الجزء الخامس
العصر
واشنطن دي سي
مكتب الملحق الثقافي في السفارة القطرية التي تقع في 2555 m st nw بالقرب من (روك غريع بارك).
كان مشعل يشرب قهوته بهدوء بعد تبادل التحيات والترحيب المعتاد مع الملحق الثقافي
الذي تجمعه به علاقة مودة متينة: عسى ماشر يادكتور؟؟
ابتسم الملحق بمودة: لا شر ولا يحزنون، اشتقنا لك يا أخوي، ماتنشاف هذا أولا
ثانيا : واصل لك شريط فيديو من ولد عمك راكان
قلت فرصة نستدعيك ونسلم عليك ونعطيك إياه..
ابتسم مشعل وهو يتذكر أن راكان أخبره أنه سيرسل له شريط فيديو لرحلة قنصهم في الجزائر..
بعد حوار قصير مع الملحق واستلام مشعل لشريطه.. استأذن مشعل لأنه يعلم مشاغل الملحق مع وعد بالالتقاء على العشاء قريبا..
كان مشعل يهم بالمغادرة حين أستوقفه الملحق بقوله: تدري يا مشعل أنه فيه طالبة جديدة جايه قبل كم أسبوع اسمها مطابق لاسمك بالكامل
ولما سألتها أنت بنت عم مشعل، قالت: مالي عمام
قلت لها الاسم نفس الاسم
بس بعد أصرت إنها ما تعرفك وأنها مالها أعمام وان أبوها وحيد..
عاد مشعل للوقوف أمام الملحق وهو يسأل باهتمام: وش اسمها؟؟
أجابه الملحق وهو يفتح قائمة أسماء الطلاب القطريين التي لا تفارق مكتبه:
هيا سلطان مشعل آل فارس الــ
***************************
في الدوحة
الليلة السابقة للأحداث الماضية
بيت مشعل بن محمد بن مشعل..
الساعة 9 ونصف مساء
كانت لطيفة تضع صغيرتها جود ذات الأعوام الثلاثة في سريرها
في غرفتها المشتركة مع شقيقتها مريم ذات الأعوام العشرة النائمة منذ أكثر منذ ساعة..
قرأت لطيفة الأذكار على الصغيرتين وحصنتهما..
ثم توجهت لغرفة أبنائها الذكور: محمد وعبدالله
تأكدت أنهما نائمان بعمق وقرأت عليهما هما أيضا الأذكار وحصنتهما..
ثم توجهت لغرفتها لتستحم كعادتها المسائية
تتوتر حين ينام أبنائها ويخلو عليها المنزل
وتجد أنها أصبحت خالية من مشاغل أبنائها التي تدفن فيها فوضى التفكير المؤلمة..
معركتها مع مشاعل قبل أيام مازالت ماثلة تحز في عمق مشاعرها المجروحة
أنهت حمامها.. وهاهي تقف أمام مرآتها بروبها الملفوف على جسدها المثير وشعرها المبلول يتناثر على كتفيها
تمعن النظر في ملامح وجهها بجماله المسكر
(وش فيني مهوب عاجبه؟؟ ليته بس يقول لي.. والله لأتغير عشانه.. بس ليته يقول.. ذبحني تجاهله)
جلست.. جففت شعرها بالمجفف الكهربائي وفردته.. ثم تعطرت بكثافة كعادة فقط، وليس من أجله هذه الليلة!!
قامت لتختار لها لباسا للنوم..
وقفت أمام دولاب ملابسها الضخم.. فتحت ناحية قمصانها
كل هذا الفيض الساحر المثير من شلالات الشيفون والحرير لم يستنطقه بكلمة واحدة!!
لِـمَ الاهتمام؟؟
أغلقت الدولاب.. لتتناول لها بيجامة قطن بأكمام طويلة
منذ زواجهما لم تعتد أن تنام قبل أن يعود للمنزل.. مهما تأخر.. وكثيرا ما تأخر!!
فهذا الرجل مهووس بعمله وصفقاته..
ينتظر إغلاق ول ستريت أو افتتاحها.. أو ربما داو جونز أو إغلاقها..
ولم يهتم يوما أن يطمئن المخلوقة التي تُسمى زوجته.. والتي كانت تذوب قلقا عليه..
لم يكن لقلقها اعتبارا أو معنى :
" أنا ماني ببزر تحاتيني" هكذا كان رده الدائم الحاد والواثق..
كانت تشغل نفسها بأبنائها.. ولكن من تخدع.. هم أبنائها وهو زوجها.. لكل منهم اهتمامه الخاص..
ومن كانت تخدع أيضا؟؟
هل هو زوجها فقط؟!!
مشعل بالنسبة لها لم يكن مجرد زوج..
رغم أنها بالنسبة له لم تكن أكثر من زوجة والسلام.
يحترمها؟؟ نعم.. يقدرها؟؟ نعم..
يحبها؟؟
لا تعتقد..
ما هذا الرد الحاد الموجع؟؟ لِـمَ لا تقولين ربما.. اشرعي بابا للأمل..
(باب للأمل بعد 13 عاما من الزواج؟!!)
في أحيان كثيرة تشعر أنه لولا حاجته البيولوجية الجسدية لها لم يكن ليقترب منها
مجرد جسد.. ليس لأنها لطيفة بملامحها وروحها
في ذات الوقت الذي تكون لطيفة تذوب بين يديه وفي أحضانه..
لِمَ يعجز عن الإحساس بها؟
فمشعل هو نبض روحها .. على يديه تفتح صباها
ولم تعرف خفقات القلب وتسارع الأنفاس واضطراب المشاعر إلا بحضوره ومن أجله..
حديث يطول..يطول ولم ينتهِ..
ومشعل لاهٍ في أعماله عن كل شيء..كل عام يمر يزيد تغلغل مشعل في روحها.. ويزيد تجاهل مشعل لها..
التجاهل الذي ينحر روحها الملتاعة..
هذه الليلة تريد أن تعلن تمردها على ذاتها..
لن تنتظره..
ستنام..
13 عاما مرت وهو يعاتبها حين يجدها تنتظره لدرجة أنه قال لها قبل يومين: خنقتيني باهتمامش.. أنا ماني بزر بيضيع في الشوارع.. عشان أمه تقعد تنتظره عشان تطمن أنه في فراشه قبل ما تنام هي
نامي لا تنتظريني رجاء.. يعني أنتي تبين تحسسيني بالذنب لما ألاقيش سهرانة تنتظريني وأنا تأخرت عليش؟؟
(خلاص يا مشعل لا أحسسك بالذنب ولا تحسسني.. بانام وباريحك من شوفة وجهي اللي تضايقك)
تمددت لطيفة في سريرها.. بعد أن أغلقت كل الأضواء وتركت ضوءاً خافتاً عند الباب وأخر بجوار سريرها
لم تستطع أن تنام وهو لم يعد بعد.. تستطيع أن تخدعه.. ولكنها لا تستطيع خداع نفسها..
بقيت ساهرة تتقلب في فراشها وهي تمتم بالأذكار.. حتى قارب الوقت الساعة الواحدة ليلا
حينها سمعت صوت الباب يفتح.. أولت ظهرها للباب.. وقررت تمثيل النوم.. لا تريد رؤيته هذه الليلة..
********************
واشنطن دي سي
في سيارته يغلي من الغضب.. وعلى استعداد لارتكاب جريمة فيمن يلقيه القدر العاثر في طريقه..
(بنت عمي أنا.. أنا..!!!!
وحدة من بنات مشعل.. دايرة من ديرة لديرة من لندن لواشنطن.. ماكن وراها رياجيل يحكمونها..
لا ومارضت تسكن في سكن الطالبات بعد..خوش والله.. وش عندها ذي؟؟.. زين يا بنت سلطان زين.. إذا عمي مات وهو مارباش أنا اللي بأربيش..
يعني ابي يدور عليكم.. وأنتي بايعة البيت..وهاجة من الدوحة!!..)
أفكاره الدموية النارية تلتهمه..
وغضبه من كل شيء يتصاعد..
يحتمل أي شيء.. أي شيء إلاَّ شيء يمس شرف عائلته وسمعتها
وصل إلى قمة الغضب والانفعال وهو يصل إلى العنوان الذي أخذه من السفارة
صعد السلالم ركضا بدون تفكير.. ووقف أمام شقتها ليضغط بعنف غاضب على جرس الباب
حينها استعاد بعضا من تفكيره المنطقي:
( أشلون أدق الباب على بنت ساكنة بروحها ومهيب حلال لي..
أكيد أصلا مهيب فاتحة لي إذا شافتني مع العين السحرية رجّال غريب ماتعرفه ..مستحيل تفتح لي)
كان مشعل على وشك التراجع والنزول وهو يقرر أن يتصل بها تلفونيا ليقابلها في الجامعة ويتصرف معها..
لكن ما نحره تماما.. أنها فتحت له الباب ببساطة
وهي تقف أمامه بثقة خلال فتحة الباب الموارب..
لتصدمه بصدمتين كل صدمة منها أعنف من الأخرى
*****************************
غرفة لطيفة/ الليلة السابقة
تمددت لطيفة في سريرها.. بعد أن أغلقت كل الأضواء وتركت ضوءا خافتا عند الباب وأخر بجوار سريرها
لم تستطع أن تنام وهو لم يعد بعد.. تستطيع أن تخدعه.. ولكنها لا تستطيع خداع نفسها..
بقيت ساهرة تتقلب في فراشها وهي تمتم بالأذكار..
حتى قارب الوقت الساعة الواحدة ليلا
حينها سمعت صوت الباب يفتح.. أولت ظهرها للباب
وقررت تمثيل النوم..
لا تريد رؤيته هذه الليلة..
رائحة عطره الثقيلة الفاخرة سبقته وهو مازال واقفا أمام الباب ببنيته الهائلة طولا وعرضا
(ياالله كيف يعبث حضور هذا الرجل بمشاعرها كأنها ريشة يطيرها نسيم حضوره أو أعاصيره!!)
دخل بخطواته الواثقة وهو يمسح بإرهاق على شعيرات عارضه الأسود المحدد بدقة وأناقة..
أغلق الباب وهو يفتح أزرار ثوبه ليحرر عضلات صدره العريض
ثم يسحب غترته عن رأسه ويلقيها دون اهتمام على الأريكة، ليُفاجأ بشيء غير معتاد: الضوء الخافت، ولطيفة لا تنتظره..
تلفت حوله..
فوجئ أن لطيفة نائمة..شعر بالارتياح أنها وأخيرا أطاعته ولم تنتظره..
ولكنه بعد دقيقة شعر بضيقٍ غير مفهوم
اعتاد على انتظارها له
وربما على تقريعها أيضا كلما وجدها تنتظره
وهي تنظر له كطفلة مبهورة تشعر بالذنب
( - مهوب أنت اللي توك مهزئها قبل أمس وقايل لها لا عاد تتنيني..
- زين 13 سنة وانا أقول لها لا تتنيني.. وش معنى ذا المرة؟؟
- أما أنك رجّال غريب!!) "تتنيني= تنتظريني"
تجاوز مشعل بسرعة أحاسيسه الملتبسة.. وتوجه للحمام ليستحم
صلى قيامه ثم تمدد إلى جوارها..
وقتها كانت لطيفة نامت بالفعل بعد أن أطمئنت على عودته
ينظر مشعل إلى ظهرها..
ويتمنى لأول مرة لو أنها تقلب وجهها ناحيته..
يريد أن يرى ملامحها الساكنة وهي نائمة بوداعة
(وش فيك الليلة يا مشعل؟؟ منت صاحي)
ولكن هذا الإحساس الطارئ سرعان ما تبخر كقطرة ماء على صفيح ساخن
لتعود مشاعر التجاهل التي راكمتها السنوات تطفو
وهو يعطيها ظهره ويستغرق في النوم هو أيضا.
***********************
قبل ذلك بحوالي ساعتين
مجلس آل مشعل
الشباب جميعهم كانوا مجتمعين
مشعل وأشقائه راكان وناصر وابن عمهم فارس
كان الأربعة يلعبون بيلوت: مشعل وراكان فريق، ناصر وفارس فريق
كانوا يجلسون على الأرض وقد جذبوا مخدات الكنب الفخمة للاتكاء عليها
لجلوس الأرض حميميته، والبيلوت لا يصلح إلاَّ بهذه الطريقة.
كان العمالقة الأربعة بحضورهم الرجولي الكاسح يجلسون في مربع
وحولهم أكواب فارغة وأخرى ممتلئة من الشاي و (الكرك)
مشعل يركز في أوراقه ويوجه كلامه لناصر: رحت للمحل اللي قلت لك عليه اليوم؟؟
ناصر وهو يركز بدوره في ورقه: رحت بس ماعجبتني الديزاينات اللي عنده.
مشعل بلهجته الجدية: بس هذا أحسن واحد يسوي جبس في الدوحة..
ناصر بلهجة اعتيادية: بس ماعجبني.. تعرف حد غيره؟
مشعل : أعرف واجد
راكان يقاطعهم بمرح وهو يوجه حديثه لمشعل: لنا الله.. يعني عشان نويصر معرس، الكلام كله معه
ترا أنا اللي خويك في اللعب... وأنا وأنت الشيبان هنا
عطني إشارة وإلا غمزة.. شكل البزارين فويرس ونويصر بيأكلونا
ناصر يضحك: الرازق في السما والحاسد في الأرض.. تدري شكلي المفروض أخاوي مشعل عشان نسوي حزب المتزوجين
وراكان وفارس نخليهم حزب العزابيه
مشعل باهتمام وهو ينظر لراكان وفارس: وأنتو يالأثنين منتو بناوين تعرسون؟؟
كان لمشعل احترامه الكبير عند أشقائه وابن عمه..
فهو أكبر من راكان بثماني سنوات، ومن ناصر بعشر سنوات، ومن فارس ب12 سنة..
شارك في تربيتهم.. وفي تربية فارس خصوصا..
ولأسباب تتعلق بفارس وتكوينه وظروفه كان اهتمامه بفارس أكثر حتى من اهتمامه بأشقائه.. أكثر بكثير!!
بعد سؤال مشعل الحازم والقاطع والهادئ
عمَّ صمتٌ باردٌ غريب المجلس، حتى قطعه ناصر بمرحٍ متوتر:
يا جماعة ترا سؤال مشعل مهوب عن اكتشاف الذرة.. كلمة ورد غطاها
راكان بجملة قاطعة: أنا ما أفكر في العرس وأنتو عارفين ذا الشيء ومافيه داعي حد يفتح ذا الموضوع معي
مشعل بحزم يوجه حديثه لفارس: وأنت بعد بترد نفس رد ولد عمك؟
فارس بنظرة غامضة ونبرة قاطعة خشنة بغموض مدروس:
أنا بأعرس وقريب.. بس خل الوالدة تختار لي المره اللي تجوز لها.
صمت الشباب الثلاثة الآخرين بحرج ..
كيف والدته تختار له.. ماذا يقصد؟؟
كيف؟؟
وشقيقتهم العنود التي يعرف الجميع أنها له منذ سنوات!!!!
إحساس مرٌّ اجتاح رجولتهم الثمينة
وكأن فارس يريد توجيه إهانة مبطنة لهم في مستقر قلوبهم:
صغيرتهم المدللة العذبة
سكتوا جميعا والأشقاء الثلاثة يتبادلون نظرات عميقة مضمونها:
لنتجاوز هذا الموضوع.. هو الخاسر إن كان لا يريد شقيقتنا
ولكنه يبقى ابن عمنا وشقيقنا
واستكملوا اللعب وكأن شيئا لم يحدث..
رغم أن هناك ماحدث..!!!
***************************
أمام شقة هيا في واشنطن
كان مشعل على وشك التراجع والنزول وهو يقرر أن يتصل بها تلفونيا ليقابلها في الجامعة ويتصرف معها..
لكن ما نحره تماما.. أنها فتحت له الباب ببساطة.. وهي تقف أمامه بثقة خلال فتحة الباب الموارب..
لتصدمه بصدمتين كل صدمة منها أعنف من الأخرى
الصدمة الأولى: أنه رأى أمامه نسخة مصغرة من جدته الأثيرة الغالية (هيا) أم والده
وكأن جدته تقف أمامه وقد صغرت 50 عاما..
نفس الملامح الحادة الرقيقة..
نفس نظرة العينين المذهلة..
النظرة الشرسة الحنونة..
التي تشعرك أن هذه الأنثى قد تلتهمك حيا بدون أن يرف لها جفن..
وفي ذات اللحظة عينها ستأخذك في أحضانها لتشبعك حنانا ليس له شبيه
جدته التي رفضت أن يسمي أي ابن لها بناته باسمها..
ليسمي الغائب المطرود ابنته عليها لتأخذ هذه البنت مع الاسم ملامح جدتها الفخمة الثمينة..
الملامح التي كانت قادرة هي فقط ولا أحد سواها على إذابة جبروت مشعل الكبير
الصدمة الثانية: كيف تفتح له الباب بهذه البساطة؟؟!!
أ معتادة هي على فتح بابها لأي طارق غريب؟؟!!!!!!
هذه الصدمة كانت أقسى على روحه وأعنف..
كيف تفعل هذا ابنة من بنات مشعل.. وكأنها إحدى بنات ____؟!!
يعجز حتى عن مجرد التفكير في الكلمة..
وترجم غضبه فورا... بعد أن تجاوز صدمته بشبهها الكبير بجدته الذي لم يستغرق حتى ثانية واحدة
ليقول لها بغضب هادر مكتسح: أشلون يا بنت سلطان.. يا بنت الحسب والنسب
تسمحين لنفسش تفتحين الباب كذا بكل بساطة لرجّال ماتعرفينه
يعني عشان مفكرة أنه ما وراش رياجيل يسنعونش.. ويكسرون خشمش لين تعرفين أن الله حق..
ردة فعلها التالية ذبحته
وكان مشعل على وشك أن ينتزع حزامه من بنطلونه ليجلدها به وهو يراها تفتح بابها على مشراعيه وكأنها تدعوه (وهو الرجل الغريب) للدخول..
وفعلا وضع يده على حزامه وكان على وشك سحبه
لولا أن الباب المشرع كشف له عن صالة صغيرة
تجلس فيها سيدة عجوز تلبس دراعة داكنة وشيلة أُحكم لفها على وجهها
وشابة طويلة محجبة تبدو ملامحها الجميلة انجليزية إلى حد ما..
وهيا تقف بين مشعل الواقف عند الباب
وبين الجالسات المستغربات ما يحدث..
وتوجه حديثها للسيدة العجوز بنبرة ساخرة لاذعة مرة قاتلة:
يمه خليني أعرفج
هذا ولد عمي مشعل بن عبدالله
شفتي يمه : وأخيرا شفت واحد من هلي.
هلي اللي رموا لحمهم في الدوحة.. جايين يدورونه في أمريكا.. بعد ما نسوه 23 سنة !!!
#أنفاس_قطر#
.
.
.
الجزء السادس
أمام باب شقة هيا في واشنطن دي سي
كان مشعل على وشك أن ينتزع حزامه من بنطلونه ليجلدها به وهو يراها تفتح بابها على مشراعيه وكأنها تدعوه (وهو الرجل الغريب) للدخول..
وفعلا وضع يده على حزامه وكان على وشك سحبه
لولا أن الباب المشرع كشف له عن صالة صغيرة
تجلس فيها سيدة عجوز تلبس دراعة داكنة وشيلة أُحكم لفها على وجهها،
وشابة طويلة محجبة تبدو ملامحها الجميلة انجليزية إلى حد ما..
وهيا تقف بين مشعل الواقف عند الباب
وبين الجالسات المستغربات ما يحدث..
وتوجه حديثها للسيدة العجوز بنبرة ساخرة لاذعة مرة قاتلة:
يمه خليني أعرفج
هذا ولد عمي مشعل بن عبدالله
شفتي يمه : وأخيرا شفت واحد من هلي.
هلي اللي رموا لحمهم في الدوحة.. جايين يدورونه في أمريكا.. بعد ما نسوه 23 سنة !!!
قبل هذا الموقف بثلاثة أسابيع ونصف تقريبا
مكتب الملحق الثقافي في السفارة القطرية بواشنطن
هيا تجلس أمامه بخجلها الواثق.. بالكاد يظهر وجهها من شدة إحكام حجابها وتقريبه من أطراف وجهها..
الملحق بنبرة أبوية: خلصتي بكالوريس في لندن؟؟
هيا بهدوء: نعم..
الملحق بذات النبرة الأبوية: وليش ماتبين تسكنين في سكن الطالبات؟؟
هيا: أمي معاي.. وموب أي مكان بيناسبنا
أمي مرة كبيرة ومريضة ولازم أجيب لها وحدة تقعد عندها وقت ما أروح الجامعة
وأنت عارف أنه سياسة سكن الطالبات ما تسمح بالدخول إلا بأذن..
الملحق: براحتج يا أبوج أنتي والوالدة... محتاجة منا أي خدمة ترانا حاضرين على طول
وهذا كرت السفارة فيه تلفونات الطوارئ
هيا تتناول الكرت وتتمتم باحترام: مشكور يا دكتور.. ممكن أستأذن؟؟
الملحق: أكيد يا... (يقرأ الاسم في الورقة أمامه) يا هيا..
ثم يعقد جبينه بتفكير: هيا سلطان مشعل آل فارس الــ
أنتي بنت عم مشعل عبدالله الطالب اللي في أخر سنة دكتوراه هنا ؟؟؟
هيا ارتعشت بعنف وهي تسمع الاسم.. كادت أن تتهاوى من وقفتها
لكنها تماسكت وهي ترد ببرود محترم: لا يا دكتور.. أنا أبوي وحيد ماله أخوان..
الملحق بتفكير عميق: بس نفس الاسم الخماسي.. غريبة يعني.. متأكدة أنتي؟؟
وأكمل وهو يقف ويسحب صورة في برواز من الخزانة الزجاجية خلفه: شوفي هذا مشعل معي أنا والسفير
في حفل تكريم الطلاب القطريين قبل سنتين.. مشعل من خيرة طلابنا..
حاولت هيا ألا تنتظر للصورة.. ولكنها كانت مجبرة احتراما للملحق
نظرت لها نظرة سريعة.. هزتها الصورة بعنف
نفس طول والدها ووقفته المعتدة وبعض ملامحه المرسومة بحدة
ولكن ليست نفس نظرة العينين.. ليست نفسها!!
(هذا نظرته حادة.. قاسية..متسلطة مثل كل آل مشعل المتوحشين.. موب مثل نظرة أبوي اللي تذوب حنان وتسامح)
رفعت عينها عن الصورة
وهي تكتم تيار المشاعر المتضاربة الذي يكتسح جوارحها بين الغضب والحقد والحنين
لترد على الملحق بعدم اهتمام مهذب: ما أعرفه يادكتور.
***********************
قبل وصول مشعل إلى شقة هيا بدقائق..
هيا تجلس مع والدتها وصديقتها باكينام
جلسة حميمة يدور فيها الحديث الودي الحميم..
باكينام اعتادت على أم هيا وتحبها كثيرا وتعتبرها كأم ثانية لها
فأم هيا كانت مرافقة لهيا طوال فترة دراستها في بريطانيا.. وتوطدت علاقتها ببكينام خلالها.
أم هيا بصوت متعب حنون: ماشاء الله عليج يا باكي.. تهبلين بالحجاب الله يحفظج ويثبتج على طاعته..
باكينام تبتسم: أنا حلوة يا ماما على كل حال..
هيا تقاطع الحديث بمرح: حلوة بس الحين أحلى
أوووه كنت بأنسى.. خلوني أقوم ألبس عباتي
بأنزل للسوبرماركت أجيب لنا أغراض دام أنتي يا باكي قاعدة عند أمي..
باكي تمسك بيد أم هيا بمودة: روحي وسيبيني أنا وماما.. أصلا أنتي ئادة عزول بيننا..
هيا تبتسم وهي تتناول عباءتها من المشجب المعلق في الصالة: لنا الله..
ما أن أنهت هيا لبس عباءتها وحجابها حتى رن جرس الباب
هيا ألتفت لأمها وباكينام وهي تهز كتفيها: من بيجينا؟؟
أمها بهدوء: طلي مع العين السحرية وشوفي من..
هيا وضعت عينها على العين السحرية
لتجد أمامها أخر شخص كانت تتمنى أو تتوقع رؤيته
كان يقف بطوله المرعب متسندا على إطار الباب وعلى وجهه ترتسم علائم غضب مخيف..
واحد من آل مشعل..
آل مشعل..
آل مشعل..
آل مشعل الحلم الذي حلمت به طويلا
ثم الكابوس الذي أرادت أن تلغيه من حياتها
الكابوس الذي يعيد لها أسوأ ذكرياتها
وأمرَّ مشاعرها: الخذلان والظلم والقهر والأسى...... والهجران
(يا ربي.. يا ربي.. وش أسوي؟؟ ما أبي حد من آل مشعل في حياتي.. وش جابه ذا؟؟ وش عقبه جايين؟؟ وش عقبه؟؟ عقب ما راح الغالي جايين يكملون علينا)
شعرت هيا بتوتر عميق وغضب أعمق وهي تراه أمام بابها
لم تكن تريد أن تفتح له..
كانت تريد أن تلغي أهل والدها من حياتها
أن تتناسى حتى اسمها حتى تنساهم
لكنها أخذت نفسا عميقا وقررت أن تفتح له
لأنها كانت تعلم أن هذه المواجهة لا يمكن تأجيلها مادام قد عرف مكان سكنها
فتحت له الباب وهي تتسلح بأقصى درجات الثقة
ما أن فتحت الباب حتى صدمت برؤيته
رؤيته في صورة أو من خلال فتحة العين السحرية كانت شيئا مختلفا عنه حقيقة..
مرعب هذا الرجل بحضوره المسيطر!!!
ولكن..
يا الهي...
يا الهي كم يذكرها بوالدها.. تكاد تشعر برائحة والدها في الجو
قوة والدها المحتوية التي كانت تشعرها بالأمان وهي في أحضانه..
عبق حضور والدها المختلف ودفئه يحيط بها
و....
(يخسى ذا المشعل المعفن يكون مثل أبوي)
ما أن فتحت له حتى صرخ في وجهها بصوته العميق المرعب الغاضب: أشلون يا بنت سلطان.. يا بنت الحسب والنسب
تسمحين لنفسش تفتحين الباب كذا بكل بساطة لرجّال ماتعرفينه
يعني عشان مفكرة أنه ما وراش رياجيل يسنعونش.. ويكسرون خشمش لين تعرفين أن الله حق..
لم تهتم هيا بأي شيء قاله.. فكل آل مشعل لا يهمونها ولا حتى ذرة
تريد أن تنهي كل هذه المهزلة ليخرج هذا المدّعي الغريب المدعو ابن عمها من حياتها
تريدهم أن يتركوها كما تركوهم طوال عمرهم
أن ينسوهم أو يتناسوهم كما فعلوا بكل قسوة طيلة حياتها الماضية
أن يتجاهلوا دمهم الذي يجري في عروقها بعد أن حقروا حرمة الدم وجعلوه ماء مستباحا مهانا
كانت تهتف في داخلها : (اطلع.. اطلع.. اطلع من حياتي.. ما أبيكم خلاص.. يوم بغيناكم ما لقيناكم.. والحين خلاص.. خلاص.. ما أبيكم)
هيا ألتفت على أمها التي كانت مستغربة من هذا الرجل الذي جاءهم مهاجما بهذه الطريقة
وقالت لها بنبرة تقطر سخرية مرة : يمه خليني أعرفج
هذا ولد عمي مشعل بن عبدالله
شفتي يمه : وأخيرا شفت واحد من هلي.
هلي اللي رموا لحمهم في الدوحة.. جايين يدورونه في أمريكا.. بعد ما نسوه 23 سنة !!!
كانت تعتقد أنها ستحرجه.. وأنه سينزل راكضا يجرجر خجله وخيبته
ولكنها صعقت أنه نظر لها نظرة إزدراء قصدها مشعل تماما
(بنت العم ذي شكلها لسانها طويل وتبي أدبن مهوب ذا)
كادت تموت من القهر وهي ترى مشعل يتجاوزها ويدخل حتى يصل لوالدتها
ويقول بنبرة احترام: سامحيني يمه.. أنا كنت زعلان أحسب هيا ساكنة بروحها..وزعلت أكثر يوم شفتها فتحت لي الباب وأنا رجّال غريب عنها
لكن القدر والحشيمة لش... مادريت إنش معها
مشعل من ناحيته كان يعتقد أنه أحرجها وأخرسها وأنه هو من سيطر على مقاليد الأمور وهو يتصرف بثقة عفوية
ولكنه فوجئ بها تلتفت له وتقول بسخرية: الحين أمي لها القدر الحشيمة؟؟!!!! يا سلام عليك يا ولد آل مشعل!!
موب ذي أمي الهولية اللي طردتوا أبوي عشانه تزوجها؟؟!
الحين صارت أمك ولها القدر الحشيمة!!!
كانت ردات الفعل تتوالي بينهما كالصدمات
صُعقت وهو ينظر لها بغضب ويقترب منها كأسد غاضب
وهو يعتصر قبضته حتى لا يصفعها ويقول لها بغضب: مافيه وحدة من بنات مشعل تطول لسانها على أمها وتهينها
والله لو عديتها مرة ثانية لأقص لسانش يا بنت عمي
هيا ابتعدت خطوة للخلف وهي ترد عليه بغضب: منت باللي تجي تعلمني أشلون احترم أمي، لأنكم أنتو اللي هنتوها موب أنا
أنا بس أوضح لك ولا تسوي روحك شهم على حساب أمي
وأنا ماني من بنات مشعل أنا بنت سلطان وبس.. ومايشرفني أكون منكم
مشعل يحاول أن يتمالك أعصابه لأن يديه كانت تناديه أن يصفعها
وخصوصا أنه بلغ ذروة غضبه: احترمي نفسش قبل ماتحترمينها غصبا عنش
أم هيا وباكينام جالستان فاغرتان الفم مدهوشتان
كأنهما يشاهدان جزءا من فيلم بلغ الأكشن فيه ذروته..
وهم تريان هيا ومشعل كإعصارين يكاد كل منهما أن يقضي على الآخر بعواصفه.
هيا توجهت للباب الذي مازال مفتوحا وأشارت بيدها
وهي تقول ببرود حاولت دفن نيران غضبها تحته:
لا تحترمني ولا أحترمك لأنه مافيه داعي.. هذي أخر مرة نشوف ويهك.. بيتي يتعذرك ياولد آل مشعل
مشعل سحب نفسا عميقا (مهيب ذي اللي بتمشي شورها علي.. توش ماعرفتيني يا بنت سلطان)
حاول السيطرة على نفسه وهو يجلس بكل ثقة على الكرسي الفارغ الذي أمتلئ بحضوره الكاسح وقدماه الطويلتان تتمددان أمامه
ويقول بثقة متمكنة بنبرة هادئة بها رنة سخرية: وأنا ماني بطالع
وكل مابغيت جيت وتطمنت عن أحوالكم.. أنتو مسئولين مني
هيا تعد للعشرة حتى لا تمسك شيئا وتحطمه فوق رأسه وهي تصر على أسنانها: ومن اللي عطاك ذا الحق؟؟
مشعل بهدوء وهو ينظر لأظافره بحركة مقصودة ليقهر هيا: أنا عطيته نفسي.. وما أنتظر موافقتش ولا تهمني أصلا
هيا تلتفت لأمها وتقول بغضب: يمه قولي له يفارق،
وإلا والله العظيم لأتصل في البوليس الحين.. وأقول أنه متهجم على بيتنا.. وأخليهم يمسكونه
ثم ألتفتت على مشعل وهي تقول بسخرية: وشوف عقب وش بيفكك من إيديهم.. يدورون العرب دوارة
مشعل بثقة: سوي اللي تبينه.. مايهمني
أم هيا تكلمت أخيرا وهي تقول بهدوء حازم وتفكير عميق مؤجل يدور برأسها:
هيا سكري الباب وتعالي قهوي ولد عمج
هيا بغضب وانفعال: يمه وش تقولين؟؟
أم هيا بغضب: اللي سمعتيه.. وإلا ماعاد لي شور عليج
هيا بتأثر: ماعاش ولا كان اللي يعصاج
نظرت لمشعل بقهر وهي تغلق الباب وتعود لتجلس
في الوقت الذي أنعم عليها مشعل بفيض وافر من النظرات المتشفية الساخرة لانتصاره عليها..
***********************
الدوحة قبل أحد عشر عاما
عمر هيا 12 عاما
في المدرسة / منطقة الهلال
في الفسحة..
هيا تهمس لصديقتها عهود: عهود تكفين طالبتج
عهود بحماس: أفا عليش تأمرين أمر
هيا بذات الهمس: أهل أبوج في المعيذر صح؟؟
عهود باستغراب: إيه.. ليه تسألين؟؟
هيا برجاء حاد: تكفين عهود دام سواقكم يدل هناك
خلينا نروح هناك بكرة.. لأنه سواقنا ما عمره راح تيك المنطقة ولا يدلها..
سألته لو يدلها قال ما يعرفها
عهود بتوتر: زين ليش تبين تروحين هناك؟؟
هيا بحزن: بأموت أبي أشوف جدتي هيا
أبوي على طول يسولف عنها وعن جدي وعماني
بس موب **** يوديني.. كل ما قلت له ودني.. قال لي بعدين
عهود بخوف: طيب وأمي وش أقول لها؟؟
هيا برجاء باكي: تكفين عهود.. تكفين.. قولي لها إنج بتنزلين عندي... وأنا بأقول لهلي بانزل عندج
عهود رغم خوفها: خلاص زين
في اليوم التالي ذهبت الطفلتان للبحث عن منزل جد هيا في المعيذر
ولم تعلم الصغيرة أن المعيذر منطقتين: شمالية وجنوبية
وهيا لا تعرف أي منطقة منها فيها بيت جدها
طافوا مطولا في المنطقة..
وهيا بدأ بكاءها بالتصاعد: أبي أشوف جدتي.. أبي أشوف جدتي
السائق والخادمة خافوا من هذا الطواف.. قال لهم السائق: يبي يروح بيت بابا كبير؟؟
عهود تحاول تهدئة هيا: هيا نروح لبيت جدي هنا قريب؟؟
هيا ببكاء: لا خلاص خلينا نرجع
عادت الفتاتان للهلال.. ولكن بعد ان علم أهل كل فتاة إنهما كذبتا عليهما
لأن أم هيا اتصلت بأهل عهود لتسأل إن كانت هيا قد تناولت غدائها
ففوجئت كل عائلة وصعقت بالخبر.. أن الفتاتين اختفتا مع السائق
ولأنه في ذلك الوقت كان انتشار الجوالات بسيطا جدا ولم تكن متوافرة مع السائقين بعد
فأخذ منهم القلق كل مأخذ وعشرات الأفكار المرعبة تعبث بهم
عهود عوقبت عقابا شديدا
لكن هيا ما أن رأت القلق المر في وجه أبيها.. ووجه أمها المنتفخ من البكاء..
حتى انهارت باكية في حضن والدها وهي تقول: يبه تكفى أبي أشوف جدتي هيا وجدي مشعل
حتى عيال عمي أعرفهم كلهم مشعل ومريم وراكان وناصر عيال عمي محمد
ولطيفة ومشعل عيال عمي عبدالله.. وحمد ولد عمتي نورة أعرفهم
حفظتهم من كثر منت تسولف لي عنهم.. ليه ما تخليني أشوفهم.. ليه؟؟
(كانت تعرف من أبناء عمومتها الذين شهد والدها ولادتهم.. أما الباقين فقد مات والدها دون يراهم أو يعرف بهم)
حضنها والدها بحنان وعمق ومرارة
يومها سقط كل حاجز بينه وبين ابنته التي أصبحت هي صندوق أسراره
حمّلها وهي في الثانية عشرة حمل لا تحمله من هي في الخمسين
الحمل الذي حوّل آل مشعل من حلم من أعذب أحلام هيا إلى كابوسها الأسوأ
************************
قصة سلطان بن مشعل
السفارة القطرية في لندن
قبل 27 سنة
أوائل الثمانينات
كان سلطان حينها في الرابعة والعشرين من عمره ينهي إجراءات تخرجه من الجامعة
بعد أن قضى خمس سنوات في مانشستر يدرس في جامعتها اللغة
ثم تخصص الاقتصاد (ذات التخصص الذي اختارته هيا)..
في ذلك الوقت كانت الدراسة في بريطانيا حلم كل طالب ينهي الثانوية بتفوق مثل سلطان
عارض والده سفره.. ولكن ككل آل مشعل كان سلطان عنيدا
ولم يرد مشعل الكبير أن يكسر شخصيته التي كان هو شخصيا سعيدا بقوتها وباعتداد ابنه بنفسه.
كان سلطان هو الابن الأوسط لمشعل الكبير وهيا، أكبر منه محمد وعبدالله.. وأصغر منه نورة وسعود
كان سلطان شديد التعلق بأهله وأشقائه و مولعا بأبناء أشقاءه وبناتهم
كان سلطان في السفارة ينهي تصديق شهادته، ويسلم متعلقاته
استعدادا للعودة النهائية للدوحة التي طال اشتياقه لها ولأهله حتى أضناه
فوجئ سلطان بعد إنجازه لإجراءاته بـ
#أنفاس_قطر#
.
.
.
.
أسى الهجران/ الجزء السابع
قصة سلطان بن مشعل
السفارة القطرية في لندن
قبل 27 سنة
أوائل الثمانينات
كان سلطان حينها في الرابعة والعشرين من عمره ينهي إجراءات تخرجه من الجامعة
بعد أن قضى خمس سنوات في مانشستر يدرس في جامعتها اللغة
ثم تخصص الاقتصاد (ذات التخصص الذي اختارته هيا)..
في ذلك الوقت كانت الدراسة في بريطانيا حلم كل طالب ينهي الثانوية بتفوق مثل سلطان
عارض والده سفره.. ولكن ككل آل مشعل كان سلطان عنيدا
ولم يرد مشعل الكبير أن يكسر شخصيته التي كان هو شخصيا سعيدا بقوتها وباعتداد ابنه بنفسه.
كان سلطان هو الابن الأوسط لمشعل الكبير وهيا، أكبر منه محمد وعبدالله.. وأصغر منه نورة وسعود
كان سلطان شديد التعلق بأهله وأشقائه و مولعا بأبناء أشقاءه وبناتهم
كان سلطان في السفارة ينهي تصديق شهادته، ويسلم متعلقاته
استعدادا للعودة النهائية للدوحة التي طال اشتياقه لها ولأهله حتى أضناه
فوجئ سلطان بعد إنجازه لإجراءاته بسيدة قطرية في الأربعين تجلس في صالة الاستقبال باد عليها الذبول من كثرة البكاء، كانت تنظر لما حولها بضياع، تشهق حينا وتصمت حينا وتحادث نفسها حينا
شعر سلطان بحميته تتحرك ناحيته هذه المرأة
هكذا رباهم مشعل الكبير.. وهكذا لابد أن يحصد تربيته لهم!!
فالرجولة لا تتجزأ ولا يختار الرجل آلية لتنفيذها.. بل تتلبسه هذه الرجولة ويتصرف من خلالها
وهكذا فعل سلطان!!
سأل منسوبي السفارة عنها فقالوا له أنها كانت مع والدها الذي كان يتعالج هنا لمدة عامين
ووالدها الآن توفي ولا أقارب لها وهي تريد أن تعيده ليدفن في الدوحة
وهي لا تعرف كيف تتصرف لوحدها.. فأبوها الذي كان يغسل الكلى كان هو من يقوم بكل شؤونهما
حتى انهار فجأة ومات لتجد نفسها منهارة بدون سند.
اقترب منها سلطان واستفسر منها، وجدها منهارة تماما ولا تعرف كيف تتصرف، ولا حتى ماذا تفعل حين تعود للدوحة
فوالدها قدم في شبابه من إيران، وعمل كسائق عند أحد الشيوخ الذي منحه الجنسية القطرية بعد عدة سنوات ثم زوجه شابة يتيمة مرباة في منزله
(كعادة بيوت الشيوخ قديما التي كانت مليئة بأطفال أيتام يقومون بتربيتهم في ظل عدم وجود مياتم)
والداها لم ينجبا غيرها، أقارب أبيها في إيران لا تعرف عنهم شيئا
عمل أبوها لعدة سنوات عند الشيخ، ثم استقل بعمله التجاري الخاص، ولكن كل ماجمعه من عمله صرفه في رحلة العلاج هذه.
شعر سلطان بالمسؤولية عن هذه المرأة
لمن يتركها وهي غريبة ووحيدة ومنكسرة ولا عائل لها؟؟ كيف ترضى شهامته أن يفعل شيئا كهذا؟!!
ووجد سلطان نفسه يتزوج حصة (التي اسماها أبوها على اسم أم الشيخ الذي كان يعمل عنده) حصة التي كانت تكبره بخمسة عشرة عاما
لم يكن عمر حصة هو ما يشغله، ولكن ماكان يخشاه هو ثورة والده حين يعلم أن حصة هولية –كما يعلم أن والده سيقول- ذلك المنطق الغريب الذي لا يرضاه دين
ذلك الترفع العرقي الذي يجعلهم يظنون أنهم أفضل من غيرهم، بينما رسول الله صلاة الله وسلامه عليه يقول : لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
الشيء الآخر أن أهله كانوا ينتظرونه ليزوجوه هو وشقيقه الأصغر منه سعود بنات عمهم .. فكيف يستطيع مواجهة كل هذا؟!
*************************
الدوحة اليوم
بيت محمد بن مشعل
الصباح الباكر
صالة البيت الرئيسية التي أُعدت على الطراز التراثي القديم بدقة رائعة
كانت من ذوق راكان وتأثيثه الذي كان دقيقا جدا في اختياراته للديكور و لقطع الأثاث
الجلسة الأرضية بالسدو الأحمر.. منتجات الخوص المتناثرة.. الصبغ المعتق المرسوم عليه شقوق متقنة.. السقف المبطن بأخشاب تصلها الحبال ببعضها
الإنارة التي كان بعضها مخفيا وبعضها عبارة عن سُرج موزعة بدقة في الأرجاء
كانت مريم تجلس مع والدتها تشرب شايا بالحليب وعباءتها عليها تستعد للذهاب لعملها في معهد النور للمكفوفين حيث تعمل كمعلمة اجتماعيات..
كانت أم مشعل في أواسط الخمسينات.. سيدة حازمة جدا لكنها أيضا حنونة جدا..
العنود تنزل السلم وهي تقفز كل درجتين مع بعضهما.. وعباءتها بيد، وحقيبتها باليد الأخرى.. لتجتاحهم كإعصار عذب وهي توزع قبلاتها واحتضاناتها بين أمها ومريم.. ثم تقفز وتجلس بجوار أمها
مريم بابتسامة: أنتي شغالة مبوسة.. با أختي توش حابتني صلاة الفجر.. حلاوة هي؟؟
أم مشعل بحنان: فديتها وفديت حبتها.. حد يعين أنه يستصبح بوجه ذا الغزال وحبته ويقول لا؟؟
العنود تبتسم وتحتضن أمها وهي تقول بدلال: فديت اللي يفهمون يا ناس.. جعل عين أبو مشعل ما تشوف غيرش يا المزيونة..
أمها تبتسم وتقول بمرح: خوش دعوة يا أمش ما ابي غيرها..
مريم بمرح: عدال كن حد بيطالع شيبتش اللي طايحة سنونه..
أم مشعل تضحك: إيه ذا الكلام مهوب عندش إذا شفتيه.. قعدتي تنفخين رأسه علي كنه صبي أبو 20 سنة وأنا اللي جدته
بعد أن انهوا إفطارهم على عجالة.. مريم بحزم: يالله عنادي قومي عشان ما نتأخر..
العنود بمرح: إيه يا اختي لا تأكلنا سواقتش بس.. كل صبح تجيب لي كآبة قبل أروح الجامعة من كثر ماتنافخ..
مريم تبتسم: ما ينخاف عليش أنتي... تجبيبين للكرة الأرضية كلها كآبة وأنتي شدوقش بتشقق من الضحك..
**************************
عودة لقصة سلطان قبل 27 عاما
عاد سلطان للدوحة مع حصة.. ولكنه لم يأتِ بها مباشرة لبيت والده لأنه كان يعلم ما ينتظره، قرر أن يتركها في بيت والدها أولا..
كما توقع
ثار والده وأصرَّ عليه أن يطلقها حتى بدون أن يسمع دفاعه أو مبرراته
حتى أمه لم يسمح له أن يراها.. وظل هذا الأمر حسرة مرة قاتلة في قلبه وقلبها.. وجع سرمدي لا حدود لامتدادات جرحه وعمقه
مشعل الكبير فعل مافعله في لحظة غضب فرضها عليه كبرياءه وتكبره
وبعدها كان ينتظر رجاءً من سلطان
مجرد رجاء!!
ولكن لم يكن سلطان ليترجى، ولم يكن مشعل ليتنازل بدون رجاء!!
خرج سلطان من بيت والده، ولم يعد
كان مشعل الكبير يرفض تشفعات أي أحد للرضى عن سلطان..
دموع هيا وشهقاتها كل ليلة كانت تنحره ألف مرة، ولكنه لم يكن ليتنازل.. وكم كان يتمنى أن يتنازل!!
بُعد سلطان عنه قتله.. وعاش بحسرة يخفيها في قلبه عن الأعين المتلصصة على مشاعره المتكبرة
لعن الله الكبرياء!!!
لعن الله الكبرياء الذي مزق الرحم وأدمى القلوب وراكم الجروح!!
سلطان أكمل حياته مع حصة التي كانت أماً أكثر منها زوجة
حاولت فيه كثيرا أن يتركها ويعود لأهله.. ولكنه كان يرفض.. أهله لا يحتاجونه ولكن هي من لها؟؟
كِبر سن حصة منعها من الحمل، ولكنها كانت تتعالج
كانت تريد أن تترك لسلطان ابنا حين تتركهم
لم تعلم أن الأعمار بيد الله وأن سلطان هو من سيسبقها وهو في عز رجولته.
****************************
الدوحة اليوم
منزل فارس بن سعود
صالة المنزل الرئيسية..
ذوق كلاسيكي راقٍ جدا.. الصالة كلها باللونين الأبيض والأسود..أطقم وديكورات مبتكرة الشكل والنقوش.. يجمع بينها كلها اللونين الأبيض والأسود
لون مناسب لمن ليس في بيته أطفال مثل بيت فارس
ينزل فارس السلم الحلزوني المشغول بالحديد الرفيع المصبوغ باللونين الأبيض والأسود.. وغترته ما تزال بيده..
فارس أعاد ديكورات البيت كاملا قبل حوالي سنتين.. رغم أن أثاث البيت كان كالجديد لقلة استخدامه.. فهذا البيت الكبير لم يكن به سوى فارس وأمه
ولكن فارس أراد أن يعكس بيته ذوقه الخاص.. ذوقه هو فقط!!
لأن أثاث البيت القديم كان من ذوق جده و مشعل بن محمد اللذين أثثاه وفارس ما يزال مراهقا حينها
كان يكره أن يشعر أن أنه قد يُفرض عليه أي شيء مهما كان بسيطا..
كان اعتداده بنفسه قد تجاوز كل حد
أمه ترفع عينيها له بحنان: وأشفيك تأخرت على شغلك اليوم ؟؟
فارس يقبل جبينها ويلقي بنفسه على المقعد جوارها وهو يقول بثقة وقوة: غطني النوم شوي..والشغل مهوب طاير
أمه تبتسم: مع أني صحيتك بس مافيك فايدة.. الله يعين العنود عليك..
فارس نظر نصف نظرة وهو يقول ببرود مثير: والعنود وش دخلها؟؟
أمه باستغراب: وش دخلها؟؟
فارس بذات البرود الخشن: إيه بنت عمي محمد وش دخلها فيني؟؟
أمه بذات الاستغراب ولكن تخلله بعض القلق: دخلها إنها بتصير مرتك؟؟
فارس بهدوء قاتل وكأن الأمر لا يعنيه: أنا ما أتذكر يمه أني قد قلت لك ولا حتى مرة وحده.. أني أبي العنود..
أمه بقلق: بس ماعمرك قلت أنك ما تبيها..
فارس بحدة: ليه هو حد سألني عن رأيي؟!! قاعدين تنقون لي مره، ماكني برجّال قدامكم!!
أمه توترت .. تكره ثورته هذه.. هو فعلا حنون عليها.. ولكنها تخاف هذه الثورة المرعبة
لا تنكر أنها تخافه.. ابنها ولكتها تخافه: بس يا أمك هي بنت عمك
قاطعها وهو يقف ويقول بثقة : وخير يا طير يا بنت عمي..
أمه تبلع ريقها: والمعنى؟؟
يلتف فارس للمرآة الطويلة المعلقة بالقرب منه ويلبس غترته: المعنى دوري لي المره اللي تجوز لش واخطبيها..
أمه بتوتر قاتل ووجهها يعكس عشرات الألوان: بس أنا أبي العنود..
فارس وهو يخرج : وأنا ما أبيها..
*************************
عودة لقصة سلطان
قبل 26 سنة
بعد حوالي سنة من زواج سلطان وحصة
جاء عبدالله لمقر عمل سلطان، لأنهم لم يكونوا يعرفون له عنوانا أو هاتفا.
كان لقاء الأخوين مؤثرا جدا.. فعلاقة قوية كانت تربطهما ببعضهما قبل أن يبتَّها مشعل الكبير بجبروته وعناده..
يد عبدالله تحتضن يد سلطان كأنه لا يريد أن يتركها أو ربما كان يعلم أن هذه قد تكون المرة الأخيرة التي يلمس فيها شيئا من جسد أخيه ويهمس له بهدوء: سلطان أمش معي.. أبي يبيك.
انتفض قلب سلطان بعنف.. وكاد أن يخرج من بين أضلاعه من اضطراب وجيبه.. وتعالي دقاته.. فرحا وتوجساً
أ يعقل أن يتنازل مشعل الكبير عن جبروته ويتراجع عن طرده له؟!
أ يعقل أن يرى أمه بعد أن أقسم عليه والده ألا يدخل بيته؟؟
يا الله كم هو مشتاق لها!!
يكاد يذوب شوقا ولهفة للانكباب على يديها.. وعلى دفن وجهه في ثنايا صدرها
عبدالله أخذ سلطان وذهب به مباشرة إلى مجلس مشعل الكبير
كان الوقت بعد صلاة الظهر..
دخل سلطان بخطوات مترددة.. رغم اشتياقه لأبيه وأمه وأشقائه وأولادهم.. شعر بطعنة مرة في قلبه.. شعر بانقباض لا يعلم له سببا..
دخل.. كان أبوه جالسا وأخوه محمد وأبناؤه مشعل وراكان.. مشعل كان في حدود الثانية عشرة وراكان أربع سنوات..
لم يفت سلطان ملاحظة إرتعاشة أطراف والده واختلاج عينيه حين دخل
كان والده يجلس بهيبته المعهودة.. لا يعلم لما شعر بالأسى العميق
وهو يرى كأن والده كبر كثيرا في السن..
وخصوصا أن لحيته كلها كانت بيضاء
كان أبوه حريصا على إتباع السنة ووضع الحناء على شيبه.. فما به هذه المرة؟!
شعر بألم شفاف يجتاح روحه.. وهو يشعر لأول مرة بضعف والده القوي
دخل سلطان.. كان بوده أن يرتمي في أحضان والده
ولكنه يعرف أن لغة المشاعر والانفعالات غير معترف بها في عرف والده
اقترب سلطان بتردد وهو يتلفت حوله.. وهو لا يعلم سبب هذا الانقباض المتزايد.. خطر بباله شيء نحره قلقا
قبل أن يسلم حتى، سأل بقلق: سعود وينه؟؟
صمتٌ قاتل وسكون مرعب اجتاح المجلس الواسع، قطعه سلطان بتوتر تخلله بعض الغضب: وين سعود؟؟
عبدالله بحزن: سعود يطلبك البيحة..
#أنفاس_قطر#