهت للباب الخلفي
ناصر بحزم أكبر: وين رايحة.. تراني ماني بسواقش.. رجالش يا مدام
مشاعل تنهدت وهي تتوجه للركوب جواره
ركبت بصمت ورائحة عطرها الرقيق تخترقه بكثافة
هي تعطرت بعفوية لأنها ذاهبة لنساء فقط
أو......
ربما تعطرت من أجل من تجلس جواره ويغتالها اشتياقها له؟!!!
ناصر تحرك وهو يهمس بهدوء: مافيه سلام حتى؟؟
مشاعل بخجل: السلام عليكم
ناصر بذات الهدوء الذي لا يُعلم ما خلفه: وعليكم السلام..
أشفيش زعلانة؟؟
مشاعل بخجل حقيقي: بصراحة محرجة ومستحية.. وش تبي هلي يقولون علي
أقول لهم ماني براجعة بيته.. ثم أروح معك وأرجع عليهم؟!!
ناصر بابتسامة جانبية وهما يصلان للمدرسة القريبة: محلولة يا بنت الحلال.. أنتي الحين خلصي مقابلتش
وأنا أتناش هنا
************************
واشنطن
بيت يوسف
باكينام استحمت ورتبت شعرها وتأنقت لأقصى حد
لا تعلم هل هي تتأنق أمام جدتيها لتظهر بمظهر العروس
أم تتأنق من أجله؟!!!
متوترة كثيرا
تعود لبيت يوسف.. وفي وجود جدتيها الدقيقتي الملاحظة
أي عذاب نفسي هذا؟!!!
نزلت للأسفل وهي تحمل زجاجة عطرها لتكون قريبة منها
توجهت للمطبخ
أشرق وجه ماريا بسعادة: أهلا بعروسنا الهاربة
باكينام تبتسم: أرجوكِ ماريا لا أريد أن تعلم جدتاي أنني لم أكن هنا
أنا هنا منذ اليوم الأول لوصولنا واشنطن
ماريا تبتسم: لا تخشي شيئا.. جو أخبرني وأخبر سانتياغو.. تأكدي أننا حريصان عليكما
ولكن أتمنى ألا تعاودي الهروب مرة أخرى
باكينام تبتسم: أخشى أني سأهرب فور عودة جدتيّ كلٌ لبلدها
ماريا بجزع: أرجوكِ لا تفعلي... جو كان غاية في الاكتئاب طيلة الأيام الماضية
أرجوك ابنتي لا تضغطي عليه أكثر.. فهو على وشك إنهاء دراسته
ويحتاج للتركيز.. وغيابك شتته تماما.. غالبا أدخل عليه لأجده مستغرقا في التفكير والحزن على محياه
باكينام شعرت بحزن شديد يخترم فؤادها.. لم تتوقع أن هذا المتوحش المدعو يوسف قد يتأثر من أجل غيابها
( وما أدراني أنه متأثر لغيابي
قد يكون تأثره لأي سبب آخر
فهو لا يحبني حتى يحزن لغيابي ويكتئب)
(وحتى وإن كان هناك سبب آخر لحزنه
أليس ذلك السبب يكفيه.. حتى آتي أنا لأزيد همه هما)
(لست أنا سبب همومه
بل هو السبب في كل شيء.. كل شيء)
***************************
الدوحة
سيارة ناصر
مشاعل أنهت مقابلتها وعادت لناصر الذي كان ينتظرها
ركبت بهدوء يخفي أعاصير قلبها
وناصر كان من تكلم: وش قالوا لش؟؟
مشاعل بهدوء: يبوني أدوام الأسبوع الجاي
ناصر بثبات : خير إن شاء الله
مشاعل همست بخجل.. وحزن ما يغمر فؤادها.. بالكاد رأته : خلاص رجعني
ناصر ابتسم وهما يقتربان من البيت: حاضرين
ولكنه بدل أن يدخل داخل سور بيت عمه عبدالله.. دخل إلى داخل بيت والده
مشاعل برعب: ناصر احنا ليش جايين هنا؟؟
ناصر بابتسامة شاسعة: بيتش يا قلبي
ناصر أصبح يعرف بجميع مخاوف مشاعل من لطيفة..
ولطيفة قررت مصارحة ناصر لأنها شعرت فعلا بعمق حبه لمشاعل ورغبته العميقة في عودتها إليه
وناصر يرى أن تأجيل حل المشكلة سيأزمها
وكلما تأجلت عودتها إليه.. ستجد أن العودة تصبح أصعب وأصعب
وخصوصا أنه حتى الكلام ماعادا يتكلمان سويا
لذا لابد أن يضع مشاعل أمام المدفع.. ويجبرها أن تراه وتعرفه كما هو حقيقة
ناصر بشخصيته الفعلية
ليس ناصر القاسي الذي عرفته بعد عودته من الإصابة
وليس شبح مخاوفها من تجارب شقيقتيها لطيفة وموضي
أن يداوي هو جروح قلبها النازف وهي بقربه
مشاعل بغضب: عيب عليك ناصر تكذب علي.. أنت قلت إنك بترجعني البيت
ناصر يلتفت لها وهو يبتسم: أنتي اللي لا تكذبين علي
أنا ماقلت نهائي إني بأرجعش لبيت عمي
مشاعل تعصر مخها تفكيرا وتذكرا لتجد جملة تدينها فيه..
ولكنه بالفعل لم يصرح أنه سيعيدها لبيت والدها بعد انتهاء مقابلتها
ورغم ذلك لم تنزل وهي تقول بغضب طفولي: ودني لبيت هلي أو بأروح بروحي
ناصر من بيت أسنانه: مشاعل انزلي قدامي.. أو بأجي لش أشلش وأنزلش
مشاعل بخوف: ماني بنازلة
ناصر نزل وهو يغلق بابه بصوت مسموع ..ويتجه لبابها ويفتحه.. قبل أن تنجح في محاولته المرتبكة لاغلاقه
وهو يشدها ليحملها فعليا
مشاعل صرخت بخفوت مرتعب: خلاص ناصر بأنزل بروحي لا تفضحني
مشاعل نزلت بخطوات مترددة: وين أروح؟؟
ناصر بحزم: داخل البيت
مشاعل بمناشدة: حرام عليك تفشلني كذا في هلك
ناصر بذات الحزم: البيت الحين فاضي.. يالله قدامي
مريم في الدوام.. وأمي وأبي رايحين الكَبرة..
مشاعل تتعثر في خطواتها وهي تفكر أنه حينما يرجع ناصر لعمله ستعود هي لبيت أهلها قبل أن ينتبه أحد
ولكن ناصر قطع عليها خط الرجعة وهو يقودها للأعلى ويتصل في ذات الوقت بوالده ووالدها ثم بجدته
ويبلغهم جميعا أن مشاعل عادت برضاها لبيتها المفترض
شعرت بيأس عميق أنه خطط لكل هذا..
تحبه ومشتاقة له ولكنها لا تريد العودة قبل شفاء جروح قلبها
ولا تريد العودة بهذه الطريقة الإجبارية
وصلا للأعلى
ناصر فتح لها باب إحدى الغرف
كانت غرفتان واسعتان مفتوحتين على بعضهما
ومأثثتان بذوق رفيع جدا
هما غرفته وغرفة راكان السابقتان.. بعد أن أستأذن راكان في هذا التبادل
وبدا هذا التبادل لراكان أكثر راحة مع فكرة الزواج الصوري السخيف المعقود بينه وبين موضي.. حتى يتلافى التمثيل أمام أهله
مشاعل دخلت بتردد وهي تقول بتوتر: زين وأغ****؟؟
ناصر يبتسم: كلها هنا من كم يوم.. لطيفة جابتها
مشاعل بعتب عميق: يعني متفقين علي
ناصر يقترب منها وهو يمسح بظهر سبابته على خدها ولكنها ابتعدت لتترك سبابته معلقة في الهواء
تنهد ناصر.. يعلم أن مهمته صعبة.. وكأنهما في معركة بين شد وجذب
همس لها بهدوء حازم: أنتي تبيني وإلا لا؟؟
صمتت مشاعل.. وردها واضح في صمتها
ناصر همس لها بحنان: وأنا أموت فيش... وش ذا العبط واحنا مسوين فيلم هندي
وكل واحد يعذب في الثاني
مشاعل بألم: بس فيه شيء في نفسي انكسر
ناصر بعمق: الكسر نجبره.. وهالمرة بكل صدق ماني بجابرش على شيء
بس خلش جنبي.. تعبت من بعدش
خلش هنا واعرفيني عدل لين تشوفين إنه أنتي مستعدة تبدين معي حياة جديدة ننسى فيها كل اللي فات
*************************
واشنطن
بيت يوسف
باكينام تنتظر بترقب وصول جدتيها.. مشتاقة لهما كثيرا
وروحها الممزقة تحتاجهما لجوارها
وقتها كانت سيارة يوسف تتوقف في الخارج
وهو يبتسم ويلتفت للعجوزين القويتين اللطيفتين الذكيتين
ويهمس بالعربية ثم بالانجليزية:
كما اتفقنا.. أنتما قادمتان لمفاجأة باكينام
لا أريدها أن تعلم أني من طلبت حضوركما حتى لا تغضب مني
فأنا رأيت أنها حزينة وتفتقدكما وأنتما تعلمان أن الفتيات يتأثرن في بداية الزواج لفراق أهلهن
لذا أردتها أن تشعر أنكما تفكران بها.. كما هي تفكر بكما
العجوزان تبادلتا النظرات الخاصة
فهما منذ وجودهما في القاهرة معا وكانت فيكتوريا تستعد للعودة لبريطانيا
ووصلهما اتصال يوسف مع هذه الحكاية اللطيفة المحبوكة عن الزوج المحب المهتم بعروسه
وهما تعلمان أن هناك ماهو أكبر بكثير
وخصوصا مع استعجال يوسف وتوظيفه لمعارفه حتى ينجز لأنا صفية فيزا الدخول لأمريكا لأن فيكتوريا بجنسيتها البريطانية لا تحتاج لفيزا
لذا قررت الاثنتان الحضور وبرأس كل منهما ذات التفكير
"ما بها باكينام؟؟؟"
ما أن دخلت العجوزان حتى قفزت باكينام لترتمي في أحضانهما وهي تنخرط في بكاء جنائزي حاد موجع
الجدتان ويوسف معهما انصدموا جميعا بل فُجعوا.. فبكينام القوية كانت تشهق بشكل مأساوي
يوسف شعر بالتمزق وهو يتمنى أن ينتزع باكينام من أحضان جدتيها ليزرعها في أحضانه هو..
لم يتخيل أنه قد يرى هذه الأنثى الاستثنائية القوية تبكي يوما
باكينام نفسها لم تتوقع أنها قد تبكي
ولكنها مرهقة.. مرهقة تماما
موجوعة.. ومجروحة.. ورؤيتها لجدتيها فجرت كل أوجاعها
الجدتان تبادلتا النظرات ثم نظرتا ليوسف بعتب عميق وكأنهما تحملانه ألم صغيرتهما
صفية همست بحزم: بس بت باكينام.. دموع لا
وفيكتوريا تهمس بحزم مشابه: الدموع للضعفاء وأنتِ لستِ ضعيفة
باكينام تشعر بالألم..
وتريد أن تكون ضعيفة..
وتريد من يحتوي ضعفها ووجعها وانهزام روحها
ولكنها لابد أن تبدو قوية أمامهما.. مسحت وجهها وهي تبتسم:
أنا اشتقت لكما فقط
.
وحشتيني آوي يا أنّا
حينها يوسف اقترب ووضع يده على كتفيها.. انتفضت بعنف وذهول وهي تشعر بثقل ذراعه ودفئها على كتفيها
ثم شعرت بقشعريرة باردة وهو يهمس في أذنها بدفء عميق:
البكا مش عيب... سيبك من جنان الاتراك والايرلنديين
احنا عرب وعندنا مشاعر سخنة مش عندهم
باكينام التفتت له بعينيها الغائمتين التي غرزت حزنا غائما في روحه
ولكنه التفت للعجوزين وذراعه مازالت على كتفي باكينام وهو يقربها منه ويبتسم:
كده تزعلوا عروستي وتخلوها تعيط
أنّا صفية من أجابت بحزم: أديك ئلتها.. عروستك
لأنه بنتنا ما بتعيطش
يوسف طبع قبلة على شعر باكينام وهو يأخذ نفسا عميقا رغم أنه حاول أن يجعل قبلته عفوية وهو يهمس بمرح:
أحلى عروسة.. ربنا ما يحرمنيش منها
باكينام مازالت مذهولة.. ماذا يخطط هذا اليوسف؟؟
ربما يريد فقط أن يبدوا عريسين طبيعيين أمام جدتيها
ربما!!!
باكينام أعادت الترحيب بجدتيها بحرارة وهي تريهما غرفتهما ليبدلا ملابسهما استعدادا للعشاء
ثم عادت ليوسف وهي تهمس له بغضب: ممكن أعرف إيه لزمة التمسيل ده؟؟
يوسف جلس وهو يرد عليها ببرود: أديكي ئلتيها.. تمسيل
عاوزاني أديكي ألمين مسلا عشان تنبسطي
باكينام بغضب: أنته مخلوء غير مهيأ للتفاهم الإنساني خالص
يوسف يرفع حاجبا وينزل الآخر: سبنا التفاهم الإنساني والنفسي ليكي
ما أنتي خبيرة في التفاهم الإنساني... والنفسي خصوصا
باكينام شعرت بألم إهانة حاد لأنها فهمت أنه يعرض بعلاقتها المفترضة مع حمد
ويوسف تنهد وهو يشعر بألم عميق.. يبدو أن كل محاولاته للتناسي باءت بالفشل مع أول حوار بينهما
سيبقى شكه فيها حاضرا كوحش مرعب يقف بينهما
لا يستطيع أن ينسى بل يستحيل مادامت هي لم تبرر له شيئا.. ولم تدافع عن نفسها
وهاهو الحائط يزداد ارتفاعا بينهما
والجرح يزداد تعمقا
مضت فترة العشاء على خير
الجدتان أشعلتا أبراج المراقبة وهما تتفحصان علاقة باكينام بيوسف
ويوسف علم أنه لعب لعبة خطرة بإحضار العجوزين
فلو علمتا أن باكينام غاضبة منه فهو يعلم أنهما ستقفان في صفها وقد يجبرانه على تركها
ولكن كان احضارهما حله الوحيد لإجبار باكينام على العودة إلى حياته
يعلم أنه يلعب بالنار.. ولكنه سيستخدم كل ذكائه لإكمال اللعبة
باكينام لن تخرج من سجنه..
يشك بها!!.. يحتقرها!!.. ولكنه يريدها!!
ومجنون بها
باكينام حاولت أن تبدو طبيعية جدا أمام جدتيها وأنها سعيدة مع يوسف وتحبه
رغم أنها أبعد ما تكون عن الطبيعية والسعادة
ولكن ماذا عن الحب؟؟
نعم.. تحبه
في هذا لم تكذب ولم تمثل..
انتهى العشاء
والعجوزان استأذنتا للراحة والنوم فهما متعبتان من الرحلة الطويلة
تبقى يوسف وباكينام.. يطوف حولهما جو مشحون تماما
حرب نظرات صامتة مشتعلة تستعر بينهما
وكانت باكينام من أنهت هذه الحرب
حين نهضت وتوجهت للأعلى تريد الهرب من أمامه
تخشى فتح حوار ينتهي بتجريحه لها
يوسف كان يريد التحجج بإطروحته ليتركها
ولكنه لم يستطع تركها تغيب عن عينيه
فهو لم يرتوي من النظر إلى محياها العذب بعد
تبعها للأعلى
فور وصولهما.. التفتت له وهي تقول بحدة: إياك تفكر تلمسني
اقترب منها يوسف بهدوء وهو يثبت عينيه على عينيها ويهمس ببرود:
لو فكرت ألمسك دا حئ من أبسط حئوئي.. وأنتي مالكيش حئ تمنعيني
باكينام تتنهد بعمق: أنا عاوزة أعرف انته ليه بتكون كويس لحد ما توصل عندي وكل البشاعة اللي فيك بتطلعها فيا
اقترب منها أكثر
واحتضن وجهها بين كفيه وهمس لها من قرب بدفء حقيقي عميق:
وحشتيني
باكينام شعرت بالتبعثر ودفء صوته يتسلل لروحها
وأحرف كلمة (وحشتيني) تخترقها بكل العنفوان
ولكنها همست بألم: وحشتك بأي معنى؟؟
وحشتك كروح بتنبسط بإهانتها؟؟
أو وحشتك كجسد رخيص للاستهلاك الحيواني؟؟
يوسف تنهد بعمق وهو يشدها ليدفنها بكل قوته بين أضلاعه:
باكينام أنتي ما بتتعبيش من الحرب؟!!!
هدنة ادينا هدنة
سيبك من وحشيتي
وسيبك من غرورك
وادينا هدنة..
وحشتيني وخلاص.. ليه عاوزة تخربي كل احساس جميل بيننا
#أنفاس_قطر#
.
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:26 PM
أسى الهجران/ الجزء السابع والثمانون
بيت محمد بن مشعل
غرفة ناصر ومشاعل الجديدة
بعد صلاة الظهر وقبل الغداء
مشاعل متوترة جدا.. تعلم أن ناصر على وصول
بعد أن غادرها صباحا وعاد لعمله
تشعر بخجل كاسح
لم تتحرك من الغرفة مطلقا ولا تستطيع وضع عينيها في عيني أي أحد من أهل البيت
طرقات رقيقة على الباب
مشاعل بخجل: من؟؟
من خلف الباب بصوتها الهادئ: مريم
مشاعل قفزت لتفتح الباب بسرعة رغم أنه مفتوح ولكن احتراما لمريم ومكانتها عندها
سلمت على مريم.. ومريم احتضنتها بحنو وهي تهمس بترحيب حقيقي دافئ:
تو ما نور بيتنا.. حتى لو أنا ما شفت النور بس حاسه فيه
إن شاء الله عجبش مكانش الجديد؟؟
مشاعل بخجل: الحمدلله فديتش..كل شيء زين
مريم بحنان: زين انزلي تغدي معنا أنا وأمي
مشاعل بحرج وصدق: بصراحة مستحية يا مريم.. منحرجة أحط عيني في عين عمي وإلا أمي أم مشعل
مريم بهدوء عذب: اسمعيني مشاعل.. هونها وتهون
يعني إذا أنتي كبرتيها تكبر.. وإذا أنتي صغرتيها تصغر
يعني دامش بتحطين السالفة كبيرة وانش منحرجة.. بتخلين ابي وامي يلاحظون انه فيه فعلا شيء كبير
بينما لو نزلتي عادي وتعاملتي مع الوضع عادي.. بتحسسينهم إن الموضوع بسيط
واللي صار بينش وبين ناصر مجرد خلاف عادي مثل اللي يصير بين كل المتزوجين
مشاعل ابتسمت برقة: خلاص مريم ألبس وأنزل..
مريم نزلت
ومشاعل انشغلت في تغيير ملابسها والتأنق
وهي أمام المرآة دخل ناصر
توترت
سلم.. ردت عليه بتوتر
ناصر ابتسم دون أن يقترب منها رغم أن شوقه لها يغتاله ويهزه بعنف:
مايصير كل ما تشوفيني كنش شايفة جني
مشاعل ابتسمت: عطني وقت لين أتعود..
ناصر وهو يتجه للدولاب: زين أنا بأبدل.. وبأتغدى في المجلس
وعقبه بأرجع للشغل عندنا مؤتمر.. وماني براجع إلا في الليل
مشاعل باهتمام: مهوب تعب عليك؟؟
ناصر بمرح: خلش تخلصين من غثاي اليوم
************************
الدوحة
بيت فارس بن سعود
غرفة فارس والعنود
بعد الغداء
فارس يفتح الباب بهدوء فهو أصبح يعرف بخيبة أمل العنود اليوم بعد انتهاء فحوصها.. ومن ناحية أخرى هو قلق عليها وعلى إرهاقها
ويشعر أنه قد يكون أرهقها بكثرة التنقلات والتحركات والجولات حينما كانا في تركيا
تطوف دائما في مخيلته بعذوبتها ورقتها وأنوثتها المصفاة
وكأنها قد تنكسر من شدة رقتها ولكنها تفاجئه دائما بقوتها الشفافة
دخل بخطوات ثابتة هادئة
كانت تتمدد على سريرها.. حين رأته جلست وهي تبتسم له ابتسامتها التي تأسره وتأسر روحه على أطراف شفتيها
جلس جوارها وهو يهمس لها بحنان: سلامات ياقلبي
ابتسمت العنود: مافيني إلا العافية
ثم أردفت بنبرة حزن: ولو أني تأملت إنه يكون فيه شيء ثاني
فارس شدها برقة واحتضنها وهمس في أذنها بعمق: ياقلبي تو الناس
على ويش مستعجلة؟؟ تبين حد يشغلش عني يعني؟؟
العنود رفعت رأسها عن صدره وهي تهمس بضعف: يعني جد منت بمتضايق؟؟
نهض فارس ليبدل ملابسه وهو يهمس لها بصدق شاسع ووله مصفى:
إذا قدش جنبي.. ما أبي من الدنيا شيء
ثم أردف باهتمام:
المهم الحين تواضبين على كورس علاجش..
أنا اتصلت في المركز وحطيت مواعيدش كلها المسا... عشان أنا اللي أوديش
**************************
دبي
وقت الغداء
مدينة جميرا
راكان وموضي أنهيا غداءهما وهاهما يجلسان على إطلالة رائعة من إطلالات مدينة جميرا
راكان بهدوء فخم: موضي ترا ناصر أستاذني يبي يأخذ هو غرفتنا واحنا نأخذ قمسه
وأنا رخصت له.. أتمنى ما يكون عندش مانع
موضي توترت نوعا ما.. وجودها معه في مكان منفرد.. أعاد لها ذكريات انفراد حمد بها وهي تصرخ دون أمل في أن ينقذها أحد من براثنه
ولكن رقته الفخمة وهو يقول (غرفتنا) رغم أنها لم تكن يوما غرفتها.. أذابت شيئا ما في روحها بعفوية غضة
موضي ابتسمت: أفا عليك راكان.. وهو عقب كلامك كلام.. أو تظن إني بارادك في شيء أنت عطيته..
راكان يبتسم لها بدفء: على العموم قسم ناصر أحسن..
والشيء الثاني أنا عقب رجعتنا للدوحة بشوي مسافر لسنغافورة عندنا بطولة آسيا للرماية
تقدرين تروحين بيت هلش لو حبيتي لين أرجع
شعرت موضي بما يشبه إحساس ضياع موجع.. فهي طوال أكثر من أسبوع كانت ملتصقة به كظله
فكيف ستتوازن بعد سفره؟!!
هزت رأسها وهي تهرب من أسر أفكارها.. لتبتسم وتهمس له برقة:
إن شاء الله الذهبية ذا المرة
راكان ضحك: يعني تذكريني إني و لا مرة خذت ذهبية أولمبية
موضي تبتسم: بس خذت أكثر من ذهبية محلية وخليجية وعربية
فما فيه داعي للتواضع على غير سنع
راكان يبتسم: بس ذهبية القارة غير
موضي تعاود الابتسام: بس خذت فضية وبرونزية قبل كم سنة في الدورة اللي فاتت... لا تصير طماع
راكان يعاود الضحك: ماشاء الله عليش.. حافظة ميدالياتي أكثر مني
موضي تضحك بخفوت عذب: في هذي لا تصير مغرور.. لاني حافظة ميداليات ناصر بعد
ماعندنا أبطال غيرك أنت وياه
راكان بعمق: ادعي لي ذا المرة أجيب الذهبية..
كل مرة أكون قريب.. قريب.. يصير في الأخير اللي يخرب علي
أحس أحيانا كأنه الفرح كثير علي
موضي بجزع: تكفى راكان ما تقول كذا.. قلبي عورني مع كلمتك والله العظيم
راكان ابتسم: بس أكيد الحظ ابتسم لي يوم بعث لي ربي خوي سفر مثلش
موضي بحزن شفاف: شكرا على المجاملة.. ولو أنك ما ضبطتها
*****************************
واشنطن دي سي
بيت يوسف
قبل الظهر بقليل
باكينام فتحت عينيها بكسل
مازالت لم تستوعب مكانها
وهي تظن أن أحداث الأمس كلها ليست سوى حلم طويل مليء بالهلوسات
رائحة عطر رجالي فخم تحيط بها
فتحت عينيها لتجد رأسها على صدر يوسف
انتفضت وهي تقفز مبتعدة بجزع
نظرت من بعيد ليوسف المستغرق في نومه
فهما لم يناما حتى صليا الفجر
مثقلان بالجرح والحب
تنهدت باكينام بعمق
(أي كابوس جميل هذا؟!!
كابوس وجميل؟؟!!
أي تناقض تسقيني إياه يا يوسف؟!!)
غيرت ملابسها
وارتدت فستانا زهريا لمنتصف ساقيها
ماسكرا بلون أخضر داكن.. وبعضا من ملمع شفاه زهري
لتبدو طلتها كزهرة صباح مشبعة بالندى
نزلت وهي تشعر بخجل عميق من جدتيها لأنها تأخرت في النوم
لابد أنهما صحتا منذ وقت مبكر
وبالفعل كانت الجدتان تجلسان في الأسفل بالقرب من المدفأة الحجرية
ويرتشفان قهوة ساخنة أعدتها لهما ماريا
فمازال الجو شديد البرودة في واشنطن مع أواخر شهر فبراير
ولكن البيوت غالبا مدفأة بتدفئة مركزية كما هو حال بيت يوسف
ولكن الجدتين أرادتا الاستمتاع بدفء أكبر قرب النار
باكينام تنهدت وهي تسلم بمرح:
صباح الخير لأحلى جدتين على الكرة الأرضية
كل جمل باكينام تقولها مرتين بالعربية مرة وبالانجليزية مرة أخرى
الجدتان نظرتا لها بتفحص.. وكأنهما تريدان سبر أغوارها
صفية ابتسمت: صباح نادي يا عروسة
وشك زي ورد النهاردة
مش زي امبارح دبلان وتعبان
حتى وانتي حاطة مكياج امبارح كان باين تعبان
بس دلوئتي زي ئمر
كحت باكينام بحرج..
أ يكون لقرب يوسف هذا التأثير الواضح عليها حتى في شكلها؟!!
روحها تتفتح كزهرة نيسان في قربه
ووجهها يشرق في حضرته
وكأنها زهرة عباد الشمس التي تتجه للشمس
ويوسف هو شمسها التي تمدها بالإشراق والحياة
فيكتوريا أشارت لها أن تجلس جوارها
جلست بجوار فيكتوريا التي احتضنت كتفيها وهمست لها:
كيف هو جو معكِ؟؟
هل أنت سعيدة معه؟؟
ابتسمت باكينام وهي تجيبها بصدق: أحبه
ابتسمت فيكتوريا: لا تلاعبيني يا فتاة
فحبك له واضح حتى لمن لا عينان له
لم أسألك إن كنت تحبينه
سألتكِ هل أنتِ سعيدة معه؟؟
عاودت باكينام الإبتسام: سعيدة
فيكتوريا تنهدت: سأكتفي اليوم بإجابتك الأولى لأنها أكثر صدقا
صفية همست بتقطيب: مالك بتتساسري أنتي وأنتك الخوجاية؟؟
باكينام ابتسمت: انتو مش بئيتو صحاب خلاص؟؟
صفية تبتسم: آه صحاب ولا حد فينا فاهم التاني.. بنتكلم بالإشارة
باكينام بحماس: اليوم هألف بيكم واشنطن كلها.. حتى البيت الأبيض هأخليكم تزوروه (ذات الجملة أعادتها بالانجليزية)
فيكتوريا تبتسم: زرت واشنطن عدة مرات مع ويليام
باكينام تبتسم: رأيتي واشنطن بعين ويليام.. اليوم ترينها بعيني
وهما في حواراتهن.. رن هاتف باكينام.. كانت هيا
باكينام بمرح: اهلا يا هيا
هيا برقة: هلا فيش.. عطيني عنوانكم
بأصلي الظهر وبأجيكم
وتراني بأجيب غداكم معي
باكينام بحرج: ايه تجيبي غدا معاكي؟؟ مالوش لزمة
هيا تبتسم: عيب عليش.. انتي شبعتي عندي اكل خليجي
خليني أذوق جداتش ويوسف
وعلى فكرة ترا مشعل بيجي معي يتعرف على يوسف
فحطي في بالش تجهزين لهم مكان بعيد عنا
باكينام بترحيب حقيقي: اهلا وسهلا فيكي وفي الدكتور مشعل
ويوسف هينبسط كتير انو يتعرف عليه
(قالت هذه الجملة وهي لا تعلم حقيقة هل يوسف يرحب أو لأ)
جهزت مكتب يوسف لاستقبال مشعل ثم صعدت لتصلي الظهر ولتخبر يوسف
حين دخلت
كان يوسف يتوضأ للذهاب للمسجد
خرج.. نظر لها بتمعن.. وعيناه تمسحان إطلالتها التي تعذبه
همس بنصف ابتسامة: الحلاوة دي كلها عشان أنّا وفيكتوريا؟؟
باكينام بتوتر غير مفهوم: تئدر تئول كده؟؟
كان يرتدي ملابسه وهي تدور في الغرفة.. وواضح تماما أنها تريد أن تقول شيئا
يوسف كان يتناول جاكيته وهو يهمس لها بهدوء: فيه إيه باكي؟؟
باكينام بتردد: صاحبتي هيا جايه تزورني وتسلم على ستاتي
وجوزها جاي معاها يتعرف عليك
هو طالب دكتوراة وهيخلص ئريب زيك تمام
ممكن تكون كويس معاه؟؟
يوسف نظر لها باستغراب: أنتي فكراني همجي بجد وإلا إيه؟؟
الراجل جاي لحد بيتي.. دنا أحطه فوء دماغي.. مش عشانك.. لكن عشانه ضيفي أنا
ثم أردف بضيق وهو يعطيها ظهره ويحكم إغلاق سحاب الجاكيت
و يخطر له خاطر مؤذٍ: وإلا تكوني فاكرة إني هاشوف في كل راجل خليجي صورة غريم يفكرني بحبيب الئلب؟!!
تنهدت باكينام بألم عميق.. وهي تسحب أنفاسها بألم أكبر
هذه المرة الإهانة كانت حادة.. حادة.. موجعة لأبعد حد
(لماذا يوسف؟؟ لماذا تستمتع بتعذيبي وأذيتي لهذا الحد؟!!
ماذا فعلت لك لأستحق منك هذا التجريح؟!!
هل تعلم يوسف
لست نادمة أبدا أني لم أخبرك الحقيقة
لست نادمة
أنت تستحق كل الألم الذي تعيشه
فمهما كان ألمك
فهو ليس بمقدار ألمي
احترق يوسف.. احترق أكثر.. وأكثر)
باكينام ردت عليه ببرود رغم أنها تغلي في داخلها:
تعرف أنك أحقر راجل على وش الأرض
مادمت بتشك فيني وتحتقرني.. متمسك فيا ليه؟؟
بتئربني منك ليه؟؟ بتتنازل تلمسني ليه؟؟
اعتئني.. اعتئني.. وارتاح مني
يوسف يمسك ذراعها ويشدها إليه وهو يهمس من بين أسنانه:
ولا تحلمي في يوم إني ممكن أسيبك تبعدي عني
أنا وأنتي خلاص اتربطنا ببعض
والحاجة التانية أوعي تطولي لسانك عليا مرة تانية
ثم أفلتها وهي تدعك ذراعها الذي يألمها
تنهد بعمق وهو يغادر للصلاة ويهمس لها: ضيوفك هم ضيوفي
ما تخافيش مش هأحرجك بهمجيتي
**************************
بيت محمد بن مشعل
بعد المغرب
جمعة عائلية نسائية بمناسبة عودة مشاعل وإن كان أحدا لم يصرح بأن هذا هو السبب حتى لا يحرجن مشاعل المحرجة أصلا
أم مشعل هتفت بصوت عال: يا جماعة ترا راكان وموضي بيوصلون بكرة في الليل
وإن شاء الله بسوي لموضي عشاء كبير بعد بكرة.. عشان كن البنيات يبون يتجهزون
معالي كانت أول من تكلم وهي تقول بحماس مفتعل وإن بدا للكل حقيقيا:
الله يهداش خالتي توش تقولين
يا الله إن شاء الله بكرة يكفينا نتجهز
معالي سارعت للكلام حتى تصرف الانتباه عن وجه والدتها وشقيقتيها اللاتي غمرهن حزن شفاف
فمازال موضوع زواج موضي من راكان يسبب الألم لهن وخصوصا مع معرفتهن أن حمد سيعود قريبا
تعلمن أنها ماعادت تحل لحمد حتى ولو لم تكن تزوجت.. ولكنهن يعلمن أيضا أن هذا لن يمنع حمد من الشعور بالحزن العميق
فهن كن يعلمن تماما ولعه الجنوني بموضي وحبه اللا محدود لها..
الجدة ردت على معالي وهي تنهرها: قصري حسش يا بنت.. وش ذا الفلاج؟؟
ماتعرفين السحا؟!!
معالي جلست جوار جدتها وهي تحتضن ذراعها وتقبل كتفها: كذا يا هويه
تفشلين بنتش المزيونة
الجدة ابتسمت وهي تقرص ذراع معالي: أما مزيونة وتفشلت.. فكثري منها يأمش
معالي تدعك القرصة: وأنا أقول أمي من وين متعلمة تقبص كذا.. أثرها خذت كورس عند الرأس الكبيرة
الجدة بخبث لطيف: أمش كانت قبصتها غير.. أنتو يا بنات ذا الزمن مدلعات
لو أقبصش مثل ما كنت أقبص أمش.. كان فضحتينا بصياحش
زاوية أخرى
العنود تجلس بجوار مريم
مريم بحنان: سلامتش ياقلبي.. كله من اهمالش لأكلش الله يهداش
العنود تبتسم: لا تسوين لي مثل فارس..كل كبدي من كثر ما يوصيني: كلي كلي.. هذا أنا بأخذ الأبر وأصير أحسن
مريم بتساءل حذر حنون: مبسوطة مع فارس؟؟
العنود بصدق: مبسوطة فوق ما تتخيلين.. فارس إذا كان رايق يجنن يجنن فديته
الله يبعد عنا بس عصبيته وغيرته ويكون كل شيء تمام
مريم تبتسم وهي تحتضن كف العنود: وأنتي لا تسوين شيء يخليه يعصب وإلا يغير ويكون كل شيء تمام
زاوية ثالثة
لطيفة ومشاعل
مشاعل بعتب: كذا يا لطيفة تتفقين مع ناصر علي
لطيفة تبتسم: أبي أسوي فيش خير.. شوفي حتى لو سويتي روحش زعلانة
أدري أنش مبسوطة.. شوفي عيونش أشلون تلمع
مشاعل كحت بحرج
ولطيفة تكمل بذات الابتسامة: أنتي على قولت عجايزنا "اغصبني واتغيصب"
مشاعل بصدمة وخجل: أنا؟؟
لطيفة تضحك: ميشو مهوب علي... أنا مربيتش يا بنت
خلي التمنان والدلع لناصر مهوب لي
يا بنت الحلال تدلعي عليه وأنتي عنده... خلونا من غرام المراسلة الفاشل
ولا تطولين الدلع.. أنا مشتاقة لبيبي صغنون ألاعبه
وجودي شبعت من الدلال.. خل يجي ولد عمها وخالتها ويخرب عليها
مشاعل شرقت وكلماتها تخرج متناثرة بصوت خافت مكتوم:
لطيفة أنتي شكلش كبرتي وخرفتي
***********************
دبي
جناح راكان وموضي
بعد صلاة العشاء
عاد الاثنان للفندق ليصليا ويغيرا ملابسهما ليعاودا الخروج للعشاء خارجا
ثم يتمشيان قليلا على الخور
فالليلة ليلتهما الأخيرة في دبي
موضي كانت تصلي في الغرفة بينما راكان ذهب للمسجد
حينما انتهت كان راكان يعود
همس لها بهدوء: أنا بأخذ شاور على ما تلبسين
موضي توجهت للمرآة وهي تتناول كريما من حقيبتها
فتحت أزارار قميصها وهي تكشف عن كتفها الأيسر
كانت تتأمل الأثر الواضح بألم شاسع
مهما حاولت التناسي.. لا تستطيع أن تنسى
الطبيبة أخبرتها أن لون الأثر سيخف مع الوقت ومع العلاج
ولكنه لا يخف.. والجرح بروحها يتعمق
(إلى متى ؟؟
إلى متى وهذا الوجع يستوطن روحي وشراييني؟!!
كم أتمنى أن يأتي اليوم الذي أنسى فيه كل هذا.. وأحلق
أحلق
أحلق حتى حد النجوم.. وأداعب وجنات القمر
متى أعود كما كنت؟؟
مخلوق معجون بالحياة والإشراق والتألق
روح محلقة
محلقة
محلقة!!)
تنهدت وهي تعود من أفكارها
ومدت يدها للكريم لتأخذ منه بعض النقاط لتمدها على الأثر
ولكن قبل أن تصل للعلبة التي وضعتها على التسريحة
فُجعت بيد قوية تمسك بمعصمها
وصوته يصلها هادرا عميقا موجعا: لفي خليني أشوف كتفش
#أنفاس_قطر#
.
.
كبرياء فارس
05-08-2009, 05:27 PM
أسى الهجران/ الجزء الثامن والثمانون
دبي
جناح راكان وموضي
بعد صلاة العشاء
عاد الاثنان للفندق ليصليا ويغيرا ملابسهما ليعاودا الخروج للعشاء خارجا
ثم يتمشيان قليلا على الخور
فالليلة ليلتهما الأخيرة في دبي
موضي كانت تصلي في الغرفة بينما راكان ذهب للمسجد
حينما انتهت كان راكان يعود
همس لها بهدوء: أنا بأخذ شاور على ما تلبسين
موضي توجهت للمرآة وهي تتناول كريما من حقيبتها
فتحت أزارار قميصها وهي تكشف عن كتفها الأيسر
كانت تتأمل الأثر الواضح بألم شاسع
مهما حاولت التناسي.. لا تستطيع أن تنسى
الطبيبة أخبرتها أن لون الأثر سيخف مع الوقت ومع العلاج
ولكنه لا يخف.. والجرح بروحها يتعمق
(إلى متى ؟؟
إلى متى وهذا الوجع يستوطن روحي وشراييني؟!!
كم أتمنى أن يأتي اليوم الذي أنسى فيه كل هذا.. وأحلق
أحلق
أحلق حتى حد النجوم.. وأداعب وجنات القمر
متى أعود كما كنت؟؟
مخلوق معجون بالحياة والإشراق والتألق
روح محلقة
محلقة
محلقة!!)
تنهدت وهي تعود من أفكارها
ومدت يدها للكريم لتأخذ منه بعض النقاط لتمدها على الأثر
ولكن قبل أن تصل للعلبة التي وضعتها على التسريحة
فُجعت بيد قوية تمسك بمعصمها
وصوته يصلها هادرا عميقا موجعا: لفي خليني أشوف كتفش
موضي انتفضت برعب وهي تحاول شد طرف قميصها لتستر كتفها العاري عن نظرات راكان الغامضة العميقة والموجعة
كانت نظراته خليط من غضب ويأس وألم مر.. ومشاعر أخرى عميقة ومجهولة
(الله يأخذني.. الله يأخذني
أشلون ما انتبهت إنه طلع من الحمام
وهو ليش طلع بسرعة كذا؟!!)
كانت تنظر له برعب موجع وهو يقف أمامها عار الصدر إلا من ضمادة كتفه التي أصبحت أصغر حجما بعد تحسن حالته
وهو يقيد يديها الاثنتين ليمنعها من محاولة تغطية كتفها
ويهمس لها بعمق غاضب ناري مختلف لأبعد حد اشتعالا وعمقا:
منه؟؟ صح؟؟
صمتت وعيناها تغرقان في بحر من الدموع.. دموعها نحرت روحه وهي تهمس برجاء موجع :
تكفى راكان.. هدني
راكان أطلق أسار يديها مجبرا من أجل رجائها الذي لم يستطع رده
وسارعت لاغلاق أزرار قميصها حتى آخر عنقها
كانت تريد الهرب من أمامه ولكنه لم يمنحها الفرصة وهو يثبتها في مكانها و يحكم إمساك عضديها بقوة
كانت تنظر للأسفل ووجهها غارق في دموعها الصامتة
همس لها بعمق: موضي طالعيني
لم تستطع رفع عينيها إليه.. شدها وأجلسها على السرير وجلس جوارها
مد سبابته لذقنها ورفع وجهها برقة..
همس لها بألم لم يستطع إخفاءه: ليش تبكين؟؟
وهمست له بألم لم تحاول إخفاءه: وأنت ليش طلعت من الحمام بسرعة؟؟
راكان تنهد بعمق: رغم أن هذا مهوب جواب..
بس طلعت لأني نسيت أجيب ضمادة عشان أغير هذي إذا تسبحت..(قالها وهو يشير لضمادته)
راكان رغم تحكمه الكبير بأعصابه.. إلا أنه كان يعاني غضبا صاخبا يثور في أعماقه كالبراكين
كانت حمم غضبه تتدفق في موجات متتالية
بكاءها وانكسارها ووجيعتها جعلته مستعدا حتى للقتل حتى يمحي نظراتها المبللة بالدموع
راكان مد يده لأزرار قميصها ليفتحه وهو يهمس بعمقه الخاص الذي لا يشبه أحدا سواه:
خليني أشوف يا موضي
موضي قفزت مبتعدة وهي تضم جيبها بيدها الاثنتين
راكان وقف في طريقها ليمنعها من الهروب للمرة الثانية
همس لها بذات العمق الموجع: موضي ليش تعقدين نفسش على شيء ما يستاهل؟!!
عشان أثر بسيط في كتفش؟؟!!
هذا أنا عندي أثر أقوى في كتفي
(قالها وهو ينتزع ضمادته بحدة لتظهر علامات غائرة في كتفه مكان أنياب الذئب)
موضي بألم عميق جارح: وتقارن نفسك فيني؟؟.. أنت رجال ما يعيبك أي شيء
لكن أنا غير.. غير
راكان يمسك بمعصمها ويشدها قليلا باتجاهه وهو يجيبها بعمق شاسع مذهل:
أنا وأنتي ما بيننا فرق.. مثل ما أنتي تشوفين إنه ما يعيبني شيء
أنا أشوف إنه ما يعيبش أي شيء مهما كان.. فشلون بأثر سخيف تافه مثل هذا؟!!
ليش الحياة يعني ما تقوم إلا على جسد مثالي خالي من العيوب؟؟
ونغدي حن عبيد أجساد مسعورين؟؟
الإنسان كله مخلوق مليان عيوب في روحه اللي هي العماد
فشلون وأنتي وروحش وحتى في شكلش كاملة والكامل وجه الله.. الأثر هذا اعتبريه كفارة لكمالش
موضي ماعادت تحتمل كل هذا.. كل هذا كثير عليها.. كثير
انخرطت في بكاء حاد هستيري وهي تنهار على الأرض
راكان فُجع وهو يراها تسقط أمامه وتنهار في عاصفة من الدموع
شدها للأعلى بقوة وحنان
ليزرعها بين أضلاعه وهو يحتضنها بقوة متملكة وحنان مصفى
موضي شعرت بانهيار فعلي وأحاسيس ثورية تغتال مشاعرها وهي تستكين بأمان في أحضان راكان
شعرت أنها أخرى.. في مكان آخر.. في زمن آخر
أهدرت كل طاقة بكائها ونشيجها وهي بين أحضانه
أغرقت صدره بدموعها الغزيرة
حين تعبت من العويل صمتت وهي تشهق بخفوت.. وهو لم يفلتها مطلقا حتى هدأت تماما
حينها أبعدها قليلا لينظر إلى وجهها الذي تورم من البكاء
بدت له أكثر جمالا وعذوبة مما يمكن أن يحتمل مخلوق بشري
أكثر رقة وفتنة من أي تصور خيالي موغل في الخيال
مسح بأنامله دموعها التي لا تتوقف سيولها..مسحها بكل الحنان المتجسد الذي قد يوجد على الكرة الأرضية
وهو يمعن النظر في رموشها المبتلة وشفتيها المرتجفتين وخديها المحمرين
ثم..
احتضن وجهها بين كفيه
لترفرف قبلاته العميقة الدافئة على مختلف أجزاء وجهها
ودموعها مستمرة بالانهمار في صمت
*************************
واشنطن
أمام بيت يوسف
الساعة الواحدة والنصف ظهرا
كانت سيارة مشعل تتوقف.. ويلتفت لهيا ليقول بهدوء يخفي حرجه:
هيا يمكن الرجال مشغول.. انزلي انتي عند رفيقتش وجداتها
وأنا بجي لش إذا خلصتي
هيا بمناشدة عميقة: تكفى مشعل أبيك تعرف على يوسف
عشان خاطري
تنهد مشعل وهو يستعد للنزول: يا كثر حنتش بس.. إذا حطيتي شيء في رأسش الله يعين عليش
هيا ابتسمت: فديت اللي دايما جابر بخاطري..
مشعل يبتسم: إيه العبي علي.. تدرين أخق عند أقل كلمة تقولينها لي.. ماشفت خير
الاثنان نزلا ومشعل يحمل حقيبة طعام ضخمة تحتوي قدور الغداء الذي أعدته هيا وتركته مغلقا بإحكام في قدوره
طرقا الباب
ومشعل يتأخر للخلف
باكينام فتحت الباب بعد أن أبدلت ملابسها وارتدت عباءة خضراء مطرزة مع حجابها
وهي ترحب بهما بحرارة
الاثنتان دخلتا
ويوسف خرج لمشعل وهو يرحب به ترحيبا كبيرا ويحمل الحقيبة عنه ليدخلها المطبخ
ويقوده إلى مكتبه
هيا سلمت على العجوزين وكانت سعيدة جدا بهما..
هذه ليست المرة الأولى التي تراهما فيها
فقد رأتهما في بريطانيا عدة مرات
كانت ترى فيهما شبها كبيرا من باكينام.. فباكينام أخذت من الاثنتين الكثير من الصفات شكلا ومضمونا
ورؤيتهما ذكرتها بجدتها هيا التي اشتاقت لها كثيرا
فيكتوريا بترحيب: أهلا بكِ ياصغيرتي.. ومبارك زواجكِ وحملكِ أيضا
هيا بمودة: شكرا على لطفكِ.. يبدو أن باكينام أخبرتكم بكل شيء
فيكتوريا برقة: أتمنى كما غارت منك باكينام وتزوجت بعدك.. أن تغار منك وتنجب لنا حفيدا صغيرا
كانت باكينام حينها تمد يدها لهيا بفنجان قهوة.. انتفضت يدها.. لتنسكب قطرات من القهوة على يدها
صفية قفزت وهي تأخذ الفنجان من يد باكينام: خدت شر وراحت
ماعلش بت هيا هأصب لك واحد تاني
باكينام بتوتر أخفته خلف هدوءها: ماعلش أنّا.. أنا اللي هأصب.. ائعدي أنتي بس زي البرنسيسات
تفكير باكينام يتجه لاتجاه مرعب.. ماذا لو حملت.. أو كانت حتى حاملا
فهي لم تتخذ أيه احتياطات أو موانع
أ يعقل أن تحمل طفلا من يوسف المتوحش؟!!
أي طفل هذا الذي سيكون نتاجا للاهانات والتحقير والوجع والقسوة؟!!
مادامت في بيته.. فهي لا تستطيع منعه من حقوقه عليها
فماذا تفعل؟؟ ماذا تفعل؟؟
تنهدت بعمق وهي تميل على هيا وتهمس لها:
هيا ممكن أروح أنا وأنتي للدكتورة بعد الغداء
هيا نظرت لها بعينين لامعتين وهي تغمز بصمت وتهز لها رأسها
***************************
بيت محمد بن مشعل
غرفة ناصر ومشاعل الجديدة
الساعة العاشرة مساء
ناصر يعود بعد يوم العمل الذي كان طويلا ومرهقا تماما
كانت مشاعل تنتظره وهي تشعر بتوتر عميق.. كيف سيكون تعامله معه بعد أن عادا للسكن معا
هل سيعاود القسوة عليها؟؟
هل سيكون عاشقا رقيقا كما كان حين عادت لبيت أهلها؟!!
هل سيطالبها بثمن رقته وحنانه معها؟؟
ناصر يبتسم لها فور دخوله
يسلم.. وترد عليه السلام بذات التوتر
يسألها بحنان واهتمام: أشلون مكانش الجديد؟؟ عسى مرتاحة؟؟
مشاعل بخجل: الحمدلله
جلس قريبا منها رغم أنه كان يتمنى بكل الوجع أن يجلس جوارها ويأخذها في أحضانه
ولكنه كان يفكر بمنطق (كل شيء في وقته حلو)
سألها باهتمام عن أحوالها وأخبرها عن أحداث يومه
كان يحاول أن يبدأ بإدخالها إلى عوالمه كزوجين فعليين يتشاركان في كل شيء
ويعرفان عن بعضهما كل شيء
قضيا فترة يتحدثان وبينهما نوع من الحذر
ثم استأذنها ليتوجه للحمام ليتوضأ ويصلي قيامه فهو مستهلك من التعب ويريد أن ينام
ومن ناحية أخرى لا يريد أن يثقل على مشاعل
يريدها أن تشعر بالراحة والاطمئنان
ولا يريد أن يستعجلها في أي شيء
فيكفي ما عاشاه من الآم منذ اليوم الأول لزواجهما
لا يريد تكرار أخطائه
يريدها أن تقتنع به تماما هو كما هو بكل عيوبه وميزاته
هو ..ناصر الحقيقي.. في مكانه الطبيعي
حينما أنهى الصلاة
جلس على السرير ليخلع ساقه
كانت المرة الأولى التي ستراه فيها يفعل هذه المهمة الروتينية
كانت قد نسيت تماما أمر هذه الساق
فهو كان أمامها طيلة الأيام الماضية رجلا كاملا فعليا
ولكنها الآن لابد أن تتقبل وتتعود على هذا الروتين المؤلم
همست له برقة وهي تقترب: تبي أساعدك بشيء؟؟
ناصر رفع رأسه بعد أن أنهى فك الساق ووضعها تحت السرير
ابتسم لها بحنان: لا ياقلبي شكرا.. بادهن مكان البتر وبس
فتح الجارور المجاور لسريره وتناول الكريم منه
شعرت مشاعل بألم شاسع وهي ترى مكان البتر
ولكنها لم تعلق مطلقا.. فهي لا تريد أن تشعره أن هناك شيئا مختلفا
دارت حول السرير لتجلس على الطرف الآخر
فعليا لم تكن تريد النوم بجواره
ولكن ستبدو سخيفة إن توجهت للنوم في مكان آخر
بعد أن كانت طوال فترة معيشتهما معا تنام إلى جواره
ناصر غطى ساقيه ثم ألتفت لها وهو يبتسم ويقول بوله:
وأخيرا بأنام على شوفت وجهش.. وأصحا عليه
اشتقت لش ياقلبي.. والله ما تتخيلين أشلون اشتقت
اشتقت
اشتقت
واشتقت...
*****************************
دبي
جناح موضي وراكان
وقت ما بعد صلاة العشاء وقبل منتصف الليل
كل واحد منهما معتصم بأقصى ناحية من طرفي السرير
ويعطي للآخر ظهره
شعور غامض عميق يلفهما.. وشعور بالحزن يغتال مشاعرهما
لِمَ هما غير سعيدين هكذا؟؟
هل لأن ماحدث كان يجب ألا يحدث؟!!
أم لأن ماحدث كان مجرد نداء فسيولوجي طبيعي لم يكن للحب دور فيه؟!!
ولكن أ حقا لم يكن للحب دور فيه؟!!!!
راكان همس بعمق وهو مازال يعطيها ظهره: أنا آسف يا موضي
موضي بخفوت موجع وكأنها تحادث نفسها: ليش تعتذر راكان؟؟
اللي صار أنت ما جبرتني عليه.. صار برضاي وموافقتي
راكان بذات العمق: كاره نفسي.. أحس أني استغليت ضعفش
موضي بذات الخفوت العميق: وليش ما تقول أني أنا استغليت شهامتك وشفقتك
مازال الحوار يدور وكل واحد منهما عاجز عن النظر للآخر
راكان يظن أنها تجاوبت معه لأنها كانت تشعر بالضعف وهو قدم لها المساندة والاحتواء..
ولأنها تحترمه وتقدره لم ترد أن تجرحه برفضها له..بينما هي في داخلها غير متقبلة لأي لمسة منه
بينما موضي تظن أن ماحدث ليس سوى محاولة فاشلة من راكان لتعزيز ثقتها بنفسها وأنها أنثى كاملة قد تجذب أي رجل
وماحدث وفقا لأفكار كل طرف كان مؤذيا وموجعا لأبعد حد.. بل بلا حدود لمساحات الأذى والوجع المتشعبة
راكان همس بشفافية: موضي أنتي شيء كبير عندي.. ومابي اللي صار يخرب علاقتي فيش
موضي تتنهد: اعتبر انه ماصار شيء.. خلاص ننساه لأنه أنت عندي شيء أكبر مما تتخيل
احتكم الصمت لعدة دقائق قام بعدها راكان ليستحم
بينما موضي حينما تأكدت أنه دخل للحمام وأغلق على نفسه.. سمحت لأنهار دموعها المحبوسة بالانهمار
**************************
واشنطن
شقة مشعل
هيا ومشعل يعودان لشقتهما بعد الزيارة الطويلة لبيت يوسف
والتي توطدت فيا علاقة مشعل بيوسف
مشعل بهدوء: وين رحتي أنتي وباكينام يوم استأذنتي تطلعون مشوار عقب الغداء؟؟
هيا بعمق وأفكار مستجدة تخطر ببالها: رحنا للدكتورة
هيا أصرت أن يتعرف مشعل على يوسف حتى تطلب من مشعل أن يخبر يوسف عن حمد حين يصبح الوقت مناسبا
ولكنها أصبحت ترى أنها لابد أن تتصرف بشكل أسرع
فبكينام تتألم وحالتها يرثى لها
كانت تتذكر مشوراهما للطبيبة وهي تهمس لبكينام: ليه تبين الدكتورة؟؟
باكينام بهدوء: عاوزاها تفحصني وتكتب لي برشام منع حمل
هيا بهدوء: طيب مهوب المفروض تسوين فحص حمل قبل
باكينام بألم: أنا بأتمنى من كل ئلبي ما أكونش حامل.. لكن لو كنت مش هيبان من تست عادي لازم أعمل فحص دم لأنه هأكون في أسابيع بس
وادينا رايحين وهاشوف هاعمل ايه
هيا بمنطقية: طيب مهوب مفروض تستأذنين يوسف قبل ما تأخذين الحبوب؟؟
باكينام بضيق: هاستأزن.. بس خلينا نشوف الدكتورة هتئول ايه
كانت هيا تراقب وجه باكينام والدكتورة تخبرها أنها غير حامل
وأنها لابد أن تنتظر دورتها القادمة التي سيحين موعدها التقريبي بعد يومين للبدء بتناول الأقراص
تعلم هيا أن باكينام حاولت أن تظهر سعادتها بالخبر ولكنها في داخلها لم تكن سعيدة
فهي في عقلها الباطن كانت تتمنى أن تكون حاملا.. حتى تجد سببا يجبرها على الارتباط بيوسف إلى الأبد
تريد أن تدعي أنها مجبرة عليه بينما هي تكاد تجن من مجرد التفكير أنه قد يأتي يوم لا تكون فيه زوجة ليوسف
هيا تشعر تماما بكل الآمها.. وتشعر جزئيا بالمسئولية لأنها من طلبت من باكينام أن تزور ابن عمتها
القضية الآن أن مشعلا لا يعرف بوجود حمد في مصر للعلاج.. ولا يعرف حتى بضربه لموضي
يعتقد أنه في دورة في مصر
هيا بعد تفكير عميق قررت أن تخبر مشعلا فقط بجزئية العلاج وكيف أنها طلبت من باكينام أن تزوره من أجل عمتها.. ثم ماحدث بعد ذلك
هيا أخبرت مشعلا بكل هذا
ومشعل ثار وغضب كثيرا من هيا:
كذا تورطين بنت الناس في مشاكلنا وتسوين لها مشكلة مع رجّالها
هيا بضعف: هي اللي مارضت تقول له عشان نفسها عزت عليها
مشعل بذات الغضب: خلاص باتصل في يوسف وأقول له كل شيء
هيا بجزع: لا لا مشعل تكفى.. مايصير كذا خبط لزق
شتقول له؟؟
إنه شكك في مرتك ماله أساس
ويدري إنها قالت لي على مشاكلهم
مشعل بنفس الغضب: زين وشتبيني أقول له؟؟
هيا تنهدت: إذا قابلته المرة الجاية قل له بشكل طبيعي في نص الكلام:
انه مرتك سوت فينا معروف
كانت تطمننا على ولد عمتي.. وعمتي وهيا جننوها من كثر ما يطلبون منها تطمنهم عليه
وهي والله ماقصرت مع انشغالها وقتها في تجهيز عرسها مثل ماقالت لي زوجتي
مشعل يتنهد: خلاص بكرة أنا وهو تواعدنا نتلاقى في الجامعة
أقول له بكرة
ثم تذكر شيئا: بس خليني أتأكد من موعد سفر سعيد
لأنه احتمال بكرة
************************
ذات الوقت
في بيت يوسف
العجوزان قامتا لترتاحان قليلا وتبقى يوسف وباكينام جالسين
يوسف بهدوء: ممكن أعرف رحتي فين.. أو هتعمليها قضية الشرق الأوسط؟؟
باكينام بهدوء مماثل: رحت للدكتورة
يوسف شعر بقلق لم يظهر في صوته البارد: ليه يعني؟؟
باكينام تتنهد: عشان تكتب لي برشام منع حمل بعد ازن حضرتك
يوسف بهدوء أكبر: وممكن أعرف السبب
باكينام تنظر له بشكل مباشر وهي تقول بحدة باردة كالصقيع:
كان ممكن أقول عشان انا وانته بندرس وده مش وئته
بس ده هيبئى جواب مالوش معنى مع انه حئيئة
لأنو الحئيئة انو مش عاوزة حاجة تربطني بيك
انا عارفة انه هيجي يوم وتزهئ من اللعبة اللي اسمها باكينام
وئتها مش عاوزة نبئى لعبتين.. أنا وابنك
يوسف وقف بشكل حاد مفاجئ ليمد يده وينتزعها من مقعدها
وينظر لها بشكل مباشر وعيناه تشتعلان بكل معنى الكلمة:
لو كنتي ئلتي لي السبب اللي مالوش معنى مع انه حئيئة
كنت هاوافق تعملي اللي عاوزاه وتاخدي أي مانع انتي عاوزاه
لكن انتي ما يريحيكيش الا تجرحيني عشان تنبسطني
عشان كده بائول لك: لأ..
ولو فكرتي تاخديه من ورايا.. هتشوفي اللي عمرك ماشفتيه
#أنفاس_قطر#
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir