المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمن الطاقة وصراع المصالح الجيوسياسية,,


أبومحمد
11-01-2008, 10:38 AM
أمن الطاقة وصراع المصالح الجيوسياسية

الجمعة, 11 يناير 2008
د. محمد دياب
لقد كان أمن الطاقة على الدوام يتوقف على التجارة الدولية في مجالي النفط والغاز في الدرجة الأولى، أي على انتظام الإنتاج والإمدادات من هذين الموردين الإستراتيجيين بالنسبة الى الاقتصاد والأمن الدوليين، واستقرار أسعارهما على مستويات معقولة. غير أن هذه العلاقة أصبحت أشد ترابطاً ووثوقاً في المرحة الراهنة من التطور العالمي. ويسعى المشاركون في السوق “وبصورة خاصة المنتجون والمستهلكون الرئيسيون” لوضع مجموعة من الآليات التي يمكن أن تخفض من مستوى المخاطر، من بينها ما يسمى “ التكامل العامودي”، وكذلك العقود الطويلة الأجل والتبادل الاستثماري .. إلخ.

الصدمة النفطية

ويتبلور في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين أنموذج جديد لصناعة الطاقة، يرتكزعلى مفهوم “أمن الطاقة”. فالارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز الطبيعي، المقترن في الوقت نفسه بتقلبات كبيرة في إمدادات موارد الطاقة نتيجة لعدم الاستقرار السياسي والأمني في عدد من البلدان والمناطق التي يتركز فيها الإنتاج بصورة رئيسية، والكوارث الطبيعية والنزاعات الإقليمية، وتصاعد ظاهرة الإرهاب، وكذلك الخلافات في مجال الترانزيت (نقل النفط والغاز وما يسمى “ حرب الأنابيب”)، فضلاً عن تزايد عدم الثقة بين المستهلكين وبعض المنتجين، كل ذلك يجعل مسألة “أمن الطاقة” بالغة الأهمية والإلحاحية بالنسبة للدول عموماً، ويدفع إلى إمعان التفكير في آفاق التعاون الطويل الأمد في مجال الطاقة.

ظهر مفهوم “أمن الطاقة” كمسألة ملحّة بعد “الصدمة النفطية” الأولى عام 1973، عندما أخذت بلدان عديدة تسعى إلى ضمان حصولها على حاجاتها من موارد الطاقة من دون انقطاع. ولكن في مرحلة لاحقة صار من الضروري توضيح مفهومي “الاستقلالية في مجال الطاقة” و“أمن الطاقة”. فيمكن لدولة ما أن تكون غير مستقلة في مجال الطاقة، أي أنها تعتمد بالكامل أو بصورة جزئية على دول أخرى في تأمين حاجاتها منها، ولكن من دون أن تكون تابعة أو مرتهنة على نحو يشكل خطراً على أمنها الاقتصادي. ويتم لها ذلك إذا كانت تحصل على موارد الطاقة من الخارج بأسعار مستقرة وعلى نحو منتظم، على أساس عقود مضمونة مع تعددية المورّدين. ثم صار يجري الحديث عن تبعية البلدان المصدرة للنفط حين ظهر مصطلح “المرض الهولندي”، أو “التبعية النفطية”.

في ظروف العولمة يصبح النمو المتزايد للتبادل التجاري الدولي في مجال موارد الطاقة أمراً حتمياً وهذا ما يجعل التبعية المتبادلة بين منتجي هذه الموارد ومستهلكيها تتعاظم. ولسوف تطرح بإلحاح متزايد في السنوات المقبلة مسألة ضمان أمن الطاقة على المستوى العالمي نتيجة للتغير الجذري الذي حصل في العقود الثلاثة الأخيرة في ميزان القوى على صعيد الطاقة في العالم. فإذا كان قد تحقق بعد أزمة السبعينيات نوع من التوازن بين “نادي المنتجين” (الأوبيك) و “نادي المستهلكين” (بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي أنشأت وكالة الطاقة العالمية)، فإن هذا التوازن يتداعى اليوم أمام أعين الجميع. فإلى جانب المنتجين التقليديين ثمة بلدان أخرى لا تنتمي إلى منظمة الأوبيك، صارت تضطلع بدور متزايد اليوم في تلبية الطلب العالمي على موارد الطاقة، من بينها روسيا وبلدان حوض قزوين والمكسيك والنروج .. إلخ.

وعلى ضفة المستهلكين تجري أيضاً تحولات أبعد مدى، فتكّون من الدول النامية الصاعدة، وفي مقدمتها بعض الدول الأسيوية التي يتزايد طلبها على موارد الطاقة بصورة حادة نتيجة نموها الاقتصادي العالي، تكوّن “نادي مستهلكين” موازياً، مما أدى إلى احتدام المنافسة على موارد الطاقة المحدودة أصلاً. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى الدور المتعاظم للصين كمستهلك رئيسي، حيث بلغت حصتها 40 % من الزيادة في الاستهلاك العالمي. وقد تحولت الصين من دولة مصدّرة للنفط إلى دولة مستهلكة، حيث تستورد 3 ملايين برميل من النفط يومياً 
(6,3 % من مشتريات النفط في العالمي، مقابل 11,3 % لليابان و26,9 % للولايات المتحدة). كانت نتيجة ذلك كله حصول تبدل كبير في مجمل بنية الأسواق واتجاهات العرض والطلب العالمية، أي في مراكز الإنتاج ومراكز الاستهلاك، وكذلك في خريطة إيصال موارد الطاقة إلى الأسواق (شبكة الأنابيب بصورة خاصة وما يرافقها من صراعات وتنافس شديد بين البلدان المنتجة والبلدان المستقبلة وبلدان الترانزيت، أي تلك التي تمر الأنابيب عبرها). إن هذا كله يجعل التغيرات في قواعد وآليات عمل الأسواق أمراً حتمياً. فمكان هيمنة وسلطة الكارتيلين الدوليين التي استمرت خلال عدة عقود من الزمن، يحل اليوم ميزان قوى جديد للمصالح، وهي عملية معقدة ومؤلمة نشهد اليوم فصلاً من فصولها.

الاستراتيجية الاميركية والروسية

من بين أهم الأهداف التي تركزعليها الإستراتيجية الأميركية، ضمان وصول الولايات المتحدة إلى مخزونات ما وراء البحار من موارد الطاقة. فمع نموالاقتصاد الأميركي وازدياد اعتماد الصناعة الأميركية على تلك الموارد، فإن حماية تدفقات النفط والغاز تشكل أكثر فأكثر سمة بارزة للسياسة الأمنية الأميركية. فالاستراتيجية الأميركية تركز على حماية حقول النفط والدفاع عن خطوط التجارة البحرية، والمظاهر الأخرى لأمن الطاقة.

قبل أربعين سنة قال جون سي غانون، نائب مدير وكالة المخابرات المركزية في حينه : “علينا أن نعترف بأن أمتنا لن تكون آمنة إذا لم تكن إمدادات الطاقة العالمية آمنة... لأننا نحتاج إلى كمية ضخمة من النفط المستورد لإمداد اقتصادنا. ولأن الكثير من هذا النفط يرد من بلدان الخليج، فإن الولايات المتحدة سوف تكون بحاجة للإبقاء على مراقبة شديدة للأحداث والبقاء متورطة في الخليج لحماية تدفق إمدادات النفط الحيوية”. على هذا النحو تبرز العلاقة بين كفاية الطاقة وأمن الولايات المتحدة، بحيث تشكل حماية إمداد الطاقة الهم الأول للأمن القومي الأميركي. ويبين مجمل السياسة الأميركية خلال نصف القرن الأخير على الأقل، مهما تبدلت الإدارات الحاكمة في الولايات المتحدة، إن هذه العلاقة تشكل البوصلة الدائمة لتلك السياسة.

أما روسيا فتسعى إلى اتباع سياسة نشيطة في مجال الطاقة تتيح لها رفع فاعلية إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا وإلى كل من الصين واليابان. وهي تشارك بنشاط اليوم في “اللعبة الكبرى” الدائرة في مجال تأمين موارد الطاقة وفي “حرب الأنابيب” الهادفة إلى إيصال النفط والغاز إلى الأسواق العالمية على نحو يهدف إلى خدمة مصالحها الحيوية، الاقتصادية والإستراتيجية والجيوسياسية. ففي خضم المشاريع المتنافسة لبناء أنابيب لنقل النفط والغاز من الحقول الروسية وحقول بلدان آسيا الوسطى وحوض قزوين إلى الأسواق العالمية، وبعد النكسة التي تعرضت لها روسيا في الصراع بين خط باكو – جيحان (على الشاطئ التركي) المدعوم أميركياً، وخط باكو – نوفوروسيسك (في روسيا)، في خضم ذلك نجحت روسيا في تحقيق اختراقين تمثلا في الاتفاقية التي أبرمتها روسيا مع كل من اليونان وبلغاريا لبناء أنبوب بورغوس – ألكسندروبوليس لنقل النفط الروسي عبر البلدين إلى الأسواق الأوروبية، ثم الاتفاقية الأخيرة التي وقعت في الكرملين في العشرين من كانون الأول بين روسيا وكازاخستان وتركمانستان لنقل الغاز من حوض قزوين إلى جنوب روسيا ضمن ما يسمى “المشروع القزويني”، وهو يزيد من تبعية أوروبا لإمدادات موارد الطاقة الروسية، والذي وصفه الرئيس بوتين بأنه “يرمي إلى تعزيز أمن الطاقة الأوروبي، وجعل الأسواق العالمية أكثر استقراراً”. وقبل ذلك عملت شركة “غازبروم” العملاقة الروسية منذ عام 2003، على بناء خط أنابيب لنقل الغاز عبر تركيا مباشرة تحت البحر الأسود عرف بـ“الجدول الأزرق”، قلل من اعتماد روسيا على أوكرانيا كدولة ترانزيت رئيسية، يصرف عبرها 80 % من الغاز الروسي، وضاعف في الوقت نفسه من قدرتها على التأثير في سياستها الداخلية. إن مشاركة روسيا النشيطة في هذه “اللعبة الكبرى” هي جزء من محاولاتها لاستعادة دور على الصعيد الدولي فقدته مع انهيار الاتحاد السوفييتي، مستخدمة بذلك الإمكانات التي توفرها لها ثرواتها من النفط والغاز، وقدرتها على التحكم إلى حد كبير بأمن الطاقة في جزء مهم من العالم.

اوروبا والطاقة الآمنة

أما أوروبا، التي تشكل قوة اقتصادية هائلة، فلها بالطبع مصلحة في تعزيز أمنها في مجال الطاقة. وهو أمر يشكل المقدمة الضرورية لإمكانية استعادة دورها السابق كلاعب جيوبوليتكي رئيسي على الصعيد الدولي. وهي بهذا المعنى ذات مصلحة أساسية في التعاون المباشر مع بلدان الشرق الأوسط وممارسة سياستها الخاصة بها والمستقلة عن الولايات المتحدة إزاء هذه المنطقة، وخصوصاً في مجال التنقيب عن مصادر الطاقة واستخراجها ومعالجتها ونقلها إلى أوروبا عبر الأقنية الملائمة لها والمجدية من الناحيتين الاقتصادية والجيوسياسية، وضمان استقرار توريدات النفط والغاز إليها وبالأسعار الملائمة. والأمر نفسه ينطبق على مساعي أوروبا لضمان تدفقات النفط والغاز من روسيا ومنطقة قزوين عبر شبكة الأنابيب القائمة والتي يجري بناؤها، حيث تتكرس منطقة جنوب شرق أوروبا اليوم كمعبر وسيط بين المناطق المنتجة للنفط والغاز في حوض قزوين وروسيا، وإلى حد ما من الشرق الأوسط، وبلدان الاتحاد الأوروبي المستهلكة لهاتين المادتين الاستراتيجيتين. إن تنويع إمدادات مصادرالطاقة يمكن أن يتيح لأوروبا تحقيق الأمن في مجال الطاقة، والتقليل من اعتمادها على مصدر واحد رئيسي كبلدان الخليج أو روسيا أو غيرها.

وعلى المقلب الآخر من الكرة الأرضية، ثمة في الشرق الأقصى مساحة جيوبوليتيكية يمكن مقارنتها بأوروبا. إنها اليابان بقدراتها الاقتصادية الهائلة وحاجتها الماسة لموارد الطاقة. فاليابان لا تملك مواردها الخاصة، وهي في الوقت نفسه تشكل سوقاً ضخمة لاستهلاك الطاقة. وبهذا المعنى ثمة تشابه كبير بين اليابان والاتحاد الأوروبي، حيث يحتاج كلاهما حاجة ماسة لوسائل وطرق بديلة للحصول على الإمدادات الضرورية من موارد الطاقة وتنويع مصادرها لضمان أكبر قدر من ممكن من أمنها في هذا المجال. وتدرك القوى الفاعلة في اليابان أن الاعتماد الكامل، إلى حدود التبعية، على مصدر واحد في مجال الطاقة يحد من قدرات هذا البلد ويمنعه من تعزيز وضعه الجيوسياسي. ولذا فثمة أفكار ومشاريع يابانية – روسية اليوم لإقامة بنى تحتية ضرورية لشبكة مواصلات حديثة لربط الجزر اليابانية بالجزء القاري من أوراسيا ولنقل النفط والغاز الروسي إليها، وذلك في إطار سياسة التنويع في مجال الطاقة .

من وجهة نظر جيوسياسية، فإن التغلغل الأميركي في آسيا الوسطى، ثم السيطرة على دولة نفطية كبرى كالعراق، تنجم عنه مكاسب جوهرية كونه يندرج في إطار إعادة تحديد الاستراتيجية الأميركية حول “المركز النفطي” للعالم. فالتحكم الأميركي بالمصادر الرئيسية للطاقة يعزز وضع الولايات المتحدة بوصفها الدولة العظمى الأكبر (هيبر عظمى)، ويضع المراكز العالمية الأخرى المستهلكة لمصادر الطاقة (أوروبا واليابان، ويمكن أن نضيف الصين أيضاً) تحت رحمتها في مجال الطاقة، ويعزز من سيطرتها على موارد الطاقة الحيوية للاقتصاد العالمي.

إن ذلك كله يمكن أن يجعل “أمن الطاقة” في خطر. هذه الخطورة ستكون موجودة في معظم المناطق المنتجة للنفط والغاز والتي يحتوي باطن أراضيها كميات كبيرة منه. لكن الخطر الأكبر سيكون في تلك المناطق التي يتقاطع فيها عرض النفط مع المصالح التنافسية للولايات المتحدة والقوى الإقليمية الكبرى. ومع بداية القرن الحالي تتركزالخطورة الأكثر حدة في منطقة مثلثية شاسعة، تمتد من منطقة الخليج إلى بحر قزوين في الشمال وبحرالصين في الشرق. ضمن هذا “المثلث الإستراتيجي” توجد أضخم مكامن النفط والغاز في العالم، فضلاً عن العديد من النزاعات الإقليمية والمصالح الأمنية المتصادمة للدول الكبرى.

* استاذ جامعي - لبنان